خلفية الأطماع "الاسرائيلية" في المياه اللبنانية

بيان نويهض الحوت

أستاذة في كلية الحقوق والعلوم السياسية ، الجامعة اللبنانية


مقدمة

ليست الأطماع "الاسرائيلية" في مياه الأقطار العربية المجاورة لها، عموما، وفي المياه اللبنانية ، خصوصا، مجرد أطماع تستند إلى احتياجات اقتصادية ومعيشية ، كما يمكن أية دولة معاصرة أن تستند في مطالبتها بحقوق مائية من دولــة أو دول مجاورة لها. فالأطماع "الاسرائيلية" هذه تتميز بجذور دينية تاريخية، كما ان آباء الصهيونية قد تنبهوا لموضوع المياه منذ المرحلة الأولى، أي منذ مرحلة الحلم اليهودي بالتجمع في ارض الميعاد، وهي المرحلة التي انطلقت تاريخيا في منتصف القرن التاسع عشر ثم تجسدت مشروعا سياسيا في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقده هرتسل في مدينة بال في سويسرا، سنة 1897.

منذ ذاك المؤتمر، وحتى يومنا هذا مر ما يقرب من مائة عام، لم تتراجع خلالها القيادات الصهيونية أو "الاسرائيلية" عن أطماعها المائية في أية مرحلة، ولو بحجم ضئيل، بل على العكس من ذلك، فتلك الأطماع ما برحت تتضاعف تحت مظلة الحقوق المشروعة لنمو "اسرائيل" وحاجات سكانها المتزايدة. وتشهد بذلك الدراسات والمشاريع المتعددة التي توالت من قبل الجهات "الاسرائيلية" ، أو الجهات الغربية المؤيدة لها، للاستيلاء على المياه المجاورة بالطرق المتعددة، وحين كانت "اسرائيل" تعجز عن تحقيق أهدافها سلما، كانت تصل إليها حربا.

أخذت مشكلة المياه، منذ انطلاقة مؤتمر مدريد، تحتل الأهمية القصوى بين مجمل القضايا المتعددة المطروحة على جدول أعمال المفاوضات المتعددة الأطراف، والمفاوضات الثنائية ، واما بعد "اتفاقية غزة-أريحا أولا"، مع الجانب الفلسطيني أولا، ومن بعدها "اتفاقية وادي عربة" مع الجانب الأردني ثانيا، فموضوع المياه بين لبنان "وإسرائيل"  قد بات هو "الموضوع". و ما عاد أمرا خافيا انه منذ حرب الخليج قد أعيد بناء استراتيجيات النزاع في الشرق الأوسط حول المياه، وحول كيفية الوصول إلى منابعها والاستئثار بها، ومما لا ريب فيه ان المستقبل المنظور في معظم دول المنطقة سوف يشهد نقصا حادا في الموارد المائية (1)

لا يسعى هذا البحث للإجابة عن أسئلة محددة بشأن مستقبل المياه اللبنانية، لكنه يسعى لإلقاء الضوء على النهج الصهيوني / "الإسرائيلي" في الوصول إلى الثروات العربية المائية عموما، والمياه اللبنانية خصوصا، وهو النهج الذي يسير على خطين متوازيين : خط ينبع من الجذور، وهو الخط العقائدي الذي تؤكده التصريحات "الاسرائيلية" في كل مرحلة وكل مناسبة، مع السعي الدؤوب لتحويله إلى قوانين ثابتة، وخط عملي تكشف عنه الدراسات والمشاريع "الاسرائيلية" المتواصلة بشأن المياه، ولما كان حجم الدراسة لا يسمح بالدخول في تفاصيل مختلف المشاريع النظرية والعملية التي قامت بها الحركة الصهيونية "وإسرائيل" ، فإننا نكتفي بالمشاريع الأولية.

نتوقف بداية إزاء الجذور الدينية-التاريخية للأطماع "الاسرائيلية" ، وكذلك إزاء الآراء والمواقف الصهيونية الأولى ، ثم إزاء النصوص القانونية الدولية بشأن مياه الأنهار المشتركة بين الدول المتجاورة. فالنصوص القانونية  ما بين البلدين المعنيين، أي لبنان "وإسرائيل" . وقد يقال أن النصوص القانونية لا أهمية لها إزاء دولة عدوانية تستند تاريخيا منذ إنشائها إلى "القوة" وحدها، هذا صحيح، ولكن المستقبل يكون اكثر رمادية، إن لم نقل اكثر سوادا، حين يمكن "لإسرائيل" ، تلك الدولة العدوانية، ذات الأحلاف الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، أن تشرح النصوص القانونية بما يتوافق ومصالحها.

 

أولا : الجذور الدينية-التاريخية

قد يبدو البحث في جذور دينية-تاريخية لنزاع إقليمي معاصر، أمرا مستهجنا، لكن الاستهجان يزول عندما تتضح طبيعة العلاقة بين موضوع الدين اليهودي وبين اليهود، فهي علاقة مختلفة عن العلاقة التي تربط بين المسيحيين أو المسلمين وبين الشعوب والأمم التي ينتمون إليها، إذ لا يوجد في تاريخ تكوين الشعوب مثل شبيه بتكوين اليهود، فلا يهود هناك لولا الديانة اليهودية، ولا لغة عبرية لولا التوراة، وفي تاريخ تطور الشعوب ينفرد اليهود بان تاريخهم يبتدئ مع ديانتهم، فضلا عن أن تطور تاريخهم قد اعتمد على الرابطة الدينية وعلى المؤسسات الدينية التي كانت تشكل العمود الفقري في ذلك التاريخ على مر العصور، وهكذا يتضح أن جذور الفرق والأحزاب الصهيونية، علمانية كانت أو دينية، هي الجذور الدينية المشتركة، وكلمة "صهيون" نفسها في إحدى الدلالات على عمق الجذر الديني في تكوين الصهيونية-الهرتسلية التي ادعت العلمانية عند انطلاقتها.

وأما الحكام "الإسرائيليون" اليوم ، فالدلائل على تمسكهم بحرفية التوراة خدمة لأهدافهم السياسية، اكثر من أن تحصى، ونختار من بينها ما قاله موشي دايان مخاطبا جمعا كبيرا في ملعب رياضي اثر حرب حزيران / يونيو 1967 :"ما دام عندكم كتاب التوراة، وما دمتم شعب التوراة، فيجب أن تكون لكم ارض التوراة ، قد لا يكون هذا برنامجا سياسيا، ولكنه اكثر أهمية، لأنه برنامج يحقق لشعبنا نبؤة الآباء. (2)

توراتيا، تقوم "اسرائيل" الكبرى من : نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" (3) ، وهي الحدود التي تعرف اختصارا بشعار "من النيل إلى الفرات"، وضمن هذه الحدود التي يمكن قراءتها من خلال ستة أسفار، وعلى الرغم من اختلاف الحدود الشمالية في هذه الأسفار، فالاجتهادات التوراتية كلها قامت على اعتبار لبنان، أرضا ومياها، جزءا من التصور التوراتي لأرض الميعاد، وللمثال نورد ما جاء في سفر يشوع "وارض الجبلين (جبيل) وكل لبنان نحو شروق الشمس من بعل جاد تحت جبل حرمون إلى مدخل حماة" (4)

في سنة ‍9‍7 نشرت دراسة الحاخام ابزاكس التي كان قد أعدها في مطلع القرن العشرين، وهي أول دراسة للأراضي والحدود المطلوبة للدولة اليهودية، وقد اعتمدت الدراسة والخريطة المرفقة بها على الأصل التوراتي، وبالتحديد على ما ورد في سفر العدد (5) . وعلى الرغم من كون هذا السفر يشير إلى اصغر مساحة ارض الميعاد، فالدراسة وفقا لاجتهادات ايزاكس وشروحاته للأسماء الجغرافية تشمل لبنان كله (6)، وغني عن التعقيب بان هذا مؤداه إلى أن الثروة المائية بأكملها وفقا لخريطة ايزاكس تصبح "ملكية يهودية" . وأما الخطورة في دراسة ايزاكس هذه، فهي في أنها لم تعد تقتصر على اعتبارها لسان حال الجناح الارثوذكسي المتدين في الفكر الصهيوني، بل في أنها أصبحت ، منذ سنة ‍9‍7، مرجعا وحجة للحركات الصهيونية المتعددة، حتى العلمانية منها، ذلك لان الدمج ما بين الشأن الديني والشأن التاريخي هو طريق الخلاص من متاهة التناقضات التي يقع فيها الفكر الصهيوني.

مما لا ريب فيه أن القادة الصهاينة قد استغلوا البعد الديني-التاريخي في تأثيرهم في بريطانيا الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى. وأما بالمقارنة مع ما يجري اليوم، فلا يوجد هناك لهذا البعد اثر بارز في الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يلغي أهمية التوقف عنده لسببين: أولهما الأثر المتواصل الذي يتركه على اليهود أنفسهم في "اسرائيل" ، حتى هذه الساعة، وهذا بالإضافة إلى المحاولات المتواصلة للتأثير في غير اليهود، وخصوصا بشكل غير مباشر. ويتضح ما نعنيه من خلال مثال واحد فقط،كثيرا ما يرويه الإعلاميون والسواح الذي يزورون "اسرائيل" ، فهؤلاء تطالعهم في فندق شيراتون في تل أبيب لوحة توراتية كبرى رسمت بوحي من مواضيع العهد القديم، أي من نحو ثلاثة آلاف عام، ويظهر في اللوحة جماعات من بني "اسرائيل" القدماء على ضفتي نهر الليطاني! ! .

 

ثانيا: الدعوات والمشاريع الصهيونية الأولى

 كان هرتسل 1860-1904 من أوائل الكتاب والزعماء الصهاينة الذي تنبهوا لأهمية المياه بالنسبة إلى "الدولة" التي كان يحلم بها حتى في رواياته، إذ كتب في روايته الأرض الجديدة - الأرض القديمة قائلا: "أن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة-القديمة هم مهندسو الماء" (7) ، وأما حين انطلق منذ سنة 1897 في لقاءاته الدبلوماسية المتواصلة مع السلطان عبد الحميد والقيصر ولهلم الألماني والعديد من الساسة الأوروبيين، فقد كان موضوع المياه شغله الشاغل، من مياه لبنان إلى مياه النيل. لن نخوض في تفاصيل مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى ، لكننا نتوقف إزاء المذكرة التي قدمها الوفد الصهيوني إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، وقد ظهر الجنوب اللبناني في الخريطة المرفقة مع المذكرة، كما وضعت الحدود الشمالية في نص المذكرة ، كما يلي : "تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل إلى جسر القرعون، فتتجه منها إلى البيرة، متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرعون ووادي التيم، ثم تسير في خط جنوبي متبعة الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ -حرمون- حتى جوار بيت جن، وتتجه منها شرقا متبعة مفارق المياه الشمالية لنهر مغنية حتى تقترب من الخط الحديدي الحجازي إلى الغرب منه". (8)

وأما حول المياه في لبنان ، فقد جاء: " إن جبل الشيخ -حرمون- هو أبو المياه الحقيقي لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها دون توجيه ضربة قاصمة إلى جذور حياتها الاقتصادية بالذات. وجبل الشيخ لا يحتاج فقط إلى إعادة تحريج وتشجير، بل وأيضا إلى أعمال أخرى قبل أن يصبح مؤهلا ليكون خزان مياه البلاد. لذلك يجب أن يخضع كليا لسيطرة أولئك الذي تحدوهم الرغبة الشديدة ويملكون القدرة الكافية لاستغلال إمكاناته حتى أقصى الحدود . كما يجب التوصل إلى اتفاق دولي تحمى بموجبه حقوق المياه للشعب القاطن جنوبي نهر الليطاني ( والمقصود اليهود في "اسرائيل" الكبرى حين إنشائها) حماية تامة، إذ أن منابع المياه هذه، فيما لو حظيت بالعناية اللازمة، تستطيع أن تخدم تنمية لبنان مثلما تخدم تنمية فلسطين". (9)

هناك اثران بارزان للمذكرة الصهيونية أعلاه، أحدهما اثر مباشر، وثانيهما غير مباشر. أما الأثر المباشر فيتمثل في الاستيعاب البريطاني التام لكل بنود المذكرة ونقاطها، بالاضافة إلى ما تجسد عن هذا الاستيعاب في بنود الاتفاقية الفرنسية-البريطانية بشأن الحدود، وأما الأثر غير المباشر فيتمثل في كون هذه المذكرة هي "المشروع - الأساس" الذي بنيت عليه لاحقا المشاريع الصهيونية "فالإسرائيلية" ، وخصوصا في موضوع الأطماع "الاسرائيلية" ، إن في أراضي الجوار ، أو في المصادر المائية.

وبإيجاز ، فالحركة الصهيونية- منذ البداية - قد ربطت موضوع المياه بموضوع إقامة الدولة، ولهذه الدولة في التصورات الصهيونية مرحلتان : الأولى مرحلة "اسرائيل" -الصغرى- أي "اسرائيل" على ارض فلسطين وحدها، وفي هذه المرحلة تشمل الأطماع المائية بشكل رئيسي نهري الأردن والليطاني، واما في المرحلة الثانية، أي مرحلة تحقيق الحلم "بإسرائيل" العظمى، فالأطماع المائية تصل حينئذ إلى نهري النيل والفرات . (10)

 

ثالثا: الأنهار الدولية في القوانين الدولية

أول صلة بين القوانين الدولية العامة وبين الأنهار المشتركة بين دول عدة، أي الأنهار الدولية، كانت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد عرفت بمبدأ هارمون Harmon Doctrine   ، وقد نص هذا المبدأ على سيادة الدولة سيادة مطلقة على القسم من النهر الذي يمر في أراضيها، غير أن التوجهات المعاصرة في القانون الدولي تؤكد أن بقية الدول المستفيدة من أي نهر دولي، أضحت تملك حقوقا لا يجوز انتهاكها أو تجاهلها بسبب سيادة دولة ما على جزء من النهر الدولي . (11)

توصل معهد القانون الدولي سنة 1961 إلى عدد من القواعد العامة بشأن الأنهار الدولية، ثم توصلت رابطة القانون الدولي أيضا إلى القواعد نفسها في مؤتمر هلسنكي سنة 1966. واليوم تطبق أحكام هلسنكي في حال غياب الاتفاقات السابقة بين الدول المعنية، وهي الأحكام التي تشتمل . على معيار عدالة التوزيع بين الدول المستفيدة من نهر دولي، ولا تعني هذه الحالة حصصا متساوية، بل حصصا عادلة تستند إلى مقاييس واعتبارات متعددة أهمها: طوبوغرافية حوض النهر وحجم المنطقة التي يمر بها النهر الدولي في أراضي الدولة المعنية، الظروف المناخية في حوض النهر عموما وفي بلد معين خصوصا، تاريخ استغلال مياه النهر، احتياجات كل دولة في حوض النهر (مائيا واقتصاديا واجتماعيا) ، حجم السكان، تكاليف الوسائل البديلة الممكنة، مدى توفر المصادر المائية الأخرى من المياه الجوفية أو مياه الأمطار أو الأنهار الأخرى (12) .

لم يطرأ تغيير أساس على أحكام هلسنكي منذ صدورها، وقد استمرت مبادئ هلسنكي الأساسية هي المعترف بها، وهي : مبدأ عدالة التوزيع، ومبدأ امتناع كل دولة مستفيدة من نهر دولي عن القيام بأي مشروع يؤدي إلى المساس بحقوق الغير، وبمبدأ الاحترام الكافي للحقوق المكتسبة للدول المستفيدة كافة استنادا إلى الاحتياجات الفعلية لكل منها إلى مياه النهر الدولي، ومبدأ سداد التعويضات المناسبة في حالة الأضرار بحقوق دول أخرى مستفيدة (13)

استنادا إلى أحكام هلسنكي المذكورة أعلاه، هل يصبح "فالإسرائيلية" حقوق من أي نوع كان في المياه اللبنانية؟

الجواب ، بإيجاز، يتلخص في أن نهر الليطاني الذي تدعي "اسرائيل" أن لها فيه حقوقا مشروعة ، وهو الذي يعتبر اكبر الأنهار وأهمها في لبنان، إن هذا النهر يقع في الأراضي اللبنانية كلية، أي منبعا ومجرى ومصبا، ولذلك فهو لا يمكننا اعتباره نهرا دوليا يخضع لأحكام هلسنكي وبالتالي، لا يجوز "لإسرائيل" ادعاء أي حق فيه.

والأمم التعريف القانوني لمفهوم الأنهار الدولية، فنورده أدناه نقلا عن أستاذ القانون الدولي اوكونيل، وذلك منعا لأي التباس: "النهر الدولي -وهذا التعريف يشمل أيضا المجاري المائية والجداول والبحيرات النهرية- هو النهر الذي يقع مع روافده وفروعه في منطقة تخضع لسلطة دولتين أهمية اكثر من الدول، أهمية هو النهر الذي يشكل حدودا بين دولتين أهمية اكثر". (14)

لا جدال إذا في أن الليطاني ليس نهرا دوليا. أما أحكام هلسنكي ، فتبرز أهميتها في كونها تؤكد عدم السماح للعدوان على حقوق الغير في الأنهار الدولية. ومن هنا، ومن باب أولى ، لا يجوز العدوان على حقوق الغير في الأنهار الداخلية ضمن أراضي الدولة الواحدة.

لكن تجدر الإشارة إلى أن مؤتمرات دولية متخصصة عدة أخذت في السنوات الأخيرة، وخصوصا منذ سنة 1992 ، تطرح نظريات جديدة في شرح الأحواض النهرية، ومنها نظرية الحوض المركب التي تشمل قطاعات حياتية عدة، ومنها للمثال، الشؤون البيئية والاقتصادية. ومما لا ريب فيه أن مثل هذه النظرية إن أقرت دوليا، فهي تشكل خطرا على الأنهر التي تعتبر انهرا داخلية ضمن حدود الدولة الواحدة، إذ أنها تعطي دولا مجاورة، حقوقا بالاستفادة من مياه هذه الأنهر، وعلى الرغم من ان نهر الليطاني بالذات قد ثبت ان ليس له أية علاقة جوفية مع الأنهار الأخرى ، فان بعض القوانين التي تطرح في المؤتمرات الدولية، لا بد لها من ان تمس مياه الليطاني في حال إقراراها.

لن يتعرض البحث لمناقشة قوانين لم تطرح بعد بصيغتها  النهائية ، فضلا عن دعم إقراره -دوليا- بعد.

 

رابعا: طبيعة التحالف البريطاني - الصهيوني

هناك وثيقة أساسية تعتبر المرجع القانوني للمياه اللبنانية، ولما كانت هذه الوثيقة هي الاتفاقية الثنائية التي عقدت في مستهل المرحلة الانتدابية بين بريطانيا وفرنسا بشأن الحدود، فان التوقف عند طبيعة التحالف البريطاني-الصهيوني في تلك المرحلة تمهيد لا غنى عنده، إذ انه لولا ذلك التحالف الذي تفوق على أي تحالف آخر، في عصره، لما جاءت تلك الاتفاقية مجحفة ذلك الإجحاف الكبير بحقوق لبنان الطبيعية والمشروعة في مياهه.

هناك اعتقاد عام بان الحركة الصهيونية قد تمكنت في الحرب الكبرى من جر بريطانيا إلى إصدار وعد بلفور، غير انه من خلال الحقائق التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر، تبرز صورة مضادة . فتلك الحقائق تثبت ان السياسة البريطانية كانت هي التي تتقدم على زعماء اليهود الأثرياء والى زعماء "حركة العودة" بمشاريع متعددة، هدفها الرئيسي إنشاء كيان ما لليهود في فلسطين تحت الحماية البريطانية. ومن ابرز تلك المشاريع مشروع ادوارد ميتفورد سنة 1845 ومشروع الكولونيل جورج غولير الذي نشر في السنة نفسها، وقد اعتقد غولير ان إنشاء دولة يهودية في فلسطين هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على هيمنة بريطانيا في الشرق، وقد كان كل من ميتفورد وغولير من كبار موظفي وزارة المستعمرات، كما عرف اثنان من رؤساء الوزارات الإنكليز في القرن التاسع عشر بنفخهما المتواصل في الروح الصهيونية قبل ان تولد الروح العنصرية، وهما بالمرستون ودزرائيلي   (15)

لم يكن لدى أثرياء اليهود في أوروبا في القرن التاسع عشر يومذاك أي استعداد لتقبل فكرة "دولة" في فلسطين، كي لا تتأثر مصالحهم في البلدان التي يقيمون فيها، فهم رفضوا كل المشاريع المذكورة في حينها، كما رفضوا أيضا دعوة هرتسل اللاحقة لها. واما ردود بريطانيا على المشاريع الصهيونية المتعددة التي كان يتقدم بها الزعيم الصهيوني هرتسل ، فما كان بالإمكان الا ان تكون ردودا تحمل طابع التريث والتسويف، وذلك لان العلاقات البريطانية- الأوروبية لم تكن لتسمح لبريطانيا بالتجاوب الكلي مع مشاريع هرتسل، لا في فلسطين ولا في قبرص ولا حتى في سيناء والعريش، وهذا ما دعاها إلى اقتراح منطقة شرق أفريقيا كحل موقت للمشكلة اليهودية. واما في ظروف حرب عالمية طاحنة كالحرب العالمية الأولى، فقد كانت الفرصة ذهبية لالتقاء المصالح بين الفريقين: البريطاني والصهيوني.

لدى قراءة الوثائق البريطانية الرسمية المتعلقة بمرحلة الحرب الكبرى وما بعدها، نجد مسألة المياه اللبنانية إحدى المسائل الرئيسية في مراسلات السياسيين الإنكليز واجتماعاتهم ، حتى يكاد المرء يشعر بحيرة إزاء السؤال التالي :أي الفريقين كان اكثر ولاء للصهيونية، الإنكليز الصهاينة أم اليهود الصهاينة؟ لكن الحيرة تزول إزاء الحقيقة البارزة من أكوام تلك الوثائق، وهي ان كلا الفريقين كانت لهما مصلحة مشتركة واحدة، وكان لهما تصور واحد، وهو ان فلسطين تحت الانتداب البريطاني، هي -مستقبلا- فلسطين الدولة اليهودية.

كتب اورمسبي غور إلى حكومته في لندن سنة 1918 قبل مغادرته فلسطين، حيث رافق اللجنة الصهيونية بطلب من وزارة الحربية التي كان من كبار موظفيها، مقترحا ان "ترسم الحدود الشمالية لفلسطين من منبع الليطاني، وشرقا حتى المستنقعات الواقعة مباشرة شمالي بحرية الحولة"16 وحتى توينبي، المؤرخ الكبير الذي كان يعمل موظفا في وزارة الخارجية يومذاك، فقد علق سنة 1918 شارحا: "انه لا يوجد أي سبب لا تمتد معه فلسطين في الشمال بعيدا حتى منبع الليطاني" (17)

واما أبعاد الموقف البريطاني المؤيد للصهيونية من دون أدنى تحفظ ، وهو الموقف الذي كان يتبلور ويبرز في المذكرات والاجتماعات السياسية في لندن، فللدلالة عليه ، نختار اقتباسا واحدا من مذكرة سرية كتبها بلفور (البريطاني -الصهيوني الأول) بتاريخ 11/8/1919 ، وقد تضمنت المذكرة فقرة بعنوان "فلسطين" ورد فيها بشأن المياه في لبنان ما يلي: "إذا كانت الصهيونية ستؤثر في المسألة اليهودية في العالم، فيجب ان تكون فلسطين مهيأة لاستقبال اكبر عدد ممكن من المهاجرين اليهود. لذلك ، فانه من المفضل بشكل بارز ان تتمكن من السيطرة على مصادر المياه التابعة لها بشكل طبيعي، اما من خلال توسيع حدودها إلى الشمال ، أو من خلال معاهدة مع الانتداب في سوريا، فالمياه المنحدرة من جبل الشيخ جنوبا، ليست ذات نفع بالنسبة إليه -أي إلى الانتداب الفرنسي- ، بأي حال من الأحوال" (18)

 

خامسا:  رسم الحدود بين "الانتدابين"

ابتدأ الاهتمام بين بريطانيا وفرنسا يتركز على رسم الحدود بين فلسطين ولبنان مع انتهاء الحرب الكبرى. وفي الاجتماع الذي عقده عدد من كبار الساسة البريطانيين برئاسة لويد جورج رئيس الوزراء في 10/9/1919 ، طرحت الخطة الفرنسية المائية التي كانت تسعى لري المناطق في "جنوبي سوريا" مستفيدة من مياه بحرية طبريا، واما بالمقابل، فكانت الخطة الصهيونية كما طرحت في هذا الاجتماع ، قائمة على وصل نهر الأردن بنهر الليطاني (19).

وللمزيد من الضغط على سير المفاوضات بشأن الحدود ، كتب وايزمان الزعيم الصهيوني رسالة إلى اللورد كيرزون - Lord Curzon- وزير الخارجية البريطاني في 30/10/1920، أوضح فيها ان الصهاينة لا يطالبون بفلسطين وحدها، لكنهم يريدون ان تمتد حدود وطنهم القومي حتى تشمل جنوبي لبنان، وقد أوضح بشأن المياه : "اعتقدت من رسالة سيادتك، على كل حال، إنني ربما لم اكن قد أوضحت بشكل كاف استحالة حماية حقوقنا بالانتفاع من مياه الأردن الأعلى واليرموك من خلال أي تدبير مسبق لا يأخذ بعين الاعتبار تضمين هذه المياه داخل الحدود الإقليمية لفلسطين. ولا يشمل هذا الانتفاع أعمالا هندسية شاملة. بل أيضا عملية تشجير على نطاق واسع. وانه لمن المستحيل ان تحظى أية خطة للتنمية بالأمن الطبيعي، أو ان تكون عملية من الناحية الاقتصادية، ان لم تكن المناطق حيث تجري الأعمال واقعة تحت السلطة القائمة في فلسطين (...) أنا واثق من ان سيادتكم تدركون الأهمية القصوى لليطاني بالنسبة إلى فلسطين. فحتى لو اعتبر نهر الأردن كله واليرموك ضمن فلسطين، فالمياه في كلا النهرين لا تكفي حاجاتها، ان الصيف في فلسطين جاف جدا، والتبخر سريع وكثيف ، ان ري الجليل الأعلى، والطاقة المطلوبة حتى لحياة اقتصادية محدودة، يجب ان يتوفرا من الليطاني، الخبراء متفقون على ان الليطاني له فائدة قليلة للبنان الذي يملك وفرة من المياه، (...) واما إذا فصلت فلسطين عن الليطاني والأردن الأعلى واليرموك، وهذا إذا لم نقل شيئا عن الشاطئ الشرقي للجليل، فليس بإمكانها ان تكون مستقلة اقتصاديا(...)" (20)

وجاء رد وزارة الخارجية البريطانية خاليا من التجاوب الكلي مع اقتراحات وايزمان، اذ كتب إليه تبللي، بلسان اللورد كيرزون في 8/11/1920 ، يقول : "ان اللورد كيرزون يقدر أهمية حججك بالنسبة إلى مستقبل فلسطين الاقتصادي، انطلاقا من الاستفادة من دون معوقات من ذلك البلد الذي يجري فيه الليطاني والأردن واليرموك. وكما تعلم، فقد كانت هناك مفاوضات طويلة مع الحكومة الفرنسية التي وافقت بالفعل بشكل مؤقت، على تعديل الحدود بين المناطق الفرنسية والبريطانية كما وضعت في اتفاقية 1916 ، بالتنازل لفلسطين عن منطقة صفد ومياه بحيرة الحولة ونهر الأردن بعيدا في الشمال على حدود خط يصل بين المطلة وبانياس، موقع دان التوراتي. وعلى كل حال، فالحكومة الفرنسية قد رفضت التنازل عن الحدود الشرقية لفلسطين (...) كما انهم -أي الفرنسيون- ليسوا على استعداد لكي تضمن أية اتفاقية نهائية مسألة استغلال فلسطين مياه اليرموك، والأردن الأعلى والليطاني" (21)

اشتمل الرد أيضا على رفض الفرنسيين ان يؤتى في الاتفاقية الرسمية على ذكر الخطط الهندسية "الصهيونية"، كما كان وايزمان يتمنى . ولكنه بعد صدور تلك الاتفاقية اتضح انها تضمنت ذكر استغلال "فلسطين" المياه، وذكر المشاريع الهندسية، لكن من دون ذكر "الصهيونية" فقيل عنهم "الخبراء".

إضافة إلى رسالة وايزمان واصل اليهود الضغط على السلطات البريطانية، فرفعوا إلى المندوب السامي مذكرة في الشهر نفسه، في تشرين الثاني / نوفمبر 1920 -أي قبل توقيع الاتفاقية بشهر واحد- يصرون فيها بالإجماع : "على ان تشمل الحدود الشمالية: القسم الأسفل من الليطاني، وكل منطقة وادي الأردن جميع روافده ومجارية. ويطلبون من المندوب السامي اتخاذ الخطوات اللازمة". (22)

وهكذا ، أدى التحالف الاستعماري البريطاني-الصهيوني إلى ان تخالف بريطانيا اتفاقية سايكس-بيكو، بوضوح، وهي الاتفاقية السرية التي وقعتها مع فرنسا وروسيا سنة 1916 -وقد وقعت بين الفرقاء الثلاثة على مراحل ما بين نيسان وأيار، بين العواصم الثلاث المعنية، وكان التوقيع الأخير في 16/5/1926- . فحين وقع الحلفاء هذه الاتفاقية سرا بغية اقتسام الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية في ما بينهم، لم تكن بريطانيا قد ارتبطت رسميا بوعد بلفور، ولذلك لم تكن لقضية المياه، تحديدا، في ذهن الساسة البريطانيين الأولوية للمصلحة الصهيونية مستقبلا، لكن هذا لم يمنع كريستوفر سايكس ، ابن مارك سايكس البريطاني الذي كان عراب الاتفاقية مع كليمنصو الفرنسي (23) ، من ان يذكر في كتابه الذي شرح فيه سيرة والده، كيف ان والده حين توقيع الاتفاقية كان قد اصبح على صلات مع الصهاينة، وعلى اقتناع تام بمآربهم، ولذلك فقد اعتبر الابن ان الاتفاقية كانت بشكل من الأشكال من منبع صهيوني، وبرهن على ذلك بتركيزها على منطقة محددة باسم فلسطين أولا، ثم على أهمية حماية هذه المنطقة من الوعد البريطاني للشريف حسين باستقلال العرب في الولايات العثمانية التي تتكلم باللغة العربية، ثانيا (24) .

بغض النظر عن شرح الابن موقف أبيه، فمما لا شك فيه ان اتفاقية سايكس-بيكو لم تأخذ في اعتبارها أهمية مسألة المياه لمن سوف يستغلون ذلك الجزء الجنوبي من جنوبي لبنان.

لم يرد في اتفاقية سايكس-بيكو بشأن الحدود الجنوبية للبنان والشمالية لفلسطين، ولا بشأن الحدود الأخرى، نص مكتوب، لكن الحدود تعرف من الخريطة المرفقة مع الاتفاقية، وهي على الشكل التالي: "تبدأ من نقطة الزيب جنوب رأس الناقورة على ساحل البحر المتوسط بين عكا وصور، وتتجه صوب الجنوب الشرقي لتصل على مقربة من منابع النهر لتترك نهر الأردن ومنابعه الشمالية وكذلك بحيرة الحولة ضمن داخلية المنطقة الزرقاء (أ) أي لنفوذ فرنسا. ويسير الحد بعد ذلك على طول الساحل الغربي لبحيرة طبرية عند الطابغة ثم على طول الضفة اليمنى (الغربية) لنهر الأردن تاركا بحيرة طبرية ونهر الأردن كله ضمن داخلية المنطقة الحمراء (ب) أي لنفوذ إنجلترا حتى الساحل الشمالي الغربي (...). (25)

 

سادسا : الوضع القانوني للأنهار في لبنان

تعتبر الاتفاقية بين الحكومتين الانتدابيتين الفرنسية والإنكليزية بشأن الحدود هي المرجع القانوني الرئيسي بشأن الأنهار اللبنانية -باستثناء الليطاني-. ولم تكن المفاوضات بين لندن وباريس سهلة من اجل التوصل إلى اتفاقية بشأن المسائل المشتركة بينهما، وعلى رأسها ، مسألة الحدود . فمنذ راح الانتداب البريطاني يفاوض الانتداب الفرنسي بشأن المنطقة الحدودية (الفلسطينية-اللبنانية) على المزيد من الأراضي التي كانت فرنسا تعتبرها جزءا من "أراضيها" المنتدبة عليها، راحت فرنسا من ناحيتها تعمل على الاحتفاظ بأكبر مساحة من الأرض، كما كانت على وعي تام بالأطماع الصهيونية في المياه. لكن تقاسم الغنائم بينها وبين بريطانيا على "التركة العثمانية"، كان يفرض عليها التفريط بالكثير من المياه اللبنانية مقابل حصولها على مكاسب أخرى، الا انها كانت دوما تستثني نهر الليطاني وحوضه، وتصر على بقائه ضمن السيادة الكاملة لها، وهي منذ مؤتمر الصلح سنة 1919 وقفت ضد الأطماع الصهيونية في الليطاني، وعادت في المفاوضات تصر على ان يقع كليا تحت انتدابها.

لما توصل الفريقان الفرنسي والبريطاني إلى حل وسطي، اعتبرت الناقورة نقطة الحدود الفاصلة ، ووقعت اتفاقية الحدود بين الدولتين الانتدابيتين في 23/12/1920 ، ثم تألفت لجنة مختلطة من الجانبين لرسم الحدود بدقة. لما انتهت من أعمالها وخرائطها في السنة التالية -1921- ، اعتبرت الحدود التي تم الاتفاق عليها هي الحدود الفاصلة بين البلدين، وهي الحدود التي ما زالت تعتبر دوليا حتى اليوم (26) .

إلى جانب البحث في مسألة الحدود، تم البحث في مسألة المياه المشتركة ، فجاء في الاتفاقية التي تعرف اختصارا بـ "اتفاقية الحدود " ، ورسميا بـ"الاتفاقية الفرنسية-البريطانية في 23 كانون الأول/ديسمبر 1920، بشأن نقاط محددة تتعلق بالانتدابات على سوريا ولبنان، فلسطين العراق"، جاء في المادة الثامنة منها ما يلي: "تعين الإدارات في كل من سوريا وفلسطين، خلال ستة اشهر بعد توقيع هذه الاتفاقية، خبراء للعمل معا على دراسة استغلال مياه الأردن الأعلى واليرموك وروافدهما لأغراض الري وتوفير الطاقة الكهرمائية، وذلك بعد سد حاجات المناطق الواقعة تحت الانتداب الفرنسي. وفي ما يتعلق بهذه الدراسة، فسوف تعطي الحكومة الفرنسية ممثليها اكثر التعليمات حرية، من اجل استخدام فائض هذه المياه لمصلحة فلسطين. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق ما بناء على هذه الدراسة، فسوف تحال هذه المسائل إلى الحكومتين الفرنسية والبريطانية لاتخاذ القرار. ووفقا للأبعاد التي تخدم فيها الأعمال المتوقعة مصلحة فلسطين، فان الإدارة في فلسطين سوف تتحمل نفقات إنشاء كل الاقنية، والسدود والخزانات والأنفاق وخطوط الأنابيب والصهاريج، أو أي أعمال أخرى مشابهة، أو تدابير تتخذ من اجل إعادة تشجير الغابات والإشراف عليها" (27) .

بالمقارنة مع المطالب الرئيسية التي رفعها وايزمان -كما ذكرناها أعلاه- إلى وزارة الخارجية البريطانية، والتي تحفظت الوزارة عن تلبية بعضها بحجة الموقف الفرنسي، فان المادة الثامنة  من اتفاقية الحدود سنة 1920 تثبت ان الحركة الصهيونية نالت ما تتمناه باستثناء الليطاني، فمسألة استغلال المياه قد اتفق عليها، ومسألة الغابات قد اتفق عليها، ومسألة الخبراء قد اتفق عليها أيضا لكن من دون ذكر هويتهم، أي من دون ذكر "الخبراء الصهيونيين"، أو "المشاريع الهندسية الصهيونية". اما واقع الأمر، فما كان هناك ما يحول دون ان تتألف لجنة الخبراء المعينة من قبل الإدارة في فلسطين من أعضاء صهاينة اما بالأسماء أو بالتوجهات ، أو بالتعليمات المعطاة لهم، فالنتائج واحدة.

هكذا ، تم التوافق إذا، على تعاون "الانتدابين" على القيام بإنتاج الطاقة الكهرمائية من مياه الأردن الأعلى، أي من الحاصباني واليرموك وروافدهما، وهذه كلها تقع في منطقة الانتداب الفرنسي، مقابل ان تستفيد فلسطين من المياه الفائضة.

ويظهر جليا تبادل المنافع المائية، فسوريا تستفيد من مياه اليرموك، ولبنان من مياه الحاصباني ، اما الفائض فلا يذهب إلى منخفض بحيرة الحولة فحسب، لكنه اصبح هناك، بحكم الاتفاقية، حق مشروع لحكومة فلسطين في ان تستغل كل ما يمكن ان يسمى بالمياه الفائضة.

إضافة إلى ذلك، فالخط الفاصل بين الحدود اللبنانية-الفلسطينية قد تغير بشكل بارز عما كان عليه في اتفاقية سايكس-بيكو ، فعوضا من الحد الذي كان يتوجه من رأس الناقورة في لبنان، فيجري في اتجاه مستقيم تقريبا نحو الشرق، اصبح يتوجه فجأة بزاوية حادة نحو الشمال دائرا بين سوريا شرقا ولبنان غربا لمسافة تتراوح بين 20 و 25 كيلومترا، وبمساحة نحو 325 كيلومترا مربعا، ثم يزداد توغل الحد شمالا صوب سهل المرج المروي، وصوب الشمال الشرقي وراء نهر بانياس (28) .

الهم الأكبر إذا، كان توفير الضمانة لوصول بريطانيا إلى أماكن تؤهلها -أو تؤهل "اسرائيل" من بعدها- للحصول على مياه السفوح الجنوبية لجبل الشيخ، ومياه السفوح الغربية لمرتفعات الجولان، ومياه اليرموك والأردن. وبات واضحا بمرور الزمن ان مسعى فرنسا لرسم الحدود في اتفاقية واحدة، لم يتكلل بالنجاح ، اذ كانت بريطانيا تقوم بتعديل حدودها هنا أو هناك، بين الحين والحين، وفقا لسياسة القضم، ومن دون الدخول في التفاصيل ، نذكر مثالا واحدا بشأن البحيرات، فاتفاقية 1920 أدخلت بحرية الحولة كاملة مع بريطانيا، واما بحيرة طبريا، فهي لم تأخذ اكثر من نصفها ، اذ اعتبرت اتفاقية 1920 سير الحد في وسط البحيرة هو الحد الفاصل ، وفقا للقوانين الدولية المتعارف عليها حين تقع بحيرة ما على الحد الفاصل بين دولتين، ثم عادت بريطانيا في تعديل جزئي لاحق، تقنع فرنسا أو ترغمها على تعديل الحد على البحيرة، حتى أصبحت البحيرة خاضعة كليا للانتداب البريطاني، وهذا ما سمح "لإسرائيل" في ما بعد برفع منسوب المياه للري وتوليد الطاقة الكهرمائية (29) .

وفي 3 شباط / فبراير 1911 وقعت اتفاقية أخرى بين البلدين الانتدابيين تناولت الحدود الشمالية والشمالية الشرقية، وامتازت هذه الاتفاقية بتفاصيل دقيقة جدا للحدود،وقد أعطت امتيازات مائية جديدة لبريطانيا، وخصوصا على حساب سوريا والأردن، ان من جهة نهر بانياس، أو من جهة نهر الأردن في المسافة التي يسير فيها متوجها ليصب في بحيرة طبريا، فهذا الخط من النهر اصبح يعتبر ضمن الحدود الفلسطينية.

والاهم من ذلك انه اصبح لحكومة فلسطين أو للهيئات التي تنيبها عنها الحق بإنشاء السدود لرفع مستوى الماء في بحيرتي الحولة وطبريا فوق المستوى العادي.

لكن ، ماذا عن العدالة؟ لقد تضمن نص الاتفاقية صون الحقوق المكتسبة للسكان في سوريا ولبنان من جهة الحق في استخدام مياه الأردن، كذلك تضمن النص شرط التعويض على أصحاب الأراضي بالقرب من البحيرات والمستفيدين منها.

وماذا عن المساواة؟ لقد ضمنت الاتفاقية في نهايتها " "انه سيكون لسكان سوريا ولبنان نفس الحقوق في الملاحة والصيد في بحيرة طبرية والحولة، وكذلك في نهر الأردن بين البحيرتين تماما كما للفلسطينيين. وانما ستكون حكومة فلسطين مسؤولة عن بوليس البحيرتين" (30)

كانت آخر الاتفاقيات الرسمية معاهدة حسن الجوار بين حكومتي الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني، سنة 1916 ، وقد نصت على ان تبقى كل الحقوق التي كرستها النصوص والعادات المحلية سارية المفعول (31)

وبعد إحدى عشر سنة من توقيع اتفاقية الحدود اللبنانية-الفلسطينية، أقرت عصبة الأمم هذه الاتفاقية، سنة 1934 ، وهكذا تكرست الاتفاقية دوليا، مما أدى بالجانب الصهيوني إلى ان يتوجه بالتفكير إلى مكاسب حدودية جديدة، أو تعديلات جديدة على حدوده الأخرى ، شرقا وجنوبا، اما منذ قيام "اسرائيل" ، فالوسيلة الأولى لديها لتوسيع حدودها كانت الحروب أولا وثانيا، لا الاتفاقيات.

واما التكريس الثاني لاتفاقية الحدود وتعديلاتها، فكان عبر اتفاقية الهدنة بين لبنان "وإسرائيل" في 13/3/1949.  وكان ابرز ما في هذه الاتفاقية بالنسبة إلى الحدود، التطابق بين الخط الفاصل للهدنة وخط الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، اذ ورد في الفقرة الأولى من المادة الخامسة:"يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين" (31)

 

سابعا: مجابهة الأطماع "الاسرائيلية" بالوعي والتخطيط

أضحى موضوع الأطماع "الاسرائيلية" في المياه اللبنانية في السنوات الأخيرة، وخصوصا منذ البدء بمفاوضات السلام، من ابرز المواضيع السياسية المطروحة بإلحاح وتواصل، في مختلف وسائل الإعلام، كما انه قد عقدت ندوات علمية متعددة، ان في بيروت خصوصا، أو في العديد من المدن العربية والأجنبية الأخرى، عموما، للبحث في مسألة المياه، وكيفية استثمار هذه الثروة المائية الحيوية. لكننا لو عالجنا موضوع الوعي هذا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وتساءلنا عن تاريخ هذا الوعي، فماذا تكون الإجابة؟

ليس هناك مجال للإجابة التقريرية أو السردية، لكن يجدر ذكر ابرز الذين وقفوا بوجه الأطماع الصهيونية-"الاسرائيلية" قولا وفعلا وكتابة، حتى باتت مسألة المياه، وكأنها قضيتهم الكبرى (33) . ومن ابرز هؤلاء إبراهيم عبد العال صاحب العبارة الشهيرة: "لبنان هبة الليطاني"، وهي على غرار القول المأثور لهرودوتس المؤرخ اليوناني:" مصر هبة النيل" ، ومن ابرز هؤلاء أيضا موريس الجميل الذي لم يتكلم أحد، بالمنطق والبلاغة والعقيدة، كما تكلم عما اسماه "مؤامرة الصهيونية على ارض لبنان ومياه لبنان" ، واما السباق في التركيز على أهمية الليطاني وموقعه ومستقبله، فكان حسن كامل الصباح، ويعود ذلك زمنيا إلى بدء الانتداب الفرنسي للبنان، كما تعود أسبابه المباشرة إلى كون الصباح، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، وذلك الشاب العبقري الطموح، يومذاك، كان يبحث عن ثري يدفع له تكاليف السفر إلى الخارج للتخصص العلمي، فارتأى بعقل علمي اقتصادي ثاقب ان يعرض على ذاك "الثري المجهول" مقابل تكاليف تخصصه، القيام بمشروع مستقبلي للاستفادة من الليطاني لخير الجميع، فكتب إلى خاله الشيخ احمد رضا في النبطية رسالة في 16/10/1911 يقول فيها: "انه ليس بين المهندسين الموجودين في سورية من له اعتبار في عالم الهندسة في الغرب، وان توزيع قسم من مياه الليطاني على القرى حتى الساحل، واستخراج قوة كهربائية من القسم الآخر مسألة ممكنة تعود بالأرباح الطائلة ، وامثالها كثيرا من التعهدات الهندسية(...) (34)

عندما كان موريس الجميل وزيرا للتجهيز والإنماء ، عقد في بيروت بتاريخ 19/11/1960 مؤتمرا صحفيا شهيرا، قدم خلاله تصوره الكامل للأطماع الصهيونية، ومن الذي أشار إلى فضلهم ووعيهم في مرحلة المفاوضات والمساومات على رسم الحدود بين لبنان وفلسطين، كان البير نقاش مدير الأشغال، والمرافق الفني للجنة العسكرية الفرنسية - البريطانية المشتركة، فهو الذي كان يعمل بشكل متواصل على إعداد الخرائط، مدفوعا بوعيه التام بأطماع الصهيونية في المياه ، ومستغلا جهل اللجنة بالخرائط بين أيديهم على الطبيعة، حتى ان بعضهم كان يخلط بين نهر الدامور ونهر القاسمية (35)

ولكن الحق أيضا، ان كبار الفرنسيين أمثال الجنرال غورو Gouraul والجنرال ويغان Weygand ومسيو دي جوفنيل   Jouvenel ، قد وقفوا بصلابة ضد المخططات الصهيونية التوسعية، وذلك انطلاقا من مصالحهم الانتدابية نفسها، حتى ان دي جوفنيل قال مرة: "انه يمكن ان يسمح بإقامة مستوطنات يهودية قرب الفرات، وبالتأكيد ، في أي مكان في سوريا، باستثناء الجوار المحيط بالحدود الفلسطينية" (36) ، وعلى الرغم من المصلحة الانتدابية التي أملت على الفرنسيين الوقوف بوجه الجشع الصهيوني-البريطاني في مطلع العشرينيات، فالمثل الذي قدمه موريس الجميل، يثبت انه قد وجد في تلك المرحلة بين اللبنانيين من وقف بوجه تلك الأطماع الصهيونية بوعي، وجرأة ، وذكاء.

ابتدأت المؤامرة عمليا -كما رآها موريس الجميل- بعد ان يئست الصهيونية من أي تغيير في الحدود لصالحها، فراحت تخطط لسرقة المياه من داخل الحدود، وقامت شركات متعددة بتقديم العروض إلى السلطات الفرنسية-اللبنانية، ومنها للمثال، إقامة معامل كهرمائية، على مياه الجنوب، تقوم بتقديم الكهرباء دون مقابل تقريبا، لقاء ترك المياه تذهب إلى فلسطين بعد توليد الكهرباء . وعلى الرغم من محاولات الإقناع التي قامت بها الصهيونية بحجة ان الكهرباء هي "العنصر الغني"، وان المياه هي "العنصر الفقير"، وخصوصا ان تلك المياه تذهب هدرا إلى البحر، غير ان العروض الصهيونية تلك كلها قد قوبلت بالرفض، وفي هذا دلالة وعي (37)

لقد استوعبت الحكومة الاستقلالية الأولى أبعاد الأطماع الصهيونية، وارتأت ان يكون الرد الأفضل بإنشاء المشاريع. وكان التخطيط لاستثمار الليطاني قد بدأ في الحرب العالمية الثانية، وفي سنة 1943 صدر تقرير "مسح وادي البقاع"، وقد خلص التقرير إلى إمكان الاستفادة من مياه الليطاني في الري وفي إنتاج الكهرباء. ولدى انتهاء الحرب بعد سنتين، أقرت الحكومة اللبنانية خطة مائية سداسية تشمل مناطق الليطاني والعاصي والجرمق والقاسمية وعكار. اما مركز الثقل في هذا الخطة فكان الليطاني الذي لم يظهر البرنامج التفصيلي بشأن استثماره قبل سنة 1954 (38)

أدركت الطليعة الواعية حقيقة الأطماع الصهيونية منذ البداية، كما أدركت ان حجة الصهيونية الأولى قائمة على ان المياه اللبنانية ، وخصوصا الليطاني، تذهب هدرا. ومن هنا كانت الخطوات الأولى التي اتخذتها تلك الطليعة -وقبل إنشاء "اسرائيل"- قائمة على دحض تلك المقولة، بالعمل لا بالكلام، وهكذا تقدم باسمها البير نقاش سنة 1946 بطلب إلى السلطات اللبنانية يسمح لها باستثمار جميع المياه بشكل لا يؤدي إلى أي هدر كان، وقد ترافق ذلك مع طلب امتياز على المياه، الهدف منه إنشاء حقوق خاصة على ملكية المياه، بحيث لا تتمكن الدولة من إجراء أي اتفاق خارجي على اقتسام المياه (39) .

ولما أنشئت "اسرائيل" سنة 1948 ، لم يضع مدركو حجم الخطر المحدق بالمياه وقتا ، وقام الخبير إبراهيم عبد العال، وهو رئيس اللجنة الفنية المنبثقة من اللجنة المكلفة بدراسة التصميم الشامل للمياه اللبنانية، وصاحب الرأي السديد الذي اختصره بقوله: "لا ينقذ لبنان الا التصميم الشامل للمياه اللبنانية" ، قام بتقديم مشروعه سنة 1951 ، وهو المشروع المعروف بـ"تقرير عبد العال" . اما خلاصة المشروع ، ففي اعتباره ان المياه اللبنانية وحدة لا تتجزأ، وبناء عليها ينتفع من الإمكانات الطبيعية المتوافرة في كل المناطق انتفاعا شاملا متكاملا قائما على التخزين الأفضل للمياه، على أعلى ارتفاع ممكن ولما أثبتت الدراسة الجيولوجية التي قامت بها اللجنة الفنية الميزات الخاصة لجنوبي لبنان من حيث الارتفاع المناسب والتدرج في الارتفاع، الأمر الذي يسمح بتخزين المياه بالشكل الأفضل، فقد تضمن المشروع ان تخزن في منطقة الجنوب في فصل الشتاء مياه الليطاني والحاصباني والباروك والصفا.

من الناحية العلمية التقنية المحضة، يعتبر "تقرير عبد العال" بما تضمنه من إحصاءات واستنتاجات، الرد على المشاريع الصهيونية السابقة "والإسرائيلية" اللاحقة، وكادت الحكومة تعلن موافقتها على هذا المشروع الشامل لولا الأحداث السياسية الداخلية التي جرت سنة 1952 ، وما تبعها من انقلاب ابيض، وقد أدى ذلك كله إلى تجميد المشروع (40)

وافقت الحكومة اللبنانية سنة 1954 على مشروع متكامل لاستثمار الليطاني، والواقع ان هذا المشروع قام على التوصيات التي تقدم بها مكتب إعادة التأهيل الأمريكي Reclamation في السنة نفسها. واستنادا إلى غزارة الأمطار في لبنان، كانت ابرز توصيات المشروع أولوية استخدام مياه الليطاني في توليد الكهرباء، على استخدامها في الري، ولذلك تجدر إقامة سد بالقرب من القرعون، بالإضافة إلى منظومتين كهر مائيتين تتطلب إحداهما تحويلا جوهريا لمياه الليطاني إلى نهر الأولى (41)

وهكذا، أنشأت الحكومة منذ سنة 1954 مصلحة خاصة عرفت بـ"مصلحة الليطاني" بهدف تنفيذ المشروع المقترح أعلاه، بعد ان أجرت تعديلات طفيفة. وفعلا، ابتدأ تشغيل سد القرعون سنة 1966 ، وقد بلغت سعته التخزينية 110 مليون متر مكعب، وكذلك منظومة الطاقة في الأولى ، اما مشاريع الري وإنشاء منظومات لتوليد الطاقة على الأجزاء السفلية من النهر، فما كان ممكنا تنفيذ شيء منها، بسبب الأحداث السياسية العامة في المنطقة.

ولما اكتمل العمل على سد القرعون سنة 1968 ، وهو السد الذي لا يأخذ مياهه من الليطاني فحسب ، بل أيضا من انهر أخرى، كالبردوني وشمسين، أقيم بالقرب منه معمل للكهرباء. واما مشاريع الري، فلم ينفذ شيء منها بعد ، ويفترض في حال تطبيقها ان يستفيد الجنوب من نحو 600 مليون متر مكعب للري، على اقل تعديل.

اما المنادون بضرورة تطبيق مشروع عبد العال كاملا، فقد اعتبروا ان الاقتصار على مصلحة الليطاني وحدها، وعدم تطبيق خطة شاملة متكاملة  للاستفادة من كل المياه، أمر يساهم في إبقاء الذريعة "الاسرائيلية"، بحقها في المشاركة باستخدام هذه المياه أيضا. لكن مما لا شك فيه ان الأحداث السياسية العامة في المنطقة كان لها اثر كبير في عدم استكمال المشاريع المائية في لبنان، وبديهي أننا نعني حرب النكسة وما آلت إليه هذه الحرب من تدمير للخطة العربية في تحويل روافد الأردن، ومن السيطرة "الاسرائيلية" على الضفة العليا من حوض الأردن.

 

ثامنا: خلاصة الأطماع "الاسرائيلية"

لم تكن الأطماع الصهيونية -"الاسرائيلية" في المياه العربية عموما، والمياه اللبنانية خصوصا، خفية في أي يوم من الأيام، فقد واصل الزعماء الصهاينة، من هرتسل إلى وايزمان إلى رابين، التعبير عن تلك الأطماع بكل وضوح، في مذكراتهم وتصريحاتهم.

اما الأصول الدينية والجذور التاريخية لتلك الأطماع فقد ازدادت رسوخا واقعيا بمرور الزمن، استنادا إلى حاجات "اسرائيل" الاقتصادية، من جهة، والى قوتها العسكرية المتفوقة، من جهة أخرى.

ومن خلال البحث أعلاه، يمكننا استنتاج ما يلي:

1- التركيز الصهيوني منذ مؤتمر السلم سنة 1919 على المياه الفائضة في الجوار،  وعلى حق الصهيونية وحدها في استغلالها حقا مشروعا. اما بعد قيام "اسرائيل" ، فما من شيء  تغير بالنسبة إلى هذا المبدأ الصهيوني، باستثناء ان كلمة الصهيونية استبدلت بـ"إسرائيل" .

2- التركيز على أهمية الحياة الاقتصادية "لإسرائيل" ، وكأن "اسرائيل" وحدها من دون دول المنطقة وشعوبها يحق لها الانتفاع والتمتع بالمياه، وكأن هؤلاء الصهاينة-"الإسرائيليين" هم وحدهم "الذين تحدوهم الرغبة الشديدة"، وهم وحدهم "يملكون القدرة الكافية...".!

3- سنة 1967، بنكستها ونتائجها، كانت ذات اثر مباشر وبالغ في قضية المياه، اذ كانت سنة مفصلية حاسمة ، انتقلت بعدها "اسرائيل" من دولة تهدد بتحويل مجرى نهر الأردن، إلى دولة تحتل المنابع، وتستغل المياه.

4- نهر الليطاني من المنظور الصهيوني-"الإسرائيلي" ، وعبر كل المشاريع "الاسرائيلية"-الغربية المائية، يعتبر ضمن منظومة نهر الأردن، وذلك على الرغم من كونه نهرا لبنانيا داخليا ، وفقا للقوانين الدولية المتعارف عليها. اما المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي أخذت تعقد مؤخرا لتعديل النظريات والقوانين، فمن الملاحظ انها تتزامن مع مرحلة "السلام" ومع "مفاوضات السلام"، أي ان التوجيه "الإسرائيلي" لها من وراء الستار أمر لا يمكن استبعاده.

5- السعي الحثيث للتوصل إلى اتفاقيات سياسية-اقتصادية مع الدول العربية المجاورة، تضمن "لإسرائيل" كل ما تعتقده هي من حقوقها المشروعة ! وهي تلك الحقوق نفسها التي كانت في عهد الانتداب البريطاني يعبر عنها نصا بـ"حقوق المياه للشعب القاطن جنوبي نهر الليطاني".

6_ التركيز الخاص على لبنان، بسبب اعتقاد العديد من "الإسرائيليين" بإمكان استثناء لبنان "ذلك الجار الطيب والمتميز حضاريا عن سواه" لتفهم الحاجات "الاسرائيلية" "الحضارية" للمياه، بحيث يمكن التعاون معه في اتفاقية أو معاهدة خاصة، تضمن للبلدين حسن الاستفادة من المياه، وخصوصا مياه الليطاني. ونستعيد هنا ما أشار إليه اليشع كالي من الاعتقاد "الإسرائيلي" بـ "الإرادة الطيبة" بين "اسرائيل" ولبنان (41) !

 

تاسعا: خلاصة الوضع القانوني

لما كانت قضية المياه، من ابرز القضايا المطروحة على المفاوضات المتعددة الأطراف، منذ مؤتمر مدريد، وكذلك على المفوضات الثنائية بهدف توقيع معاهدات سلام بين كل من"اسرائيل" وكل دولة عربية مجاورة على حدة، منذ اتفاقية اوسلو، ولما كان لبنان بالذات معنيا بمسيرة المفاوضات منذ البداية، بحكم العديد من المخاطر التي تحيط به، وخصوصا الخطر الداهم على مياهه، فالخلاصة الرئيسية التي يمكننا استنتاجها من دراسة الجذور والنصوص أعلاه، ليست فقط في المخاطر السياسية والاقتصادية عبر سلسلة التصريحات والمشاريع والتعديات "الاسرائيلية" فحسب، بل في المخاطر القانونية التي يمكننا إيضاحها عبر السؤال التالي:

هل هناك ثغرات قانونية محددة يمكن للجانب "الإسرائيلي" الاستفادة منها؟

اتضح معنا أعلاه ان نهر الليطاني لا يخضع لاحكام هلسنكي، فهل يخضع لاتفاقيات ثنائية أو اكثر مع دول أخرى؟

منذ سنة 1910 (وهي السنة التي رسمت فيها الحدود اللبنانية-الفلسطينية) وحتى يومنا هذا، لا توجد اتفاقية خاصة، ولا يوجد بند ما في معاهدة أو اتفاقية ما، يبيح لدولة غير لبنان أي حق في استعمال مياه الليطاني. لكن الوضع القانوني هذا لا ينطبق على الأنهار الأخرى وعلى المياه اللبنانية عموما - والتي يعتبر الليطاني من ضمنها بطبيعة الحال-، والمادة الثامنة من اتفاقية الحدود مكرسة للمياه ولـ "فائض المياه" . ولذلك ، فما تسعى له "اسرائيل" في المفاوضات المتعددة الأطراف في هذا الجانب، هو استغلال المادة الثامنة من الاتفاقية بشروحات تؤمن لها اليد العليا في استغلال المياه، بما فيها مياه الليطاني، وبالتالي، التوصل إلى اتفاقية رسمية جديدة مع لبنان تتيح لها تشريع أطماعها المائية. وقد ثبت ان الجانب "الإسرائيلي" يعي جيدا أهمية المادة الثامنة (43) .

وبناء عليه، يمكن إيضاح السؤال على الشكل التالي:

هل من ثغرات في اتفاقية الحدود (اللبنانية-الفلسطينية) سنة 1910، والتعديل اللاحق لها سنة 1911، مكن للجانب "الإسرائيلي" الاستفادة منها؟ وان يكن الأمر كذلك، فما الواجب القيام به؟

ان الاتفاقية التي عرفت باتفاقية الحدود سنة 1910 وقعتها الدولة المنتدبة، لكن ذلك لا يعفي لبنان بعد استقلاله سنة 1943 من الاتفاقيات السابقة، الا في حال نقضها أو التراجع عها، وهذا لم يحصل. بل على العكس من ذلك، فقد تأكدت اتفاقية الحدود تلك عبر اتفاقية الهدنة، فاتفاقية الهدنة التي وقعتها الحكومة اللبنانية مع الحكومة "الاسرائيلية" سنة 1949 ، قامت على أساس الحدود الدولية بين البلدين، أي على أساس اتفاقية 1910، وفي هذا المجال، تكمن المخاطر في ان تشبث "اسرائيل" بالمادة الثامنة من اتفاقية 1910 التي تنص على "استخدام فائض هذه المياه لمصلحة فلسطين"، كما تتشبث أيضا بالحقوق المعطاة للإدارة في فلسطين بـ"إنشاء كل الاقنية والسدود والخزانات والأنفاق وخطوط الأنابيب والصهاريج(...)

وهناك الثغرة الأهم، وهي محاولة "اسرائيل" اعتبار ما ينطبق على الأنهار الأخرى منطبقا على الليطاني، فـ "المياه الفائضة:" بعرفها تشمل الكل، لا الأجزاء، وتتضاعف الخطورة في حال تعديل القوانين الدولية بشأن النهار الداخلية وحقوق الدول المجاورة.

هناك طريقان متكاملان لمجابهة هذه المخاطر أعلاه، أولهما قانوني،وثانيهما عملي.

الطريق القانوني يفترض من رجال القانون القيام بدراسات قانونية معمقة بهدف التوصل إلى شروحات يتفق عليها، ويوافق عليها من قبل الحكومة اللبنانية، وذلك كي يتمكن لبنان من القيام بمهمته الصعبة مسلحا بالقانون سيفا له، لا عليه.

والطريق العملي، هو الطريق الذي رحل إبراهيم عبد العال وأمثاله من دون تحقيقه، وهو الاستفادة من المياه اللبنانية كاملة من دون نقصان ، وهذا الطريق هو الطريق الذي لا طريق غيره للحفاظ على الثروة المائية، وهو الطريق الذي بإمكانه ان يبطل مفعول المادة الثامنة نفسها التي تتحدث عن استغلال فائض المياه ، وهو الطريق الذي يتطلب سياسة مائية ، على صعيد الدولة اللبنانية، كما يتطلب استراتيجيا مائية على الصعيد العربي.


الهوامش

1- فتحي علي حسين "المياه في المفاوضات المتعددة الأطراف " السياسة الدولية ، العدد 108 (نيسان / أبريل 1992) ، ص 210

1- Jerusalem Post, 10/8/1967

3- الكتاب المقدس، "سفر التكوين" الإصحاح 15، الآية 18

4- المصدر نفسه، "سفر يشوع" ، الإصحاح 13 ، الآية 5. وحول الحدود التوراتية للبنان جزءا من ارض الميعاد ، انظر النصوص التالية: "سفر التكوين"، الإصحاح 15، الآية  18، "سفر الخروج"، الإصحاح 23، الآية  31، "سفر العدد "، الإصحاح 34، الآيات 7-12، "سفر التثنية"، الإصحاح 11، الآية  24، "سفر يشوع"، الإصحاح 13، الآيات 3-5، و"سفر حزقيال"، الإصحاح 47، الآية  15.

5- المصدر نفسه، "سفر العدد "، الإصحاح 34، الآيات  1-12

6- انظر :اسعد رزوق، "اسرائيل" الكبرى:دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني (بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية ، مركز الأبحاث، 1968)، ص 317-339

1- كما وردت في : المصدر نفسه، ص 581-582

8- كما وردت في :المصدر نفسه ص 401 "ان تحليل الأبعاد الجغرافية للمذكرة الصهيونية سنة 1919 تشير إلى ان أحلام الصهيونية في الجوار العربي شملت المناطق التالية: فلسطين كاملة ، لبنان ابتداء من جنوبي صيدا مع الاستيلاء على معظم الليطاني ، سوريا من جنوبي دمشق مع منطقة جبل الشيخ وسهل حوران، الأردن بما فيه العاصمة عمان وسائر المدن، الجزء الشمالي الغربي من المملكة السعودية، حتى خليج العقبة".

1- كما وردت في : المصدر نفسه ص 403

1- Mahmoud Riyadh , Arab Water Resources and "Israeli" Water Policies in "Israel" and Arab Water : An International symposium Amman 25-26 February 1984 K edited by Abdel Majid Farid and Hussein Sirriyeh (London: Ithaca Press for the Arab Research Center, 1985 ) , p.10

11- محمود سمير احمد، مارك المياه المقبلة في الشرق الأوسط: رؤية مستقبلية حول أهمية المياه كعامل سلم أو حرب في السنوات القادمة (القاهرة: دار المستقبل العربي ، 1991)، ص 30-31

1- المصدر نفسه

1- المصدر نفسه

1- D.P. O'Connel , International Law (London: Stevens and Sons, 1985) , vol. 1 P. 616

51- كان بالمستون زيرا للخارجية ثم رئيسا للوزراء منذ منتصف الخمسينيات حتى وفاته سنة 1865، وكان دزرائيلي رئيسا للوزراء سنة 1878، وهي السنة التي عقد فيها مؤتمر برلين واليه تنسب مذكرة سياسية قدمت إلى المؤتمر تتضمن برنامجا سياسيا لحل مشكلة فلسطين ، الا ان بسمارك أمر بإتلاف المذكرة وعدم توزيعها.

1- PRO. FO. 371/3395 كما ذكر في : Doreen Ingrams, comp., Palestine Papers, 1917-1922: Seeds of Conflict (London: John Murray, !(1922),P.38.

1- كما ذكر في : المصدر نفسه، ص 38

1- Paticia Toye, ed., Palestine Bounders, 1833-1947 (England Archive Editions, 1989), vol. 3: Palestine, Syria 2, p.296

1- PRO. CAB. 21/153, كما ذكر في : Ingrams, comp., Ibid., p.77

1- Robin Bidwell, ed., British Documents on Foreign Affairs: Reports and Papers from the Foreign Office Confidential Print , part 2 , series B , vol, 2: The Allies Take Control , 1920-1921 ([n.p.]: University Publications of America, [n.d.]), p. 33.

12- موقع دان التوراتي المشار إليه في الاقتباس يقع بالقرب من بانياس في سوريا، وفيه الإشارة إلى المقولة المتوارثة يهوديا بان المملكة اليهودية من دان إلى بئر السبع ، انظر المصدر نفسه، ص 34

1- رزوق ، "اسرائيل" الكبرى : دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني ، ص 584، نقلا عن :

Mc. Cracken, The New Palestine ([n.p.; n.pb.], 1922),p. 382

32- حين قام كل من مارك سايكس وجورج بيكو بالتحضيرات واللقاءات تمهيدا للاتفاقية التي عرفت باسميهما، انطلاقا من لندن وانتهاء في بطرسبورغ ، كان الأول يعمل السكرتير المساعد لوزارة الحربية البريطانية ، وكان حقله المسائل الإسلامية وشعوبها، واما الثاني فكان القنصل في السفارة الفرنسية في لندن.

1- Christopher Sykes , Two Studies in Virtue (London: Collins, 1953), pp. 195-196

1- محمد محمود الديب ، حدود فلسطين: دراسة تحليلية لوثائق الانتداب (القاهرة: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1979)، ص 10

1- انظر ادمون رباط ، الوسيط في القانون الدستوري (بيروت: دار العلم للملايين، 1970)، ص 309-310

1- Toye, ed., Palestine Boundaries, 1833-1947, p.232

انظر نص الاتفاقية: " Franco-British Convention of December 23,1920, on certain points connected with the mandates for Syria , Lebanon , Palestine and Mesopotamia," pp. 230-232

1- الديب ، حدود فلسطين : دراسة تحليلية لوثائق الانتداب30

1- المصدر نفسه، ص 41

1- انظر نص اتفاقية الحدود الشمالية والشمالية الشرقية سنة 1922 في: المصدر نفسه ص 64-54

1- Heinz Felix Frishwasser Ra'anan , The Frontiers of a nation: A Re-examination of the Forces Which Created the Palestine Mandate and Determined its Territorial Sharpe (London: Batchworth Press, 1955),p.139

23- مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، اتفاقيات الهدنة العربية-"الاسرائيلية" شباط (فبراير) - تموز (يوليو) 1949 : نصوص الأمم المتحدة وملحقاته، سلسلة الوثائق الأساسية ، 3 (بيروت: المؤسسة، 1968)ص 40

1- من اجل الاطلاع على مواقف النخبات المتعددة في لبنان بشأن المياه اثر الحرب الكبرى ، انظر: عصام كمال خليفة، الحدود الجنوبية للبنان: بين مواقف نخب الطوائف والصراع الدولي ، 1908-1936 (بيروت : دار الجيل ، 1985)

1- يوسف مروة، كامل الصباح: عبقري من بلادي (بيروت: مطابع لبنان، 1956)، ص 35، حيث :" ذكر الصباح في رسالته إلى خاله اثنين من الأثرياء هما يوسف الزين والنعماني -عارف النعماني-)

1- موريس الجميل ، "حول مؤامرة الصهيونية على مياه لبنان،" نص المؤتمر الصحفي الذي عقده في بيروت بتاريخ 29 كانون الأول / ديسمبر 1960 ، نقلا عن مجلة: تاريخ العرب والعالم، العدد 17 (آذار / مارس 1980)، ص 38

1- Frishwasser Ra'anan , The Frontiers of a nation: A Re-examination of the Forces Which Created the Palestine Mandate and Determined its Territorial Sharpe p.139

1- الجميل المصدر نفسه ص 38

83- توماس ناف، ""اسرائيل" ومياه الجنوب، محاضرة قدمت إلى مؤتمر "حفظ السلام والمياه والأمن في جنوب لبنان" بدعوة من مركز الدراسات اللبنانية في جامعة اكسفورد بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 1991، تعريب جريدة النهار 8/1/1992

1- الجميل المصدر نفسه ص 38-39

1- المصدر نفسه ص 39-41 ، انظر :تقرير اللجنة الفنية المنبثقة من اللجنة الحكومية المكلفة بدراسة التصميم الشامل للمياه اللبنانية ، 15/9/1952

1- ناف ، ("اسرائيل" ومياه الجنوب)

24- اليشع كالي، المياه والسلام: وجهة نظر "إسرائيلية" ، ترجمة رندة حيدر (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1991 )، ص 19

34- Adam Garfinkle, War, Water and Negotiations in the Middle East : The case of the Palestine-Syria Border , 1916-1923 (Jerusalem: Tel Aviv University; Moshe Dayan Center for Middle Eastern Studies, 1994) , p. 126

ويتضح من مضمون الكتاب أعلاه ان الجانب الصهيوني لما يئس من ان تقتنع فرنسا بالتنازل عن الليطاني أرضا ومياها ، عمل على كسب "الحقوق" بفائض المياه، واعتبر المادة الثامنة من اتفاقية الحدود نصرا له.