القرى السبع المحتلة

حرب الديموغرافيا.. والزوال

ناصر شرارة/ باحث لبناني


مقدمة:

في اعقاب الحرب العالمية الاولى تقاسم الفرنسيون والانكليز المنطقة فيما بينهم.

فحصل الانكليز على فلسطين والاردن والعراق ووضعوها تحت ادارتهم، واخذ الفرنسيون لبنان وسوريا. هذا التقاسم الذي حصل وفقا لمعاهدة سايكس ـ بيكو اخذت الصهيونية تعمل على تعديل حدوده لمصلحة ان يشتمل وعد بلفور على اقتطاع اجزاء من لبنان لمصلحة كيانها الموعود. وفي استجابة لهذه الضغوطات كتب الرئيس الاميركي ويلسون عام 1919 يقول:

"ان تحقيق مطالب الفرنسيين المستندة إلى معاهدة سايكس ـ بيكو هو ضربة قاضية على الوطن القومي اليهودي(…) ان نجاح الصهيونية يتوقف على توسيع حدود فلسطين في الشمال والشرق لتصل إلى نهر الليطاني(...)".

رفض الفرنسيون، آنذاك، أي توسيع على حساب لبنان، لكن في العام 1920 وفي اثناء مؤتمر سان ريمو تراجع الفرنسيون لمصلحة تقبل صيغة حدود تاريخية لفلسطين، كرست منطقة الحولة، المعروفة بجورة الذهب، كمنطقة تابعة لفلسطين. وفي العام نفسه اعلن الجنرال غورو "لبنان الكبير" الذي تشمل حدوده سنجق صيدا كاملا باستثناء منطقة الحولة ذات السهول الخصبة. وعلى هذا، فان القرى السبع كانت ضمن حدود "لبنان الكبير"، واستنادا إلى ذلك اعطي ابناء هذه القرى جنسية لبنان الكبير.

الانقلاب على هذا الواقع حصل بعد ذلك بعامين، وتحديدا في تاريخ 3/2/1922 حينما اجتمع ممثل الانتداب الفرنسي (بوليه) مع ممثل الانتداب البريطاني (نيوكامب) وعقدا اتفاقا تم بموجبه سلخ عدة قرى عاملية عن لبنان، والحقت بفلسطين، وهذه القرى هي: هونين، صلحا، طيربيخا، قدس، المالكية، ابل القمح، والنبي يوشع. على ان يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ بتاريخ 30/4/1924، بحيث يصار إلى ضم هذه القرى رسميا إلى فلسطين. لم يتم ضم هذه القرى في التاريخ المحدد اعلاه، انما جرى ذلك بموجب "اتفاق القدس" المنعقد بين ممثلين عن بريطانيا وفرنسا بتاريخ 2/2/1926، الذي سمي اتفاق "حسن الجوار" حيث تخلى الفرنسيون بموجبه عن سهل الحولة لصالح لندن وذلك في مقابل منح شركة فرنسية استثمار تجفيف مياه المستنقعات في هذه المنطقة.

لماذا اصر مخططو المشروع الصهيوني على اقتطاع القرى السبع من لبنان؟

لقد تحدث غير مرجع صهيوني عن قيمة هذه القرى من منظور استراتيجي بالنسبة لـ"اسرائيل". في مقدمة العوامل التي تشكل هذه القيمة، ما يأتي:

اولا: للقرى السبع والمناطق اللبنانية التي احتلت لاحقا مواصفات امنية. فدراسة تحليلية لخارطة القرى السبع تظهر ان هذه القرى قد احتلت، بمواقعها، مظاهر تضاريسية هامة تمثلت بسلسلة من التلال المترابطة يفصل بينها موقع المنارة وهو اعلاها ارتفاعا. وقد صادرته "اسرائيل" بقيمته الاستراتيجية في مطلع هذا القرن، فهو يطل على معظم قرى جبل عمل وحتى البحر، وتأتي المالكية إلى الجنوب من المنارة ثانية في الارتفاع، وهي التي خاض فيها الجيش اللبناني معركته الاولى ضد العصابات "الاسرائيلية" عام 1948. ونظرا إلى اهمية مواقع هذه القرى، فقد اقام البريطانيون، فوق تلالها، مواقع عسكرية بين الواحد والاخر منها مسافة 5 كلم. وتأكيدا على قيمتها الاستراتيجية فقد ربطوها بطريق مواز للطريق الحدودية اليوم.

ومن منظار امني "اسرائيلي"، فان القرى السبع من ناحية موقعها تشكل تهديدا لخاصرتي المنارة والمطلة ولمجمل المستعمرات الصهيونية في الشمال.

ثانيا: تحتوي القرى السبع بالاجمال على آثار غاية في الاهمية. ولم يعد خافيا ما لاثار قَدَس من قيمة بالغة، وما لمرجها المعروف، كأحد مروج جبل عامل، من قيمة تاريخية وزراعية ايضا. وتشتهر معظم هذه القرى بقلاعها وآثارها التاريخية، كقلعة هونين بخاصة التي تطل على سهل الحولة، وجبل هونين ذي القيمة التاريخية والاستراتيجية، وآثار طيربيخا الرومانية والفينيقية. وادراكا منها لاهمية الدلالات التاريخية التي ترمز اليها آثار القرى السبع ومعالمها التاريخية، قامت "اسرائيل" بحملة واسعة لتزوير هوية هذه القرى، فعمدت إلى تزوير بعض آثارها وتغيير اسماء هذه القرى، بحيث اصبحت الان تعرف بالاسماء التالية:

هـونـيــــن = مـــرجليـــوت

طـيــربيخا = شـــومــــــرة

صـــلـحـــا = يـــــــــرؤون

الـمـالـكـيـة = مــالكــيــــــة

قـــــــــدس = تــل قــــادش

النبي يوشع = مشودت يشع

ابـل القـمـح = يـــوفـــــــال

 

ـ اولا: ديموغرافية القرى السبع

قليلة هي الدراسات التي تحدثت تفصيليا عن ديموغرافية القرى السبع، ويشكل ذلك اجحافا وطنيا بحق هوية هذه القرى. هذه الدراسة تحاول التركيز على هذا الجانب في محاولة للاسهام في اعادة تنشيط الذاكرة بخصوص جزء غال من ارض لبنان، وحميم من جبل عامل:

 

1ـ هونين

بالضم ثم بالسكون ونون ثم ياء ونون اخرى. تقع على الحدود اللبنانية اليوم. ولقرية هونين وحصنها ذكر في الحروب الافرنجية، منها:

"استولى الافرنج على قرية هونين، كما استولوا على غيرها من بقاع الجبل".

 

وجاء:

"في ربيع الاخر من عام 552 هـ (1157م)، وقبل معركة "الملاحة" بنحو شهر قامت جماعة من اعيان الافرنج وابطالهم بهجوم فاشل على معسكر اسد الدين المؤلف من العرب والتركمان بناحية هونين" (1) .

 

وجاء:

"شيد الافرنج حصنا على هونين في عام 1179 بعد تشييدهم لحصن جسر بنات يعقوب بسنة واحدة وذلك ليكون بمثابة خط دفاع لحماية مملكة بيت المقدس من ناحية دمشق".

 

وعرفت قلعة هونين باللاتينية باسم ( castrum Nevum) أي القلعة الجديدة (2) .

وذكر انه بعد معركة حطين عام 583هـ (1187م) امتنع من بهونين من تسليمها، لكنهم عادوا لاحقا وطلبوا الامان، فلبى صلاح الدين طلبهم وارسل بدر الدين دلدرم الباروفي اليها (3) . وبعد ذلك مر صلاح الدين بهونين وهو في طريقه إلى دمشق، بعدما تم له فتح بيت المقدس.

وبموجب الصلح الذي عقده الصالح نجم الدين ايوب سنة 1240م مع الافرنج استولى هؤلاء على الجليل بما فيها من حصن تبنين وهونين وطبرية والطور وكوكب الهوا، فضلا عن بيت المقدس، الخ… وفي عام 664 هـ (1266م) استرد الظاهر بيبرس هونين… (4) .

 

ذكر صاحب معجم البلدان هونين بقوله:

"بلد في جبال عاملة مطلة على نواحي الحولة".

وقال عنها صاحب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر:

"قلعة هونين، وهي على حجر واحد ولها اعمال".

ومر بها في القرن الماضي ادوارد روبنصن وله فيها وصف كثير، منه:

"تتبع هونين اقليم بلاد بشارة، وسكنها سابقا فرع من عائلة المشايخ الحاكمة، ولكن منذ زلزال 1837م لم يعد الحصن صالحا للسكن، فاستقر هؤلاء الزعماء الاقطاعيون في تبنين وجوارها".

يتابع:

"اما الحصن الاقدم فقد شغل مساحة اكبر شملت اكثر الارض المبنية عليها القرية في الجنوب، والحصن التركي الذي وجد بعده، وكان يشتمل على تسعة او عشرة ابراج مستديرة، لم يشغل سوى ثلث المساحة نفسها في الشمال. وهذا ايضا لم يبق منه سوى اطلال" (5).

وفي خطط جبل عامل ذكر السيد محسن الامين هونين فقال:

" قرية على اواخر جبل عامل من جهة الشرق على جبل، وفوقها جبل ينسب اليها. ويقابلها من المشرق جبل بانياس ذكرها ابن جبير في رحلته، وكانت احدى قواعد الحكم في جبل عامل، ثم صارت من عمل مرجعيون والحقت بعد الاحتلال بفلسطين، فيها قلعة قديمة كان بها بعض ملوك الصليبيين. لها ذكر في الفتوح والحروب الصليبية. وحولها خندق جله منحوت في الصخر".

ويصف السيد محسن الامين مسجد هونين بقوله:

"مسجد هونين من بناء قبلان الحسن من آل علي الصغير. كأنه محكم البنيان مشيد الاركان، من اعظم مساجد جبل عامل، بني سنة 166 هـ وبجانبه مئذنة شامخة لا تزال باقية، بنيت سنة 1187".

وكانت هونين في اواخر العهد العثماني مركزا لناحية تضم 26 قرية من اعمال قضاء مرجعيون (6). وعلى هذا فان هونين، كموقع، لعبت دورا مهما في الاحداث السياسية التي مرت على جبل عامل، ذلك ان هذا الاخير كان يقسم إلى ثماني نواح وكل ناحية يلحق بها قرى ويحكمها حاكم واحد. وهذه النواحي الثماني، اربع منها في القسم الجنوبي وتسمى بلاد بشارة، وبينها جبل هونين وقاعدته بنت جبيل، وحكامها من آل الصغير.

ويحدثنا التاريخ ان الشيخ قبلان نقل مركز حكومته من مزرعة الشوف إلى قلعة هونين، واستأثر بحكومة بلاد بشارة الجنوبية كلها لانه كان رأس العشيرة واكبر زعمائها سنا. وفي سنة 1164 نشأ خلاف بينه وبين ابناء عمه على حكم المقاطعات انتهى بتحكيم صديقهم الشيخ ظاهر العمر، وعقد اجتماع حافل برئاسة الشيخ ظاهر العمر وقسمت اقطاعات بلاد بشارة إلى ثلاثة اقسام، فكان سهم الشيخ قبلان مقاطعة جبل هونين(7).

وبعد اعلان الملك فيصل منشور الاستقلال السوري، توجه صادق الحمزة إلى العديد من قرى جبل هونين ورفع العلم السوري فوقها. وكانت هونين المحطة الثالثة للحملة الفرنسية على جبل عامل كما كثف فيها الفرنسيون تعزيزاتهم العسكرية لمناوشة "المتمردين" بعد سيطرتهم العسكرية على جبل عامل.

قلعة هونين: تشرف القلعة على الحولة، ولها خندق عميق في الصخور، كان يضيف بعدا امنيا لحماية القلعة من الغارات الطارئة. وهي اليوم خراب، مزرب للماعز ـ  حسب السيد محسن الامين ـ ووصفها شيخ الربوة فقال:

"وقلعة هونين على حجر واحد ولها اعمال".

الآبار والاقبية: تشير بعض الدراسات إلى انه يوجد في هونين نحو 100 بئر كانت تؤمن مياه الشرب في ايام الحصار والحرب، عمق الواحدة منها 50 مترا وهي التالية: بئر القطران، مياهها باردة جدا لدرجة انها تشفي المصابين بنوبات البرد، بئر الديوان، بئر الطويل، بئر ابي موسى. وتوجد على مقربة منها مجموعة من الاقبية بنيت على ما يبدو في الايام نفسها التي بنيت فيها القلعة.

ووجدت بئر في ارض المسجد طولها 10 امتار وعرضها 6، أي على امتداد المصلى في المسجد (8).

الآثار: إلى جانب القلعة والآبار القديمة، هناك آثار اخرى اهمها بلاطة اثرية قديمة كانت في مسجد القرية وقد حفرت عليها كتابات غير معروفة (9) . والى الشمال من قلعة هونين على بعد 400م وجدت آثار هي عبارة عن بيوت قديمة العهد، بنيت على ما يبدو في العهد الروماني، أي قبل تاريخ بناء القلعة. وقامت مقبرة هونين مكان مقبرة رومانية، ومن المواقع الاثرية في هونين:

ـ تل عين السابور: في الشمال الشرقي من القرية، تحتوي على مدافن منقورة في الصخر "مقبرة رومانية".

ـ تل المبروم او خربة سقور: يقع في ظاهر تل عين السابور جنوبا ويرتفع 215 مترا عن سطح البحر، يحتوي على اساسات جدران، بقايا معاصر زيتون، شقف فخار (10) .

 

هونين السكان والاحداث عشية مطلع القرن العشرين

الاحصاء الاول الذي جرى بعد تأسيس دولة لبنان الكبير، والخاص بهونين، حدث في مخفر البلدة، ثم نقل الاحصاء بعدها إلى منزل سليم الحاج علي طهماز، واستلم ابناء هونين بموجب هذا الاحصاء هوية لبنان الكبير. حدث ذلك في عام 1921. وهذا ما تثبته سجلات الاحصاء ( A) العائدة لذلك التاريخ.

وعرفت هونين ابان الحكم العثماني مختارا لها هو ابراهيم حسن شحرور. وفي ايام الانتداب الفرنسي كان مختارها الشيخ ديب حدرج وكامل محمد حسن شحرور. وكان في هونين، في خلال الانتداب الفرنسي، مخفر كان يشغله منزل الحاج حسين علوش. وكان آمر المخفر آنذاك رجل اسمه خضر الشاويش. ويروي اهالي هونين ان خاتم المخترة ظل لبنانيا حتى بعد تعديل الحدود وضم القرى الجنوبية السبع إلى الانتداب البريطاني…

وعرفت هونين في مطلع الاربعينات مدرسة ابتدائية، اعلى صفوفها الرابع ابتدائي. وكان يديرها الاستاذ عبدالله فرج، ومن معلميها فضيلة الشيخ جميل حدرج.

في عام 1951، اقام العدو الصهيوني على بقعة من هونين، التي دمروها وشتتوا سكانها، قلعة مرغاليوت نسبة إلى مرغاليوت الصهيوني الذي عمل جاهدا في استعمار الجليل، واخيرا عرفت باسم H.Mezudat Hunina (11) .

الموقع والمساحة: تقع هونين في الطرف الجنوبي الشرقي من جبل عامل، ويحدها من الشمال مسكفعام وعديسة كفركلا، ومن الجنوب المنارة وميس الجبل والبويزية. اما  حدودها من الشرق فهي : الخالصة والتخشيبة وصلحا، ومن الغرب، حولا ومركبا ورب ثلاثين.

تبلغ مساحة هونين نحو 12840 دونما. واذا اضفنا اليها اراضيها التي تتداخل مع اراضي القرى الحدودية المجاورة، فان مساحتها ستغدو 15740 دونما. وتتداخل اراضي هونين مع خراج كل من مركبا ورب ثلاثين وعديسة وحولا في الجنوب اللبناني. وما زال اهالي هونين يحتفظون باوراق ثبوتية (سندات طابو) تثبت ملكيتهم لاراضيهم.

وزرعت اراضي هونين بالتين والدخان والزيتون. وبعض اشجار الزيتون فيها يعود إلى العهد الروماني. كما زرعت ايضا بالعنب.

 

1ـ قدس

تقع في الطرف الجنوبي من جبل عامل. يحدها من الشمال بليدا، ومن الجنوب ديشوم، ومن الشرق النبي يوشع، ومن الغرب المالكية وعيترون. ويحيط بقدس واديان من جهتي الغرب والشرق، هما وادي جهنم ووادي عروس.

تبلغ مساحة قدس مع سهلها نحو 12.000 دونم، اما مساحة السهل فتقدر بـ 80.000 دونم، ترتفع القرية عن السهل 100م، والسهل عبارة عن مرج واسع خصب التربة جدا، وزرعه اهالي قدس بالحبوب. وكان ابناء قرى الساحل والجبل على السواء يقصدونه في ايام الحصاد.

تتداخل اراضي قدس مع اراضي عيترون، والعكس صحيح.

وتعبر قدس (بقاف ودال مهملة مفتوحتين وسين مهملة) بلدا قديما فيه آثار وابنية محكمة باحجار ضخمة وعين جارية. وظهرت فيها، لاحقا، عين اخرى غربي الاولى هي عبارة عن قناة عميقة تحت الارض مبنية بالصخور. وفي قدس نحو 3000 شجرة زيتون معمرة من ايام الرومان. وكانت هذه البلدة شمسية، أي من املاك الدولة، فاشتراها بعض اهل دمشق واشترى نصفها آل فرحات وآل بزي. وكانت بيوتها متواضعة يسكنها الفلاحون، وموقعها قريب من غربي الحولة. وهي من عمل صور، ثم الحقت بفلسطين.

وفي القرن الماضي زار قدس وناحيتها الدكتور ادوارد روبنص وله فيها وصف مفصل. ويذهب إلى القول ان قدس كانت مهجورة عام 1838م، ولكن في العام 1844، وجدها الدكتور سميث آهلة بقوم من حوران، جاؤوها قبل بضعة اشهر(12).

دمر الصهاينة قدس وشتتوا سكانها في عام 1948، واقام اليهود الاميركيون على هذه القرية في عام 1948 قلعة دعوها يفتاح yiftah كان فيها عام 1961 نحو 123 يهوديا.

 

3ـ النبي يوشع

قرية فيها مزار منسوب إلى يوشع بن نون وصي موسى (عليهما السلام) مشرف على الحولة من شرقها على طرف الجبل المطل على الحولة الذي هو منتهى جبل عامل من تلك الجهة. ساكنوها كانوا قوما خدامه يبلغون 50 نفسا من آل الغول. واول من بنى على المزار قبة هو الشيخ ناصيف بن نصار. قبل بناء المشهد لم يكن هناك قرية، بل ان خدام المشهد جاؤوا اليه وسكنوا القرية. وبني إلى جانب المشهد من الغرب مسجد، بني حوله حجر للزائرين، وينكر اليهود ان يكون في هذه القرية قبر يوشع. وتقول التوراة ان مدفنه جنوبي نابلس.

وتبلغ مساحة النبي يوشع نحو 2000 دونم، نصفها صالح للزراعة. اما حدود القرية فهي التالية: تحيطها قدس من جهات ثلاث، الشمال والجنوب والغرب، وتحيطها بليدا مع قدس شمالا. اما من الشرق، فيطل النبي يوشع على الحولة. وقد احتل اليهود النبي يوشع عام 1948، وبنوا بجانبها قلعة متسودات يوشع عام 1957.

 

ـ معركة كامب النبي يوشع

كان الانكليز انشأوا موقعا عسكريا على موقع مرتفع في النبي يوشع. وهذا الموقع شهد معركة مهمة تخلد قصة دفاع اهالي تلك المنطقة عن الارض. وتعرف هذه المعركة اصطلاحا بمعركة كامب النبي يوشع، وهي احدى المعارك المجيدة التي خاضها ابناء قدس والمالكية وافراد من شرطة الكامب العرب، بالاضافة إلى بعض عسكريي جيش الانقاذ، باسلحة وذخائر متواضعة ومحدودة للغاية، كما شارك فيها بعض ابناء صلحا كذلك.

ومن الناحية العسكرية، تعتبر هذه المعركة حدثا محليا بارزا، لانها مقدمة لمعركة لاحقة هي معركة المالكية التاريخية. كما وان السيطرة على كامب النبي يوشع، تعني السيطرة على قريتي قدس والنبي يوشع، وتعني ايضا ـ وهذا الاهم ـ قطع خطوط الامداد والتموين عن مستعمرتي الهراوي والمنارة الاسرائيليتين. من هنا، كان لا بد من التعرف ميدانيا على وقائع هذه المعركة من خلال احد الذين شاركوا فيها (*).

 

ـ موقع الكامب، شكله وتركيبه العام

قد يفيد قبل سرد وقائع معركة النبي يوشع، الوصف الميداني للاجراءات والتحصينات التي اقامها البريطانيون، ومدى استفادة العصابات الصهيونية منها، ثم مدى تدخل هذه في تخطيطها بناء على النوايا "الاسرائيلية" المرسومة مسبقا في العادة، من اجل اغراض واهداف مستقبلية معروفة. كل ذلك يسلط الضوء على مدى الاستعداد "الاسرائيلي" قبل القيام بأي عمل عسكري. هذا ما كنا نشهده في خلال الحروب العربية "الاسرائيلية" المستمرة: من فلسطين إلى خط بارليف في مصر.

وبالنسبة لكامب النبي يوشع، فانه يقع على مرتفع يطل على سهل الحولة شرقا، تعلوه قدس من جهة الغرب ويبعد عنها 2 كلم و6 كلم عن المالكية. وهو ـ أي الكامب ـ عبارة عن موقع للشرطة العسكرية البريطانية، ويعمل معهم متطوعون عرب.

تقدر مساحة مبنى الكامب بـ 200 متر مربع ولا يدخل في تركيبه الحجارة، لانه من الباطون المسلح المقوى بالحديد المشبك.

يتكون البناء من طبقات اربع وارتفاعه 15 مترا، اما نوافذه فانها من الحديد المصفح التي لا يخترقها الرصاص، وسط كل نافذة منها "طلاقات" مستديرة الشكل، تطلق منها النيران. اما طول النافذة فهو متر وعرضها 60 سنتم. وفي كل طابق من الطوابق الاربعة 100 نافذة. وللسطح سور مستطيل يرتفع مترا عنه.

بنى البريطانيون الكامب في النبي يوشع، كما بنوا مثله في صلحا وطيربيخا وسعسع وفي اماكن اخرى كذلك، بحيث بلغ مجموع هذه الابنية سبعة حتى البحر باتجاه الغرب. وقد بنيت هذه الابنية بعد الحرب العالمية الثانية (13). وحفروا بالاضافة اليها حفرا في الارض لاغراض عسكرية اسموها "ترنشات" مساحة الواحدة منها 16م2، وهي اشبه بغرف تحت الارض عمق الواحدة ثلاثة امتار. كما ان جوانبها من الباطون المسلح، وسقفها كذلك وسماكته متر من الباطون المسلح وفوقه سماكة متر من التراب. وللواحدة منها "طلاقات" على جوانبها الاربعة. ولها ـ الترنشة الواحدة ـ باب واحد يطل على خندق يؤدي إلى واحدة مثلها.

هذه الاجراءات والتحصينات ـ الترنشات ـ كانت تتوزع على التلال المرتفعة حول النبي يوشع لجهة الهراوي وفي مرج الخيام. ومن جهة اخرى فان المستشفيات كانت تبنى بالطريقة نفسها ـ تحت الارض ـ ويتكون المستشفى من 40 غرفة تقريبا من الباطون المسلح الا انها لم تستخدم.

 

ـ وقائع المعركة

1ـ الخديعة البريطانية:

في مطلع شهر نيسان عام 1947، كان الانكليز يستعدون للانسحاب من كامب النبي يوشع، وقبل انسحابهم بقليل، عمدوا إلى بث خبر بالانسحاب ـ اخبروا المتطوعين العرب بذلك ـ وفي الوقت عينه، توجهوا إلى مستعمرة (نجمة الصبح) "الاسرائيلية" وقالوا لليهود: "عليكم بالاستعداد للتوجه إلى كامب النبي يوشع واحتلاله، يضيف احمد درباج قائلا:

"كنا دائما نتحين الفرص للانقضاض على الكامب، فور مغادرة البريطانيين له. وفي اليوم الذي انسحب فيه البريطانيون، توجهنا فورا إلى الكامب، الا ان قوتنا لم تكن كافية للدفاع عنه، فارتأينا ضرورة الاتصال بجيش الانقاذ في (الرأس الاحمر) فاتصلت بهم شخصيا، مبينا لهم ما حدث، فوعدوني بالمساعدة بخمسة رجال (14). كما اخبرنا ابناء المالكية في ذلك الحين"(15).

 

2ـ الهجوم الاول:

يقول احمد درباج:

"لقد كانت المعركة الاولى بالنسبة لنا، التي نخوضها بالذخيرة الحية مع "الاسرائيليين". فوجئنا بالهجوم "الاسرائيلي" في الظلام الدامس، وذلك بعد صعودي لتفقد الحرس فوق المبنى. وكان "الاسرائيليون" قادمون من جهة الحولة بمصفحة وثلاث سيارات نقل عسكرية. اخبرت قائد قوتنا ـ عبدالحسين بزي ـ بالامر. وبدوره امرنا بفتح النار على "الاسرائيليين"، فقتل قائد المصفحة على الفور واستدارت المصفحة نتيجة ذلك وسدت الطريق. استمرت المعركة ساعة كاملة، انسحب على اثرها اليهود مخلفين وراءهم المصفحة الا انهم استطاعوا اخلاء قتلاهم وجرحاهم.

في الصباح تفقدنا ارض المعركة، فوجدنا آثار الدماء والقطن والذخيرة، ثم جاء جنود الانقاذ واخذوا المصفحة التي ظلت صالحة للاستعمال، كما احضروا 15 جنديا وضعوهم في الكامب. وبدورنا اخبرنا جنود جيش الانقاذ بنفاذ الذخيرة فقالوا لنا : "ما عليكم، نحن سنقوم بحماية الكامب".

 

3ـ الهجوم الثاني:

"هاجم "الاسرائيليون" الكامب ثانية، منذ الصباح وحتى العاشرة قبل الظهر، لكنهم خسروا المعركة ايضا وانسحبوا، كما حدث في المرة الاولى".

هكذا قال احمد درباج.

 

4ـ سقوط الكامب :

"تمكن "الاسرائيليون" من الدخول فجأة إلى الكامب بخدعة معينة، ودون قتال بتاتا، وسمعناهم يرددون الاغاني بالعبرية، عرفنا للتوا ان الكامب قد سقط وكان ذلك مؤشرا للانسحاب من قدس والنبي يوشع".

يقول احمد درباج.

هكذا تبين ان المعركة بدأت بخدعة وانتهت بخدعة ايضا ـ انه تبريرنا الدائم ـ وبسقوط الكامب اخذ "الاسرائيليون" يعدون العدة لمعركة استراتيجية اكبر، لقطع الطريق عن المالكية. وهذا ما حدث فعلا بعد شهرين من سقوط الكامب، كما سيرد لاحقا عند الحديث عن المالكية.

 

4ـ ابل القمح

عرفت قبلا بأبل الزيت. وقال ياقوت في "معجم البلدان":

"ابل القمح من نواحي بانياس من عمل دمشق، بين دمشق والساحل".

وجاء في المعلومات ان هذه القرية الحقت بفلسطين بعد الحرب العالمية الاولى. ويقول مصطفى الدباغ:

"ابل القمح، بفتح الهمزة وبعد الالف باء مكسورة ولام. وابل من جذر "ابل" سامي مشترك، ومما يفيد المرج والمياه والكلأ والخصب. وهي هنا بمعنى المرج. فيكون معنى القرية: مرج القمح. دعيت بذلك لجودة قمحها. يحيط بها سهل ارضه خصبة ومياهه وفيرة، مما دعا القدماء إلى ان يطلقوا عليها اسم ابل المياه.

وفي العهد الروماني عرفت بقعة "ابل القمح" باسم Ablameal. وفي "معجم البلدان1" : 50: ابل القمح قرية من نواحي بانياس من اعمال دمشق.

مر ادوارد روبنصن بالقرية المذكورة وقال عنها في كتابه المطبوع عام 1876م:

"قرية من قضاء مرج عيون التابع لواء بيروت في نواحي بانياس، وهي حسنة الموقع بين مرج عيون وبحيرة الحولة. فيها نحو 45 بيتا".

دمر الصهاينة ابل القمح واقاموا في ظاهرها الجنوبي الغربي عام 1952 قلعتهم كفاريوفال.

ثمة ظاهرة تميز ابل القمح عن اخواتها القرى الست، وهي ان السكان فيها عبارة عن خليط من الطائفتين الاسلامية والمسيحية، مع ان نسبة المسلمين تتجاوز المسيحيين. وهناك كنيستان في القرية ومختاران: واحد للمسيحيين والاخر للمسلمين.

 

ـ الاثار:

في ابل القمح موقع اثري يحتوي على تل انقاض هو عبارة عن "قبور منقورة في الصخر وادوات صوانية، ركام من الحجارة بين ابيل وتل القاضي". وتل الانقاض هذا يعرف باسم "تل ابيل" او "المديرة".

وهناك يقعتان اثريتان اخريان تقعان في جوار القرية، هما:

1)     خربة نيحا: تقع في جنوب ابل القمح الغربي. تحتوي على اساسات جدران، وحجارة مبعثرة، وشقف فخار. ونيحا كلمة سريانية بمعنى الادنى والمستريح والحلم. وفي لبنان امكنة عديدة تحمل هذا الاسم.

2)      تل القظعات الست: يقع في جنوبي القرية، يحتوي على حظائر مجدرة على تل (جميع هذه المعلومات منقولة عن مصطفى الدباغ، مصدر سبق ذكره).

 

ـ الموقع:

تقع ابل القمح في الطرف الجنوبي الشرقي من جبل عامل. وهي تمثل قمة القوس الممتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي من جبل عامل، والقرية تقع على مرتفع اشبه بتل 109 يحيطها سهل فسيح، يبلغ ارتفاعها 600 م عن سطح البحر. كما يتحدر من القرية واد فسيح، حوله الصهاينة إلى بساتين للاشجار المثمرة حيث زرعوا فيه الخوخ والعنب والتفاح.

تقدر مساحة ابل القمح بـ 17.000 دونم، والقسم الاكبر منها في الاراضي اللبنانية.

تشتهر ابل القمح بينابيعها، اذ فيها 50 ينبوعا تتوزع على اطراف القرية، كما في القرية مجموعة عيون ماء اهمها: عين المالحة وعين كردية.

 

5ـ طيربيخا

يروي الرواة ان طيربيخا عمِّرت ايام النبي موسى (ع) وقد احرقت سبع مرات، والمرة الاخيرة حدثت اثر حرب ظاهر العمر ناصيف النصار منذ ما يقارب من قرنين من الزمن.

تقع طيربيخا في الطرف الجنوبي الغربي من جبل عامل، وهي قرية في الساحل اللبناني. اما حدودها فهي على الشكل الاتي: رميش وعيتا الشعب وسعسع من جهة الشرق، ومن الغرب خربة جليل ووادي كركرة، ويحدها يارين ومروحين ورامية من الشمال، ومن الجنوب طيرشيما وفسوطة ودير القاسي.

تقدر مساحة طيربيخا بـ 35.000 دونم، يستغل 24.000 دونم منها في الزراعة. ويبلغ ارتفاعها اكثر من 700م عن سطح البحر، بحيث تطل على كل من صور والبصة وحيفا. عام 1948 طرد "الاسرائيليون" السكان العرب من طيربيخا، واقاموا فوقها اشبه ما يكون بتجمع مستعمراتي سكني. اهم هذه المستعمرات: مستعمرة في البلاطة، مستعمرة في صفيح شنا، مستعمرة زرعيت، مستعمرة في شتولا، مستعمرة في خربة سروح الفوقا، بالاضافة إلى مستعمرة طيربيخا ذاتها.

كما اقام البريطانيون مركزا للشرطة في طيربيخا (كامب طيربيخا)، وربطوا مركز الشرطة هذا بطريق معبد يبدأ من البصة على ساحل البحر من جهة الغرب، لينتهي بمستعمرة المطلة شرقا. وتتداخل اراضي طيربيخا في اراضي رامية وعيتا الشعب ويارين ومروحين.

 

6ـ صلحا

صلحا قرية حدودية، تقع في الطرف الجنوبي من جبل عامل. جاء اهلها من نواحي درعا وعائلاتها تعود لاخوة ثلاثة هم : عثمان، عمر، عون.

قضى الكثير من شبان صلحا نحبهم في سفر برلك مع الاتراك. وقد عرفوا قائدا تركيا ظالما من اصل يهودي الماني، علم تحت اسم مستعار وهو عارف بك. وقد كان هذا ظالما لدرجة انه كان يدفع إلى المشنقة كل من حمل قلما او وضع حطة على رأسه. شهدت صلحا حدثا تاريخيا مهما كتلك الاحداث التي كانت تدور على ساحة جبل عامل، اذ ان صلحاً قد جرى بين كامل الاسعد والجنرال غورو اثر حادثة عين ابل المشؤومة في قبو الحاج محمد السكبي (16).

وفي العام 1948، حدثت في صلحا مذبحة مروعة ذهب ضحيتها 105 اشخاص من ابناء القرية من اعمار مختلفة. هذه المجزرة ظلت منسية وبدون تأريخ، لكنها تبقى في ذمة المؤرخين الذين ارخوا احداثا اقل اهمية منها.

دمر العدو "الاسرائيلي" صلحا واقام على ارضها مستعمرة وقلعة "يرؤن Yirona" كان في صلحا مدرسة ابتدائية في مطالع الاربعينات، اعلى صفوفها الرابع الابتدائي.

 

ـ الآثار:

صلحا موقع اثري يحتوي على "صهاريج" بركة، ارضية من الفسيفساء، مدافن منقورة في الصخر، معاصر زيت، وتقع البقاع الاثرية التالية في جوار صلحا:

1ـ وادي صلحة او صالحة: يحتوي على "حفر فيها ادوات من الصوان المصقول يرجع عهدها إلى عصور ما قبل التاريخ".

2ـ مغرعوبة: او "وادي عوبة"، به "مدافن، معاصر زيتون وخمر، مغر، صهاريج، نحن في الصخور، سلم منقور في الصخر". وتقع مغرعوبة في ظاهر صلحا الشمالي الشرقي.

3ـ خربة عوبة: وهي في جوار "مغرعوبة"، تحتوي على "اساسات"، مغر، مدافن، خزان.

 

ـ الموقع والمساحة:

تقع صلحا في الطرف الجنوبي من مدينة بنت جبيل، يحدها من الشمال مارون الرأس ومن الجنوب قرية فارة ومن الشرق عيترون وعلما وغربا يارون، اما لجهة طوبرغرافيتها، فانها عبارة عن ارض سهلية تمتد من ارض يارون حتى حدود علما شرقا ويفصلها عن قرية المالكية وادي يسمى وادي نهر عوبة (17) .

 

7ـ المالكية

يقول السيد محسن الامين في اصل تسمية المالكية:

"المالكية بلفظ النسبية ابي مالك، قرية من جبل عامل من جهة الحولة قرب قدس وتسمى مالكية الجبل مقابل مالكية اخرى في ساحل صور تسمى مالكية الساحل".

تقع المالكية في الطرف الجنوبي الشرقي من جبل عامل، وترتفع نحو 890 مترا عن سطح البحر، وهي بذلك تعادل مرتفعات الجولان، لا بل تعلوها ارتفاعا، كما وان المنارة هي الموقع الاقرب الوحيد الذي يعلو المالكية بقليل، وتوازي مارون الراس المالكية ارتفاعا لجهة الغرب.

يحد المالكية من الشمال قرية بليدا ومن الجنوب صلحا، ويحدها من الشرق قدس وعيترون من الغرب.

تقدر مساحة المالكية بـ 12000 دونم اذا ما اضيف اليها "المشاع"، اما مساحة القرية الحقيقية فتبلغ 7000 دونم.

تتداخل اراضي المالكية مع ارض عيترون بشكل رئيسي والعكس في ذلك صحيح. ومن جهة اخرى فان اراضيها تتداخل مع اراضي قدس وصلحا، وذلك سببه عامل القرب والجوار الجغرافي.

 

ـ مزايا موقع المالكية

 لقد كان لموقع المالكية الجغرافي الاثر الكبير في جعلها تدخل التاريخ من بوابة حدث معركتها ضد العصابات الصهيونية.

يحيط بالمالكية مجموعة من الاودية اهمها وادي ابوسعيد شرقا وهو يفصلها عن قدس، ثم وادي نهر عوبة الذي يفصلها عن صلحا جنوبا، ومعروف ان هذا الوادي قد استخدمه الثوار للتحصن فيه "كمعصى" ولمباغتة القوات البريطانية ما بين عامي 1936ـ 1938. والى الجنوب الشرقي من المالكية واديين آخرين هما وادي عقبة الجمال ووادي الزقية. كما وان وادي جهنم هو الاخر يفصل المالكية عن قدس.

هذه الاودية بمجموعها اعطت الموقع ـ المالكية ـ قيمته الاستراتيجية، واذا ما اضفنا عامل الارتفاع ، لظهرت جلية واضحة اهمية المالكية الجغرافية المشرفة على معظم قرى جبل عامل والحولة بشكل دائري.

كان لا بد لهذا الموقع اذا من ان يشهد حدثا عسكريا هاما، تمثل بمعركة المالكية(18) في العام 1948 وهي التي سنأتي على تفصيلها في الجانب التاريخي السياسي.

 

ـ معركة المالكية

تعتبر معركة المالكية حدثا تاريخيا هاما. ولقد كانت تعني الجيش اللبناني وابناء جبل عامل بقدر ما كانت تعني اهلها بالذات، لان سقوط المالكية كان يعني سقوط المنطقة المجاورة بأسرها ان لم نقل ابعد من ذلك بكثير. وهذا ما حصل فعلا. من هنا جاءت مشاركة الجيش اللبناني فعالة وتميزت باشتراك اكثر من قائد او ضابط معروف. وهذا ما سنأتي على ذكره في سرد وقائع المعركة.

بدأت معركة المالكية بمناوشات بسيطة، في شهر كانون الاول عام 1947، واستمرت حتى اواخر شهر نيسان من عام 1948، لكن من دون تسجيل انتصارات حاسمة لاي من الطرفين ـ ابناء القرية والاسرائيليين ـ وبذلك يمكن القول بان المعركة لم تكن هجوما واحدا فقط، لانها قد مرت بعدة مراحل، طرأ على كل واحدة منها عنصر جديد، ان لجهة السلاح او لجهة المشاركة.

من هنا نتناول المعركة بتفاصيلها لتبيان ما تقدم على الشكل التالي:

المرحلة الاولى: بعد سقوط كامب النبي يوشع بأيديهم، هاجم "الاسرائيليون" المالكية في مطلع شهر ايار من عام 1948، انطلاقا من مستعمرة الهراوي ـ التي انشأوها عام 1946 في الجنوب الشرقي من قرية قدس ـ وقد استخدموا في هجومهم هذا "البغال" لحمل الاسلحة والذخائر وسلكوا في ذلك طريقا فرعية من جهة الشرق وطريق وادي ابوسعيد كذلك.

تصدى ابناء المالكية و500 من المتطوعين من القرى الجنوبية السبع ومن قرى يارون، عيترون، بليدا، ميس الجبل، وبنت جبيل للاسرائيليين بقيادة النقيب في الجيش اللبناني محمد زغيب (19) ، يرافقه المناضل معروف سعد، ودارت معركة كبيرة استمرت منذ مطلع الفجر وحتى الغروب، واستخدم المتطوعون في هذه المعركة اسلحة فردية وذخائر محدودة معتمدين بذلك على التمويل الذاتي ـ اذا صح التعبير ـ وكانوا قد اجلوا شيوخ القرية ونساءها واطفالها إلى قرية عيترون المجاورة قبل بدء المعركة. ولم يستطع "الاسرائيليون" دخول القرية ـ رغم تفوقهم عتادا ورجالاـ فانسحبوا مخلفين وراءهم ذخائر واسلحة كثيرة، وسقط النقيب محمد زغيب شهيدا في 13 ايار 1948.

المرحلة الثانية: (20) هاجم "الاسرائيليون" المالكية في شهر حزيران من العام نفسه، وسلكوا الطريق نفسها التي سلكوها في هجومهم الاول، كما انهم ادخلوا سلاح الدبابات عنصرا جديدا في المعركة واستطاعوا احتلال القرية، وهجروا سكانها وقتلوا منهم ايضا ومكثوا بعدها فترة شهرين في المالكية، تدخل على اثرها الجيش اللبناني وكانت معركته الوطنية والقومية الاولى بعد الاستقلال مباشرة.

من هنا وجب تناول وقائع المعركة وتفاصيلها على ألسنة الذين شاركوا فيها.

يروي العميد الركن المتقاعد، فرنسوا جينادري ـ وهو من المشتركين البارزين في المعركة ـ وقائع المعركة بقوله:

"كنت ملازما ثانيا وآمر لفصيلة مشاة تابعة للسرية الثانية من فوج القناصة الثالث. واذكر ان مركزي كان في الناقورة. وقد صدرت الاوامر بنقل الفوج الثالث إلى نقطة معينة، يعرفها قائد الفوج العقيد جميل الحسامي وحده، وذلك حفاظا على سرية العملية التي قررت". ويضيف قائلا: "انتقلنا في الساعة الرابعة من ذلك النهار، وكان يوم جمعة، متوجهين إلى منطقة بنت جبيل. وهنا نصبنا الشوادر، وكان نصيب سريتنا قرية مارون الرأس. وعند الساعة 24، وبوجود الامير ـ مجيد ارسلان، وزير الدافع آنذاك ـ جمعنا الامير اللواء فؤاد شهاب قائد الجيش في بساتين زيتون عيترون، والقى خطابا اذكر منه "انه المطلوب من فوجكم شرف فك الحصار عن مجاهدي جيش الانقاذ العربي حيث انقطعت عنه خطوط التموين، باحتلال "الاسرائيليين" قرية المالكية. وهي عبارة عن هضبة ارتفاعها 800 متر، وتشرف على ثلاث طرق تموين في الجليل الشمالي من ارض فلسطين المحتلة. الاولى المالكية ـ عكا، والثانية المالكية ـ ترشيحا، والثالثة المالكية ـ الناصرة".

واضاف جينادري قائلا:

"لقد وضعنا اللواء شهاب في جو المعركة مشيرا إلى انه باحتلال هضبة المالكية انعزل ما يقارب الثلاثة آلاف مجاهد في منطقة الجليل الشمالي، وعلينا فك الحصار عنهم كما اشرنا. وانها اللواء شهاب خطابه قائلا: لاول مرة يقوم جيش الاستقلال الوطني اللبناني بمعركة حيوية مصيرية وبالذخيرة الحية. وهي مناسبة للبعض منكم لان ينال وسام صليب الحرب Croix de la guerre ، كما انها مناسبة للبعض الاخر ان ينال صليب خشب، وقد اثار ذلك ضحك جميع الضباط والجنود، في وقت لم يكن الجو قابلا للضحك او المزاح. ثم شرح لنا شهاب باسهاب عملية توزيع الاوامر الاساسية. ومن ثم تركنا بعد ان سلمنا إلى قائد الفوج العقيد جميل الحسامي، ووضع بتصرفه فصيلة تتألف من اربع دبابات ومصفحتين بقيادة النقيب فؤاد لحود والملازم الاول الشيخ جميل عيد".

ويتابع جينادري قائلا:

"بعد توزيع المهام العسكرية علينا، عدت إلى فصيلتي ضائعا، اذ كنت في الحادية والعشرين من عمري، ومن عشاق الحياة كغيري من الناس، لكنني تذكرت في تلك اللحظة بانني مسؤول عن 41 جنديا، وان روحي لا تختلف عن ارواحهم. واخذت كل سرية مركزها استعدادا لاشارة انطلاق الهجوم التي حددت بربع ساعة بعد مرور الطيران السوري الذي اوكلت اليه مهمة قصف مراكز العدو. وقد تم توزيع الوحدات العسكرية كالاتي:

1ـ السرية الاولى: القائد الرائد ميخائيل ابو طقة يعاونه ضابطان هما الملازم الاول انطوان خوري، والملازم رزق الله صفير.

·     المركز: مرتفع 500 جنوبي قرية بليدا الحدودية اللبنانية.

·     المهمة : احتلال برج كلم 9 (تسمية انكليزية) والاتجاه شرقي قرية المالكية واحتلال الهضبة 705.

·     الاتصال : التعاون الوثيق مع فصيلة الدبابات على طريق مفرق بليدا ـ بلوكهاوس كلم 9 ـ المالكية.

·     الحذر من تسلل "اسرائيلي" من وادي النبي يوشع (21).

2ـ السرية الثانية: القائد النقيب سعيد نصرالله يعاونه الملازم فرنسوا جينادري والملازم حسين بركات.

·     المركز: اوكل إلى الفصيلة الاولى مهمة التقدم إلى محور مفرق بليدا ـ كلم 9، ومساندة الدبابات والمصفحات ومراقبة وادي النبي يوشع تحسبا لكل طارئ قد تتعرض له مؤخرة السرية الاولى.

·     المهمة : وضعت الفصيلة الثانية بامرة المعاون ابوحمزة، والثالثة بتصرف السرية الاولى والثانية لحماية مؤخرتيهما ومؤازرتيهما عند الاقتضاء.

3ـ السرية الثالثة: القائد الركن زين الدين يعاونه الملازم محمد الحلبي والملازم ايلي ايوب.

·     المركز: مرتفعات عيترون، شمالي قرية عيترون.

·     المهمة: التقدم واحتلال مرتفع 650 شرقي طريق المالكية ـ الناصرة في الارض المحتلة والالتفاف غربا لاحتلال هضبة المرتفع 705.

·     التعاون: التعاون الوثيق مع فصيلة الدبابات على طريق مفرق بليدا ـ المالكية.

4ـ السرية الثقيلة: القائد الرائد رعد الهاشم يعاونه الملازم الاول الياس الحاج.

·     المركز: هضبة جبل الكحيل ـ مرتفع 881.

·     المهمة : مساندة سرايا المشاة وقصف مواقع العدو.

·     المدفعية: القائد النقيب هنري شهاب.

·     المركز بساتين الزيتون شمالي قرية عيترون.

·     المهمة: مساندة سرايا المشاة وقصف مواقع العدو.

·     العتاد: مدفعان.

5ـ المدرعات : القائد النقيب فؤاد لحود يعاونه الملازم الاول الشيخ جميل عيد.

·     المركز: الانطلاق والتحرك من مفرق بليدا.

·     المهمة: مساندة السرايا الاولى والثالثة ودعم تقدمهما حتى برج الكلم 9 وقرية المالكية.

·     العتاد : اربع دبابات "رينو" من وزن ستة اطنان.

 

ـ وصف سير المعركة

انتقل جينادري إلى وصف سير المعركة فقال:

"لقد كان العدو "الاسرائيلي" بكامل استعداداته. وعندما تحركت وحداتنا قام بقصف جميع مواقعنا بنيران غزيرة ومكثفة للغاية، الامر الذي جعلنا نبقى في مراكزنا دون ان نتقدم. وقد كانت مهمتي السير وراء الدبابات من طريق بليدا الكلم 9، ومراقبة سير السرية الثالثة والاولى والحفاظ على مؤخرتيهما تجنبا لاي عمل مفاجئ قد يقوم به العدو من وادي النبي يوشع ويمكن هنا تسجيل الاتي:

1ـ لقد احرق العدو جميع حقول الحنطة والمزروعات لتأمين حقول رماية لاسلحته الفردية والرشاشة معا.

2ـ كان تقدم السرية الاولى والثالثة صعب جدا. اذ ان الاسلحة "الاسرائيلية" كانت تشرف علينا من هضبة المالكية، وعلى الرغم من بسالة جنودنا كان التقدم بطيئا جدا وخصوصا ايام الحر.

3ـ تقدمت الدبابات بكل حذر خوفا من الالغام التي زرعها العدو، وقد كان وضع فصيلتي صعبا للغاية حيث كانت الارض مكشوفة على مسافة 800 متر، ولم يتمكن الجنود من الزحف لان العدو كان يطل عليهم من مواقع الكلم 9 والمالكية.

4ـ بسبب الطوق المفروض علينا، امرت الفصيلة بالوثوب حتى الكلم 9، لكي اتجنب نيران العدو. فاتصلت بالمقدم جميل الحسامي، وطلبت منه الايعاز للملازم الاول الشيخ جميل عيد بان يساندني بنيران دباباته ومصفحاته. وقد شجعني المقدم على هذه الفكرة واصدر الاوامر الخاصة بذلك. وعندما اعطيت جنودي امر "اقرنوا الحراب"، شعرت بتيار بارد يسري في عروقي، اذ كنت سأعرض حياتهم لنيران العدو المرابط في برج الكلم 9، وانا مسؤول عن كل واحد منهم. الا ان احدا منهم لم يتقدم. عندئذ تذكرت مدربي الفرنسي الذي قال لي في احد الايام: "الرئيس هو رأس ولكنه ايضا هو في الرأس أي في الطليعة".. عندئذ وثبت وثبة الخائف من الموت، ولكنها وثبة القدوة الصالحة. فهب جنودي خلفي هبة الرجل الواحد، باتجاه مواقع الكلم 9، وهم يطلقون النار. وهكذا فعل بكامله وكان دوي نيران الاسلحة شبيها بالحمم التي يقذفها البركان. لقد قاومنا العدو مقاومة شرسة، ومع ذلك وصلنا إلى قمة الهضبة في المالكية. وخضنا مع فلوله ثلاث معارك، اجبرناها في النهاية على الانسحاب والانكفاء نحو الارض المحتلة، حيث عمدت هذه الفلول إلى تفجير واحراق كل الذخائر والعتاد التي كانت بحوزتها".

وينهي جينادري ذكرياته عن معركة المالكية قائلا:

"اذكر ان اول جندي جرح في تلك المعركة المشرفة للجيش اللبناني هو من فصيلتي واسمه الرقيب الاول مارون حافي وقد اصيب بجرح في رأسه ورقبته فنقل إلى مستشفى بنت جبيل ثم إلى مستشفى الخليل في صور، كما اذكر اننا كنا في فترة صيام رمضان المبارك، وكان المقدم جميل الحسامي صائما، اذ وعد والده الشيخ محمد الحسامي باحترام صيامه في خلال المعركة" (22) .

اما العميد الركن منير حمدان، فهو احد المشتركين كذلك في المرحلة الثانية من معركة المالكية. وتحديدا في اوائل شهر تشرين الاول عام 1948، بعد انسحاب الجيش اللبناني من المالكية بانتظار صدور قرار من القيادة العامة لجامعة الدول العربية فيقول:

"لقد كنت تابعا للفوج الخامس الذي حل مكانه الفوج الثالث المنسحب من المالكية، وقد فوجئنا بالهجوم "الاسرائيلي" بعد انسحاب جيش الانقاذ الذي لم يكن كامل العتاد والاسلحة، فقاومنا "الاسرائيليون" مدة ثلاثة ايام، قاتلنا في خلالها قتالا مكشوفا وضاريا، ولم يتراجع الفوج الخامس، الا بامر من العميد سالم الذي كان رئيسا لاركان الجيش اللبناني وقتئذ".

وقد رسم العميد حمدان الوضع العام قبل وقوع معركة المالكية قائلا:

"لقد كان جيش الانقاذ الذي شكل من قبل الجامعة العربية وبإمرة الجنرال طه باشا الهاشمي (عراقي) موزعا في الاراضي الفلسطينية، حيث تكثر كثافة السكان العرب. وكان فوزي باشا القاوقجي من كبار قادة هذا الجيش الذي كان مؤلفا باغلبيته من ضباط عرب خدموا سابقا في الجيوش العربية ومن المتطوعين. وقد كان هذا الجيش ضعيفا جدا ووسائل اتصالاته محدودة جدا. لذلك كان يمنى بالخسارة كلما اشتبك مع وحدات الهاغانا "الاسرائيلية"، وكانت آخر خسائره استيلاء الجيش "الاسرائيلي" على الجليل الشرقي الاعلى ـ أي من المالكية لغاية دان" (23).

ويصف العميد حمدان المالكية عسكريا ويقول:

"ان المالكية تشكل من الناحية التكتيكية احد محاور العبور الثلاثة من الاراضي اللبنانية إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة وهذه المحاور هي:

1ـ مرجعيون ـ طبريا حيث يكثر في هذه الاخيرة التواجد السكاني اليهودي.

2ـ صور ـ حيفا حيث تتكاثر فيها الكثافة السكانية اليهودية.

3ـ بنت جبيل ـ المالكية (كثافة سكانية عربية).

ويشرح العميد حمدان خلفيات ووقائع معركة المالكية فيقول:

"في اواخر حزيران 1948 استولى "الاسرائيليون" على معقل المالكية الذي كان تحت سيطرة جيش الانقاذ ـ كتيبة المقدم شكيب وهاب. ان احتلال هذا المعقل له اهمية كبرى، والذي يستولي عليه يؤمن حرية التحرك إلى داخل فلسطين شرقا وغربا وجنوبا. لذلك قررت القيادة العسكرية العربية الموحدة، اعادة احتلال هذا المعقل والتدخل في الجليل الاوسط لغاية الناصرة وطبريا. وبتاريخ 4-7-1948 اجتمع في بلدة تبنين اللبنانية كل من طه باشا الهاشمي القائد العام للقوات العربية في فلسطين، وفوزي باشا القاوقجي قائد جيش الانقاذ، والمقدم شوكت شقير ورئيس اركان جيش الانقاذ، وكان مفصولا من الجيش اللبناني إلى جيش الانقاذ، والمقدم طالب الداغستاني قائد فوج الهجانة السوري، والمقدم جميل الحسامي قائد فوج القناصة الثالث اللبناني، والنقيب فؤاد لحود قائد سرية للمدرعات، والملازم اول علوش قائد كتيبة من جيش الانقاذ، والملازم اول عفيف البزري آمر مدفعية مؤلفة من فصيلتين لبنانية وسورية وهو من الجيش السوري. كما حضر الاجتماع اللواء فؤاد شهاب، والعميد يوسف سالم رئيس اركان الجيش اللبناني، واشرفا على الهجوم من بلدة عيترون، كما حضر جزءا من الهجوم الامير مجيد ارسلان وزير الدفاع آنذاك".

بقي الجيش اللبناني في المالكية حتى اوائل تشرين الاول سنة 1948، حيث استلمت منه كتيبة الجامعة العربية والمؤلفة من عناصر تابعة لجميع الدول العربية ومعظمها من الليبيين. كانت هذه الكتيبة مؤلفة من اربع سرايا، وقائدها المقدم شوكت بك اليوغوسلافي ـ متطوع ـ سميت هذه المجموعة بفوج القناصة الخامس لاسباب ادارية. وفي النصف الثاني من شهر تشرين الاول 1948، خرق "الاسرائيليون" الهدنة وقاموا بهجوم واسع النطاق مدعومين بطيران حربي حديث ومدرعات حديثة واحتلوا الجليل الاعلى بكامله، وتحت الضغط وبعد انسحاب كافة عناصر جيش الانقاذ، كما انسحبت الكتيبة السورية التي كانت بقيادة المرحوم النقيب عدنان المالكي، مما اضطر الفوج الخامس ـ وبعد قتال مكشوف دام ثلاثة ايام، وبأمر العميد يوسف سالم، رئيس اركان حرب القيادة اللبنانية ـ إلى التراجع للتلال المحيطة ببلدة بنت جبيل وهي مارون الرأس ـ صف الهوى ( مرتفع 847 بين عين ابل وبنت جبيل)، وبعد التراجع طلب العميد سالم تثبيت الهدنة ووقف اطلاق النار، فاستجيب إلى طلبه من قبل الاطراف المعنية.

ويروي العقيد النائب فؤاد لحود رئيس لجنة الدفاع النيابية، ومن الذين خاضوا معركة المالكية، تفاصيل هذه المعركة قائلا (24) :

"كان وزير الدفاع الامير مجيد ارسلان، وقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب وضابط الاشارة النقيب جان نجيم ـ اصبح قائدا للجيش اللبناني فيما بعد ـ كان هؤلاء الثلاثة يشرفون على المعركة من على اكمة مجاورة. وكان من المفروض ان اكون في الناقورة لكنني حضرت فاتصل بي قائد الجيش لاسلكيا وسألني: من امرك بالحضور والاشتراك في المعركة؟ فاجبته: لا احد وانني اتحمل مسؤولية عملي. وتابعت الهجوم. وعندئذ ترك وزير الدفاع مكانه " بلاند روفر" مكشوف قائلا : "انني اغطي شخصيا ما قام به النقيب لحود لرفع المسؤولية عنه. لذلك سأشترك معه في الهجوم. وبعد دقائق وصل الامير مجيد فرجوته عدم اكمال طريقه معنا، خصوصا وانه يستقل "جيبا" مكشوفا لكنه رفض واكمل الهجوم، حيث استولينا في ما بعد على المالكية. وبعد المالكية تابع الامير مجيد طريقه مع فوزي القاوقجي إلى الناصرة، بعد ان انهزم الجيش "الاسرائيلي". الا انهما توقفا هناك بعد اعلان الهدنة. وبعد انتهاء المعركة عاقبني قائد الجيش، لانني دخلت المعركة دون امر، ولكنه منحتي، من جهة ثانية، كما منح كتيبتي اعلى وسام عسكري، وهو وسام الحرب مع السعف، كما منح بالتالي جميع الضباط المشتركين الوسام نفسه الا ان وزير الدفاع الغى عقوبتي واستبقى لي الوسام"(25).

اما العميد الركن المتقاعد خطار حيدر، فقد اشترك في معركة رأس الناقورة، التي دارت رحاها بين الجيش اللبناني والعدو "الاسرائيلي" في 26 ايار عام 1948. كما كان شاهدا على معركة المالكية باعتباره قائدا للقطاع الغربي في الجنوب اللبناني من الناقورة حتى رميش، ويرسم العميد حيدر امر هذه المعركة عسكريا بقوله(26):

"لقد كانت معركة المالكية من ابرز المعارك التي خاضها الجيش اللبناني مع العدو "الاسرائيلي". ادار هذه المعركة من قصر قيادة المجموعة، اللواء فؤاد شهاب وكان إلى جانبه معالي وزير الدفاع الامير مجيد ارسلان. اما جيش الانصار، بقيادة المجاهد فوزي القاوقجي والزعيم شوكت شقير، فقد تقدم، بعد ان اجتاز المالكية، حتى مدينة الناصرة، ثم تراجع على اثر هجوم مضاد قامت به قوات مدرعة "اسرائيلية" من قرية النبي يوشع، لاستعادة المالكية بعد ان اخلاها الجيش اللبناني، وقد تابع العدو تقدمه باتجاه الحدود اللبنانية وتمكن من الاستيلاء على احدى عشر قرية (27) ، وقد اعيدت هذه القرى إلى لبنان بعد ان وقعت الهدنة في رودس عام 1949، اما الخسائر في صفوف العدو فكانت جسيمة وطفيفة جدا في صفوف الجيش اللبناني".

 

 

 

(*) هو احمد درباج، احد ابناء قدس الذين شاركوا في هذه المعركة، وقد روى وقائعها لمعد كتاب القرى الجنوبية السبع (فايز حسن الريسي) وذلك ليلة الاربعاء بتاريخ 15/8/1984.

 

ـ الهوامش:

1ـ ابوشامة، الروضتين في اخبار الدولتين، ج 1، (القاهرة: 1956).

2ـ مصطفى مراد الدباع، بلادنا فلسطين، الجزء السادس، القسم الثاني،   (بيروت:1947)، ص 230.

3ـ الاصفهاني: "الفتح العشي في الفتح القدسي" نقلا عن مصطفى مراد الدباغ، المصدر نفسه.

4ـ المصدر نفسه، ص 231.

5ـ ادوارد روبنصن، يوميات في لبنان، ج 1و2، ترجمة اسد شيخاني، (بيروت:1949)، ص 225ـ226.

6ـ سالنامة دولت عليه عثمانية لعام 1328هـ (1910م)، ص 594.

7ـ ميخائيل الصباغ، تاريخ ظاهر العمر، ص 134.

8 ـ محسن الامين، خطط جبل عامل، (بيروت: مطبعة الانصاف، 1961).

9ـ فايز حسن الريس، القرى الجنوبية السبع(بيروت: مؤسسة الوفاء1985) ص 29.

 10ـ الوقائع الفلسطينية 1502، نقلا عن مصطفى مراد الدباغ.

11ـ مصطفى مراد الدباغ، مصدر سبق ذكره.

12ـ مصطفى مراد الدباغ، مصدر سبق ذكره، ص 226.

13ـ مخطط هذه الابنية ومهندسها يهودي، اما الملتزم فقد كان ارمنيا من برج حمود. وعمال البناء كانوا من اللبنانيين ـ ابناء المنطقة.

14ـ احدهم يدعى نواف، سلاحه رشاش، والاربعة الآخرون تسلحوا بالبنادق.

15ـ نزل من ابناء المالكية نمر ابراهيم وشخصان آخران وشباب من صلحا وكنا 12 رجلا من قدس، وذلك اصبح مجموع قوتنا 25 رجلا بمن فيهم المتطوعون. اما اسلحتنا فقد كانت خفيفة وذخائرنا محدودة جدا اشتريناها باموالنا الخاصة. هذا بعض ما قاله احمد درباج للباحث.

16ـ القبو عبارة عن ديوان يتسع لـ 250 شخصا، اما لجهة تركيبه الداخلي، فانه يتكون من "صالونات" اربعة سقوفها محمولة على قناطر ضخمة.

17ـ مجمل المعطيات مأخوذة عن الوقائع الفلسطينية، 1573،1612،1634، 1639، نقلا عن مصطفى مراد الدباغ، مصدر سبق ذكره.

18ـ اقام الصهاينة على انقاض قرية المالكية قلعتهم عام 1949، وتحمل نفس الاسم Malkiya.

19 ـ جال النقيب محمد زغيب على القرى الحدودية لجمع المتطوعين استعدادا لمعركة المالكية، وكان يخاطب هؤلاء قائلا: "من اراد الموت دفاعا عن الارض فليأت معي".

20ـ مجلة الافكار، العدد 11، الاثنين 10 ايار 1982، ص 7.

21ـ وادي النبي يوشع: هو المعروف بوادي عروس ويقع بين قريتي قدس والنبي يوشع.

22ـ مجلة الافكار، مصدر سابق، ص 8.

23ـ المصدر نفسه.

24ـ مجلة الافكار، مصدر سابق.

25ـ المصدر نفسه.

26ـ المصدر نفسه.

27ـ نذكر من هذه القرى عيترون، بليدا، ميس، وبلدة بنت جبيل.