البعد التوراتي ـ الصهيوني لحملات الاستشراق نحو فلسطين

نشرة الاسلام وفلسطين

 ايلول 2000


شكلت فلسطين في الذهنية الغربية اهم منطقة جغرافية ودينية منذ زمن بعيد لكن التحول العقدي الذي برز منذ اوائل القرن السادس عشر حول ذلك الاهتمام إلى توحد عقدي سياسي يرتبط بالتطلعات الي نشأت مع نشوء الدولة القومية في مجمل اوروبا.

 

لما كانت الحملات الاستعمارية على افريقيا وآسيا وحتى امريكا تأخذ طابعا اوسع من الطابع العسكري فقد رافقت هذه الحملات حركا دينية تلعب لعبة التنصير في خدمة السياسة الاستعمارية الكلية.

اما في فلسطين فقد كان الامر اعمق واكثر حساسية. فبروز المذهب البروتستانتي جعل التطلع إلى فلسطين يأخذ بعدا سياسيا تاريخيا وعقديا، فالصهيونية الغربية راحت تركز افكارها وتوجهاتها نحو ما يسمى ارض الميعاد او الاراضي المقدسة تمهيدا لربط اليهودية بهذه الارض وتمهيدا لما اسموه عودة اليهود إلى ارض اجدادهم، فاضافة لترويج هذه الافكار ونشرها في اوروبا كان لابد من خلق موجهة من التحرك الاستشراقي والاثاري الغربي كي تكتمل دائرة التوجه الاستعماري نحو فلسطين. وكان المقياس في هذا التحرك اثبات ارتباط ارض فلسطين بالتوراة دون سواها.

والواقع ان تسلسل التحركات الاستشراقية يثبت ان موجة هستيرية اجتاحت العقل الغربي بشكل عام وبات لدى الدوائر الغربية نهما وشراهة في ايجاد أي صلة بين فلسطين واليهود.

ومن هذا المنطلق اختلط علم الاستشراق بعلم الآثار وبات على الصهيونيين المسيحيين التوجه إلى فلسطين توجها فكريا وتوجها آثاريا، فهناك من يروج لفكرة ارض الميعاد واليهود وهناك من يرحل إلى فلسطين ينقب عن الآثار ويدرس الواقع السكاني والاجتماعي وفي المحصلة فان هؤلاء وهؤلاء كانوا يحملون التوراة ويتوقفون عند ل نص من نصوصها ويقارنون ما يشاهدون او ينبشون عنه في الارض بما في النص التوراتي.

واصبح من الواضح ان المستشرقين والاثاريين الغربيين جعلوا كل جهودهم في اثبات ان التوراة هو الاصل وهو المقياس. وان علم الآثار ليس الا وسيلة للوصول إلى مقولات التوراة. واصبح نص هذا الكتاب بالنسبة لهم مقدسا الهيا لا يحتمل الخطأ. حتى وان اخطأ علم الآثار او اصاب فان التوراة لا تخطئ وهي الاصح وهي القانون الذي يقاس به أي اكتشاف او أي نظرية تاريخية تخص ارض فلسطين.

وليس غريبا ان نجد ان التوجه الاستشراقي نحو فلسطين باعتبارها ـ ارض الميعاد ـ يدخل ضمن دائرة كبرى من حركة الاستشراق الغربي ككل، فمن المستشرقين من تخصص بدراسة الاسلام والجزيرة العربية، ومنهم من تخصص بدراسة عادات الشعب العربي وتقاليده ومعتقداته، وآخرون تخصصوا بالادب  العربي خاصة الشعر. وغالبية هؤلاء كان هدفهم التشويه والتحريف والطعن والتشكيك. فلا يمكن في هذه الحال فصل أي توجه استشراقي عن دائرة المعركة بين الغرب والشرق او بين الارض العربية الاسلامية وبين الغربيين وتوجهاتهم الاستعمارية.

والواقع ان الاهتمام الاستشراقي بفلسطين هو اهتمام مبكر جدا ويعود تقريبا إلى القرن السادس الميلادي. الا ان التوجه المنظم والهادف والمرتبط بالدوائر الاستعمارية والتوجهات اليهودية راح يتشكل في القرون السابقة الاخيرة وخاصة بعد انتهاء الحروب الصليبية والتقلبات التي حدثت في اوروبا.

الا ان القرن التاسع عشر شهد اكبر الحملات الاستشراقية الاثارية حيث صار من الواضح ان الحكومات الغربية وعلى رأسها الملوك في بريطانيا وفرنسا وهولندا وروسيا هي الي تبنت الحملات ومولتها، حيث اخذت بشكل ما طابعا رسميا منظما. ولما بدا واضحا ان اليهود راحوا يتحركون لانشاء جمعيات صهيونية اجتمعت جهودهم مع جهود التوجه الصهيوني المسيحي لتشكيل تحركات واسعة نحو فلسطين.

ففي عام 1838 زار فلسطين ولمدة ثلاثة اشهر متوالية العالم اللاهوتي الامريكي ادوارد روبنسون وقد دون مع زميل له الاسماء العربية ولاسيما الخاصة بالقرى والاماكن الاثرية. وفي عام 1850ـ 1863 لحقه العالم السويسري تيتس روبلر وقد عمل بالمسح الطبوغرافي لفلسطين وقام بالكشف عن كثير من الآثار الفلسطينية.

ومنذ عام 1865 تأسست هيئة صندوق تمويل التنقيب عن آثار فلسطين ويرجع اساس تكوينها لجمعية احباء صهيون البريطانية ومنذ ذلك الوقت توسع التفكير الغربي الاستشراقي والاثاري بفلسطين على اعتبارها الارض المقدسة وارض الميعاد حسب التصور الصهيوني المسيحي.

ترافق هذا التطور مع حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام وقد ركزت الجهود الغربية آنذاك على النشاطات الواسعة من رحلات وبعثات وجمعيات توراتية عدة واخرى جاءت بقصد التنصير. وتنافست الدول العظمى آنذاك كبريطانيا وفرنسا وروسيا والمانيا على ايجاد موطئ قدم تبشيري في ارض فلسطين. وكان لا بد من يرافق ذلك توجه استشراقي واسع ومتخصص بارض فلسطين.

ولعل اهم ما ميز هذا التحرك الارتباط الوثيق بين السياسة البريطانية والحركة الصهيونية. وحتى يمهدوا لتحقيق الطموحات الصهيونية فقد تصدى لحالة الاستشراق كبار ضباط الانجليز الصهاينة والمرتبطين باليهودية ارتباطا وثيقا.

واتضح ان معظم الذين اهتموا بدراسة فلسطين وزاروها هم ضباط ملكيون بريطانيون امثال الكابتن تشارلز وراين وكلود رينيه كوندر والملازم كتشنر وغيرهم. وقد جاؤوا إلى فلسطين برعاية ملكية بريطانية خاصة وبسماح من السلطات العثمانية التي كانت فلسطين آنذاك جزءا من الدولة العثمانية.

نشر الكابتن تشارلز وارين كتابا اسماه "الارض الموعودة" نادى فيه بضرورة تطوير فلسطين على يد شركة الهند الشرقية بقصد تسريب عناصر يهودية إلى فلسطين للتمهيد لاقامة دائمة لهم ومن ثم تاسيس كيان لهم.

وحين نطالع ما كتبه هذا الكابتن في كتابه نرى انه لا يختلف مطلقا عما كتبه هرتزل في يومياته او ما كتبه المنظرون الصهاينة حول ارض الميعاد ـ فلسطين ـ يقول مثلا ( من المرجح ان يتبادر إلى الذهن في الحال: ماذا يحدث لعرب فلسطين واجيب متسائلا: من هم العرب؟ انهم ليسوا سوى اتراك بالتأكيد ومعظمهم ليس من عرب الجزيرة العربية او من الصحراء. من هم اذا؟ لقد اصبح معروفا منذ زمن طويل كما يؤكد المسيو كلير مونت غانو عالم الساميات والآثار الفرنسي بان سكان فلسطين ينتمون إلى عرق خليط. بعضهم يتحدر من الكنعانيين والاسرائيليين والاغريق والرومان والعرب والصليبيين. وقد يعتنقون الان الديانة الاسلامية والمسيحية حسب الظروف. لكنهم يحافظون قبل كل شيء على التقاليد القديمة. نعم وفي بعض الحالات لا يساورني ادنى شك بأنهم يحافظون على ديانتهم القديمة الحقة).

وما بين عامي 1848 ـ 1910 جاء إلى فلسطين عالم الجغرافيا الاستشراقي كوندر وقد ظهر له عدة كتابات عن طبوغرافية غرب فلسطين وكتاب "المرشد إلى التوراة" وفي كتبه حاول تعيين مواقع الاسماء الوارد ذكرها في التوراة ورسم حدود اسباط بني "اسرائيل" وقام بقراءة النقوش الاثرية وفك رموزها. وعلى ضوء ما قام به رسمت خرائط لفلسطين ساعدت جنرال اللنبي حين زحف على فلسطين اثناء الحرب العالمية الاولى. وتشير كتابات المستشرق الجغرافي كوندر انه كان من غلاة الصهيونية المسيحية وقد نشر كتابا عنونه بـ "يهوذا المكابي وحرب الاستقلال اليهودي" ثم اصدر كتابا بعنوان "مدخل إلى جغرافية الكتاب المقدس" وفي عام 1892 القى محاضرة بعنوان "فلسطين الشرقية" على اعضاء الخيمة الغربية التابعة لاحباء صهيون التي سارعت إلى نشرها وقد اعتز الصهاينة اليهود بما قدمه كوندر من خدمات للحركة الصهيونية خاصة تلك الخرائط الطبوغرافية المتعلقة بفلسطين.

والواقع ان امريكا والمستشرقين الامريكيين لعبوا نفس الدور الذي لعبه الانجليز فمنذ 1870 تأسست الجمعية الامريكية للتنقيب بفلسطين على نمط المنظمة الانجليزية وقد تولت مسح منقطة شرقي الاردن.

ولقد لعب الاستشراق الالماني دورا مهما وبارزا في التركيز على فلسطين واكتشاف آثارها ومقارنة تلك الآثار بما ورد في التوراة ومن اشهر المستشرقين الالمان في هذا المجال المدعو كارستن نيبور واولريش زيتسن ولودفيغ موركهارت.

ولعل اخطر من في حركة الاستشراق الغربية بشكل عام هي ان الجامعات وخاصة الالمانية لا تدرس الا علم الآثار التوراتي  والذي يتطلب دراسة اللغة العبرية لمدة عشر سنوات ومن افرازات حركة الاستشراق ان عددا من المستشرقين المهتمين بدارسة ارض فلسطين اتجهوا نحو دراسة التراث الشعبي الفلسطيني ليربطوه ببعض مقولات التوراة والقصص الشعبي اليهودي ومن هؤلاء المستشرقة الفنلندية هيلما جرانكفست. فهذه المستشرقة التي جاءت إلى فلسطين في اوائل القرن العشرين جمعت آلاف البطاقات والاوراق المدون فيها كل ما يتعلق بالتراث الشعبي الفلسطيني من لباس واغنية وعادات وتقاليد وقد مارست مع الفلاحين في منطقة بيت لحم وقرية ارطاس تحديدا حياتهم فكانت تذهب مع الحصادين وتدون اغانيهم وعاداتهم وتقاليدهم.

والملفت للنظر ان هذه المستشرقة دونت هذا التراث بالنطق الفلسطيني وبالحرف الفنلندي وقد صرحت نفسها بأنها جاءت إلى فلسطين لكي تدرس العلاقة بين التوراة والتراث الفلسطيني وبعد ان مكثت عشر سنوات في فلسطين خرجت بقناعة ان لا علاقة بين التوراة وهذا التراث وان المزاعم اليهودية ما هي الا اباطيل يجب دحضها وما زالت آلاف النسخ والبطاقات والاوراق التي دونتها المستشرقة موجودة في هلسنكي عاصمة فنلندا.

ولعل كثيرا من المستشرقين قدموا إلى فلسطين بدافع البحث عن علاقة ما بين التوراة وما يسمى "ارض الميعاد" ولكن المنصفين منهم وغير المنحازين وجدوا ان ما دسته الحركة الصهيونية في عقول الغربيين هو عبارة عن افتراءات واكاذيب يهدفون من ورائها التمهيد الفكري والنفسي لاحتلال فلسطين وطرد شعبها. وقد اثارت اكتشافات مخطوطات البحر الميت شهوة الكثيرين من المستشرقين والباحثين والاثاريين عندما اثبتت هذه المكتشفات عدم وجود أي علاقة بين اليهود وارض فلسطين بل ان هذه المكتشفات فضحت اقاويل التوراة وما دسه حاخامات اليهود من اقوال تخدم اهدافهم السياسية وقد حاول بعضهم اخفاء ما جاء في هذه المخطوطات ولكنها تسربت على الرغم من سرقة بعضها من متحف القدس وتهريبها إلى امريكا خوفا من انتشارها وقلب كل مفاهيم التوراة وما روجه زعماء الحركة الصهيونية قبل ان تحتل فلسطين.

لقد فعل الاستشراق السياسي فعله في خدمة المخططات الاستعمارية الغربية التي من خلال الصهيونية المسيحية دفعت بالصهيونية اليهودية ان ترسم مخططها الاستعماري لفلسطين. والواقع ان الاستشراق الغربي الذي خدم الصهيونية كان اشد فتكا وابلغ اثرا على واقع فلسطين وحتى المجتمع العربي ككل اذ ان حركة الاستشراق لم تكتف بجانب دراسي واحد بل كانت شمولية درست المجتمع والعادات والتقاليد كما درست الارض وطبيعتها ومناخها وجغرافيتها فقدمت رؤية استراتيجية للتحرك اليهودي لاحتلال فلسطين واقامة كيان يهودي يلعب اخطر دور استعماري تدميري تخريبي في المنطقة العربية.