حدود لبنان الجنوبية ابعد من تخطيط (paulet-new comb ) عام 1922

  د. يوسف طباجة


بعد التدخل الاوروبي المباشر في جسم الدولة العثمانية ، تندرج اشكالية الحدود في المشرق العربي في النتائج التي تمخضت عنها سياسة التنافس الاستعماري الاوروبي التي بلغت مرحلة الاحتلالات قبل وبعد الحرب الكونية الاولى التي كانت بدورها محصلة ذلك التنافس مما عطل في المشرق العربي احتمالات التكون الداخلي لحدود العالم العربي في اطار الاجتماع السياسي العثماني بحيث بادرت فيما بعد القوتان الاستعماريتان العظميان آنذاك ـ فرنسا وبريطانيا ـ بلعب الدور الطليعي في تكييف واقع المنطقة وفق مصالحهما واستراتيجيتهما المغلفة بغلاف الشرعية الدولية التي كان الفرنسيون والانكليز ابرز صناعها ، لفرض وصايتهم على المنطقة ، وقيادتها عبر اساليب وطرق تتبع السرية والخديعة والمناورة من جهة واثارة النزاعات والمنافسات بين التجمعات القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية والزعامات السياسية بغية تفكيك البنية الاجتماعية ، ليتسنى لهم التدخل المباشر لفرض حلول مستوحاة ـ من جهة ثانيةـ  من خالص مصالحهم ـ والحاضر ليس ببعيد .

وهكذا كانت نشأة اجزاء من الحدود العربية تندرج في اطار تلك الحلول ـ المشارب الاستعمارية ـ المفروضة وفق اتفاقيات دولية تم اعدادها بعد مفاوضات سياسية سرية فيما بينهم ، لم يكن فيها لاصحاب الارض والسيادة اي رأي او مشورة ، بل فرضت عليهم ، وهكذا كانت قضية حدود لبنان الجنوبية مع فلسطين ...

اذن تمخضت سياسية منطق القوة لصالح الاقوى بشكل جلي بين اطراف الصراع على السيطرة بعد نتائج الحرب العالمية الاولى خصوصا بعدما خرجت بريطانيا اكثر قوة من الناحيتين العسكرية والسياسية من فرنسا التي كانت سياستها توصف بالمرتبكة والمفتقرة الى الوضوح ، فكان لا بد من ان تسعى بريطانيا الى تعديل اتفاقية سايكس بيكو لمصلحتها بتوسيع مناطق نفوذها ، فكان من اولى اهتماماتها ـ ولا شك انها كانت بتاثير من ضغط الحركة الصهيونية التي كان مركز قرارها بريطانيا آنذاك ـ باتجاه فلسطين التي كانت منطقة محايدة بحسب سايكس بيكو ، وهذا ما ادى بالتالي الى صراع بريطاني ـ فرنسي على الحدود اللبنانية الفلسطينية . اذا قلنا على حدود النفوذ البريطاني من جهة والفرنسي من جهة ثانية ويمكننا ان نلتمس ذلك من ارتفاع حدة الصراع على الشكل التالي :

جد البريطانيون والفرنسيون في وضع اسس السلام الذي يؤمن مصالحهم ، لكن اعلان الرئيس الاميريكي ولسن لمبادئه الشهيرة حول " حق الشعوب بتقرير مصيرها " اقلقهم وبعد سعي من بريطانيا وفرنسا نزل ولسن عند رغبتهما فجاء في تفسيره لنقاطه معترفا باتفاقية سايكس بيكو وكذلك بقوله " ... لا نزاع بان بريطانيا العظمى هي في حكم الحال حامية فلسطين والعراق والجزيرة العربية ..." .

ادخل هذا التصريح الاطمئنان للصهيونيين بوضع فلسطين تحت الحماية البريطانية وحدها خلافا لنصوص سايكس بيكو ، فقرروا عندئذ البدء بوضع وعد بلفور قيد التنفيذ وبدأت تحركاتهم على هذا الصعيد .

بالمقابل ادت هذه الاجواء والتطورات المتسارعة الى اندلاع التظاهرات في البلاد العربية على اثر انتشار الاشاعات حول المطامع البريطانية (الصهيونية ضمنا) في فلسطين ... مما حمل حكومتي لندن وباريس على تهدئة الراي العام العربي واصدرتا البيان الشهير في 8 تشرين الثاني 1918 والذي تضمن وعودا وهمية لشعوب المنطقة . اذ بعد اعلان الهدنة قسمت البلاد على انها " ارض العدو المحتلة" الى ثلاث مناطق عسكرية تحت سلطة القائد البريطاني اللنبي : جنوبية (فلسطين) بادارة بريطانية ، وغربية (ساحل لبنان وسوريا) بادارة فرنسية وشرقية (سورية الداخلية) بادارة فيصل الذي احتج على هذه الاجراءات فكان رد الجنرال اللنبي ... انه عمل عسكري مؤقت . كان هذا في 22 تشرين الاول وفي الخامس من تشرين الثاني اصدر حاكم المنطقة الفرنسية دي بيابان بلاغا يقضي بفصل قضائي نابلس وعكا عن المنطقة والحاقهما بالمنطقة الجنوبية .. وقد قضت هذه القرارات العسكرية بنقل الحدود الفلسطينية من بحيرة طبريا بحسب سايكس بيكو الى بحيرة الحولة ...

 

الحدود وفلسطين عشية مؤتمر الصلح في باريس

يتضح من الواقع المبسوط ان الحكومة البريطانية كانت تتماهى مع المطالب الصهيونية الى اقصى الحدود ، اذا ما قلنا انها تتبناها حرفيا ، بينما كانت فرنسا خائفة على مصالحها من السياسية البريطانية ولطالما عبرت تصاريح كليمنصو عن هذه المخاوف وعدم الثقة بما وراء السياسة البريطانية .

اثر المخاوف الفرنسية من السياسة البريطانية حاول الفرنسيون مغازلة الامير فيصل الذي وصل الى باريس لحضور مؤتمر الصلح ولكنه آثر زيارة لندن لتاكيد المواقف التي تعهد بها لوالده، ولكن المفاجـأة كانت تنتظره بتاكيد الحكومة البريطانية له على وعد بلفور حيث احس فيصل " بانه ومن معه ليسوا في مستوى الاحداث " واشتد الضغط عليه من الحكومة البريطانية يؤازرها لورانس الذي قطع رفقته لفيصل في باريس عائدا الى بريطانيا عندما رفض النزول عند رغبة الحكومة الفرنسية بنزع ثوبه العربي الابيض عنه لتستقبله بلباسه العسكري البريطاني ... ونذكر هنا بان لورانس كان معروفا بمناصرته للصهيونية ومطالبها في فلسطين لا بل بسخريته من والد فيصل الشريف حسين حيث كان يصفه " بالبدوي الجاهل الضيق الافق " .

اثرت حملة الضغط المركزة على فيصل ، فاخذ يميل شيئا فشيئا الى التفاهم مع الصهيونية بعدما استطاع الانكليز اقناعه بتخلف العرب وتفوق الصهاينة الاتين الى اعمال النهضة في المنطقة .

صدق فيصل ظنه ، الذي كان من بنات افكار البريطانيين : ارضاء الصهيونيين كسبا للقضية العربية ، فقدم الى مؤتمر الصلح مذكرة كان للورانس اليد الطولى بوضعها ، طلب فيها اخراج فلسطين من حدود الدولة العربية العتيدة .. وليعترف فيما بعد بوعد بلفور ووصاية بريطانيا على فلسطين وفق اتفاق وقعه مع حاييم وايزمن في 3 كانون الثاني 1919 ليكون اهم الانتصارات السياسية للحركة الصهيونية على ابواب مؤتمر الصلح ... الامر الذي اغضب الشريف حسين الذي عزم على استدعاء فيصل واستبداله باخيه عبدالله لكن المندوبية البريطانية كانت له بالمرصاد بالاقناع تارة والتهديد تارة اخرى .

 

في مؤتمر الصلح

ما ان انعقدت اولى جلسات مؤتمر الصلح في باريس ، حتى بادرت الحركة الصهيونية الى رفع مذكرة الى المؤتمر جاءت تتويجا لسلسلة المذكرات التي ر فعتها اللجان الصهيونية للمؤتمر وفيها تطلب اضافة الى بناء الوطن القومي لليهود في فلسطين ، تعديل حدودها ـ اي فلسطين ـ شرقا وشمالا (حدود جبل عامل) عند نقطة على شاطىء المتوسط بجوار مدينة صيدا وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل الى جسر القرعون ، فتتجه منه الى البيرة ، متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم ثم جنوبا حتى بيت جن ، على ان يعهد الى بريطانيا بالانتداب عليها ـ فلسطين ...

رافقت هذا المطالب حملة اعلامية دولية عبرت عنها الصحف العالمية منها مجلة la plaes   time nouvelle     في 27 كانون الثاني 1919 لتشرح مسالة الحدود وكذلك صحيفة الـ times   اللندنية ، وغيرها من الصحف التي كان للصهيونية تاثير عليها كصحيفة نيويورك تايمز .

كان من المؤكد ان يعطي لويد جورج موافقته الكلية على المطالب الصهيونية ، وكذلك فعل ولسن ، لكن الرفض جاء من كليمنصو ليس تعاطفا مع المطالب العربية ، بل ترجمة لخوف فرنسا على مصالحها في الشرق من غطرسة السياسة البريطانية التي كانت ترغب في القضاء على النفوذ الفرنسي في المنطقة لتنفرد به ، وكان حجة الفرنسيين الحدود التاريخية لفلسطين والتي لم تصل في تاريخها الى شمال بحيرة الحولة ..

لم يصل المؤتمرون الى حل للقضية الا بعد جدال طويل ادى الى ارسال لجنة استفتاء ـ اميركية ـ دولية الى المنطقة ، عرفت بلجنة كينغ كراين ، التي اوصت بالمحافظة على وحدة العراق ، ووحدة سوريا بما فيها فلسطين ومنح لبنان حكما ذاتيا في اطار الوحدة ويوضع تحت الانتداب لمدة محددة ... وبضرورة كبح جماح " الصهيونية المتطرف القاضي باطلاق الهجرة اليهودية الى فلسطين وتجريد سكان فلسطين الحاليين من غير اليهود من املاكهم بمختلف اساليب الشراء .

تلقت فرنسا وبريطانيا واميركا تقرير اللجنة باستنكار ! وكان موقف ولسن هذا من لجنته بداية فشل سياسته الدولية التي ادت لانعزال الولايات المتحدة عن التدخل في شؤون المنطقة تاركة امرها لبريطانيا وفرنسا اللتين عزمتا على تسوية مصالحهما في المنطقة ولكننا نرصد توسطا من ولسن لدى بريطانيا بسعي من الحركة الصهيونية لتوسيع حدود فلسطين الشمالية برغم التقرير الذي اودعته اللجنة الاميركية ـ كينع كراين ـ عن اهداف الصهيونية المعارضة لمبادئه القائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها .

لم يحسم اتفاق كليمنصو ـ لويد جورج في 15 ايلول 1919 قضية الحدود بين فلسطين وسوريا ، اذ كان الاول مصرا على حدود (سايكس بيكو بينما تحفظ الثاني لتبقى المسالة قيد البحث ولعله كان ينتظر فرصة اخرى ).

بالمقابل لم تثمر تحركات الامير فيصل المنطلقة من حالة الضعف والاستجداء تجاه بريطانيا وفرنسا برغم ان الشارع العربي كان في حالة غليان وثورة اجبرت فيصل بعد عودته الى دمشق على تبني اعلان استقلال سوريا بما فيها لبنان وفلسطين وبالاستجابة الى الرغبة الشعبية بالمناداة به ملكا عليها ولكن التحدي هذا لم يكن بمستوى الرد الذي كانت تبيته كل من الدولتين الحليفتين فجاءت مقررات مؤتمر سان ريمو نيسان 1920 ردا على اعلان الاستقلال السوري فتقاسمتا مناطق الانتداب وفق مصالحهما والتزاماتهما تجاه الصهيونية ضاربتين بعرض الحائظ ميثاق عصبة الامم الذي ينص على رغبات المجتمعات المنفصلة عن الامبراطورية العثمانية في اختيار الدولة المنتدبة وحق الشعوب في تقرير مصيرها كان خرقا صارخا بحق الشعب الفلسطيني .

المهم في بحثنا هو ان انكلترا نجحت في حمل ميللران رئيس الوزراء الفرنسي الجديد على قبول حدود جديدة بين فلسطين وسوريا (من والى بئر السبع ) كتنازل اخير مقابل امتناع لويد جورج عن المطالب الصهيونية الاكثر توسعا ، على ان يتفق الطرفان فيما بعد حول النقاط التفصيلية للحدود ... والحقيقة اننا ومن خلال وقائع المؤتمر المثبتة بالوثائق يتضح لنا وبعين اليقين ان كل هذا كان بفعل الضغط المنظم الذي مارسته الحركة الصهيونية على الحكومتين الفرنسية والانكليزية بوجه الخصوص ، والذي ارفق بحملة اعلامية في الصحافة العالمية مقابل ضعف بارز في ديناميكية الموقف العربي .

وعليه فاننا في الواقع نرصد تحركا فرنسيا يعبر عن استمرارية الصراع بين الفرنسيين وبين الانكليز على حدود مناطق النفوذ ويتجلى ذلك في التقرير الذي رفعه الجنرال غورو الى حكومته مبينا فيه مدى مخاطر هذا التقسيم شارحا مخاوفه في ثلاث نقاط هي :

1 ـ ان الحدود الجديدة ستقيم سدا وسط المجمع السياسي والديني (للشيعة) ذي العادات والتقاليد والمصالح المشتركة وان رد الشيعة على هذا التقسيم سيعرضنا نحن والانكليز للصعوبات .

2 ـ اما بالنسبة للمسيحيين فقد اقتطعت مناطق كبيرة من ابرشية صور المارونية ـ وهذا ما اكده لي الاب باسيل ناصيف رئيس دير نبطية الفوقا ومساعده الاب حاج .

3 ـ ان ارضا خصبة واملاكا كبيرة للبنانيين ستكون في نطاق النفوذ الانكليزي وبالتالي الصهيوني ، الامر الذي سيخلف صعوبات ادارية وجمركية .

وقد سجل غورو في اخر تقريره اعترضا على التخلي عن (فارة وهونين واقرط وديشوم)

 

الصراع يخف وترسم حدود ....

اما التحرك العاملي (مسلمين ومسيحيين) فكان اضافة الى الاعمال العسكرية التي كانت تمارسها المقاومة المسلحة ، والتحركات الشعبية التي سبقت مؤتمر وادي الحجير وبعد ، عبرت وفق برقيات رفعت الى المنتدب الفرنسي يستصرخونه الرحمة وعدم التبعية لحكم اليهود بالمقابل كان التحرك الصهيوني جادا في استكمال خطواته ولكنها اصبحت تاتي تحت شعارات وطروحات انسانية وانمائية واقتصادية في مصلحة المنطقة وشعوبها .

ولكن التعبير الحقيقي عن الدور الذي رسم للكيان الصهيوني والذي يبين ان الغرب عموما وبريطانيا والولايات المتحدة من بعدها ، لم يكن بالضرورة تبنيا للطروحات الصهيونية او عطفا عليها كما يحاول الاعلام تبيانه بقدر ما هو فعلا مصلحة الغرب في الشرق وقد افصحت عن ذلك جريدة التايمز في سلسلة من المقالات والتحليلات كان اهمها في كانون الاول 1920 عندما دعت الحكومة الفرنسية للاستجابة الى الرغبة الانكليزية في توسيع جغرافية الكيان اليهودي لما فيه مصلحة الدولتين المنتدبتين واما الافصاح الواضح عن دور هذا الكيان في قولها : ان كل ما تتنازل عنه فرنسا لفلسطين ليس تنازلا للامبرياليزم البريطانية بل للسياسة التي وجدت في انشاء امة تحمل شيئا من اعبائنا .

وكان ما كان من اتفاق اجتاحت بعده القوات الفرنسية جبل عامل واخضعته وبعدها دمشق بعد ميسلون واعلان لبنان الكبير برغم البرقيات والاحتجاجات وملاحقات المندوب الفرنسي بالوكالة ـ دي كيه ـ والتي يشير فيها الى الخطر الصهيوني ومخططاته مقترحا توزيع ارض الزعماء والاقطاعيين على صغار الفلاحين ردا على سياسة شراء الارض من اليهود وفق خطة صهيونية توسعية باتت واضحة الاهداف .

وجاء اتفاق 23 كانون اول 1920 ليكرس الحدود التي يعتبرونها نهائية لتقسم بلاد بشارة وتسلخ عنها قسمها الشمالي برغم ارادة اهل المنطقة الذين سلبوا ارضهم وحقوقهم والتي لا زالت برسم العدالة الدولية والمطالبة المحلية لانه لا يضيع حق وراءه مطالب .

هذا ولم تكن الحركة الصهيونية راضية على اتفاقية 23 كانون الاول 1920 والمكرسة باتفاقية سيوله نيوكمب 1922 ـ بل بقيت تحاول الابتزاز وكان لها ما ارادت عبر تعديل حصل بموجب اتفاقية 23 حزيران 1923 عرفت باتفاقية " حسن الجوار" وفيه تنازلت فرنسا (المنتدبة) عما يقارب كامل المنطقة اللبنانية من الحولة لصالح الانتداب البريطاني في فلسطين ، وبالتالي لصالح الحركة الصهيونية ، وقد تم التعديل المشار اليه بعد عقد معاهدة سيفر التي نصت على تثبيت الحدود النهائية لمناطق نفوذ الانتدابين الفرنسي والانكليزي وذلك مقابل منح شركة فرنسية امتياز التجفيف لمناطق المستنقعات .

 

الاطماع الصهيونية اكبر واوسع ...

لم ولن تكتفي الحركة الصهيونية بما حصلت عليه ، بل بقيت ترمي الى الاطماع التي اختطتها لنفسها ، فنجدها وراء اللجنة البريطانية عام 1937 والتي اقترحت حلا لتقسيم فلسطين .... وفي العام 1946 من خلال مؤتمر عقد في لندن استعيدت فيه فكرة التقسيم ... وفي العام 1947 وبدعوة من بريطانيا عرضت قضية فلسطين على هيئة الامم التي وافقت على خطة التقسيم بموجب القرار الشهير 181 لتستفيد الحركة الصهيونية من هذا الغطاء الدولي الداعم وعلى راسه الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي (المنتصرون في الحرب العالمية الثانية) لتشن حربها عام 1948 ضاربة بعرض الحائط قرار الامم المتحدة الآنف الذكر لتتوسع على حساب (المنطقة العربية) .

وفي ما يخص الحدود اللبنانية وعلى اثر حرب 1948 واعلان الكيان الصهيوني كدولة اعترفت فيها الامم المتحدة كعضو فيه ، اضافة الى ضم بعض الاراضي عنوة حصلت بموجب ما يعرف باتفاقيات الهدنة ـ العربية / "الاسرائيلية" ـ ومنها اتفاقية الهدنة عام 1949 مع لبنان والتي خسر بموجبها الاخير اجزاء كبيرة من اراضيه وفق التخطيط المعروف .. بعد ان ارتكبت ما ارتكبته من مجازر بحق اهالي القرى اللبنانية التي هجر اهلها عنوة وهم لا يزالون يحملون الجنسية اللبنانية وبحوزتهم صكوك ملكية ارضهم ولا زالت "اسرائيل "ترفض متعنتة عودتهم الى قراهم واراضيهم .

بالعودة للبنان الدولة وظروف النشأة ، ثمة اجماع بين الدارسين على ان لبنان "الدولة" او لبنان " الكيان السياسي الحديث " الذي عرف بلبنان الكبير والذي اعلنه المفوض السامي الفرنسي غورو في الاول من ايلول 1920 كان قبيل الانتداب الفرنسي والانكليزي للمشرق العربي موزعا بين عدة مقاطعات ادارية بحسب التقسيم الاداري العثماني ومنها متصرفية جبل لبنان التي انشئت اثر بداية التدخل الاوروبي المباشر في شؤون الدولة العثمانية " الرجل المريض" والمسحوب (اي التدخل) على الامتيازات التي حصلت عيها تلك الدول الاجنبية .

وكان جبل عامل احد هذه المقاطعات ، تابعا ولاية دمشق ثم صيدا عام 1960ثم بيروت والذي كان موزعا بدوره الى ثمانية اقطاعات عاملية منها اربعة جنوب نهر الليطاني عرفت ببلاد بشارة ، وشكل اثنان منهما حدود جبل عامل الجنوبية هما هونين وتبنين .

اما هونين : فكانت قلعتها مركز المقاطعة ومقر حاكمها الذي كان الشيخ قبلان (من آل الصغير) في القرن الثامن عشر ومعظم القرى المذكورة آنفا كانت تابعة لهذه المقاطعة خاصة سهل الحولة الذي يعرفه اهالي جبل عامل "بجورة الذهب" لخصب ارضه ومياهه عدا القسم الغربي فكان يخضع لمقاطعة تبنين ومنها البصة مثلا والتي حاول طاهر العمر الاستيلاء عليها ودارت معارك طاحنة بينه وبين العامليين لاجلها ومنها معركة الدولاب وطيربيخا وغيرها تمخضت عن عدول الشيخ طاهر عن اطماعه عندما اكتشف قوة العامليين فعقد معهم تحالفا دفاعيا تطور الى تحالف كونفدرالي confederation   مع علي بك الكبير حاكم مصر ايضا الدعوى المقدمة من قبل الشيخ حمد البك المحمود ـ حاكم تبنين ـ عام 1847 عند والي بيروت ضد اهالي طيرشيحا الذين وضعوا ايديهم عنوة على اراضي جاليل ...

الى ذلك فان تقرير قائد الحملة الفرنسية على سوريا عام 1861 الجنرال بوفور دوتبول والذي يقترح فيه انشاء دولة لبنانية حدودها الجنوبية :

Aus les limites actuelles des districts des houle et des belad -bucharra     الحدود الحالية لمناطق الحولة وبلاد بشارة ...

وتأتي اتفاقية سايكس بيكو 1916 لتؤكد على هذه الحدود وفق بنودها المعروفة ، وتوضح ذلك خارطة هذه الاتفاقية التي تحد المنطقة الزرقاء منطقة نفوذ فرنسي في الجنوب من نقطة على البحر المتوسط هي مصب نهر الزيب ـ وادي القرن ـ شمال عكا بخط يجاري وادي القرن ثم ينحني ليضم بحيرة طبريا دون الشاطىء الغربي منها ...

يتضح جليا ودون شك ان هذه الحدود رسمتها الجغرافيا السياسية لمنطقة جبل عامل كوحدة سكانية متجانسة اولا وبالتالي مصالح فرنسا وبريطانيا ...

 

جغرافية جبل عامل السياسية

اتفق معظم المؤرخين على ان حدود جبل عامل الشمالية تبتدىء من نهر الاولي (الفراديس) صعودا الى ان ينحط على ينبوع نهر الحاصباني ـ احد روافد نهر الاردن ـ ويتجه عندئذ على مجرى النهر المذكور ثم ينتهي هذا الخط على ضفة بحيرة الحولة الغربية ، وينعطف غربا جنوبي مقام النبي يوشع وشمال الهراوي ، ويمتد غربا فيتبع مجرى وادي فاره وينتهي عند مصب وادي القرن جنوبي قرية البصة والزيب شمالي طيرشيحا فتدخل فيه الخالصة من الحولة وهونين ـ قاعدة مقاطعة هونين العاملية ـ وابل القمح والنبي يوشع ـ الذي كان مزارا عامليا معروفا بذكره المعمرون حتى اليوم وصلحة والمالكية وطيربيخا وقدس (التي عدتها المقدسي من قصبات جبل عامل ) والبصة على سفح جبل ليون ، وفي جانب (وادي) القرن الى الجنوب قلعة والى الشمال ارض جاليل وفيه مزارع ولهذا يقول الشيخ سليمان ظاهر في الحنين الى جبل عامل وهو ناء عنه :

    ومن نهر الفراديس المصفى             لنهر القرن لي رهط وصحب

تأسيسا على ما تقدم تدخل ضمن الحدود المذكورة اعلاه  كل الاراضي التي تضم البلدات والقرى والخرائب العاملية والتي الحقت بفلسطين (لتؤول الى الحركة الصهيونية وبمطالبة منها) على عدة مراحل هي 1920 و 1923 و 1926 و 1948 ومنها غير التي ذكرت آنفا : المشيرفة ، النبي ربين ، معصوبة ، حانوته ، ادمث ، جردي ، اعربين ، خربة الصوانة ، خربة مردة ، اكرث ، منصورة (بيت مطر) سعسع ، ديشوم ، المنارة ، ابل القمح ، المطلة (وهي اولى الاراضي التي اشتريت لتكون وتد جحا كما يذكر سلام الراسي ) ، النخيلة ، الصالحية ، الدوارة ، الخصاص ، العباسية ، دفنة ، اللزازة ، الناعمة ، معسولة ، الدميرجات ، الجردة ، كفربرعم ، الزاوية ، الذوق الفوقاني ، الذوق التحتاني ، خان الدوير ، شوقا ، صروح ، الى غيرها من القرى المستحدثة في داخل الحدود كمسكاف عام قرب عديسة (التي سلخ الكثير من عقاراتها ) والتخشيبة ضمن ابل القمح .

ومن نافل القول ان هذه القرى كانت تتبع ولايتي تبنين وهونين العامليتين منذ القرن الرابع الهجري بحسب المقدسي (ت 378هـ) وبحسب مؤرخي دولة المماليك فيذكر ابن خلدون ان الجولان متصل بجبال بني عاملة وكذلك الهمداني بذكره (ديار عاملة مجاورة للاردن ... فهي في جبلها المشرف على طبريا الى نحو البحر وجبل عاملة مشرف ايضا على عكا من قبل البحر ويليها ) .

 

استراتيجية شراء اراض لاقتلاع شعب

وفق الحقيقة التاريخية ووقائعها المعاشة ، فان حدود جبل عامل المندمج مع الكيان (السياسي) اللبناني المنشأ في العام 1920 تكون حدود لبنان الجنوبية ، لذلك واستنادا الى الوثائق التاريخية والكم الهائل من صكوك المالكية التي لا تزال بحوزة بعض (المهجرين المطرودين) من قراهم العاملية والتي سلختها لجنة تخطيط الحدود عام 1923 ودون ادنى شك انه كان بتاثير من الحركة الصهيونية الناشطة آنذاك في المحافل الدولية وفي شراء الكثير من الاراضي من بعض الوجهاء (من برجوازيي المدينة) والسياسيين اللبنانيين يتبين من الوثائق ان سياسة الترغيب والتهديد كانتا تمارسان ضد الملاكين هؤلاء من خلال امرين اثنين :

الاول : اقناع هؤلاء البرجوازيين الذين جاؤوا من المدينة بعد عملية الاصلاح الاداري العثماني بدءا من خط كلخانة 1839 مرورا بخط التنظيمات الخيرية عام 1856 وما تلاها وصولا الى قانون 1926 العقاري في ظل الانتداب الفرنسي والمعطوف على القوانين العثمانية الآنفة الذكر ... فسجلوا باسمائهم اخصب الارض لتشكل لهم توظيفا ماليا مربحا ـ بان ارضهم ستصادر عاجلا ام آجلا ان لم يرتضوا بالمبالغ المعروضة عليهم ، خصوصا ان الراي العام كان معبأ بقدوم اليهود والدولة اليهودية ، بعد وعد بلفور الشهير عام 1917 ، وانتصار الحلفاء في الكونية الاولى وهزيمة الدولة العثمانية وتنامي الحركة الصهيونية وصدور صكوك الانتداب وخاصة المتعلق منها بفلسطين ..

الثاني : ان المبالغ التي عرضت على الملاكين كانت تفوق بكثير قيمة الارض آنذاك ، باعتبار ان مردود تلك الاراضي لن يساوي جزءا من قيمة المبالغ المغرية المعروضة ، ولا ننسى ان هؤلاء الملاكين البرجوازيين (والسياسيين) الذين امتلكوا هذه الاراضي كانت غايتهم الربح فقط بعد ان ثبت لهم ان التوظيف العقاري اكثر ربحا وضمانة من التوظيف الصناعي والتجاري وتقلباته ، اضافة الى ان ملكية الارض كانت تحمل موروثا اقطاعيا هو النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، باعتبار ان الارض يمكن ان تؤمن لهم سيولة نقدية في اية لحظة اريد بيعها ، الامر الذي اكتشفته الصهيونية عند هؤلاء الملاكين ، فاغدقت عليهم الاموال وهذا بالطبع على عكس مقولة " الارض لمن يعمل عليها او من يحييها ليعتاش من خيراتها " ويكون بالتالي سيدها بحسب نظرية السيادة والتلازم بين الملكية الاقليمية والسيادة.

بلغت الاطماع الصهيونية العاصمة اللبنانية بيروت عام 1982 لتعود وتبتلع اطماعها وتكاد الغصة تقتلها اليوم ، وكل يوم يشد على خناقها ، ولكن لا بد من التذكير بما حصل اعوام 1949 و 1967 و 1982 مرورا بالاجتياح الاول 1978 وما بينهما من استيلاء منظم للارض اللبنانية على طول التحديد (الحدود) وصولا الى مزارع شبعا وغيرها مؤخرا ...

نقول الى متى هذه الغطرسة الصهيونية ..؟ طالما اننا نحن اصحاب الارض وبالتالي اصحاب الحق لاستعادة هذا الحق المسلوب بالقوة ...

ونقول ان الارض كل الارض وليست (اراضي) هو جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية التي من اسس مبادئها السيطرة والتوسع فيها ـ اي الارض ـ ووفق منهجية منظمة اشترت بعضها فكانت بدايات مشروع اقامة كيانها الذي اثبتت الاحصائيات ان الصهيونية لم تنجح الا في شراء نسبة ضئيلة جدا استغلتها فيما بعد (على قاعدة وتد جحا) ارضية للكيان حيث بدأت تخضع ارض فلسطين لقوانين سنتها لنفسها ومنها : ( قانون املاك الغائبين لسنة 1950) والذي بموجبه تمت سرقة ومصادرة املاك كل من غاب او غيب عن ارض فلسطين . وتبعه قانون استملاك الاراضي التي اعتبرتها المحاكم العسكرية " املاك دولة" للقضايا العسكرية والامنية فاستغلت فيما بعد لعمليات الاستيطان ونذكر هنا ان قانون " انتقال الاموال غير المنقولة" لعام 1921 الذي اصدرته سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين كان بسعي من الحركة الصهيونية آنذاك .

واخيرا فان ثمة حملة اعلامية تثيرها الصحافة الصهيونية عن املاك لليهود في لبنان (صيدا) (مرجعيون) (بيروت) وغيرها لا بد من التصدي لها .

وفي هذا الصدد نذكر اننا في اثناء انعقاد المؤتمر الذي نظمته الجامعة اللبنانية عام 1998 في صيدا بعنوان " الجنوب اللبناني والصراع العربي "الاسرائيلي " قد رفعنا عدة توصيات منها واهمها :

ـ اعتبار القرى السبع التي منحت الدولة اللبنانية ابناءها الجنسية هي قرى لبنانية ارضا وشعبا .

ـ وضع حد للاملاك التي تسعى الصهيونية لاستغلالها بطريقة او باخرى وكان تاكيدنا على القيمين على المؤتمر ان ترفع هذه التوصيات الى المجلس النيابي اللبناني لاجراء المقتضى ...