الاستراتيجية "الاسرائيلية" اتجاه لبنان والمنطقة الجنوبية المحتلة

الدكتور شفيق ابو عليوي

استاذ في الجامعة اللبنانية.

كلية الآداب ـ الفرع الرابع


مقدمة

تعود الاطماع الصهيونية اتجاه لبنان، وجنوبه بشكل خاص، الى ما قبل قيام دولة "اسرائيل"  مدعية أن لها حق تاريخي وديني، يجيز لها السيطرة على الاراضي العربية واللبنانية، ومصادر المياه، واعتمدت على دعوات توراتية لدعم حججها وتحقيق احلامها وأهدافها بالسيطرة على الاراضي اللبنانية وتفكيك البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية، وتخريب الصيغة اللبنانية، واقامة دويلات طائفية، تبرر كيانها الطائفي العنصري.

تناولت الصهيونية اسفار التوراة وحورتها، لاقامة كيانها على أرض فلسطين، ومن النصوص التي اعتمدتها، العهد الذي اعطى "لاسرائيل" الحق باحتلال ارض الجبلين ولبنان، وقد اعتبر اليهود هذا النص بمثابة فتوى الهية. كما استندت الى سفر التكوين لتحديد ارض الميعاد : "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير "( 1) .

لقد فسرت الحركة الصهيونية هذا النص، ان حدود الدولة تمتد من نهر النيل الى نهر الفرات، وقد تساءل بعض المؤرخين عن نسل ابراهيم، وقد يكون ابناء اسماعيل العرب أصحاب هذا الحق. وان الادعاء التاريخي باطل لان العرب الكنعانيين الذين سكنوا فلسطين أقدم من اليهود.

حدد تيودور هرتزل فلسطين في كتابه " الدولة اليهودية " مستندا على نظرية الحق الالهي والحاجة الى الارض : " سنطلب من الارض ما تحتاج اليه، وتزداد المساحة المطلوبة مع ازدياد المهاجرين " (2) .

طبق ساسة "اسرائيل" وعسكريوها هذه النظرية، وشنوا الحروب ضد الدول العربية، واحتلوا القسم الاكبر من فلسطين عام 1948، وسيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وباقي الاراضي الفلسطينية عام 1967، ثم جنوب لبنان حتى نهر الليطاني عام 1978 واجتاحوا لبنان واحتلوا عاصمة بيروت عام 1982.

 

الاطماع "الاسرائيلية" في مياه لبنان :

ازدادت حاجة "اسرائيل" للمياه لعدة اسباب منها : زيادة الاستهلاك المنزلي، زيادة عدد السكان بشكل طبيعي، او نتيجة الهجرة المتزايدة، وسياسة الاستيطان، وانشاء المستوطنات، وتوسيع مشاريع الري، فمن الطبيعي ان تواجه مشكلة حادة في توفير المياه. اشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة عن استهلاك "اسرائيل" للمياه بين عام 1948 و 1967، واعطى النسب والارقام التالية : "ان استهلاك المصادر القديمة والجديدة للمياه قد ارتفع من 17 % عام 1948 الى 95 % سنة 1978. وبزيادة سنوية بلغت بين 15 و20 مليون مترا مكعب. وان الحاجة السنوية التي تستهلكها "اسرائيل" قبل حرب 1967، بعد استغلال جميع المصادر المائية، قدر بمليار وستماية وعشرة ملايين الى مليار وستماية وخمسين مليون مترا مكعبا " ( 3).

لقد استثمرت جميع مصدر المياه الفلسطينية، ومع زيادة عدد المهاجرين، لا سيما بوصول حوالي مليون مهاجر جديد من معظم الدول وبخاصة من الاتحاد السوفياتي السابق، فهي تطمع للسيطرة على مصادر المياه في جنوب لبنان ومنها منابع وروافد نهر الاردن ونهر الحاصباني، ومياه الليطاني، لما تحققه من فوائد اقتصادية أكثر أهمية من الفوائد الإستراتيجية، وبهدف توسيع مشاريع التنموية، وري منطقة النقب الصحراوية، واستقدام المزيد من المهاجرين اليهود، واقامة مستوطنات جديدة. ولعدم وجود مصادر مياه جديدة في فلسطين، فانها تسعى للحصول على المياه اللبنانية.

صرح وزير خارجية "اسرائيل"، سنة 1951، لجريدة الجيروزاليم بوست : "ان "الاسرائيليين" ليسوا مهتمين بنهري النيل والفرات، ويرتكز اهتمامهم على نهر الاردن وروافده" ( 4 ) .

يعتبر الصهيونيون ان لبنان عكس فلسطين، غني بالمياه : " ان ملايين من الامتار المكعبة من مياه الليطاني، في جنوب لبنان، تأخذ طريقها سنويا الى البحر، في حين يمكن الاستفادة منها لكل المنطقة ( 5) .

ان المطالبة بمياه نهر الليطاني، لا تستند الى أي حق قانوني او اقتصادي او تقني. اذ ان هذا النهر ينبع من الأراضي اللبنانية، ويجري بشكل كلي داخلها، من منابعه حتى مصبه. كما تعود الاطماع الصهيونية بالمياه اللبنانية، الى قبل نشأة الكيان الصهيوني وبعده، واعتمدت على القوة العسكرية للاستيلاء على نهري الحاصباني والليطاني. "وعندما كانت عاجزة عن تحقيق اطماعها بقوتها لجأت الى تستير هذه الاطماع، في صيغ مشاريع استعمارية لاستثمار هذه المياه وفق أغراض تنميتها الداخلية" ( 6 ) .

وهكذا برزت اسماء كبيرة لمشاريع كبيرة، ومعظمها اميركية الجنسية منها مشروع جونستون، الخبير المائي الاميركي الذي "شجع العرب "والاسرائيليين"   القبول بمشروع يحمل اسمه سنة 1953 لاعداد مشروع نهر الاردن، والقاضي ببناء سد داخل الأراضي اللبنانية لتجميع 165 مليون متر مكعب، وتستفيد منه "اسرائيل" "  ( 7) .

رفضت الحكومة اللبنانية هذا المشروع، كما رفضت مشروعا ثانيا مشابها لمشروع جونستون، وجاء تحت عنوان، مشروع كوتون، سنة 1954، ويعتبر هذا الشروع أكثر خطورة على المياه اللبنانية، اذ تستولي "اسرائيل" على : "  55 % من المياه المتجمعة في مجرى نهر الليطاني ومنابع نهر الاردن في لبنان، وتقدر الكمية بمليار ومايتين وتسعين مليون متر مكعب ( 8) .

لقد ابرزت تصريحات المسؤولين "الاسرائيليين" اطماعهم في المياه اللبنانية وبخاصة بنهر الليطاني، ومنها تصريح رئيس وزراء "اسرائيل" الاسبق، ليفي اشكول : " لا يمكن "لاسرائيل" ان تبقى مكتوفة الايدي ومياه الليطاني تضيع في البحر، وان الانابيب جاهزة لاستقبال مياهه" (9) .

وأكد بشكل فاضح "ان نصف مليار متر مكعب من مياه الليطاني تصب في البحر، ويجب استخدامها لخدمة المنطقة "  ( 10) .

 وكان بن غوريون قد سبقه: بالاستفادة من هذا النهر، وبرزت رغبته من خلال رسالة، كان وجهها الى الجنرال ديغول: " ان امنيتي في المستقبل هي جعل الليطاني حدود "اسرائيل" الشمالية "  ( 11 ) .

ثم توالت التصاريح لقادة العدو الصهيوني المطالبة بمياه الليطاني، فقد أوضح وزير المالية الاسبق، سابير، في 30 نيسان سنة 1973 : " انه يأمل بتحقيق السلام من أجل التعاون مع لبنان، فيما يتعلق باستخدام مياه الليطاني التي تصب حاليا في البحر المتوسط انتاج الطاقة الكهربائية "  (12 ) .

تنبه العرب لاطماع "اسرائيل" في المياه العربية، وبخاصة لمياه الاردن وروافده، بما فيها نهر الحاصباني، فعقد مؤتمر القمة العربي، عام 1964، وكان في قراراته تحويل مجرى نهر الاردن، واقامة مشاريع تنموية، تستفيد سوريا والاردن ولبنان، فعمدت "اسرائيل" الى تعطيل هذه المشاريع بالتهديد والتدخل العسكري، وجمدتها، ثم شنت عدوانها الواسع النطاق على الدول العربية، عام 1967، والغت فكرة التحويل بشكل نهائي.

اجتاحت "اسرائيل" الجنوب، سنة 1978، وسمت عمليتها العسكرية "بعملية الليطاني" واضطرت للانسحاب من معظم المناطق التي احتلتها وابقت على منطقة عرفت "بالشريط الحدودي" واحتفظت بالأراضي التي تشكل منابع وروافد الحاصباني، وسيجت بالشريط الشائك، بعض الاراضي ومنعت السكان من الاقتراب مها، والحقتها بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها نبع نهر الوزاني، كما احتفظت بقلعة الشقيف بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 1985، واشرفت على مجرى نهر الليطاني. وتعمد حاليا، على فرض سياسة التطبيع، وتضغط سياسيا وعسكريا، وتطالب بوقاحة بالاستفادة من المياه اللبنانية، لتحقيق الانسحاب العسكري من المنطقة المحتلة، عبر محادثات السلام العربية ـ "الاسرائيلية".

 

سياسة ضم الاراضي اللبنانية :

عملت الحركة الصهيونية بنشاط وفعالية، مع نهاية الحرب العالمية الاولى، لتغيير الخرائط السياسية للمشرق العربي، التي رسمتها فرنسا وبريطانيا، من خلال اتفاقية سايكس بيكو، والتي هدفت الى تقسيم اراضي السلطنة العثمانية. وكانت حدود لبنان الجنوبية، حسب هذه الخرائط تمتد من مدينة عكا على البحر المتوسط حتى نقطة تقع شمال بحيرة طبريا، وتدخلت الصهيونية وضغطت على بريطانيا لتعديلها، بعد فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، لا سيما بعد فشلها في انتزاع جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وذلك من خلال المذكرة التي قدمها وايزمن سنة 1919، الى مؤتمر الصلح المنعقد في باريس ثم شكلت لجنة بريطانية ـ فرنسية، لاعادة رسم الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية، عرفت بلجنة نيوكمب بريطانية حيث الحقت سنة 1923، سبعة عشر قرية لبنانية بالاراضي الفلسطينية ( 13) .

تابعت الحركة الصهيونية محاولاتها، بين الحربين العالميتين، لضم أراضي لبنانية متاخمة للحدود المرسومة، وتتمتع بمواقع استراتيجية، تشرف على جنوب لبنان، وانتزعت ملكية هذه الأراضي من السكان اللبنانيين : " 23 ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة، والتي تعود ملكيتها لبعض كبار الملاكين اللبنانيين والتي انتزعها البريطانيون، وحولوها الى أراضي أميرية، ثم حولت ملكيتها للحركة الصهيونية "  ( 14) .

بعد قيام "اسرائيل" ضمت عدة قرى لبنانية سنة 1948، بعد احتلالها، ومنها : شوكت، معسولة، اقرت، حانوته، الديهوجة، الجردية، كفر برعم، طربنجة، صاروح، النبي روبين، قدس، صلحة. ولا يزال معظم سكان هذه القرى، يحمل الجنسية اللبنانية ( قبل التجنيس الاخير الذي منحته وزارة الداخلية لسكان هذه القرى). وكانت هذه القرى تتبع اداريا قضاء وقضاء مرجعيون. كما خسر عدد من السكان مساحات شاسعة بعد الاحتلال "الاسرائيلي" لفلسطين، وقد احتفظ مالكو هذه الاراضي بسندات تثبت ملكيتهم لهذه الاراضي.

تم توقيع اتفاقيات الهدنة سنة 1949 في قرية الناقورة بين لبنان و "اسرائيل"  وخسر لبنان اراضي جديدة متاخمة للحدود، وأصبح الطريق العام، في بعض المناطق يشكل الحد الفاصل وقد قسم أحد المنازل في قرية العديسة والحق نصفه بالاراضي الفلسطينية المحتلة.

لم تدع "اسرائيل" فرصة، دون الاستفادة منها، بقضم الاراضي اللبنانية والحاقها بكيانها، فبعد حزيران سنة 1967، ألحقت مزارع في منطقة شبعا وجبل الشيخ. كما عمدت خلال السبعينات الى نقل الشريط الشائك، الذي وضعته وسيجت الحدود لمنع دخول المقاومين، ولمسافات داخل الاراضي اللبنانية شاسعة تابعة لقرى وبلدات المنطقة الحدودية.

كما اجتاحت وفي عدة مناسبات قرى ومناطق عديدة في جنوب لبنان منها اجتياح سنة 1972 حيث وصلت القوات "الاسرائيلية" الى مشارف مدينة صور ثم اجتياح عام 1978 والذي عرف " بعملية الليطاني " واجتياح عام 1982 ثم حرب 1993 وحرب نيسان 1996، عدا عمليات القصف الجوي والبري والبحري وعمليات الكوماندوس ونسف البيوت وغيرها.

 

تفكيك البنية الاقتصادية الاجتماعية:

صمد الشعب اللبناني ولا يزال في وجه مختلف التدخلات والاعتداءات "الاسرائيلية" وخاض مواجهات بطولية أدت الى انسحاب القوات "الاسرائيلية" من معظم المناطق التي احتلتها عام 1982، واسقط اتفاقية 17 أيار التي فرضت إلى لبنان سنة 1983. ادى هذا الانسحاب الى انكفاء الدور "الاسرائيلي" في لبنان، والذي عمدت "اسرائيل" بشتى الوسائل والاساليب للابقاء عليه، بغية التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، ومحاولة تعطيل الحلول العربية والدولية للأزمة اللبنانية.

تعددت الاطماع "الاسرائيلية" ضد لبنان لتشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فهي تطمع لتحويل النشاط المصرفي والمالي عن لبنان، لتصبح مركزا ماليا رئيسيا في منطقة الشرق الاوسط، ونقطة مواصلات، ومركز خدمات للغرب، على حساب النشاط الاقتصادي اللبناني المعتمد على القطاعات الخدماتية.

وهدفت "اسرائيل" وتهدف الى الغاء صيغة التعايش الوطنية القائمة بين مختلف الطوائف اللبنانية، لتبرير وجودها الطائفي العنصري، التي وصفته اللجنة الدولية لحقوق الانسان،حيث اعتبرت الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية.

اعتمدت "اسرائيل" منذ تأسيسها، وحتى وقتنا الحاضر، على الوسائل العسكرية والسياسية، وتمكنت من تحقيق بعضها، وهي تعمل عبر المفاوضات الجارية حاليا، لتحقيق البعض الاخر، والتي عجزت عن تحقيقه عسكريا، خلال الحروب التي شنتها على الدول العربية ومن خلال تدخلاتها واعتداءاتها على لبنان.

والحرب "الاسرائيلية" ضد لبنان، وما سبقها من حروب، أدت الى تفاقم الأزمة داخل "اسرائيل"، وزادتها ذروة العمليات العسكرية ضد الاحتلال في مختلف المناطق اللبنانية، بعد فشلها في القضاء على المقاومة، لجأت الى الاسلوب السياسي والضغط على الحكومة اللبنانية لفرض تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية، بعدما أدت الاعتداءات والاجتياحات الى خسائر بشرية ومادية كبيرة وتدمير البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية في لبنان وقد "بلغت عشرات المليارات من الليرات اللبنانية في حينها، وتدمير نحو 112 الف وحدة سكنية في مختلف المناطق اللبنانية، اضافة الى الفنادق والمطاعم والمسابح والاستثمارات الزراعية والاشجار المثمرة والمرافق والبنى التحتية" ( 15 ) .

ومن اهداف "اسرائيل" الاقتصادية، ربط اقتصاد الجنوب باقتصادها بعدما فرضت باعتداءاتها تهجير اليد العاملة اللبنانية الى بيروت والمناطق الآمنة، داخل لبنان، لخلق أزمة اجتماعية، لا سيما ان اعداد المهجرين قد ارتفعت مع حرارة القصف وعمليات التدمير المنظم لمنازل السكان، بغية افراغه ليسهل عليها مراقبة الصامدين في المنطقة المحتلة، والحاقهم اقتصاديا بسوق العمل "الاسرائيلي"، بعد تعطيل زراعة التبغ المصدر الاساسي لحياة سكان هذه المنطقة: "من المعروف ان الجنوب يشكل في العادة نحو 25 % من الاراضي الزراعية في لبنان ونحو 18 % من اجمالي المساحات المروية الاجمالية، وان النشاط الاقتصادي السائد هو نشاط زراعي في الاساس، اذ ان النسبة العظمى من المقيمين العاملين فيه، انما يعملون في هذا القطاع، وبخاصة في زراعة التبغ" (16) .

لا يمكن الاحاطة بشكل شامل للخسائر الاقتصادية الناجمة عن العدوان، لا سيما ان هذه الاعتداءات لازالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر، لكن يمكننا اعطاء بعض الارقام والتقديرات لحجم هذه الخسائر، وبخاصة بعد الاجتياح "الاسرائيلي" لسنة 1978، والتي تعطي دلالة واضحة عن حجمها. فقد قدرت الخسائر التي اصابت القطاع الزراعي بنحو مليار ليرة لبنانية وتضررت آلاف الدونمات المزروعة بالتبغ والخضار واحتراق نحو 150 الف شجرة زيتون ولوز وتين وحمضيات وغيرها (17) .

والحقت الاعتداءات خسائر فادحة في زراعة التبغ الموضب للتسليم وقدرت بـ 11 الف دونم، ومساحات شاسعة من الاراضي المزروعة بالحبوب والاشجار المثمرة (18) .

تراجعت الاراضي المزروعة بالتبغ نحو 44 % بالنسبة للسنوات السابقة نتيجة التهجير والنزوح وعدم استقرار الاوضاع الامنية (19) .

وان زراعة التبغ تراجعت من 60037 دونما الى 20 الف دونم (20) .

 

التهجير :

تميز التهجير من المنطقة الحدودية الجنوبية، عن التهجير الناتج عن الحرب الأهلية، في بقية المناطق اللبنانية، انه تهجير جماعي، طال جميع الفئات، وجميع الطوائف بدون استثناء، انه تهجير وطني، لم يتعلق بالتناحر الطائفي الميلشيوي، انه تهجير من قبل عدو سعى وعمل على تفتيت لبنان واطالة أزمته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

بدأت موجة النزوح السكاني، من جنوب لبنان، باتجاه العاصمة اللبنانية وضواحيها، منذ قيام "اسرائيل" ، اذ ان عددا كبيرا من العائلات، كانت تعمل داخل الأراضي الفلسطينية، قبل الاحتلال، واضطرت الى الانتقال الى الجنوب أولا، ثم المدن اللبنانية فيما بعد. كما ان التهجير والنزوح شمل جميع المدن والقرى الحدودية بعد قيام "اسرائيل" وممارسة اعتداءاتها المتكررة على هذه القرى وبخاصة بعد اتفاقية القاهرة سنة 1969 ونشاط المقاومة الفلسطينية ضد الأهداف "الاسرائيلية". وتميز التهجير كذلك، بدوامة التحرك والانتقال والعودة لعدة مرات حسب سخونة القصف وهدوئه. بدأ هذا المسلسل مع مطلع عام 1970، وما زال قائما، اذ شهد الجنوب اول موجة تهجير جماعية من القرى الحدودية الى الأماكن الآمنة : "لقد قدرت مصادر رسمية عدد المهجرين بـ 30 ألف مهجر من قضاء بنت جبيل حيث بلغت النسبة 90 %، وأقفرت قرى راشيا الفخار وكفر حمام وكفر شوبا من سكانها "  (21 ) .

استمرت هذه الأوضاع حتى نشوب الحرب الأهلية اللبنانية، حيث شهد الجنوب موجة تهجير معاكسة هذه المرة، من العاصمة والضواحي باتجاهه، الا أن الهدوء السائد لم يستمر طويلا، لان "اسرائيل" كانت تعد نفسها لدور أكبر في لبنان، تجاوز الجنوب ليشمل لبنان كله، اذ بدأت تتحكم بالوضع الجنوبي لتنفذ منه الى بقية المناطق وتصبح فيما بعد، عنصرا مؤثرا على الأوضاع الداخلية، فحاولت ايهام اللبنانيين بالمساعدة الانسانية خلال المرحلة الاولى من الحرب الأهلية، فعمدت الى فتح " البوابات " مع بعض القرى الجنوبية وسمتها "بالجدار الطيب" وذلك بعد غياب الدولة، ثم فرضت وجودها السياسي قبيل الاجتياح لسنة 1978، ثم تشكيل دويلة سعد حداد في المنطقة الجنوبية المحتلة وعمدت الى توسيعها بعد اجتياح عام 1982.

لقد أفرغ اجتياح عام 1978 الجنوب من معظم سكانه، وقدرت نسبة المهجرين من المناطق التي طالتها العمليات العسكرية بـ 90 % من سكانها حسب تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر (22) . وقدرت المصادر الحكومية اللبنانية عددهم بـ220 الف مواطن لبناني، في حين ان عدد المهجرين الفلسطينين الذين هجروا من المخيمات في منطقة صور، قدر بـ 65 الف مواطن حسب مصادر الاونروا (23) .

لقد عاد معظم هؤلاء المهجرين الى مناطقهم، بعد الانسحابات "الاسرائيلية" في شهر نيسان حتى 13 حزيران سنة 1978،، وبقي نحو 125 الف مهجر من القرى التي احتفظت بها "اسرائيل" وعرفت "بالشريط الحدودي". ويقيمون في مناطق مختلفة من لبنان وبخاصة في بيروت وضواحيها.

 نتج عن التهجير من الجنوب اللبناني نتائج بالغة الخطورة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتعطل معظم النشاط الزراعي، وساهم بتفكيك البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية، نتيجة ابعاد القوى المنتجة، بشكل نهائي عن هذه المنطقة، وتحول النزوح والتهجير الى اقامة دائمة في اماكن تواجد المهجرين، والى هجرة الى بلدان الاغتراب من قبل المهجرين والمقيمين في المناطق المحتلة. ويقدر عدد المهاجرين من بنت جبيل الى مدينة ديترويت الاميركية باكثر من 25 الف مواطن (24) .

 

تفكيك البنية الاجتماعية ـ السياسية.

لم يقتصر نشاط الحركة الصهيونية على مخطط واحد يحدد أطماعها الاستراتيجية، بل تطورت هذه الاطماع، حسب الظروف المحلية والأقلية والدولية، محاولة الاستفادة من هذه الظروف للتوسع والاحتلال، وخلق دويلات طائفية في منطقة الشرق الاوسط. وبرز نشاطها من خلال التركيز على لبنان باعتباره الحلقة الاضعف بين الدول العربية. محاولة تفكيك صيغة التعايش الفريدة التي يتمتع بها. فمنذ الخمسينات هدفت الى تقسيمه واقامة دويلة مسيحية حليفة لها، لقد أكدت الرسائل المتبادلة بين بن غوريون وموشي شاريت على مخطط التقسيم سنة 1954. "فان المسلمين ليسوا أحرارا في ان يفعلوا ما يشاؤون ن وان كانوا أكثرية في الواقع ـ ولست ادري ان كانوا اكثرية في الواقع - وذلك خوفا من المسيحيين، ولذلك، فان ايجاد دولة مسيحية هو عمل طبيعي، وله جذور تاريخية، وسيجد الدعم لدى أوسع الاوساط في العالم المسيحي..." ( 25) .

تحمس موشي دايان، الذي كان يشغل منصب رئيس الاركان في الجيش "الاسرائيلي"، لهذه الفكرة، وكان همه : " العثور على ضابط، ولو كان برتبة رائد فقط. وعلينا ان نكسب قلب هذا الضابط او نشتريه بالمال لنجعله يوافق على اعلان نفسه منقذا للسكان الموارنة. ثم يدخل الجيش "الاسرائيلي" لبنان فيحتل الاراضي اللازمة، ويقيم نظاما مسيحيا يتحالف مع "اسرائيل". وضم الاراضي الواقعة جنوب الليطاني كليا الى "اسرائيل" "  (26 ).

تأجل تنفيذ هذه المؤامرة على لبنان، نتيجة فضيحة وزير الدفاع، لافون، ثم عادت للظهور مع التغيرات والاوضاع اللبنانية وظهور المقاومة الفلسطينية، فعمدت "اسرائيل" الى القصف والاجتياح وسياسة الترغيب والترهيب لتحقيق اطماعها. انه من غريب الصدف ان تتحقق احلام موشي دايان في ايجاد ضابط برتبة رائد في الجيش اللبناني تعامل مع "اسرائيل"، حيث ظهر التعاون في سنة 1976 بين الرائد سعد حداد "والاسرائيليين". بعدما امرت قيادة الجيش اللبناني العسكريين المتواجدين في القرى الجنوبية بالتجمع في قريتي القليعة ورميش في القطاعين الشرقي والاوسط (27) .

اعطت الحرب الاهلية اللبنانية الفرصة الذهبية "لاسرائيل" التي طالما خططت للتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية واقامت علاقات مع بعض الميليشيات، حيث زودتها بالاسلحة، وعقدت الاجتماعات مع قادتها وطلبت منهم تشكيل حكومة، تعترف بها فور تشكيلها (28).

كانت الاسلحة "الاسرائيلية" تنقل من جزيرة قبرص الى المرافئ الواقعة تحت سيطرة هذه الميليشيات، وساعدت بتدريب وتسليح المجندين، واقامة دورات عسكرية في "اسرائيل"، حين تم نقلهم من مرفأ جونية الى مرفأ حيفا. وكان الجنوب اللبناني، خلال هذه الفترة، بعيدا عن المعارك والنزاعات العسكرية، حتى دخول القوات السورية ووقف القتال، بغية تعطيل الحلول العربية وافشال المبادرة السورية، تدخلت "اسرائيل" وعملت على تسخين الوضع العسكري في الجنوب، فادخلت عناصر مسلحة، عبر اراضيها، "ففي صيف 1976 وصل 18 مسلحا من الكتائب وحراس الارز الى قرية عين ابل، عبر "اسرائيل"، حيث لعب اتيان صقر ابو ارز "دورا في دخول المقاتلين الى هذه القرية، باعتباره من ابنائها" (29).

اقامت "اسرائيل" خلال صيف 1976 جيوبا في كل من قرية القليعة ورميش وعلما الشعب، واستغلت هذه الجيوب للتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية، على نطاق واسع، وافشال الحل العربي للازمة اللبنانية بعد انعقاد مؤتمري القاهرة والرياض في تشرين الاول من نفس السنة. فادخلت قواتها المسلحة الى الاراضي اللبنانية، للضغط على الزعماء العرب المجتمعين في الرياض بغية تحقيق مكاسب لها في لبنان، بعد تحويل الجيش السوري الموجود فيه، الى قوات الردع العربية، بعد مشاركة وحدات من جيوش بعض الدول العربية. وتم اعلان وقف اطلاق النار الشامل على جميع الاراضي اللبنانية فاشعلت الجبهة الجنوبية بعد ان هدأت في بقية المناطق.

لقد عارضت "اسرائيل" فكرة انتشار الجيش اللبناني، بعد توحيده، واعترضت على دخول قوات الردع العربية جنوب نهر الليطاني، ووضعت خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها. وامرت عملاءها بتوتير الاجواء والاستيلاء، بمساعدتها، على بعض المواقع، وظهر سعد حداد كزعيم لميليشيات الجنوب، ورفضت فكرة الحكومة اللبنانية القاضية بتقديم طلب الى مجلس الامن الدولي لزيادة عدد المراقبين الموجودين في لبنان الى 400 مراقب لتوزيعهم على طول الحدود اللبنانية - "الاسرائيلية"، كما رفضت دخول الجيش اللبناني مع قوات الردع العربية، بعدما سعت الحكومة اللبنانية مع الدول العربية التي لها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الاميركية لتضغط على "اسرائيل" حتى لا تفتعل ضجة عندما تدخل قوة الردع الى الجنوب (30).

قررت الحكومة اللبنانية، بعد التطمينات الاميركية، دخول قوات الردع العربية الى منطقة النبطية لوضع حد لاعمال العنف، في 25 كانون الثاني سنة 1977، "فوجهت "اسرائيل" بواسطة الولايات المتحدة الاميركية انذارا اعتبرت فيه ان الجنوب "مدى حيوي" ضروري لامنها وان كل انتشار للجيش السوري في هذه المنطقة سيكون بمثابة اعلان حرب" (31).

ان رفض "اسرائيل" دخول الجيش السوري الى جنوب نهر، لا يشكل خطرا على أمنها، وهي تريد ابقاء الجنوب ورقة ضغط في يدها تحركها متى شاءت، وفق مصالحها وأهدافها، وانها ترفض وضع حد لاعمال العنف، ووقف الاعمال العسكرية، وانهاء احتلالها لمواقع ومناطق ترفض الانسحاب منها. وقد أكد كبار المسؤولين في "اسرائيل" هذا الرفض : "ان موشي ديان، وزير الخارجية "الاسرائيلي" رفض اقتراحا اميركيا لسحب القوات "الاسرائيلية" من المواقع التي تحتلها في جنوب لبنان "  ( 32).

اتفاقية شتورة :

أفشلت "اسرائيل" دخول الجيش اللبناني وقوات الردع الى الجنوب، وعملت على تجديد الاشتباكات على نطاق واسع، وتدخلت بقوة لمساندة الميليشيات الحدودية، وكانت الاتصالات العربية ـ الاميركية، قد نشطت، عبر زيارة سايروس فانس، وزير الخارجية الأميركية، للتفاوض في سبيل ايجاد لأزمة الشرق الاوسط، وعقد مؤتمر جنيف، لذلك بدأت الاتصالات على جميع المستويات، وفي مختلف العواصم المعنية لتهدئة الاوضاع في جنوب لبنان وايقاف عجلة العنف.

" ظهر ضوء دبلوماسي، وهدأ الوضع في جنوب لبنان، وعم السلام، بضغط زر كهربائي، انه الضباب المجتمع على طريق جنيف وانه الدخان المتصاعد من الحرائق المشتعلة في نفس الجنوب رهينة الاختيار ورهينة الجميع ( 33).

فرضت الولايات المتحدة الاميركية على "اسرائيل" وقف تدخلها العسكري تمهيدا لعقد مؤتمر جنيف، في حين بدأت الحكومة اللبنانية وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية وقوات الردع العربية محادثات في بلدة شتورة، في البقاع، في 22 تموز 1976 لاعادة تطبيق اتفاقية القاهرة، وتنظيم العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، والاماكن التي تسمح بالتواجد الفلسطيني المسلح. قرر المجتمعون انسحاب الفلسطينيين لمسافة 15 كلم باتجاه الشمال على ان يحل الجيش اللبناني محلهم في جنوب لبنان، كما نص الاتفاق على عدم الظهور المسلح الفلسطيني خارج المخيمات ( 34).

تدخلت "اسرائيل" لعرقلة تنفيذ هذا الاتفاق، ووضعت شروطا لالغائه، وأوعزت الى حلفائها في " القوات اللبنانية "، بوضع شروط غير قابلة للتنفيذ، مما أدى لتأزيم الوضع من جديد، بالرغم من موافقة الفلسطينيين على تطبيق الاتفاق، وعم العنف وزاد القصف، مم امكن "اسرائيل" من الغاء فكرة ارسال الجيش اللبناني، وافشال عقد مؤتمر جنيف لرفضها فكرة الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة، ثم جاءت زيارة انور السادات، الرئيس المصري، في تشرين الثاني سنة 1977 لتضع حدا للمحاولات الاميركية ـ اللبنانية لاحلال السلام في جنوب لبنان.

 

المناطق الجنوبية المحتلة :

قلبت زيارة السادات الى "اسرائيل" ميزان القوى في الشرق الاوسط لصالح "اسرائيل"، فنشطت وتدخلت سياسيا وعسكريا في لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر عبر حلفائها، حيث قوي نفوذ " الجبهة اللبنانية " التي بدأت باحراج سوريا، لاخراجها من المناطق الشرقية، للعاصمة اللبنانية، بهدف انشاء كانتون طائفي مسيحي مرتبط "باسرائيل ". لقد أوضح بول بستاني رئيس الاستخبارات اللبنانية الاسبق أن : " الادارة الاميركية تسعى لتقسيم المنطقة الى دويلات طائفية وضعيفة على الحماية الخارجية، وان طبيعتها الطائفية تبرر وجود دولة " "اسرائيل" ( 35).

في آذار 1978 شنت "اسرائيل" أوسع عدوان عرفه لبنان، في حينه، واحتلت الجنوب حتى مجرى نهر الليطاني. وحاولت من خلال هذه العملية " عملية الليطاني " تصفية الوجود الفلسطيني المسلح، وحماية حدودها بعدما هدأت الجبهات العربية بعد حرب تشرين سنة 1973، وبقيت جبهة الجنوب، وحدها، مشتعلة. وجاءت هذه العملية بعد فشل " القوات اللبنانية " من القضاء على المقاومة الفلسطينية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كما هدفت الضغط على مصر لمتابعة محادثات " السلام " بعد عقبة منظمة التحرير التي عارضت الصلح المنفرد، في حينه، والقضاء على حلفاء المنظمة من الأحزاب اليسارية.

برر هنري كيسنجر العملية "الاسرائيلية" ضد لبنان بتصريح في 16 آذار 1978 : " دعا "اسرائيل" وبوقاحة الى عدم التردد في القيام بأي نوع من الرد على منظمة التحرير الفلسطينية. وقال انه يعتقد بان على "اسرائيل" الرد لسببين، أولهما لانهاء الثورة الفلسطينية كقوة عسكرية، وثانيا لان هجمات كثيرة انطلقت من جنوب لبنان على "اسرائيل"، مما يحتم القيام بنوع من الرد ( 36).

اصدر مجلس الأمن الدولي في 19 آذار 1978، القرار 425 الذي يدعو "اسرائيل" لسحب قواتها من دون أي تأخير من الاراضي اللبنانية وطلب الاحترام الدقيق لوحدة لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده الدولية المعترف بها. ويضع تحت تصرف الحكومة اللبنانية قوة مؤقتة، تابعة للامم المتحدة في جنوب لبنان، من أجل تأكيد انسحاب القوات "الاسرائيلية"، ومساعدة الحكومة اللبنانية في تثبيت اعادة سلطتها الفعلية في المنطقة.

وبناء على القرار 425، صدر القراران 426 و427، والمتضمنان انشاء القوة الدولية وعددها، ان مهمة هذه القوة الانتشار في المنطقة التي احتلتها "اسرائيل" وحتى الحدود الجنوبية الدولية، والتأكد من الانسحاب "الاسرائيلي" الشامل. ولكن هذه القرارات لم تحدد متى وكيف يبدأ الانسحاب. ماطلت "اسرائيل" كعادتها، بالرغم من موافقتها على هذه القرارات، في تنفيذ الانسحاب، حتى تدخل الامين العام للأمم المتحدة، حيث وضعت شروطا تمس بسيادة لبنان منها : بقاء منطقة الحدود المتاخمة تحت سيطرة الميليشيات المسيحية، ورفع عدد قوات الطوارئ، وزيادة فعاليتها، ودخول الجيش اللبناني الى المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وعدم القيام بعمليات عسكرية ضدها.

 نفذت "اسرائيل" الانسحاب الاخير من الجنوب، بعد ضغط دولي، في 13 حزيران بعد مدة ثلاثة اشهر من الاجتياح، لكنه لم يكن شاملا، حين ابقت على منطقة تحت سيطرتها، ومنعت قوات الطوارئ الدولية من دخولها، وسلمت اداراتها شكليا، للرائد سعد حداد، قائد الميليشيات، وبذلك حققت "اسرائيل" احد اهدافها الاستراتيجية بتقسيم لبنان، واقامة دويلات طائفية تابعة لها، وفي نفس اليوم حصلت مذبحة اهدن، في شمال لبنان، وقتل طوني فرنجية لمعارضته التنسيق مع "اسرائيل"، وليبقى القرار المسيحي المرتبط "باسرائيل" بيد قائد واحد هو بشير الجميل. وهكذا تمكنت "اسرائيل" من تطبيع علاقتها مع "الجبهة اللبنانية" وقواتها داخل لبنان، وبينها وبين الرائد حداد في الجنوب، وتحول التنسيق بين هذه الاطراف، الى استراتيجية "اسرائيلية" ، سمحت بالتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية، ومهد لحروب داخلية ولغزو لبنان عام 1982.

هدفت "اسرائيل" من خلال انشاء "الشريط الحدودي المحتل" اقامة منطقة عازلة، اعتبرتها حاجزا اوليا لمنع دخول المقاومة والتصدي لها، ودرعا امنيا للدفاع عن حدودها، كما شكل انتشار قوات الطوارئ الدولية،جنوب نهر الليطاني، الحاجز الثاني الاكثر اتساعا والذي يمنع الوجود المسلح داخله، ومرور المسلحين عبره، وكان انتشار القوات الدولية في كل من مصر وسوريا، أي في سيناء والجولان، قد اثبت نجاحا بعدم القيام بعمليات عسكرية داخل "اسرائيل"، بعد حرب سنة 1973. وبذلك اوكلت حماية امنها للقوات الدولية من جهة وللميليشيات المسيحية التابعة لها من جهة ثانية. وبالتالي فان المواجهة مع المقاومين في حال حدوثها، ستقع بعيدا عن حدودها ولن تخسر في التصدي للمهاجمين.

حاولت الحكومة اللبنانية، بسط سيادتها على الجنوب اللبناني، بناء على القرار الاميركي 425، وقررت ارسال الجيش اللبناني الى الجنوب، بعد حصولها على تطمينات اميركية، فسارعت "اسرائيل" وعملاؤها بالتصدي لوحدة الجيش المتجهة، عبر البقاع، الى بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل، مرورا بالمنطقة المحتلة، ومنعتها من اتمام مهمتها. وكانت تهدف الى اعادة الصراع بين الاطراف المتنازعة داخليا واقليميا ودوليا، بعد توقيع اتفاقيات كمب دايفيد. فالفلسطينيون يريدون اثبات وجودهم، و"اسرائيل" تعمل على اصطدامهم باللبنانيين، والولايات المتحدة الامريكية تحاول تطويع سوريا واجبارها على اللحاق بالحل الاستسلامي وجرها لمفاوضات، ثنائية على غرار مفاوضات كمب دايفيد، والعمل على اشعال المحاور التقليدية والمستحدثة ضد الوجود السوري في لبنان. والدولة اللبنانية تسعى لاعادة سلطتها وسيادتها على الجنوب فعمدت الى ارسال قوة من الجيش اللبناني الى منطقة عمليات قوات الطوارئ الدولية، وتعترض "اسرائيل" للمرة الثانية، فتقصف وحدة الجيش اللبناني المتوجهة الى قرية ارزون. ثم يعلن سعد حداد، في 18 نيسان 1979 دويلته الطائفية باسم دولة "لبنان الحر".

حول قيام دويلات الطائفية بتأييد - "اسرائيلي" كتبت صحيفة القبس الكويتية: "ومما تفيده المعلومات على سبيل المثال ان دولة سعد حداد ستبقى قائمة بدعم "اسرائيلي" مباشر، وتأييد أميركي مبطن. وأكثر من هذا فان السياسة الاميركية "الاسرائيلية" تخطط في مرحلة لاحقة لقيام "دويلات" لبنانية اخرى او دويلات فوق الاراضي اللبنانية، مثل المشروع الاميركي الهادف الى توطين بعض الفلسطينيين في جنوب لبنان أي خلق دولة لهم على جزء من ارض لبنان "  (37).

شكلت المنطقة المحتلة "حزاما امنيا" "لاسرائيل" وقد اعترف وايزمن، وزير الدفاع "الاسرائيلي" بقوله: "نحن ننوي اقامة شريط بعرض يتراوح بين 7 و 10 كلم على طول الحدود، للدفاع عن المنطقة" (38).

تمتد المنطقة المحتلة من البحر المتوسط غربا حتى منطقة العرقوب شرقا، وعلى امتداد الحدود اللبنانية - الفلسطينية المحتلة بطول 80 كلم وبعرض يتراوح بين 5 و 16 كلم وتبلغ مساحته حوالي 800 كلم مربع (39 ) . وقد اتسعت هذه المنطقة بعد الاجتياح "الاسرائيلي" للبنان عام 1982 ثم انسحابه على مراحل حتى العام 1985، حيث الحقت "اسرائيل" قضاء جزين وبعض القرى في اقضية صيدا والنبطية وحاصبيا وصور وبنت جبيل، فزادت مساحة المنطقة المحتلة لتصبح نصف مساحة جنوب لبنان البالغة نحو 2000 كلم مربع. ويبلغ عدد سكان هذه المنطقة نحو 354 الف نسمة. وزاد عدد القرى والمزارع المحتلة من 58 قرية ومزرعة ومدينة الى 170.

وبذلك بقي الاحتلال على مشارف مدينة صيدا، واتصلت المنطقة المحتلة بقضاء الشوف في الشمال، واشرفت على تلال البقاع الغربي في الشرق.

وعمدت على انشاء المعابر او "البوابات" على حدودها لتسهيل اشرافها ودخولها او دخول المتعاملين معها. بلغ عدد هذه المعابر ثمانية معابر، كما ربطت المنطقة المحتلة ببقية المناطق اللبنانية بخمسة معابر تقفلها لاسباب امنية او تقفل بعضها لفترات متباعدة، مما يزيد من معاناة السكان وتعرضهم للخطر واحيانا الى الموت من جراء اطلاق النار او القصف او عمليات التمشيط. ونظمت العبور من والى هذه المنطقة عبر تصاريح استحدثتها في بعض القرى والمراكز والمدن المحتلة وسمتها "الادارة المدنية".


الهوامش:

1- حول النصوص التوراتية التي اعتمدتها الصهيونية راجع الدكتور مسعود ضاهر: "جبل عامل في اطار التجزئة الاستعمارية للمشرق العربي" في كتاب صفحات من تاريخ جبل عامل، دار الفارابي، الطبعة الاولى، بيروت، 1979، ص.11.

2- وزارة الاعلام اللبنانية: "الجنوب اللبناني واطماع "اسرائيل" فيه"، في دراسات لبنانية، 1979، ص 45.

3-      Nations-unies, Politiques "d'Israel" en ce qui concerne les ressources en eau de la rive occidentale, New York, 1980, P.P. 1 et 2.

4-      نقلا عن جريدة النهار، 11 تشرين الثاني، 1973.

5-      Chami, Jean: "Le litani, un fleuve du liban pour le liban" Dans: Etudes Libanais, Avril, 1981, P. 76.

6- كريم مروة، المقاومة، دار الفارابي، الطبعة الاولى، بيروت، 1985، ص 148.

7- رمزي حبيب: "الاطماع الصهيونية والعجز عن المواجهة"، مجلة الباحث رقم 20-21، تشرين الثاني 1981.

8- عبد الله عاصي: صراعنا مع "اسرائيل"، المجلس الثقافي للبناني الجنوبي بيروت، 1969، ص 100.

9- النهار، تشرين الثاني 1973.

10- نقلا عن النهار 17 تموز 1973.

11- رمزي حبيب، مرجع سابق.

12- النهار، 11 تشرين الثاني 1973.

13- بعد الله عاصي، المرجع السابق.

14- سلام الراسي: لئلا تضيع، الجزء الاول، بيروت، د.ق. ص 65.

15- كريم مروة : المرجع السابق.

16- كمال حمدان: "الجنوب في مواجهة العدوان: تفكيك البنية الاقتصادية - الاجتماعية... ام اقتصاد حرب " منشورة في كتاب نتائج العدوان "الاسرائيلي" على جنوب لبنان، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، بيروت، 1979، ص 79.

17- حول الخسائر الاقتصادية راجع، جنوب لبنان مأساة وصمود، وزارة الاعلام اللبنانية ص 66-68.

18- جريدة النداء، عدد خاص، 20 كانون الثاني، 1980 ص 31.

19- اللجنة الوطنية المركزية للمهجرين، المهجرون ضحايا المخطط الانعزالي، بيروت 1980 ص 151.

20- عبد الله هاشم: "العودة الى ارض الجنوب" مجلة الحرية، 17 نيسان 1978 ص 18.

21- النهار 25 ايار 1970.

22- حرب الجنوب مرحلة جديدة في مخطط قديم، مركز الدارسات اللبنانية، ص 92.

23- Le Monde, le 10 Avril 1978.

24- المهجرون.. مرجع سابق، ص 84.

25- ليفيار وكاش: الارهاب "الاسرائيلي" المقدس، جمعية الجامعيين العرب - الاميركيين، 1980 ص 60-61.

26- نفس المرجع.

27- السفير 24 شباط 1979.

28- مجلة الحوادث، 15-11-78، ص 18-19.

29- السفير المرجع السابق.

30- النهار 5-3-77.

31- كريم بقرادوني: السلام المفقود، عبر الشرق للمنشورات، بيروت 1984، ص 125.

32- نقلا عن جريدة النهار 26-9-77.

33- L'orient - Le Jour, le 14 Novembre 1977.

34- النهار 26-7-1977.

35- Law Rent, Annie et Basbous, Antoine, Une proie pour deux fauves, Beyrouth, 1983, p. 198-199.

36- عادل وصفي حسن علي: حرب الجنوب الحرب الخامسة، بيروت 1978، ص 319.

37- د. ناديا لطفي ك"القوتان الاعظم والعالم الثالث" في مجلة الفكر العربي الاستراتيجي" العددان 17-18 تموز - تشرين الاول 1986، ص 21.

38- النداء 16 آذار 1978.

39- مجلة الحرية، 7 ايار 1979، ص 48.