"اسرائيل" ولبنان خمسون عاما من الصراع

(الحلقة الاولى:)

الدكتور الياس شوفاني

 مفكر فلسطيني


مقدمة:

تشكل الخمسون سنة الماضية، ارضية لا مثيل لها للاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان، وبصورة دفع فيها الاخير اثمانا باهظة على الصعيدين البشري والمادي.

واذا كان لبنان لم يشترك منذ العام 1948 باي حرب على "اسرائيل". وبالتالي، فان هذا البلد، لم يلجأ إلى تخصيص ميزانية كبيرة للدفاع، فبقي جيشه، اضعف جيوش المنطقة على الاطلاق، والى درجة كان فيها حتى "الاسرائيليون" يعتبرون ان الجيش اللبناني ليس اكثر من مجموعات عسكرية اقرب إلى قوات الشرطة باحسن الاحوال.

ومن الاقوال الشهيرة للقادة "الاسرائيليين"، ما جاء على لسان وزير الدفاع "الاسرائيلي" الاسبق موشي دايان، حيث قال: ان "اسرائيل" باستطاعتها ان تحتل لبنان من دون ان تحتاج إلى استعمال جيش ويكفي ان نرسل دراجات هوائية إلى بيروت كي نحتل هذه العاصمة.

ومع ذلك: فان مسلسل العدوان "الاسرائيلي" لم يتوقف طوال الخمسين عاما الماضية، وفي هذا الموضوع، قراءة في الاعمال العدوانية "الاسرائيلية" بخلفياتها وابعادها.

 

عملية الليطاني 1978

بينما كانت المفاوضات المباشرة بين مصر واسرائيل تراوح في مكانها بعد "قمة الاسماعيلية" وصولا إلى تعليقها (18/1/1978)، بسبب الخلاف حول حجم الانسحاب "الاسرائيلي" من سيناء ومشروع بيغن للحكم الذاتي الفلسطيني، دعت واشنطن كلا من السادات وبيغن إلى زيارتها. وفيما بيغن يحزم حقائبه للسفر، وقد سبقه وزير دفاعه، عيزر وازمن، وقعت عملية الشهيد كمال عدوان (11/3/1978) التي نفذتها "مجموعة دير ياسين" من مقاتلي حركة "فتح" بقيادة الشهيدة دلال المغربي. وكان مسرح العملية الطريق الساحلي، على مشارف تل ابيب، مما اضطر القيادة "الاسرائيلية" إلى فرض منع التجول على قطاع واسع من المستوطنين لمدة يومين، ولاول مرة منذ قيام "اسرائيل" (1948). وصرفت العملية الانظار عن المفاوضات السياسية، وركزتها على المواجهة العسكرية مع الثورة الفلسطينية في لبنان. فقد سرعت عودة وزير الدفاع "الاسرائيلي" من واشنطن، للمشاركة في اتخاذ قرار الرد على العملية وتنفيذه. وبعد انتهاء العملية، عقدت حكومة بيغن سلسلة اجتماعات، كما عقدت الكنيست جلسة خاصة، لمناقشة ملابساتها، واتخذ قرار القيام بـ عملية الليطاني ردا عليها. وعلى الفور، ربطت المصادر الرسمية في "اسرائيل" ووسائط اعلامها بين العملية الفدائية و"قرارات الرباط" من جهة، وبينها وبين المسارات السياسية الجارية في اطار مفاوضات التسوية، من جهة اخرى.

وفيما دعت الكنيست دول العالم لسحب اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية، على اعتبار انها منظمة "ارهابية" فقد حملت "اسرائيل" لبنان مسؤولية الوجود الفلسطيني على اراضيه. وقال وايزمن مثلا: "ان الهجوم اثبت مرة اخرى خطر وجود مناطق عربية غير مسيطر عليها بالقرب من مناطق مكتظة بالسكان في "اسرائيل"" (معاريف 15/3/1978). وكان واضحا ان حكومة بيغن لن تفوت الفرصة للقيام بهجوم واسع النطاق على لبنان. ولما كان الهجوم توقعا، فقد ارادت القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" ان تكون المفاجأة في حجم القوة العسكرية المشاركة فيه، وفي ابعاده السياسية والجغرافية. وزجت في العملية سلاحي الجو والبحرية، بالاضافة إلى الدروع والمشاة، ومهدت للتقدم البري بقصف مدفعي كثيف. لكن ذلك لم يكف قواتها العسكرية المتقدمة على الارض مؤونة قتال المواجهة مع "القوات المشتركة" اللبنانية ـ الفلسطينية.

وعلى الرغم من ان خطة العملية كانت قد وضعت سلفا، بواقع تسميتها "عملية الليطاني" فان حكومة "اسرائيل"، وعلى لسان وزير الدفاع فيها، عيزر وايزمن، ادعت انها بدأت محدودة، ولكنها توسعت اثناء القتال، فقال : "كان هدف عملية الجيش "الاسرائيلي" في جنوب لبنان، ضرب المخربين قدر الامكان، قتلهم وتدمير مخازن اسلحتهم وكان الهدف الاولي للعملية احتلال قطاع يصل إلى عشرة كيلومترات ولكن استلام مدينة تبنين، واستمرار نيران المخربين، وقصف المستوطنات في اصبع الجليل، دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار جديد بتوسيع العملية، واحتلال كل المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني" (دافار 21/3/1978). وكذلك ادعى رئيس هيئة اركان الجيش، مردخاي غورز الا ان قائد المنطقة الشمالية، افيغدور بن ـ غال، طرح اسبابا اخرى، فقال: "كانت المرحلة الاولى محدودة بـ "حزام امني" في حين ان المرحلة الرحلة الثانية تمت في اعقاب رفع الاعلام البيضاء في القرى والدساكر. اما المرحلة الثالثة، فقد نفذت بسبب المناقشات السريعة في مجلس الامن، واستهدفت فرض امر واقع في الميدان حتى حدود الليطاني". والظاهر ان هذه الدعاوى كانت موجهة إلى واشنطن، التي كانت ولا تزال تتمسك بالاتفاق القائم مع "اسرائيل" منذ سنة (1964)، والقاضي بضرورة التنسيق المسبق معها في كل عمل عسكري تقوم به "اسرائيل" واكد المعلق العسكري، زئيف شيف (هآرتس 31/3/1978) ما يلي: "لا شك ان الاميركيين كانوا مطلعين على العملية قبل ان تبدأ، ولا نخطئ اذا قلنا انهم عرفوا، بصورة عامة، النقاط الرئيسية التي ستحتلها "اسرائيل" في القطاع المحاذي للحدود. فاعربوا عن قلقهم خشية حدوث تطورات سلبية لمسار السلام، في اعقاب العملية، ولكن يبدو انهم لم يعربوا عن معارضتها بصراحة. فلو ارادوا، لكان باستطاعتهم بالتأكيد ان يعرقلوا العملية. ولربما ان يمنعوا تنفيذها" . ويبدو ان حكومة بيغن اتفقت مع واشنطن على عملية محدودة، ثم انفردت في اتخاذ قرار توسيعها، واخفت ذلك عن ادارة كارتر. وليس ادلى على ذلك من ردة الفعل الاميركية على توسيع العملية، كما برزت في تحرك ادارة كارتر في مجلس الامن، واتخاذ القرار رقم 425، بوقف اطلاق النار، وانسحاب القوات "الاسرائيلية" (19/3/1978)، وارسال قوات الطوارئ الدولية إلى الجنوب اللبناني. وكذلك في تصرف كارتر مع بيغن لدى وصوله إلى واشنطن في زيارته الثالثة منذ توليه الحكم، غداة وقف اطلاق النار، والذي يشير بوضوح إلى ان كارتر لم يكن راضيا عن سلوك بيغن. فقد رفض ان يجعل من قضية الجنوب اللبناني موضوعا مركزيا في المحادثات بينهما، الامر الذي زاد في توتر العلاقة بين الطرفين.

ويبدو ان حكومة بيغن كانت تنوي، في مرحلة لاحقة من عملية الليطاني، جر سورية اليها، بشكل او بآخر، وبالتالي، فتح الملف اللبناني بأكمله، لاخراج مفاوضات التسوية من المسار الذي وضعته ادارة كارتر. وعن ذلك قال زئيف شيف (هآرتس 31/3/78)، ما يلي: "اذا اخذنا تصريحات مخططي عملية الليطاني في الحكومة والاركان العامة على عواهنها، نجد ان المخططين قد افترضوا ان تدفع العملية السوريين، وتقودهم إلى تسوية مع "اسرائيل" في مسألة المخربين في جنوب لبنان. ولربما بدا ذلك سخيفا، الا انه توضيح سمع اكثر من مرة، عندما كان الحديث يتناول احد الاهداف الرئيسية للعملية: تغيير الوضع في جنوب لبنان. فـ"اسرائيل" اعتقدت اذن، انه ليس في وسعها ان تفعل هذا بنفسها، وانها بحاجة إلى شركاء، ويتضح انه كان من المفترض ان يكون السوريون هم الشركاء، وليس الامم المتحدة". لقد جاءت عملية الليطاني على خلفية جمود مفاوضات التسوية، وبالتالي، توتر في العلاقة بين ادارة كارتر وحكومة بيغن. فأثار ذلك صراعا داخل المؤسسة الحاكمة في "اسرائيل"، سواء داخل الحكومة، بين اجنحتها المتنافسة، او خارجها، مع المعارضة التي بدأت تفكر بالقفز إلى السلطة مجددا، خصوصا وان السادات بدأ يغازلها ويلمح إلى تقبل اكبر من جانبه لمواقفها. وواضح ان بيغن انتهز الفرصة في عملية الليطاني لهدف خلق وضع سياسي جديد في المنطقة، يفتح مجالا للمساومة بين الاطراف المعنية في التسوية. وقد توخى من تلك العملية ان تحل مشاكله، الداخلية والخارجية، وعلى رأسها الوجود السياسي للشعب الفلسطيني، المتمثل في منظمة التحرير. كما اراد، عن طريق العملية العسكرية، اخراج مسار التسوية من مأزقه، وبالتالي، نقله إلى سكة جديدة توصله إلى حيث يؤمن تحقيق اهدافه السياسية، ومن احتلال الجنوب اللبناني، كان بيغن يرمي إلى محورة النشاط السياسي في المنطقة حول ترتيب الاوضاع في لبنان، مما يستلزم مفاوضات تشارك فيها سوريا. ومن هناك، كان يتوقع ان يجرها إلى مفاوضات التسوية، فتزول بذلك عقبة اخرى من طريقها، كما كان يعتقد. وكان السادات في مفاوضاته مع ادارة كارتر وحكومة بيغن يستخدم الورقة السورية، ويشير على مكاسب دمشق من موقفها الرافض ماديا ومعنويا. ويتذمر من جنود الادارة الاميركية نحو ارضاء النظام السوري، في حين يشكل موقفه المتهاون احراجا كبيرا له ولتحركاته التسووية. والاكيد ان بيغن كان يخطط لانتهاز الظرف الملائم لالغاء هذه الورقة، اما عن طريق توجيه ضربة إلى سورية، واما عبر جرها إلى مفاوضات التسوية.

وفي ذروة الخلاف بين ادارة كارتر وحكومة بيغن حول "عملية الليطاني" وذيولها، قام الرئيس الروماني، نيكولاي تشاوشيسكو، بزيارة إلى الولايات المتحدة للمساهمة في اخراج حكومة بيغن من مأزقها، وفي خلق الانطباع بان شيئا ما يجري على صعيد التسوية، بعد ان ساد نظرة التشاؤم بالنسبة إلى مبادرة السادات. وبعد توقف العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، بناء على قرار مجلس الامن رقم 425، الذي صدر بالاجماع، وبمساندة ظاهرة من قبل الولايات المتحدة، مع التوكيد عل ضرورة الاسراع في سحب القوات "الاسرائيلية" من المناطق التي احتلتها في لبنان "والاحترام الدقيق لسلامة اراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليا، قام بيغن بزيارته الثالثة إلى واشنطن. وقبل وصوله إلى العاصمة الاميركية، اوضح وزير الخارجية الاميركي، سايروس فانس، لنظيره "الاسرائيلي"، موشيه دايان، الذي وصل إلى واشنطن قبل بيغن، بان كارتر يعارض الربط بين تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 425، وبين القضايا الاخرى التي يجري التفاوض عليها في مسار التسوية. كما اكد فانس لدايان بان الرئيس كارتر يصر على ابقاء قضية جنوب لبنان مسألة ثانوية في المحادثات، التي يريد حصرها في مفاوضات التسوية. وبذلك، كان كارتر يريد من حكومة "اسرائيل" تنفيذ قرار مجلس الامن دون قيد او شرط، الامر الذي يبرز امتعاض الرئيس الاميركي من سلوك حكومة بيغن في "عملية الليطاني" وخاصة من توسيعها، بهدف استغلالها لاغراض سياسية متناقضة مع موقف ادارة كارتر من التسوية الشاملة في المنطقة. وعندما وصل بيغن إلى واشنطن، حاملا مشروعه الذي لم يكن مقبولا، لا للسادات ولا للملك حسين، علاوة على انه لم يتعرض، من قريب او بعيد، إلى مسألة الجولان، قطع عليه كارتر طريق تمييع المحادثات وحرفها عن مسارها، من خلال التركيز على مسألة لبنان، وبالتالي، ومن الوجود الفلسطيني على أراضيه. لقد اتخذت تلك الادارة موقفا حازما في مجلس الامن، وعجلت في اصدار قرار وقف اطلاق النار، والانسحاب الفوري من الجنوب اللبناني، دونما اصغاء إلى طلب حكومة بيغن تأجيل ذلك حتى يصل إلى نيويورك ويوضح موقفها امام الهيئة الدولية.

 

 اشتباكات تموز 1981

كانت هذه الاشتباكات العنيفة بمثابة التمهيد لغزو لبنان الشامل في العام التالي (1982). فعملية الليطاني انتهت دون ان تحقق الاهداف التي توختها منها القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية". ولذلك، فان الترتيبات التي جرت في اعقابها ـ انسحاب القوات "الاسرائيلية" الغازية، وحلول قوات الطوارئ الدولية محلهاـ لم تحل دون استمرار القتال في الجنوب، بين الجيش "الاسرائيلي"، واداته "جيش لبنان الجنوبي"، من جهة، والقوات الفلسطينية والوطنية اللبنانية (القوات المشتركة) من جهة اخرى. فقد واصلت "اسرائيل" سياسة الارض المحروقة ضد الجنوب اللبناني، لتدمير قراه ومدنه، وضرب اقتصاده، وبالتالي، تفريغه من سكانه، ودفعهم شمالا، بما يترتب على ذلك من زعزعة لاستقرار البلد. ولم تتورع آلة الحرب "الاسرائيلية" عن قصف الاحياء المدنية في صور وصيدا والنبطية وبيروت، اضافة إلى عشرات القرى في الجنوب والبقاع، كما عادت المخابرات "الاسرائيلية" إلى تحريك الميليشيات اللبنانية اليمينية لفتح الصراع مع سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان طبيعيا ان ترد القوات المشتركة على الغارات "الاسرائيلية"، وصولا إلى قصف المستعمرات في شمالي فلسطين المحتلة، لردع الجيش "الاسرائيلي" عن ضرب الاهداف المدنية في لبنان. وقد بلغت الاشتباكات بالقصف المتبادل ذروتها في شهر تموز 1981. وفي هذه الاثناء، تبدلت الادارة في واشنطن، واخلى كارتر مكانه في البيت الابيض لصالح رونالد ريغان (1981). وتغير الوضع في واشنطن تماما بالنسبة إلى حكومة بيغن، التي وجدت في الثنائي ريغان ووزير خارجيته هيغ ضالتها، وسرعان ما جرى التوافق بين الطرفين على غزو لبنان، بهدف سحب "اتفاقات كامب ديفيد" على الشرق العربي والقوى الفاعلة فيه. وافتتح ريغان ولايته بدعوة السادات وبيغن لزيارة واشنطن، على ارضية مبادرة جديدة لاستئناف مفاوضات التسوية المتوقفة.

وفي بداية ولايته، انتزع بيغن من ادارة ريغان اعلانا صريحا عن واقع العلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل، الذي كان قائما منذ الاعلان عن قيامها، بل قبل ذلك بكثير، غير ان الادارات الاميركية المتعاقبة اعرضت عن تسمية الاشياء بمسمياتها، لاسباب تكتيكية تتعلق بحرصها على تمويه موقفها من الصراع العربي ـ الصهيوني. وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير، بدليل الفهم العربي السائد لهذه العلاقة، والتناقضات التي ينطوي عليها في الخطاب العربي الرائج. وقد حقق بيغن هذا "الانجاز الضخم" كما وصفه، على خلفية ما كان يدور من كلام قبل هذه الزيارة عن توتر العلاقات بين واشنطن واسرائيل، ذلك، بدعوى ان الاخيرة قامت، دون علم الاولى المسبق والتنسيق معها، بعدد من الاعمال العسكرية والسياسية، من شأنها ان تفسد عل واشنطن تحركاتها المتوقعة في المنطقة، كقصف المفاعل النووي العراقي والاحياء السكنية في بيروت الغربية، وكذلك شن حملة شعواء على صفقة طائرات "اوكس" مع السعودية ومهما يكن، فانه فور عودة بيغن من زيارته، ونظرا لالحام المسألة، فقد سافر رئيس اركان الجيش "الاسرائيلي"، رفائيل ايتان، إلى واشنطن لوضع الخطط لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين السياسيين في اطار "التعاون الاستراتيجي". وعلى الرغم من بعض الخلافات في وجهات النظر حول "مذكرة التفاهم"، والتي اعترض عليها البنتاغون، الذي لم يكن يرغب في دخول "اسرائيل" على خط "امن الخليج". فقد نجح وزير الخارجية، الكسندر هيغ، في فرض موقفه، بدعم من الرئيس ريغان. وتم التوقيع على المذكرة (30 تشرين الثاني 1981)، من قبل وزيري الدفاع ـ الاميركي كاسبر واينبرغر، والاسرائيلي اريئيل شارون ـ وان بصيغة ملطفة، تحاشيا لاستثارة الدول العربية. ويلفت النظر ان "اسرائيل" هي التي كانت تصر على الاعلان عن طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومن هنا، ولما تحقق لها ذلك في "مذكرة التفاهم"، لم تخف قيادتها ابتهاجها. بهذا التصريح، وهللت له معتبرة اياه انجازا تاريخيا. وقد جاءت هذه المذكرة في سياق سعي الولايات المتحدة، بعد سقوط نظام الشاه في ايران (16/1/1979) للتشريع في اقامة تشكيل سياسي عسكري في المنطقة، يربط دولها، او بعضها، بشبكة من التحالفات المباشرة، او المداورة، تجعل منها حلفا متعدد الاطراف، عرف باسم "الاجماع الاستراتيجي".

ومنذ توليها السلطة في بداية العام (1981)، اعلنت ادارة ريغان عن عزمها القيام بمبادرة جديدة لدفع مسار التسوية في الشرق الاوسط، على ان تأتي في خريف ذلك العام، بعد انتهاء الانتخابات العامة في "اسرائيل" (30/6/1981)، وبيان الفريق الذي سيتولى السلطة، وبالتالي، ادارة مفاوضات التسوية. وعندها تستدعي الادارة الاميركية، وحسب الترتيب، السادات اولا، وبعده بيغن، ثم ملك السعودية، فهد بن عبدالعزيز، لزيارة واشنطن واجراء محادثات هناك، تشكل ارضية لتحرك الادارة الجديدة. وقبل توافد الزوار على واشنطن، قام وزير خارجيتها، الكسندر هيغ، بزيارة "استطلاعية" إلى كل من مصر والاردن والسعودية واسرائيل، التي كانت في خضم معركة انتخابية (نيسان 1981). وقد حدد هيغ الهدف من زيارته بانه "البحث مع اصدقائنا في السبل لمواجهة ما يتعرض له السلام من تهديدات، من جانب الاتحاد السوفياتي والدول التي تخضع لمشيئته، ومن اجل تقدم السلام في الشرق الاوسط ("دافار" 6/4/1981). وفي مصر سمع هيغ كلاما عن استكمال اتفاقية كامب ديفيد، بما فيها انجاز "الادارة الذاتية" الفلسطينية، ليتسنى للاطراف المعنية المضي قدما في تشكيل الحلف الذي تدعو اليه واشنطن. وفي الاردن جرى الكلام عن "المملكة المتحدة"، وعن حل القضية الفلسطينية من خلالها. اما في "اسرائيل"، فسمع من المعارضة كلاما عن "الخيار الاردني"، ومن الحكومة كلاما آخر عن "الخيار اللبناني" اولا. اما السعودية، فطرحت فكرة "الخيار الفلسطيني"، كما جرى التعبير عنه لاحقا في ما اسمي "مبادرة فهد". وهكذا وجدت حكومة بيغن نفسها امام خيارات صعبة، تطرحها الاطراف الاخرى، بما فيها "الاسرائيلية" المعارضة، وجميعها تفتح الملف الفلسطيني، على ارضية الانسحاب،الكلي او الجزئي، من الاراضي المحتلة عام (1967) الامر الذي ترفضه تلك الحكومة. وفي المحادثات مع هيغ، اعربت عن رفضها القاطع لجميع الخيارات، وعن اصرارها على التمسك بالضفة الغربية وقطاع غزة والجولان.

 

ـ ازمة الصواريخ السورية

في المقابل، اكد الجانب الرسمي "الاسرائيلي" في المحادثات مع هيغ على اهمية الدور الذي تستطيع الآلة العسكرية "الاسرائيلية" ان تلعبه في مواجهة "الخطر السوفياتي" وبالتالي، ضرورة تزويده بكل وسائل القوة لاداء الدور. اما على صعيد التسوية، فلم يبق امام بيغن، الذي كان يعرف املاءات المشروع الاميركي العام في المنطقة، كما يعلم مواقف الاطراف الاخرى المهنية بهذا المشروع، الا "الخيار اللبناني" أي فتح الملف الفلسطيني، ولكن على قاعدة تصفية "الخيار الفلسطيني" كما طرحته السعودية، وصولا إلى حصر "الخيار الاردني" الذي تتبناه المعارضة في "اسرائيل" على ارضية "الحل الوسط الاقليمي" في شرقي الاردن فسحب، وبالتالي، قطع الطريق على برنامج حزب العمل "الاسرائيلي" المعارض. وهكذا، كان بيغن يرمي إلى وضع جميع الاطراف امام الخيار الوحيد. استئناف المفاوضات على "الادارة الذاتية" وفقا لمفهومه لاتفاقيات كامب ديفيد. ولكن ذلك ين يتم دون شطب منظمة التحرير الفلسطينية من المعادلة السياسية في المنطقة، وهذا يستلزم انهاء الوجود المسلح الفلسطيني في لبنان، ومن ثم الحاق لبنان بعجلة كامب ديفيد. وبالتأكيد، فان بيغن قد سبرغور هيغ وموقفه من الوجود العسكري السوري في لبنان، الامر الذي شجعه على التحرش به، بهدف الوصول إلى انهائه، من خلال التدخل في القتال الدائر في زحلة، ميليشيا الكتائب اللبنانية والجيش السوري.

فعلى خلفية نتائج عملية الليطاني (آذار 1978)، تأكدت لمناحم بيغن حقيقة امتناع انجاز "الخيار اللبناني" كما يريده هو ـ تصفية "الخيار الفلسطيني" وجر لبنان إلى عجلة كامب ديفيدـ ما دامت "قوات الردع" العربية متواجدة فيه، فكان لا بد من اخراجها. ولن يتم ذلك الا بافتعال معركة مع القوات السورية في البقاع، فكان التفجير المفتعل في زحلة، الذي تواكب مع زيارة هيغ إلى المنطقة (نيسان 1981). غير ان الرد السوري على التحدي الكتائبي، الذي جاء بتشجيع من حكومة بيغن، كان عنيفا بحيث لم يكن باستطاعة ميليشيا الكتائب الصمود في وجهه، مما حدا بحكومة بيغن اتخاذ قرار التدخل العسكري المباشر في القتال. ويبدو ان التقدير "الاسرائيلي" انطلق من القناعة بحتمية انكفاء القوات السورية عن متابعة عملها العسكري في مرتفعات جبل صنين، بعد تدخل سلاح الجو "الاسرائيلي" المباشر في القتال الدائر، على ارضية ثقة القيادة السياسية ـ العسكرية "الاسرائيلية" بفاعلية القوة الرادعة لآلتها العسكرية.

وتشير الدلائل إلى ان بيغن قد اقدم عل اتخاذ قراره هذا بناء على قراءة لموقف الادارة الاميركية من مثل هكذا خطوة، استخلصها من محادثاته مع هيغ، ان لم يكن بالاتفاق الكامل معه. وعلى أي حال، فقد جاء الرد السوري على التدخل "الاسرائيلي" مغايرا تماما لتوقيعات حكومة بيغن، اذ عمدت القيادة السورية إلى تصعيد المواجهة، بادخال بطاريات صواريخ مضادة للطائرات إلى البقاع اللبناني. فما كان من بيغن الا ان اصدر اوامره بضرب تلك البطاريات، ولكنه تراجع عن ذلك بذريعة الاحوال الجوية. وتصاعدت نبرة التهديدات "الاسرائيلية"، ومعها حدة ردة الفعل السورية، وصولا إلى حافة الانفجار العسكري، وما واكب ذلك من تدخل الدولتين العظميين، على الصعيدين، السياسي العسكري. وبفعل المبعوث الاميركي الخاص، فيليب حبيب، تم تجميد "ازمة الصواريخ السورية".

 

 حرب تموز 1981

كان التصعيد الامني الذي بادرت اليه حكومة بيغن (صيف 1981)، بما فيه قصف المفاعل النووي العراقي (7 حزيران 1981)، جزءا من حملها الانتخابية التي اوصلتها إلى السلطة مرة ثانية. وبعد فوزه الطفيف في الانتخابات العامة للكنيست العاشرة (30/6/1981) وقبل ان يشكل حكومته الصقرية الجديدة، التي اسند فيها وزارة الدفاع إلى آريئيل شارون، مخطط غزو لبنان ومبرمجه (1982)، بادر بيغن إلى تصعيد العدوان على لبنان بحجة حماية امن المستوطنين في شمالي فلسطين المحتلة. واعلن بيغن في حينه، انه بذلك يبر بوعده في اثناء المعركة الانتخابية، الذي قطع فيه على نفسه عهدا بالا تسقط قذيفة "كاتيوشا" واحدة على المستوطنات الشمالية بعد الان. وفي الواقع، فان حكومة بيغن بقرارها هذا، قد بدأت مع اسمي في حينه (حرب تموز 10ـ24/7/1981)، على قاعدة الخطة التي وضعتها الاركان "الاسرائيلية"، برئاسة رفائيل ايتان. وكانت هذه الخطة تقضي بتكثيف الضربات وتصعيدها، وهذا يعني امكان توسيع العملية لتصبح غزوا شاملا للبنان، الامر الذي ـ تأجل إلى العام التالي (1982) لاسباب مختلفة، اهمها تقدير واشنطن بان الظروف لم تنضج بعد لمثل هذه المغامرة. ورأت واشنطن استنفاد بعض المسارات السياسية قبل الاقدام على الحرب، ومن اهمها "المبادرة السعودية" للتسوية، التي طرحها الامير فهد بن عبدالعزيز في "قمة فاس الاولى" (25/11/1981)، وكانت قد نشرت مبادئها الثمانية وكالة الانباء السعودية (9/8/1981).

فبعد سلسلة طويلة من العمليات المتقطعة التي لم تتوقف منذ عملية الليطاني، وثبت عدم جدواها في تحقيق اهدافه في لبنان، ترك بيغن الحبل على الغارب لآلته العسكرية. فراحت هذه بكل اسلحته تصب حمم الموت في انحاء لبنان، وتزرع الدمار في مدنه وقراه، والخراب في سهله وجبله، ولمدة اسبوعين كاملين.

 

 الاجتياح 1982

لم يردع فشل "حرب تموز" مناحم بيغن عن "خياره اللبناني" بل على العكس، زاده اصرارا على التشبث به، وبالتالي، المضي قدما في الاعداد لجولة قادمة في سياقه، مستفيدا من تجربته في هذه "الحرب". وبدأت "اسرائيل" تعد لغزو لبنان، بانتظار الفرصة المناسبة والذريعة الملائمة، الامر الذي بدا على وشك الوقوع عدة مرات في الفترة ما بين تموز (1981) وحزيران (1982). ففي هذه الفترة، لم تتوقف "اسرائيل" عن الاعتداءات على لبنان.

ومن الواضح انه في اطار "التعاون الاستراتيجي" "الاسرائيلي" ـ الاميركي تم وضع الخطة لغزو لبنان، بكل جوانبها وابعادها. وقد انعكس ذلك في التنسيق الدقيق بين ادارة ريغان، وخاصة وزير خارجيتها، الجنرال الكسندر هيغ، وبين حكومة بيغن، التي اطلقت على الغزو اسم "عملية سلامة الجليل". وكان بيغن قد طرح مع هيغ "خياره اللبناني"، القاضي بغزو لبنان لجره إلى اتفاقات كامب ديفيد، وذلك بعد اخراج القوات السورية منه، وانزال ضربة قاصمة بمنظمة التحرير الفلسطينية، تمهيدا لتنصيب حكومة في لبنان، تكون موالية لـ"اسرائيل"، وهذا حسب اعتقاده، يبيح تنفيذ الشق الفلسطيني من اتفاقات كامب ديفيد ـ الادارة الذاتية. ويبدو ان خيار بيغن هذا استهوى هيغ، الامر الذي يبرز من سلوك حكومة بيغن خلال العام الذي سبق الغزو، ومن سكوت ادارة ريغان عنه. وبهذا يكون غزو لبنان قد جاء كأول ثمار "التعاون الاستراتيجي"، وفي اطار التمهيد للمرحلة الثانية من نهج كامب ديفيد، الذي كان لا بد من تعميمه على المشرق العربي، فبعد دخول نظام السادات في معاهدة مع "اسرائيل"، ظل المشرق العربي غير مهيأ للانخراط في المشاريع التسووية المطروحة، كما برز ذلك في التعاطي مع "المبادرة السعودية" فكان لا بد من تطويع الحلقات المعترضة على البرنامج الاميركي ـ "الاسرائيلي" العام، والمتركزة في لبنان، باطرافها السورية والفلسطينية واللبنانية.

ففي بعده الفلسطيني وحسب التصور "الاسرائيلي" ـ الاميركي، كان الهدف تطويع الفلسطينية الساحة الفلسطينية للانخراط في "مشروع بيغن" القائم على قاعدة "تلجىء" من تبقى من الشعب الفلسطيني على ارضه. وذلك في اطار ما اسمي "الادارة الذاتية المدنية" التي جرى الاتفاق عليها في كامب ديفيد، والتي تبقى المناطق المحتلة عام (1967) تحت السيادة "الاسرائيلية". وسورياً كان الهدف توجيه ضربة قوية إلى الجيش السوري، وبالتالي دفع سورية إلى التعامل مع البرنامج الاميركي ـ "الاسرائيلي". وعدا ذلك كله، وهو من الاهمية بمكان على خلفية التعاون الاستراتيجي، كانت القيادة السياسية / العسكرية "الاسرائيلية" ترمي إلى تكريس مصداقية آلتها العسكرية في اداء دورها الوظيفي، في اطار الاستراتيجية الكونية الاميركية، خاصة ما يتعلق منها بالشرق الاوسط. فبعد حرب (1973)، واهتزاز هذه المصداقية، هربت القيادة "الاسرائيلية" إلى الامام، راحت تطرح مفهوما جديدا لما تسميه "الامن القومي "الاسرائيلي"" يتخذ ابعادا عالمية، ويشمل مناطق تمتد من الباكستان إلى المغرب العربي، ومن تركيا إلى اواسط افريقيا، كما حددها آريئيل شارون في محاضرة له اواخر سنة (1981). (شوفاني، ""اسرائيل" والخليج" (بالانجليزية)، ص 306ـ309).

وقد اطلقت "اسرائيل" آلتها العسكرية لغزو لبنان (5/6/1982) مستغلة مجمل الثغرات القائمة في الوضع العربي عموما، واللبناني خصوصا، عسكريا وسياسيا واجتماعيا. وانعكس هذا في تكتيك سير العمليات العسكرية "الاسرائيلية"، وما رافقها من اعلام وتحركات سياسية، ومن تمويه على اهداف الغزو. ففيما زجت الآلة العسكرية "الاسرائيلية" بجهدها القتالي كاملا، ظلت قيادتها تؤكد محدودية العملية وحصرها في ابعاد القوات الفلسطينية عن الحدود إلى مسافة 40 كلم، أي إلى نهر الليطاني. وهذا ما قدمته الزمرة القيادية (بيغن، شارون، شمير، ورفائيل ايتان ـ رئيس الاركان) إلى الحكومة، وكذلك إلى الكنيست، ونالت موافقتهما على العملية في هذه الحدود. وعلى الرغم من ان حركة الجيش "الاسرائيلي" كانت تتجه، منذ البداية، نحو اجتياح شامل للبنان، يصل إلى العاصمة بيروت، مما ينطوي ضرورة على الاشتباك بالقوات السورية المتواجدة في لبنان، فقد دأبت القيادة "الاسرائيلية" على التوكيد بأن لا نية لديها للتحرش بسورية. وظلت تعلن ان عملها العسكري ينحصر في ضرب القوات الفلسطينية فحسب، وفي مدى 40 كلم من الحدود اللبنانية فقط، الا ان التمهيد للغزو بدأ بقصف جوي عنيف امتد إلى بيروت الغربية. وكان قد تعرض سفير "اسرائيل" في لندن، شلرمو ارغوف لمحاولة اغتيال (3/6/1982). وانتهزت تلك الحكومة الفرصة، فعقدت اجتماعا طارئا (صباح 4/6/1982)، وقررت البدء بالهجوم. وكلفت سلاح الجو بالتمهيد له، خلال اليومين التاليين (4و5/6/1982)، ليبدأ الاجتياح (الساعة:11.00، 6/6/1982). (المصدر السابق، ص 18 ـ 21).

وقد تحركت القوات الغازية في النسق الاول على اربعة محاور، اثنان منها في الغرب بقيادة يتسحاق مردخاي، واثناء في الشرق بقيادة افيغدور كهلاني. وكانت كالتالي : 1) الطريق الساحلي من الناقورة باتجاه صور، 2) بنت جبيل باتجاه النبطية، 3)المطلة ـ دير ميماس ـ جسر الخردلي، 4) جبل الروس ـ مرجعيون ـ كوكبا. وفي النسق الثاني (اليوم التالي)، دخلت فرقة مدرعة، بقيادة مناحم عينان، من القطاع الاوسط، وتقدمت باتجاه جبال الشوف، وانقسمت على محورين: الاول باتجاه شرقي صيدا، والثاني شمالا باتجاه حزين، حيث تتواجد طلائع القوات السورية. ثم دخلت بعد ذلك فرقتان باتجاه البقاع، بقيادة افيغور بن ـ عال (يانوش) ونائبه ايهود باراك. وكانت هذه الفرق الثلاث تتجه نحو الطريق الدولي، دمشق ـ بيروت. ثم ازلت قوات من البحر في محيط صور، وعند مصب نهر الليطاني (جسر القاسمية)، وشمالي صيدا، عند مصب نهر الاولي، بقيادة عاموس يارون. كما جرت انزالات بحرية لاحقة في منطقة السعديات والدامور وغيرها. كما عم انزال قوات مظلية وكوماندوس في مناطق متعددة، مثل قلعة شقيف، ولاحقا، توالت التعزيزات من مختلف القوات. (الموسوعة الفلسطينية، 2/5، ص 678-679).

وتقدمت فرقة عينان في جبال الشوف باتجاه جزين، وفي خطتها الوصول إلى الطريق الدولي، دمشق ـ بيروت، عند ظهر البيدر (المديرج)، وذلك لتفتح جبهة ثانية مع الجيش السوري في لبنان، وبالتالي، لتفجير تناقضا داخل حكومة بيغن حول اهداف "عملية سلامة الجليل" كما داخل المؤسسة الحاكمة في "اسرائيل"، وصولا إلى قيادة الجيش. ففي اليوم الثالث للحرب البرية (8/6/1982)، وبينما كان بيغن يخاطب الكنيست مؤكدا الا نية لديه للتحرش بالجيش السوري او الصدام معه، كان ريغان يخاطب البرلمان البريطاني عن ضرورة سحب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان بعد "تطهيره من الارهاب" فيما كان شارون يحض القادة العسكريين على الاسراع في التقدم والاشتباك بالجيش السوري، ويتدارس مع نائب قائد سلاح الجو خطة تدمير قواعد الصواريخ السورية في البقاع اللبناني.

وفي اليوم الرابع من القتال البري (الاربعاء، 9/6/1982) هاجم سلاحا الجو والمدفعية البعيدة المدى قواعد الصواريخ السورية، وترافق ذلك مع معارك جوية طاحنة، وفي نفس الوقت، تحركت القوات الكبيرة المحتشدة في القطاع الشرقي، بقيادة بن ـ غال ونائبه بارك، على ثلاثة محاور باتجاه الطريق الدولي، دمشق ـ بيروت، بهدف السيطرة عليه وتطويق القوات السورية العاملة في بيروت والى الجنوب من هذا الخط. وتقدمت قوة على محور ينطا باتجاه جديدة يبوس، واخرى في وسط البقاع باتجاه رياق، وثالثة في الطرف الغربي منه باتجاه شتورا. وكانت المعارك لا تزال محتدمة في منطقة الجبل وعند عين زحلتا، فيما تقدمت قوات "اسرائيلية" اخرى باتجاه بيروت على محورين: الطريق الساحلي باتجاه خلدة، والطريق الجبلي باتجاه بعبدا، عبر قبرشمون وكفرشيما. ودارت في البقاع معارك ضارية على المحاور الثلاثة، واستطاعت القوات السورية ان تصد الهجوم عليها جميعا، في معارك عند ينطا، وفي بلدة السلطان يعقوب، وفي بيادر العدس. كما نجحت القوات السورية، اعادة تعزيزها، في منع الفرقة "الاسرائيلية" المتقدمة نحو المديرج من تحقيق اهدافها، وجمدتها عند عين دارا. وكذلك، وحتى بعد وقف اطلاق النار، الاتفاق الذي لم تحترمه "اسرائيل"، على اعتبار انه لا يشمل الفلسطينيين، فقد اشتبكت الوحدات السورية المتواجدة في خلدة والدوحة، وفي منطقة عالي، في معارك دامية مع القوات "الاسرائيلية" التي توجهت نحو الطريق الدولي على محاور بحمدون وعاليه وكفرشيما. ولاحقا شارك اللواء السوري 85، في بيروت، بالقتال اثناء حصار العاصمة اللبنانية. (شيف ويعري، ص 171ـ180).

 

 حصار بيروت

لقد بدأ غزو لبنان بقصف بيروت. وكانت تقدم القوات "الاسرائيلية"، سواء على الطريق الساحلي، وخاصة الانزالات البحرية عليه، او على سلسلة الجبال الوسطى، مؤشرات إلى ان بيروت، والطريق الدولي المؤدي منها إلى دمشق، هما الهدف النهائي لعملية "سلامة الجليل". لكن حصارها ظل بعيدا عن تفكير القيادة الفلسطينية خلال الايام الاولى من الغزو، وفي غمرة التطورات الميدانية في الجنوب، لم تتخذ أي اجراءات استعدادا لمثل هذه الامكانية. وخلال الاسبوع الاول من القتال، ظلت مجموعات من المقاتلين تتوافد على العاصمة، ومعها بعض قادة الكتائب والسرايا، بعد ان اخلت مواقعها في الجنوب. وكذلك بعد المعارك الضارية في الجبل، آثر عدد غير قليل من المقاتلين التوجه إلى بدلا من البقاع. وحتى عندما تواصلت قوة من المظليين "الاسرائيليين" مع ميليشيا الكتائب التي كانت بانتظارها (الساعة: 13:00، يوم الاحد 13/6/1982)، في بلدة بسابا على الطريق الدولي بالقرب من بعبدا، لم تستوعب القيادة الفلسطينية تماما معنى الحدث. وظل همها القتال على مثلث خلدة، وفي سفوح الجبل المطلة على مطار بيروت الدولي. وقد وقعت في هذه المناطق معارك ضارية، لعل اشدها معركة كفرسيل، مع القوات السورية، التي دامت حوالي عشرين ساعة، رغم المساندة الجوية والمدفعية التي تلقاها المظليون "الاسرائيليون" من "لواء غولاني". وفي شملان، كما في عاليه، دار قتال مواجهة عنيف، فإنه بعد التواصل بين القوات "الاسرائيلية" وميليشيا الكتائب، اصبحت بيروت مطوَّقة عمليا، وان في دائرة واسعة نسبيا. (المصدر السابق، ص 181ـ193).

بعد تطويق بيروت، ارادت القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية"، احتلال غرب بيروت. وكانت خطة شارون ان يتم ذل تحت لواء "الكتائب اللبنانية" وتوابعها. ولكن هذه الاخيرة لم تكن لديها القدرة، ولا حتى النية، لتوفير التغطية اللازمة للقوات "الاسرائيلية" لاحتلال الجزء الغربي من العاصمة اللبنانية. وهكذا، وازاء الوضع الذي تشكل، وجد شارون نفسه في مأزق. فمن جهة، تتعزز ارادة القتال والصمود في بيروت الغربية، بينما الشرقية تتحاشى تلبية رغبته بالتعاون معه في تنفيذ خطته، ومن جهة اخرى، تتزايد المعارضة في "اسرائيل" لخطته على جميع الصعد، الرسمية والشعبية، وحتى العسكرية. وذلك فيما تشتد الضغوط الدولية، وحتى الاميركية، للالتزام بوقف اطلاق النار، خاصة بعد اقالة حليفه في واشنطن، وزير الخارجية الكسندر هيغ. فلم يبق امامه الا استكمال الخطة بالتدريج، وعبر نهج القضم، وذلك من خلال القبول اللفظي باتفاقات وقف اطلاق النار، وخرقها بذرائع مختلفة، وابتزاز الحكومة "الاسرائيلية" بالخطر على حياة الجنود "الاسرائيليين" في المواقع التي وصلوا اليها، وبالتالي، ضرورة تحسينها باستمرار. ولكن ذلك يتطلب المزيد من الوقت، وكذلك من الخسائر البشرية والمادية، اضافة إلى المضاعفات الدولية. وكان كلما طال الحصار، وفشل شارون في اجتياح المدينة جراء المقاومة الصلبة، كلما تعمق مأزقه، داخليا وخارجيا.

ازاء هذا المأزق، طلب بيغن من حليفه هيغ القدوم إلى "اسرائيل" للتشاور، فمنعه الرئيس ريغان من ذلك، على خلفية المعارضة داخل ادارته لسلوك وزير الخارجية، فذهب بغين إلى واشنطن في الاسبوع الثاني من الحرب. ولكن ريغان لم يكن حازما معه اثناء الزيارة، الامر الذي استمد شارون منه التشجيع للتقدم في تنفيذ خطته. ولما كانت هذه الخطة تقتضي  احتلال الطريق الدولي، دمشق ـ بيروت، توطئة لاخراج القوات السورية العاملة في لبنان، بقرار من الجامعة العربية، كقوات ردع، وبموافقة الحكومة الرسمية هناك، فقد ترتب على تلك الخطة الصدام مع هذه القوات. الا ان نهج القضم الذي تبناه شارون اثبت عدم جدواه مع القوات السورية المتخندقة في الجبل، وتسبب بخسائر بشرية عالية، الامر الذي اثار احتجاج الضباط "الاسرائيليين". ولم يلبث هذا النهج، الذي اعتمده شارون لخداع حكومته والرأي العام، وبدأ بتنفيذه في 19/6/1982، أي بعد اكثر من اسبوع على وقف اطلاق النار الاول، ان تحول إلى حرب مفتوحة. فقد استخدمت فيها الدبابات والمدفعية والطائرات، وانتهت بهجوم ارضي واسع النطاق (يومي 24 و25/6/1982)، على محورين : الاول باتجاه بحمدون والثاني من بعبدا باتجاه عاليه. واحتلت القوات "الاسرائيلية" هذا القطاع من الطريق الدولي قبل الاعلان عن وقف اطلاق النار الثاني (25/6/1982). (المصدر السابق، ص 201-205).

بعد نجاحه في تحقيق خطته جزئيا باحتلال قطاع من الطريق الدولي، دمشق ـ بيروت، يمتد من بعبدا حتى بحمدون، وذلك رغم تفاقم حملة الاحتجاج ضدها في "اسرائيل"، كما في واشنطن، توجه شارون نحو بيروت، وفي ذهنه دخولها، بشكل او بآخر. وفي هذه الاثناء، كن المبعوث الاميركي الخاص، فيليب حبيب، يعمل على تطويع القيادة الفلسطينية للقبول بالانسحاب من بيروت. فاستخدم تهديد شارون باجتياحها. في هذه الاثناء اقيل هيغ من منصبه (25/6/1982)، وحل محله جورج شولتس. فاعتبر شارون ذلك مدعاة للاسراع في خطته، خشية ان يكون وزير الخارجية الجديد اشد اصرارا على سحب القوات "الاسرائيلية" من لبنان. ولما بدأ عمليات "القضم" في محيط بيروت، اصطدم بمقاومة عنيفة، وبالتالي، بوقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف قواته. وزاد ذلك من الاحتجاج على خطته، حتى في صفوف الجيش. فعمد إلى تكثيف القصف، برا وبحرا وجوا، والى محاولات الانزال البحري على الشاطئ، خلف خطوط المدافعين. ولكن ذلك لم يفت في سواعد المقاتلين المدافعين عن المدينة. ولم تحقق هذه الخطة نجاحا كبيرا، على الرغم من طول امدها وتكلفتها العالية، الامر الذي اجج عملية الاحتجاج على حصار بيروت.

لكن شارون لم ينكفئ عن خطته، فتحولت عمليات القضم إلى حرب استنزاف، تمتد على قوس في محيط بيروت، من الاوزاعي في الجنوب إلى الميناء في الشمال، مرورا بالمطار ومخيم برج البراجنة وغاليري سمعان والمتحف وسبق الخيل والسوديكو، وازاء الوضع الذي تشكل ، وعجز حكومة بيغن عن كبح جماح شارون، قرر هذا الاخير اقتحام بيروت، بعد فشل الضغط الخارجي ـ الحصار، القتال على خطوط التماس، القصف، الحرب النفسية …. الخ ـ على المدافعين عن المدينة لحملهم على الاستسلام لارادة العدو.

وهكذا، فحرب الاستنزاف الطويلة وباهظة الثمن على الجانبين، لم تحقق للغزاة النتائج المرجوة من تكثيف ضغطهم، العسكري والحياتي، بكسر شوكة المدافعين عن المدينة. كما لم تجد خلالها الضغوط السياسية، الداخلية والخارجية، على حكومة بيغن، التي هيمن فيها شارون، لحملها على الانكفاء عن مخططها. فقررت القيادة السياسية/ العسكرية "الاسرائيلية" اقتحام العاصمة اللبنانية. وكانت الاقتحام تقضي بتقسيم بيروت الغربية إلى مربعات، يجري قصفها وتدميرها تمهيدا لاجتياحها. ودار كلام (امير دروري، قائد المنطقة الشمالية) عن احتلالها خلال 48 ساعة، انطلاقا من الاعتقاد بان القوات المدافعة قد استنزفت بعد اسابيع من الحصار، وقطع الماء والكهرباء عن المدينة، ومنع وصول الاغذية والادوية والمحروقات اليها، فيما هي تخوض حربا غير متكافئة، لا عددا ولا عدة. وحشد الجيش "الاسرائيلي" ثلاث فرق للبدء بالاقتحام في بداية شهر (آب 1982). ولكن تقدم القوات المهاجمة لم يكن بالسرعة المطلوبة، ولا بالسهولة المتوقعة، ليس فقط بسبب المقاومة العنيدة، وانما لتدني الروح المعنوية لدى الجنود "الاسرائيليين" ايضا، على خلفية الانقسام داخل جمهور المستوطنين حول استمرار الحرب في لبنان.

فعمدت القيادة العسكرية "الاسرائيلية" إلى التعويض عن الاخفاق في قتال المواجهة بالقصف الكثيف. وبلغ هذا القصف ذروته في (12 آب 1982)، حيث استمر بغزارة شديدة، مدة 11 ساعة دون انقطاع، ومن البر والبحر والجو. ولم يتوقف الا عندما تدخل الرئيس الاميركي، ريغان الذي ذهل من المعلومات التي وصلت اليه عن كثافة القصف ووحشيته، عند الساعة 17:00 من ذلك اليوم.

وكانت هذه الفترة (1 ـ 12 آب 1982) اشد ايام حصار بيروت هولا، ولعلها اكثر القتال في عملية غزو لبنان ضراوة. ولم تحقق القوات المهاجمة، خلال حوالي اسبوعين من القتال المستمر ليلا ونهارا، الا بعض التقدم، لم يتجاوز في اقصاه مسافة بضع مئات من الامتار. ولكنه ترك اثره على الجانبين. ففيما فرض على الغزاة الانكفاء المرحلي عن مواصلة اقتحام بيروت الغربية، فانه في المقابل، رجح كفة الميل نحو الانسحاب من بيروت في القيادة الفلسطينية. لقد تفاقمت المعارضة للحرب في "اسرائيل"، وتصاعدت عمليات الاحتجاج ضد سياسة حكومة بيغن. كما تكثفت الضغوط الدولية، بما فيها الاميركية، عليها فتراجعت تكتيكيا، بانتظار فرصة ملائمة لاستئناف الهجوم على بيروت الغربية. وقد تحقق لها ذلك بعد مقتل الرئيس اللبناني المنتخب في ظل الاحتلال "الاسرائيلي" بشير الجميل، قائد "القوات اللبنانية".