مزارع شبعا لبنانية في الخرائط والاتفاقات الدولية
حسين عبدالله
البلاد ـ بيروت
ايار 2000
مقدمة:
مزارع شبعا لبنانية، ليس في الامر أي شك بذلك، لكن هناك محاولة من اطراف دولية عدة لتغليب النظرة "الاسرائيلية" وطمس الحقائق بالقول بعدم لبنانية هذه المزارع. الوثائق والاتفاقات الدولية والخرائط التي رسمتها اتفاقية "سايكس ـ بيكو" وما بعد تاريخ هذه الاتفاقية لحظت ان المزارع هي ارض لبنانية، وفوق ذلك كله ملاكو المزارع اللبنانيون يحملون صكوك ملكية باراضيهم، ولذلك يقاتل لبنان بشراسة على المستوى الدبلوماسي لاثبات حقه دوليا في مواجهة هجمة "اسرائيلية"، مدعومة من قوى دولية عدة.
قبل تسليط الضوء على الوثائق والادلة التي تثبت لبنانية مزارع شبعا، لا بد من الاشارة الى ان هذه المزارع تقع على السفوح الجنوبية الغربية لجبل الشيخ، وهي عبارة عن قرى زراعية كان يقطنها ابناء شبعا ويقيمون فيها مشاريع زراعية.
وتتميز هذه المزارع بانها تندرج على مستويات مختلفة فمنها المزارع الدافئة، والتي يكاد يكون مستواها مساويا للمناطق الساحلية، وتندرج في الارتفاع حتى تصل الى مستويات تعلو اكثر من الف متر عن سطح البحر. مما يتيح تنوع الزراعات من اشجار وحبوب، وامتداد هذه المزارع يقدر بحوالي 25 كلم طولا، وما بين 5 الى 13 كلم عرضا، بالاضافة الى هذه المزارع هناك مساحات زراعية وحقول واحراج واسعة كان يستثمرها ابناء بلدة شبعا وابناء بلدات الهبارية، كفرشوبا، حلتا، الماري والمجيدية.
ومن المعروف ان انتاج هذه المزارع كان يؤمن المواد الاولية لمعاصر الزيت في بلدات العرقوب وحاصبيا، ومعاصر العنب والانتاج الحيواني والحليب للعديد من المعامل لانتاج الجبنة وسائر مشتقات الحليب، بالاضافة الى صناعات ادوات الفلاحة وبعض الادوات الخشبية والتي كانت تكفي الحاجات المحلية، ومنها ما يصدر الى الخارج كتصدير عدة الفلاحة.
اهراءات العرقوب
اذا، مزارع شبعا هي كما اطلقت عليها "البلاد" في عدد سابق "اهراءات العرقوب" نظرا لغزارة انتاجها الزراعي المتنوع، كما انها ذات موقع استراتيجي مهم اشبه بلسان يمتد داخل منطقة شبعا. واحتلالها من قبل العدو الصهيوني على ثلاث مراحل ابتداء من العام 1967 وحتى العام 1989 انطلق من دافعين، اهميتها الزراعية السياحية، واهميتها الاستراتيجية حيث اقام فيها مستوطنة لليهود الفالاشا الذين استقدمهم من اثيوبيا في اواسط الثمانينات، وانشأ على اراضيها ايضا محطات انذار مبكر للتجسس والمراقبة، خصوصا ان العدو اقام مركزا تجسسيا على قمة جبل الشيخ قرب ملحاتة المجاورة في حين ان مركزا للتزلج اقيم جنوب غرب مركز الشحل المطل على بلدة شبعا باتجاه موقع ما يسمى مقاصر الدود.
من هذه الزاوية يمكن ان تطل على الاسباب الحقيقية التي تجعل العدو طامعا بالمزارع ورافضا الانسحاب منها عبر الادعاء بعدم لبنانية المزارع وانها سورية الهوية، على الرغم من ان الخرائط المرسومة في اوائل القرن العشرين والتي انتجتها اتفاقية "سايكس ـ بيكو" وغيرها تدحض هذه المزاعم في حين ان اوراق "الطابو" والصكوك الصادرة في العهد العثماني وعلى مدار الخمسين سنة الماضية تجمع كلها على ان ملاكي المزارع هم لبنانيون وكانوا يدفعون ضريبة للسلطات اللبنانية ويسجلون عمليات البيع والشراء في الدوائر العقارية في صيدا كونها مركز محافظة الجنوب.
الى ذلك هناك ما يزيد على 3 آلاف م2 للوقف الاسلامي السني، قدم فيها مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وثائق لاثبات ملكية هذه الاراضي في المزارع، وتعرف هذه الاراضي باسم "مشهد الطير" مقام النبي ابراهيم (ع) لكن من الواضح انه على الرغم من كل هذه الوثائق والخرائط والادلة التي يقدمها لبنان، فان الامم المتحدة وعبر مندوبها "تيري لارسن" الذي زار بيروت مؤخرا وقدم تقريرا الى امينه العام "كوفي انان" ما تزال تلتزم وجهة النظر "الاسرائيلية" في الانكار على لبنان ملكيته لهذه المزارع.
المسؤولون الذين التقوا "تيري لاسن" في بيروت سمعوا منه كلاما مثيرا للشك على الرغم من ان الطاولة امامه كانت ملأى بالوثائق والخرائط وقد عبر عن موقفه بجملة واحدة "لم اجد ما يقنعني بلبنانية المزارع، وهذا ما سأنقله الى الامين العام".
انحياز
المسؤولون ادركوا ، ان الامم المتحدة اعلنت عن انحيازها الى الجانب "الاسرائيلي" المدعوم اميركيا وحتى فرنسيا، فـ "تيري لارسن" نصح اللبنانيين بتجاوز موضوع مزارع شبعا وجعله من صلاحيات مجلس الامن الدولي الذي عليه البت بهذا الموضوع، الا ان المسؤولين المعنيين رموا وثائق اخرى بوجه المسؤول الدولي وتوجوها بوثيقة كان "لارسن" في العاصمة اللبنانية يرد عدم اقتناعه بلبنانية المزارع لغياب هذه الوثيقة التي هي محضر اجتماعين للجان الحدود اللبنانية ـ السورية في 27/2/1964 و 21/2/1967، يؤكد ان اتفاق الجانبين اللبناني والسوري على كون الحدود الدولية بين البلدين هي حدود المسح العقاري بينهما، مما يثبت ان حدود الاملاك العقارية التابعة للقرى والممسوحة من قبل الجمهورية اللبنانية هي الحدود الدولية بين سوريا ولبنان.
ويعني ذلك ان مزارع شبعا مشمولة بالعقارات الممسوحة من قبل الجمهورية اللبنانية. في حين ان رئيس مجلس النواب نبيه بري كشف عن خريطة صادرة عن وزارة الدفاع الامريكية عام 1976 تبين مزارع شبعا على انها ضمن الحدود اللبنانية مع فلسطين بيد انه من البارز ان هناك سياسة متعمدة لادارة الظهر الى المنطق اللبناني المدعم بالوثائق والخرائط بحيث ان الامين العام للامم المتحدة لم ينجز تقريره بعد حول الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة وفي التاجيل الكثير من علامات الاستفهام خصوصا ان مصادر "انان" تتحدث عن استمرار عدم اقتناعه بما يقوله لبنان عن المزارع واتجاهه الى ربط موضوع المزارع بالقرارين 242 و338 اللذين لا علاقة للبنان بهما من قريب او بعيد.
حجج واهية
وتبدو حجة الامم المتحدة واهية حين تقول ان الوثائق التي قدمها لبنان تتعلق بمحاضر اجتماعات ومنذ الخمسينات الى اليوم تغيرت السياسة السورية وحصلت تبدلات، واذا كانت سوريا تعتبر هذه المزارع لبنانية فما عليها الا ان تصدر وثيقة رسمية تؤكد ذلك.
وياتي هذا الموقف من الامين العام للامم المتحدة في سياق تجاهلي للموقف السوري الحاسم الذي يؤكد على لبنانية مزارع شبعا حيث ابلغ الوزير فاروق الشرع "انان" شخصيا دعم سوريا لمطالبة لبنان بالمزارع، وكانت السلطات السورية قد زودت لبنان سابقا بوثائق مهمة في هذا الاطار.
من الواضح وفقا لقراءة موقف الامين العام للامم المتحدة ومندوبه "تيري لارسن" والكلام الاميركي والاسرائيلي ان المعطيات تصل الى نتيجة ان لبنان الان هو في مواجهة هجوم "اسرائيلي" ـ اميركي بدعم من اطراف اخرى لتطويع الامم المتحدة وتجويف القرارين 425 و426 من مضمونهما بسلخ مزارع شبعا عنه وتسخير قوات الطوارئ الدولية لحماية حدود الانسحاب "الاسرائيلي" الذي اذا لم يلحظ المزارع سيكون عبارة عن اعادة انتشار.
وتبرز مضامين هذا الهجوم بشكل جلي في توجيه المسؤولين الاميركيين للمسؤولين اللبنانيين "نصيحة" بتجاوز موضوع مزارع شبعا وتاجيل البحث بها الى التسوية الشاملة في المنطقة.
العالمون ببواطن الامور يقولون ان موضوعين اساسيين يثيران علامات استفهام حول صدقية الامم المتحدة حاليا وعدم وقوعها في التاثير المعنوي الاميركي والاسرائيلي هما: مزارع شبعا، وقضية المتعاملين مع الاحتلال، ففي النقطة الاولى هناك تجاهل متعمد للبنانية المزارع وفي النقطة الثانية دعوة من "انان" الى معالجة موضوع العملاء في اطار حقوق الانسان وبتعبير ادق تكلم به "تيري لارسن" في بيروت : "وجود مراقبين دوليين في قاعة المحاكم التي تنظر في قضية المتعاملين او العفو العام عنهم وفي كلا الحالين سمع "لارسن" كلاما لم يعجبه كثيرا برفض لبنان البحث مطلقا مع احد في قضية العملاء لانها شان داخلي لكن الاخرين ما يزالون على موقفهم من المزارع والمتعاملين وهذا بحد ذاته ايذانا بهجوم دبلوماسي "اسرائيلي" اميركي متعدد الرؤوس ضد لبنان الذي ذنبه الوحيد انه يدافع عن سيادته وحقه في معالجة اوضاعه الداخلية.
وقد يكون كلام الوزير البريطاني الذي زار العاصمة اللبنانية مؤشرا على شيء ما يطبخ ضد لبنان "ليس من مصلحة لبنان مواجهة الامم المتحدة" فهل اشهار الحق هو تمرد على الامم المتحدة ام ان وراء الاكمة ما وراءها.