لبنان و"اسرائيل" خمسون عاما من الصراع

(الحلقة الثانية:)

د. الياس شوفاني

مفكر فلسطيني


مقدمة:

في هذه الحلقة يتابع المفكر الفلسطيني اليأس شوفاني، قراءة مسلسل الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان، والاسباب التي ادت إلى نشوء المقاومة التي تكفلت بمواجهة الاعمال العسكرية "الاسرائيلية".

ويجد القارئ في هذه المقالة، اطلالة واسعة على خلفيات الاعتداءات "الاسرائيلية" في الاعوام 1993 و1996 وكلها ترتبط بالابعاد "الاسرائيلية" التي سعت لاعادة احياء اتفاق "17 ايار" 1993، ذاك الاتفاق الذي الزمت به "اسرائيل" لبنان بعد اجتياحها له في العام 1982.

فضلا عن ذلك سوف يلاحظ القارئ، الدعم الاميركي المفتوح للاعتداءات "الاسرائيلية". وكذلك التغاضي الدولي عن تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بلبنان.

وهذه المقالة تؤكد ايضا، ومن دون ان نقول بالحرف، ان التصدي البطولي من جانب المقاومة للاعتداءات "الاسرائيلية" هو الامر الوحيد الذي ادى إلى انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان في الخامس والعشرين من شهر ايار 2000.

 

اسوة بغيره من دول الطرق العربية، تعرض لبنان لعدوان "اسرائيلي" منذ حرب 1948، الا انه منذ غزو 1982، اصبح مستباحا بذلك العدوان، ارضا وشعبا واقتصادا وسيادة، وبجميع اشكال العنف العسكري والارهابي، وكان طبيعيا ان يولد ذلك الوضع ضده المقاومة اللبنانية باشكالها المختلفة، التي راحت تتصاعد حدة بالتوازي مع احتدام التناقض المتولد عن العدوان. وفي غياب الذريعة الفلسطينية بعد خروج م.ت.ف من لبنان (1982)، اصبحت المقاومة اللبنانية للاحتلال "الاسرائيلي" لجزء من جنوب لبنان، بحجة حماية المستوطنات على حدود فلسطين الشمالية، هي الذريعة، وفي الواقع، فانه في اطار الدور الوظيفي للآلة العسكرية "الاسرائيلية"، من جهة، ونظرا لطبيعة المقاومة اللبنانية، من جهة اخرى، اصبح لبنان، وخاصة جنوبه ، ساحة قتال وارضا محروقة، ليس لاسباب تتعلق بالشأن اللبناني البحت، وانما تلعب فيها الابعاد الاقليمية للصراع في المنطقة دورا اساسيا. لقد اوغلت "اسرائيل" في عدوانها على لبنان، وعاثت فيه تدميرا وقتلا وتهجيرا، بحيث لم تبق امام سكانه الا الصمود والمقاومة، اللذين اصبحا عظمة في حلقها. وكما وقفت القيادة السياسية ـ العسكرية "الاسرائيلية" عاجزة عن قمع الانتفاضة الفلسطينية في المناطق المحتلة عام 1967، هكذا وجدت نفسها في مواجهة المقاومة اللبنانية. وهي، كما فعلت مع م.ت.ف في اوسلو، سعت لتجنيد السلطة اللبنانية في القضاء على المقاومة الاسلامية في لبنان، من خلال عروض التسوية الملغومة التي طرحتها على الحكومة اللبنانية، ولكنها اخفقت في مسعاها هذا. لقد انقلب الحزام الامني في الشريط الحدودي اللبناني إلى "بطن رخو" للجيش "الاسرائيلي". وهذا الحزام الذي اقيم بذريعة توفير الامن للمستوطنات "الاسرائيلية" الشمالية، قد جعل منها رهينة في يد المقاومة اللبنانية الباسلة. وعندما تم الاتفاق بين المتحاربين على تحييد المدنيين (تفاهم نيسان 1996) كانت يد مقاتلي حزب الله هي العليا في المواجهة العسكرية مع الجيش "الاسرائيلي" المرابط في الجنوب اللبناني. ولما بدأت جثث قتلاه تتقاطر على "اسرائيل"، ارتفعت فيها حدة الاحتجاج على استمرار الاحتلال "الاسرائيلي" للشريط الحدودي اللبناني، وصولا إلى اتخاذ حكومة باراك قرار الانسحاب من لبنان في موعد اقصاه شهر تموز 2000، بصرف النظر عن مآل مفاوضات التسوية على المسار السوري ـ اللبناني. وكان باراك قد اكد على ذلك مرارا في حملته الانتخابية (1999)، وعاد وكرره في كل مناسبة بعد وصوله إلى السلطة، إلى ان اصبح قرارا حكوميا معتمدا (5/4/2000).

لم تتغير اهداف "اسرائيل" الاستراتيجية تجاه لبنان جذريا بعد خروج م.ت.ف منه، خاصة وان الغزو لم يحقق النتائج التي توخاها. والانسحاب "الاسرائيلي" العسكري، الذي تم تحت ضغط سياسي خارجي، وآخر عسكري محلي (المقاومة اللبنانية)، لم يواكبه انكفاء سياسي عن اهداف الغزو (انظر اعلاه). ولذلك، استمرت "اسرائيل" بتأييد اميركي، في عملية التطويع السياسي القسري للقوى التي استهدفها الغزو، وهي لا تزال مستمرة إلى الان (عام 2000)، بصورة او بأخرى. وتجري هذه العملية عبر خلق حالة من التوتر الداخلي في لبنان، تحت تأثير الضغط الخارجي، السياسي والعسكري، لادخال القوى المستهدفة في ازمة ذاتية، تتعمق باستمرار وصولا إلى الاستسلام للبرنامج المعادي، على قاعدة ازمتها، دون مصالحها. وهكذا، وعلى هذا الاساس، استمر الصراع على الساحة اللبنانية بين مشروعين متناقضين، على الرغم من عدم الوضوح بينهما، وخلط الاوراق فيهما، نظرا لمستوى تبلورهما ومدى تعبيرهما عن مصالح القوى التي تطرح كلا منهما. وكانت وجهة الاول تثبيت اتفاق 17 ايار 1983 وتكريسه، فيما وجهة الثاني نسف تلك الاتفاقية والغاء آثارها. وبانسحابها العسكري، دون انكفائها السياسي، كان طبيعيا ان تستمر "اسرائيل"، وبأشكال مختلفة، في تأجيج الصراع على الساحة اللبنانية، وبالتالي، في توتير الاوضاع فيه، وصولا إلى اخضاعه لارادتها. ولكن ذلك لم يتحقق لها، فاستمر الصراع، وتحول إلى حرب استنزاف طويلة الامد، عمدت فيها "اسرائيل" إلى سياسة الارض المحروقة، فيما سلكت المقاومة اللبنانية طريق حرب الشعب.

وقد لخص الكاتب اللبناني، محمود سويد، (الجنوب اللبناني في مواجهة "اسرائيل"، بيروت، 1998، ص 2) الوضع في لبنان خلال العقود الثلاثة (1968ـ1998) كما يلي : "شهد لبنان في هذه الحقبة اربعة اجتياحات كبيرة، كان الجنوب ساحتها الرئيسية، واطلق "الاسرائيليون" على كل منها اسما معبرا : "عملية الليطاني" سنة 1978، "عملية سلامة الجليل" سنة 1982، "عملية تصفية الحساب" سنة 1993، "عملية عناقيد الغضب" سنة 1996، فضلا عن الاجتياحات المحدودة، وغارات الطيران الحربي "الروتينية" التي تدمر وتقتل وتهجر، ومحاصرة المرافئ البحرية، والحملات البرية التي من نتائجها الاعتقال، والنفي ونسف البيوت وحرق البساتين والغلال. وعقد لبنان الكثير من الاتفاقات، وعنوانها الرئيسي المسألة الجنوبية: اتفاق الهدنة سنة 1949، اتفاق القاهرة سنة 1969، اتفاق 17 ايار 1983، تفاهم تموز 1993، تفاهم نيسان 1996، وحلت على ارضه جيوش عربية (قوات ردع) سنة 1976، وقوات متعددة الجنسيات سنة 1982، وقوات الامم المتحدة التي لا تزال ترابط على تخوم "حزام الامن". وعرفت هضاب الجنوب واوديته ومسالكه الوعرة كل انواع المقاومين.

فبعد خروج م.ت.ف من لبنان، دخلت القوات "الاسرائيلية" إلى الشطر الغربي من بيروت (15/9/1982)، وذل بعد مقتل الرئيس اللبناني المنتخب في ظل الاحتلال "الاسرائيلي"، بشير الجميل (14/9/1982). وكانت مجازر صبرا وشاتيلا (16ـ18/9/1982)، التي نفذتها عناصر لبنانية برعاية "اسرائيلية". وبعد احتلال بيروت الغربية لمدة 16 يوما، انسحبت منها القوات "الاسرائيلية" (27-28/9/1982) تحت الضغط السياسي الخارجي، وبتأثير ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية. ويقول سويد (المصدر السابق، ص 18ـ19) ما يلي: ومنيت قوات الاحتلال "الاسرائيلية" وقوات المارينز الاميركية والقوات الفرنسية بخسائر فادحة في عمليات استشهادية للمقاومة. وتحولت الانتصارات "الاسرائيلية" المؤمل بها إلى مأزق "اسرائيلي" كان قادة الحرب اول ضحاياه: ففي اوائل سنة 1984 اعتزل مناحم بيغن بعد اعتكاف استمر عدة اشهر، وذكر انه اصيب بالاحباط. واجبر وزير الدفاع اريئيل شارون، على الاستقالة بعد ان ادانته هيئة قضائية (لجنة كاهان). واعتزل رئيس الاركان، "رفائيل ايتان". ويلفت النظر ان القوات "الاسرائيلية" دخلت بيروت الغربية بعد يومين من انسحاب القوات المتعددة الجنسيات منها. وفي الواقع، فان مجلس الوزراء اللبناني كان طلب (18/8/1982) استقدام قوة متعددة الجنسيات للاشراف على اجلاء القوات الفلسطينية عن لبنان، استنادا إلى اتفاق اميركي ـ لبناني ـ فلسطيني، اعلنه الوسيط الاميركي فيليب حبيب (7/8/1982)، ويقضي باشراف قوة دولية على اجلاء قوات الثورة الفلسطينية عن لبنان. وقد تم ذلك على دفعات، كان آخرها في 1/9/1982. وتألفت القوة الدولية من وحدات اميركية (مارينز) وفرنسية وايطالية، وانسحبت من بيروت بعد انتهاء مهمتها (10-13/9/1982). ثم، عادت في 24/9/1982 في اعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا، وانسحبت نهائيا من لبنان في اواخر آذار مارس 1984، بعد ضربات موجعة وخسائر فادحة تكبدتها الوحدتان الاميركية والفرنسية.

وفي اثناء الاحتلال "الاسرائيلي" لاجزاء واسعة من لبنان، عقدت الحكومة "الاسرائيلية" اتفاق 17 ايار 1983، الذي في اثره بدأت القوات "الاسرائيلية" انسحابها المتدرج من المناطق اللبنانية المحتلة، وتسليمها إلى القوات المسلحة اللبنانية. وكانت المفاوضات "الاسرائيلية" ـ اللبنانية قد بدأت جولتها الاولى 28/12/1982 في فندق لبانون بيتش في خلدة قرب بيروت، واستمرت حتى اعلان الاتفاق (17 ايار 1983). وعقدت الجلسات في لبنان (خلدة) وفي "اسرائيل" (كريات شمونة) بالتناوب. ونص الاتفاق على انهاء حالة الحرب بين لبنان و"اسرائيل"، وعلى التعهد بانسحاب القوات "الاسرائيلية" من لبنان خلال 8 ـ 12 اسبوعا من سريان الاتفاق، وانشاء منطقة امنية تنفذ فيها الترتيبات الامنية المتفق عليها في ملحق خاص، وتأليف لجنة اتصال مشتركة لبنانية ـ "اسرائيلية" ـ اميركية للاشراف على تنفيذ الاتفاق، وتنبثق منها لجنة الترتيبات الامنية ولجان فرعية، وانشاء مكاتب اتصال في البلدين، والتفاوض لعقد اتفاقات حول حركة السلع والمنتجات والاشخاص، وامتناع كل فريق عن أي شكل من اشكال الدعاوة المعادية للفريق الاخر، والغاء المعاهدات والقوانين والانظمة التي تعتبر متعارضة مع هذا الاتفاق.

وبعد توقيع الاتفاق، بدأ الجيش "الاسرائيلي" ينسحب من لبنان تدريجيا، فأخلى ضواحي بيروت ومنطقة الشوف (ايلول 1983)، ثم انسحب من منطقة صيدا والزهراني (شباط 1985)، ثم من مناطق النبطية وصور والبقاع وجبل الباروك وجزين وبعض مناطق القطاعين الشرقي والاوسط في الجنوب (نيسان 1985). وكانت الحكومة "الاسرائيلية" قد اتخذت قرارا بالانسحاب من لبنان (21/4/1985)، نفذه الجيش "الاسرائيلي" في اوائل حزيران 1985، ولكن دون الانكفاء إلى ما وراء خطوط الهدنة لعام 1949، واحتفظ بشريط اطلق عليه اسم "الحزام الامني". وقد وصف سويد (المصدر السابق، ص 20ـ21) هذا الحزام كالتالي: "وتراجعت الاهداف الكبيرة لتعود إلى حيث انطلقت: "حزام امني" مساحته 850 كلم2 (8% من مساحة الاراضي اللبنانية)، يضم 85 بلدة وقرية ومزرعة في اقضية مرجعيون والنبطية وحاصبيا وبنت جبيل وصور. ثم اضافت "اسرائيل" إلى منطقة جزين حتى كفرفالوس. وهكذا توسع هذا الحزام بقضم مناطق تابعة لقوات الامم المتحدة حتى استقر على مساحة 1.100 كلم2، أي نحو نصف مساحة الجنوب، و10% من مساحة لبنان، يمتد من البحر عند رأس الناقورة على الساحل، إلى ياطر ومجدل زون وامتدادهما غربا، ثم مرجعيون والطيبة وبيت ياحون شمالا، ثم كفر شوبا وشبعا شرقا، حتى سفوح جبل الشيخ والحدود مع الجولان المحتل، أي شريط طوله 79 كلم وعرضه يتراوح بين 7و17 كلم، ويضم 113 بلدة وقرية و60 مزرعة، يبلغ عدد سكانها نحو 150.000 نسمة، يزداد بمعدل النصف خلال فصل الصيف (تقديرات سنة 1982). ويتصل هذا الحزام بـ"اسرائيل" بواسطة بوابات عبور: رأس الناقورة، بيرانيت (قرب رميش في القطاع الاوسط)، والمطلة (في القطاع الشرقي)، وعدد آخر من البوابات الفرعية. كما يتصل بالداخل اللبناني عبر بوابات : البياضة (صور)، بيت ياحون (بنت جبيل)، وكفرتبنيت (النبطية ـ مرجعيون)، وزمريا (حاصبيا)، وكفرفالوس وباتر (جزين)، وغيرها.

في البداية، اوكلت "اسرائيل" إلى "جيش لبنان الجنوبي" مسألة التصدي للمقاومة في الحزام الامني وضبط الاوضاع الامنية وادارة الشؤون المدنية فيه، باشراف وارشاد ضباط "اسرائيليين". ولما برز عجز هذا الجيش عن آداء المهمة المطلوبة منه، راحت "اسرائيل" ترفده بقوات من جيشها. وكان كلما تصاعدت المقاومة وتطورت اساليب قتالها، كلما زجت "اسرائيل" بمزيد من قواتها في ذلك الحزام. وعززت اجراءاتها العسكرية هناك. فأقامت التحصينات المنيعة على طول المنطقة المحتلة، بما يعيد إلى الاذهان "خط بارـ ليف" على جبهة قناة السويس اثناء حرب الاستنزاف (1968ـ1970). ومع تزايد التواجد العسكري "الاسرائيلي" المباشر والدائم في الحزام، واصبح دور "جيش لبنان الجنوبي" هامشيا في حرب الاستنزاف التي استمرت متصاعدة . وتحت ضربات المقاومة الاسلامية المتلاحقة، وجراء اختراق جهاز استخباراتها وحدات ذلك الجيش واقناع بعض افرادها بمغادرة صفوفه، ظل على الدوام اقرب إلى الانهيار منه إلى التماسك، الامر الذي استوجب المزيد من زج وحدات عسكرية "اسرائيلية" مختارة في المواجهة في المقاومة. وعبر سنين طويلة من الفعل وردة الفعل في مسار تصاعدي من المواجهة في الجنوب اللبناني، دون امكان حسم الصراع لصالح أي من الطرفين، تحولت المواجهات إلى حرب استنزاف حقيقية، امتدت نارها لتشعل، من وقت إلى آخر، المستعمرات "الاسرائيلية" الشمالية ردا على استهداف المدنيين من جانب الجيش "الاسرائيلي" بالقصف المدفعي او الجوي او البحري. ولم يكن بوسع "اسرائيل" الصمود في هذا النمط من المواجهة، لا على صعيد النشاط العسكري ضد مقاتلي المقاومة الاسلامية، ولا على صعيد الآثار المترتبة على زج المدنيين في الصراع كوسيلة ضغط يستخدمها كل طرف ضد الاخر. فعمدت "اسرائيل" إلى تغيير قوانين اللعبة، ظنا منها ان ذلك سيكون في صالحها، ولكن سرعان ما خاب ظنها، وثبت خطأ تقويماتها. وخلال التسعينات، شهد الجنوب اجتياحين كبيرين، اتبعت "اسرائيل" فيهما سياسة الارض المحروقة بهدف القضاء على المقاومة، والتأثير في خياراتها التسووية، التي كان يتسحاق رابين، رئيس الحكومة "الاسرائيلية"، يديرها متنقلا بين الجانب الفلسطيني من جهة، والجانب السوري ـ اللبناني من جهة اخرى، محاولا اللعب على تعدد المسارات بما تقتضيه اوضاع حكومته الداخلية، ومواقفها الذاتية، في المفاوضات الجارية على التسوية.

 

 عملية تصفية الحساب 1993

عن هذه العملية، اورد الكاتب محمود سويد (المصدر السابق ص 23) المعلومات الموثقة التالية: في 25 تموز 1993، شنت "اسرائيل" عملية "تصفية الحساب" التي استمرت سبعة ايام وشملت مناطق كثيرة في الجنوب والبقاع والشمال واطراف بيروت، واستخدمت فيها جميع انواع الاسلحة، وبصورة خاصة الاسلوب التدميري (القتل النظيف) الذي استخدمه الحلفاء في هجومهم على العراق سنة 1991. وكانت نتائج العدوان، بحسب المصادر الرسمية اللبنانية، 132 قتيلا و500 جريح. وشمل 120 قرية دمر فيها 10.000 منزل، واصاب 20.000 باضرارا. وبلغ عدد النازحين الهاربين من القصف من منطقتي الجنوب والبقاع 300.000 نازح. كما دمرت منشآت عامة، مثل المدارس والجسور والطرق وامدادات المياه. اما خسائر "اسرائيل" فكانت مقتل 26 جنديا وجرح 67 جنديا، بحسب معلومات محدثة اعلنها الناطق باسم الجيش "الاسرائيلي" في 2 ايلول 1998. وقد انتهى الاجتياح مساء 31 تموز 1993 باتفاق شفهي، بوساطة اميركية بين لبنان وسورية من جهة، و"اسرائيل" من جهة اخرى، عرف اسم "تفاهم تموز" ويقضي بوقف اطلاق صواريخ الكاتيوشا على شمال "اسرائيل" في مقابل التعهد بعدم قصف القرى الاهلة والمدنيين اللبنانيين. لكن اتفاق "التفاهمات" لم يصمد طويلا، على الرغم من ان المقاومة الاسلامية ركزت نشاطها ضد الجيش "الاسرائيلي" داخل الاراضي اللبنانية. وبدأت التساؤلات، بشأن جدوى الاحتفاظ بـ "حزام امني" ترتفع في "اسرائيل" كلما ازداد عدد القتلى من الجنود "الاسرائيليين" العاملين في الجنوب.

وكانت عملية "تصفية الحساب" (حرب الايام السبعة) قد وقعت بينما مفاوضات التسوية على ارضية مؤتمر مدريد 1991 جارية، وان لم تكن تحرز تقدما يذكر على المسارين السوري واللبناني. وكانت العملية متوقعة، وليس فيها من مفاجأة الا لناحية النوع والحجم. فقد ذكرت جريدة الحياة (4/8/1994) ان كبار المسؤولين اللبنانيين، جميعا، تبلغوا من الجانب الاميركي معلومات عن العدوان قبل وقوعه باسبوعين. وتحسبا للعدوان استبق حزب الله العملية، فاخلى مواقعه المعرضة للقصف ، وبدل انتشاره. وكانت الصحافة "الاسرائيلية"، طوال اكثر من اسبوع قبل بدء العملية، ناقشت احتمالات العدوان والتحضيرات له ردا على ما اسمته "تغيير قواعد اللعبة من جانب حزب الله وحماس" (دافار، 16/7/1993). وكانت تلك الصحافة تقصد اقدام حزب الله على قصف مستوطنات الشمال "الاسرائيلية" بصواريخ الكاتيوشا، ردا على قصف "اسرائيل" القرى اللبنانية وسكانها. وذكرت "دافار" ما يلي: كانت المداولات في الجيش والطاقم الوزاري للشؤون السياسية والامنية جارية في شأن سلسلة متنوعة من امكانات الرد، بدءا باعلان حرب شاملة في لبنان، مرورا بالقيام بعملية "تنظيف" على غرار عملية الليطاني او الناعمة، او "عمليات ذكية" بواسطة عدد محدود من القوات على غرار العملية التي نفذت لتصفية عباس الموسوي، او القيام بعمليات قصف من الجو والبر. ويعتقد المؤيدون للقيام بعمل عسكري ان على الجيش "الاسرائيلي" العمل ضد اهداف للمخربين في عمق الاراضي اللبنانية، وايضا في المناطق التي تسيطر سورية عليها، بهدف التلميح إلى كل الاطراف بان "اسرائيل" لن تتنازل، ولن تسمح بتدهور الوضع اكثر.

لقد ارادت القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" ان تكون العملية مؤلمة، بحيث تدفع الحكومة اللبنانية إلى انهاء المقاومة الاسلامية، وتجريد حزب الله من سلاحه، بكل ما يترتب على ذلك من توتر داخلي. كما خططت لان تؤدي العملية إلى تأزيم العلاقة اللبنانية ـ السورية، وبالتالي دق اسفين بين المسارين، السوري واللبناني، في مفاوضات التسوية الجارية، بعد خروج كل من منظمة التحرير الفلسطينية والاردن من اطار التنسيق العربي في تلك المفاوضات، فيما بقي المساران، السوري واللبناني متلازمين، الامر الذي لم يرق للقيادة "الاسرائيلية". ومن الذرائع التي اوردتها الصحف "الاسرائيلية" لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، اضافة إلى القصف الذي تتعرض له مستوطنات الجليل، المستوى المتطور الذي بلغته عمليات المقاومة، والتنسيق بين حزب الله ومنظمات فلسطينية عادت إلى العمل من جنوب لبنان (دافار،16/7/1993). واتهمت تلك الصحف سورية برعاية ذلك التنسيق، اضافة إلى ايران، ذلك لان الرئيس الاسد "يمتحن الخط الاحمر لدى رابين، والحدود التي يمكن دفع "الاسرائيليين" اليها". (زئيف شيف،"هآرتس"،16/7/1993). وقال دان افيدان (دافار،16/7/1993) ان من ذرائع العملية ايضا كون استمرار الهجمات على منطقة "الحزام الامني" من دون رد "اسرائيلي" حاسم قد يحمل سكان هذه المنطقة على الظن "ان حكومة "اسرائيل" عاجزة عن مقاتلة المخربين والدول التي تقف وراءهم، ولذا فان الفائدة في مواصلة التعاون معها، ومثل هذا المزاج العام قد يؤدي إلى انهيار منطقة الحزام الامني من الداخل، وهذا هو بالضبط هدف السوريين وامتداداتهم في لبنان". وخلص افيدان إلى ان العملية "ستشمل الاراضي التي يتموضع فيها الجيش السوري في لبنان" لاظهار ان الانسحاب "الاسرائيلي" لن يتم الا من خلال "المفاوضات السياسية، وتوقيع اتفاق سلام، ووضع ترتيبات امنية".

لم تكن عملية "تصفية الحساب" معزولة عن المسار السياسي العام في المنطقة، أي عن المفاوضات الجارية بشأن التسوية، وبالتالي، انعكاس حرب الاستنزاف الدائرة في جنوب لبنان عليها. فالقيادة "الاسرائيلية" التي كانت تفاوض الحكومة اللبنانية من موقع القوة، وبالاستناد إلى احتلال جزء من لبنان، وما يسببه ذلك من تأزيم لاوضاع لبنان عامة، وبالارتكاز على القناعة بقوة آلتها العسكرية الرادعة، رأت بالمقاومة المتصاعدة عاملا ينتقص من قدرتها على المساومة وفرض ارادتها على الجانب اللبناني في المفاوضات. فاستمرار المقاومة وتفاقم آثارها السلبية على "اسرائيل"، يضع حكومتها في مأزق يقلص حريتها في التعامل مع الحكومة اللبنانية بالشكل الذي ترتئيه، ويحقق اهدافها في اخضاع الحكومة اللبنانية لاملاءات الموقف "الاسرائيلي" في مفاوضات التسوية، وبالاساس، فصل المسار اللبناني عن السوري في تلك المفاوضات، بما يترتب عليه من نتائج سلبية على المسارين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قال المعلق السياسي للشؤون العربية، دان افيدان، (دافار،16/7/1993)، ما يلي: "فقد لاحظ مراقبون "اسرائيليون" ان عمليات المقاومة حققت في الاشهر السابقة للعملية تطورا تقنيا مهما: فالعبوات التي تزرع على جوانب الطرق تفجر بواسطة اجهزة التحكم عن بعد، وفي اماكن فاجأت جنود الجيش "الاسرائيلي" اكثر من مرة. كذلك تمرس رجال المقاومة على قتال المواجهة المباشرة مع الجنود "الاسرائيليين" وجيش لبنان الجنوبي بجرأة اكبر. ونجحوا في التخطيط لعمليات تم فيها الدمج بين زرع عبوات ناسفة متطورة وبين نصف كمين قرب مكان العبوة. كما شرع حزب الله في استخدام صواريخ مضادة للدبابات من طراز "ساغر"، وحسن مقاتلوه من اساليب قتالهم في اثر دورات التدريب التي تلقوها في ايران ومن اجل سلامة سكان اصبع الجليل وطمأنة سكان منطقة "الحزام الامني"، قررت الحكومة القيام بعملية عسكرية في لبنان، الهدف منها اشعار اللبنانيين بانه لن يكون هدوء واستقرار في اراضيهم ما لم تتوقف عمليات المقاومة".

وكان سير العملية يشير إلى ان خطتها العسكرية ترمي إلى تهجير سكان الجنوب شمالا إلى بيروت لاغراقها بالنازحين، وبالتالي، ارباك الحكومة اللبنانية واجبارها على الرضوخ للارادة "الاسرائيلية" في مفاوضات التسوية. اما اسلوب العمل العسكري فيشير بوضوح إلى انه يستهدف قتل المدنيين وتدمير القرى والمنشآت على نطاق واسع، وذلك لاثارة السكان ضد المقاومة، بما يمهد الاجواء للاستسلام للامر الواقع. وفي الحقيقة، فان القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" لم تخف اغراضها من هذه العملية العسكرية الكبيرة، فقد عبر القادة "الاسرائيليون" بوضوح عن استخدام سلاح الضغط بواسطة التهجير لتحقيق اهداف العملية. وقال الجنرال (احتياط) اوري اور، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والامن في الكنيست: "ان هذه العملية لن تضع حدا لهجمات حزب الله. لكن نزوح السكان الشيعة عن القرى بفعل القصف يجب ان يشكل ضغطا على الحكومة اللبنانية لابعاد حزب الله عن هذه القرى. عندها سيذهبون شمالا ويعود الهدوء إلى المنطقة، والا فاننا سنتابع الضرب" (لوموند،27/7/1993). وكان الضغط موجها إلى سورية كذلك، كما صرح رئيس هيئة الاركان، ايهود باراك، بقوله: "اننا ننتظر ان تقدم سورية الدليل على رغبتها في استمرار عملية السلام، وان تفرض على حزب الله وقف اعتداءاته على حدودنا". (لوموند،28/7/1993). وقد عبر رئيس الحكومة "الاسرائيلية" في حينه، يتسحاق رابين، بوضوح اكثر عن ان هدف القصف هو دفع السكان إلى النزوح، وذلك بقوله: "اننا نرغب في دفع سكان جنوب لبنان إلى النزوح نحو الشمال للضغط على الحكومة اللبنانية ونشر الفوضى في صفوف مؤيدي حزب الله". (دافار،28/7/1993).

لقد تسببت العملية بتهجير مئات الالوف من اللبنانيين الجنوبيين، وخلفت دمارا كبيرا في قراهم وبيوتهم وممتلكاتهم، كما اوقعت اصابات كثيرة في صفوفهم، ومع ذلك، لم تحقق اهدافها السياسية. فلا الشعب اللبناني انقسم وقام على بعضه بين مؤيد للمقاومة ومناهض لها، ولا اوقعت العملية بين الجيش اللبناني والمقاومة، كما انها لم تحدث شرخا في العلاقة السورية ـ اللبنانية، او تجر السلطة اللبنانية إلى الرضوخ للمطالب "الاسرائيلية" في مفاوضات التسوية. "ومنذ 28 تموز بدأ الحديث عن اتفاق غير رسمي بوساطة اميركية، عززه وصول وزير خارجية ايران، علي اكبر ولايتي، إلى دمشق (29/7/1993) للمشاركة في صوغ التسوية المحتملة. وقد رافق هذه المساعي احاديث "اسرائيلية" عن تراجع القصف بصواريخ الكاتيوشا على الجليل، واحاديث اميركية استخباراتية عن تراجع امدادات الاسلحة إلى حزب الله عن طريق سورية (لوموند،31/7/1993). وكانت سورية وايران قد رفضتا طلبا اسرائيليا بنزع سلاح حزب الله كشرط لوقف العملية. "لكن اتفاقا شفهيا، اطلق عليه اسم "تفاهم" تم بين الاطراف ونفذ ابتداء من مساء 31/7/1993، ويقضي بوقف اطلاق الكاتيوشا على شمال "اسرائيل" في مقابل تعهدها بعدم قصف القرى الاهلة والمدنيين اللبنانيين. وهو اتفاق سارع حزب الله إلى التقليل من اهمية التزامه به، اذ سبق له ان اعلن اكثر من مرة انه لا يحبذ سياسة قصف الكاتيوشا، وانه لم يلجأ اليها الا ردا على الاسلوب "الاسرائيلي" بقصف القرى والمدنيين، عقب اية عملية ينفذها رجال المقاومة. (سويد، "حرب الايام السبعة"، ص xIx ـ xx).

 

 عملية عناقيد الغضب (1996):

في ظل مراوحة مفاوضات التسوية في مكانها، ومحاولة كل طرف تأزيم اوضاع الاخر، وبالتالي، تطويعه لمواقفه، او لبعضها، استمرت المواجهة العسكرية بين مد وجزر، ولكن في حدود "تفاهم تموز". بصورة او باخرى. وفي تقديمه لكتاب ("اسرائيل"/ جنوب لبنان، سياسة الارض المحروقة والحل المفروض) (بيروت،1996)، قال الكاتب اللبناني محمود سويد ما يلي: "لم تتوقف الاعتداءات "الاسرائيلية" على الجنوب اللبناني بعد عملية "تصفية الحساب" (تموز 1993)، تنفيذا للاتفاق الشفهي على عدم التعرض للمدنيين على طرفي الحدود، الذي عرف باسم "تفاهم تموز" بينما التزم حزب الله الاتفاق، فتوقف عن قصف شمال "اسرائيل" لمدة اكثر من عام، وكثف نشاطه ضد قوات الاحتلال والمتعاونين معه (جيش لبنان الجنوبي) في المنطقة المحتلة، بما شكل حرب استنزاف مكلفة استثارت ردات فعل "اسرائيلية" متمادية تجلت في مختلف اشكال الانتقام: قصف بري وجوي للقرى والبلدات بقذائف، منها المسماري والفوسفوري والانشطاري، تدمير منازل، قتل وجرح العشرات من المدنيين، حرق كروم ومزروعات، اعتقال مواطنين وخطف آخرين، محاصرة الموانئ البحرية، ولم توفر حتى مراكز القوات الدولية وجنودها… ومنذ اواسط سنة (1995) نحت المواجهة في الجنوب منحى تصعيديا عبر عن ضيق الجيش "الاسرائيلي" بالقيود التي يفرضها "تفاهم تموز"، وهو يرى ضباطه وجنوده يتساقطون داخل المنطقة المحتلة تحت ضربات مقاومة كفؤة وواثقة، يتطور اداؤها ويصبح اكثر فعالية في المواجهات الهجومية المباشرة والكمائن وزرع الالغام والعمليات الاستشهادية، وغير ذلك من اشكال المقاومة المسلحة". وفي هذا الصدد، ذكر زئيف شيف، المعلق "الاسرائيلي" الابرز في الشؤون العسكرية، ان الاعمال الصغيرة لم تعد كافية بعد نجاح حزب الله في تحسين ادائه وازدياد جرأته. فالعمليات العسكرية التي يقوم بها تحاذي الحدود مع "اسرائيل"، وعندما يرد الجيش "الاسرائيلي" يقصف الحزب مستوطنات الجليل. وقد ادى ذلك إلى تآكل تفاهم تموز 1993. (هآرتس،11/4/1996).

عندما قبلت القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" بشروط "تفاهم تموز"، كانت تعتقد ان يدها ستكون العليا في المواجهة المباشرة مع مقاتلي المقاومة الاسلامية، اذ تم الالتزام بتحييد المدنيين على جانبي الحدود من الصراع، وبالتالي، من استهدافات العمل العسكري. لقد كانت تلك القيادة على قناعة تامة من تفوق الجيش "الاسرائيلي" في قتال المجابهة مع عناصر حزب الله، اذا ضمنت انهم لن يقصفوا بالصواريخ مستوطنات الشمال، التي ثبتت هشاشة منعتها في مثل هكذا مجابهة، الا انه سرعان ما اتضح لها ان قواتها العاملة في لبنان، وهي نخبة جيشها، اصبحت في موقع الدفاع عن نفسها ازاء تصاعد عمليات المقاومة الاسلامية وتبنيها.

كانت السمة البارزة لهذه العملية هي القصف الجوي، الذي استمر حوالي اسبوعين وطال العاصمة ـ بيروت ـ فيما ظلت المقاومة الاسلامية تقصف مستوطنات الجليل بالصواريخ دون انقطاع، إلى ان تم الاتفاق على وقف اطلاق النار (26/4/1996). وبعد توقف القتال، انبثق عن عملية "عناقيد الغضب" تفاهم جديد مكتوب: "تفاهم نيسان" (26/4/1996)، حل محل "تفاهم تموز". وهو ينص على ان "المجموعات المسلحة" لن تنفذ من لبنان هجمات على "اسرائيل"، وان المناطق الآهلة بالمدنيين لن تستخدم قواعد انطلاق للهجمات، وان "اسرائيل" والمتعاونين معها، لن يطلقوا النار من أي نوع من الاسلحة على مدنيين او اهداف مدنية في لبنان. "ولم يكن حبر القرار جف بعد، عندما بدأ كل طرف يدلي بتفسيرات مختلفة لبنوده بما يتوافق مع مصالحه. الا ان المقاومة الاسلامية اثبتت، خلال عامين من تنفيذ الاتفاق، التزامها الدقيق به وحصر عملياتها ضد جيش الاحتلال والميليشيات التابعة له على الاراضي اللبنانية، وعدم اطلاق صواريخ الكاتيوشا عبر الحدود الا ردا على اعتداءات "اسرائيلية" متكررة على المدنيين اللبنانيين، ذلك بان "اسرائيل" استمرت في قصف القرى واصابة المدنيين في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي. (سويد، "الجنوب اللبناني"،ص 24).