هكذا ولدت "اسرائيل"
قصة المستوطنة الاولى
العربي ـ العدد 505 ـ ديسمبر 2000م
بقلم : الدكتور جعفر هادي حسن
استاذ محاضر في جامعة مانشستر سابقا
ورئيس مركز اللغة العربية بلندن.
مقدمة:
هذه قصة اولى محاولات اليهود في استيطان فلسطين، والتي وقعت احداثها في القرن السادس عشر، ورغم فشل المشروع، فان المفارقة ان موقعه كان اول مدينة يطرد منها سكان العرب ـ جميعا ـ ويحل محلهم مهاجرون يهود بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948.
صاحب محاولة اقامة اولى المستوطنات الصهيونية في فلسطين يهودي يدعى خوان ميكاس، والذي عرف فيما بعد باسم يوسف ناسي، وهو يعتبر من اشهر اليهود واكثرهم ثراء في عصره.
ولد يوسف ناسي في البرتغال لعائلة يهودية معروفة من المرانوس (مسيحيون ظاهرا ويهود باطنا)، تسمى عائلة مندس. وعلى الرغم من شهرته، فان المؤرخين لحياته لا يتفقون على تأريخ ولادته، ولكن يعتقد انها كانت بين الاعوام 1515 و 1520م. توفى والده عندما كان صغيرا، فرعته عمته (بياتريس دي لونا)، وقامت على تربيته ووجهته الى التجارة ليساعد زوجها الذي كان من كبار تجال المال والاحجار الكريمة، ومنذ الصغر، لقن يوسف بعض الطقوس والشعائر اليهودية، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره (سن البلوغ للذكر عند اليهود) اخبرته العائلة عن اصله اليهودي، وان عليه ان يطبق الفرائض اليهودية سرا كما تطبقها العائلة.
بعد وفاة زوج عمته، قررت هذه مغادرة البرتغال لعدم شعورها بالامن، فصحبت عائلتها ويوسف معها وتوجهت الى بلجيكا حيث كان اخو زوجها يدير مصرفا تملكه العائلة في مدينة انتورب.
الرحيل الى القسطنطينية
نشط يوسف في اعماله التجارية التي شملت بلجيكا وفرنسا وهولندا، واصبحت لعائلته شراكة تجارية مع العائلة المالكة البلجيكية، ولكي تدفع الشبهة عنها كانت العائلة تداوم على الصلاة في الكنيسة والتبرع لها، ومع ذلك، فقد وشي بيوسف فقبض عليه واتهم بكونه يهوديا باطنا، وقد ظل معتقلا لبضعة اسابيع الى ان تدخلت العائلة المالكة لاطلاق سراحه.
بعد هذه الحادثة بفترة من الزمن، قررت عمته ان تغادر بلجيكا الى دار السلطنة العثمانية، حيث كانت تنوي ان تعلن عن يهوديتها هناك، اذ كان لليهود حرية اظهار دينهم وممارسة شعائره. وكانت السلطنة العثمانية قد استقبلت عشرات الآلاف من اليهود الذين طردوا من شبه جزيرة ايبريا.
ولكن عمته لم تعلن عن نيتها وخططت لسفرها سرا، وللتمويه على ذلك، سافرت اولا الى البندقية وكان ذلك في العام 1545م ـ ولم يصحبها يوسف وبقي في بلجيكا للاشراف على تجارة العائلة، ولكنها عندما ارادت ان تغادر البندقية منعتها الحكومة وابنتها من السفر وحجزت على ممتلكاتها. وقيل ان اختها كانت قد وشت بها لنزاع مالي بينهما، وبقيت ممنوعة من السفر لسنتين الى ان تدخل السلطان سليما القانوني لاطلاق سراحها. وكان ذلك بتأثير طبيبه اليهودي موسى هامون (ت 1554م) الذي كان على معرفة وعلاقة بعائلة مندس. وغادرت البندقية الى القسطنطينية. وبعد فترة من وصولها، اشهرت يهوديتها وابدلت اسمها الى غراسيا حيث عرفت بهذا الاسم فيما بعد.
بعد بضع سنوات، التحق يوسف بالعائلة، وعند وصوله الى حاضرة الامبراطورية العثمانية، اشهر يهوديته هو الاخر واختتن كذلك، وتزوج من ابنة عمته.
وعن طريق اليهود المتنفذين ـ ومنهم طبيب السلطان ـ اصبح يوسف ناسي من حاشية السلطان وتوثقت علاقته كذلك بالصدر الاعظم رستم باشا زوج مهري ماه بنت السلطان من زوجته المفضلة روكسلانه خرم التي كانت ذات تأثير كبير عليه. واصبح كذلك على علاقة وثيقة بسليم الثاني ـ الذي اصبح سلطانا فيما بعد ـ وصار من المقربين له، والمتنفذين عنده الى حد انه اعطي احتكار استيراد بعض السلع. وكان السلطان يستفيد من يوسف ناسي كثيرا في علاقات الدولة الخارجية بسبب انتشار وكلائه من اليهود في الدول الاوروبية خاصة والذين كانوا مسيحيين في الظاهر، حتى انه اعتبر مستشارا سياسيا غير رسمي.
مساعدة وثأر
كان يوسف يهتم باوضاع اليهود في اوروبا وبمساعدتهم. وكانت تصله اخبار عن اضطهاد اليهود من قبل بعض الدول الاوروبية، واكثر ما اثار حفيظته ما قام به البابا بولس الرابع عام 1555م من اصدار قرارات ضد اليهود، كان منها امر اليهود بالسكن في احياء خاصة بهم (غيتو) ومنعهم من تطبيب المسيحيين او استخدام عمال وخدم مسيحيين. كذلك فرضه عليهم لبس قبعات صفراء تميزهم عن غيرهم. وقد عين مندوبون لتطبيق هذه القرارات. كما جاءت الانباء بحرق خمسة وعشرين يهوديا بتهمة الارتداد. وكانت الحالة تزداد سوءا حيث طرد اليهود من بعض المقاطعات التي كانت تحت نفوذ الكنيسة.
عزم يوسف على القيام بعمل لمساعدة ابناء جلدته في هذه المناطق، ولكنه ايضا قرر ان يثأر لهم. فأرسل ـ هو وعمته ـ رسائل الى التجار اليهود في العالم بمقاطعة موانىء فينيسيا التي طبقت القرارات فيها، وطلبا منهم ـ كذلك ـ ان يفرضوا حصارا على ميناء انكونا في ايطاليا. ويعتبر هذا اول حصار اقتصادي قام به اليهود.
في الوقت نفسه، التمس يوسف من السلطان سليمان ان يتوسط لدى البابا من اجل اليهود، وقد استجاب السلطان الى ذلك وارسل رسالة للبابا بيد مبعوث خاص له، ويقول اليهود ان تدخل السلطان هذا كان من الحالات النادرة التي قام بها حاكم لمصلحتهم طوال تاريخهم.
لم يكتف يوسف بهذا، ورأى ان حل مشكلة اليهود في اوروبا هو ايجاد مكان خاص بهم، ورأى ان المكان المناسب لذلك هو فلسطين. وقر رأيه ان يعرض الفكرة على سليم الثاني الذي وافقه على رأيه واعدا بان يكلم السلطان سليمان في الامر. ويبدو ان يوسف ناسي قد اقترح مدينة طبرية لتكون نواة لمشروعه، ووافق السلطان على ذلك، واصدر فرمانا بهذا الخصوص عام 1561م نص على تخصيص طبرية وسبع قرى حولها للمشروع، على ان يدفع يوسف نظيرا ذلك مبلغا معينا من المال. وقد وقع الفرمان ـ بالاضافة الى السلطان ـ ابناه مراد وسليم، وربما كان سبب ذلك هو الا يبطل الفرمان بموت السلطان.
كانت طبرية خرائب كما ذكر من زارها في هذه الفترة وما قبلها، فقد زارها احد اليهود عام 1522م وقال عنها "كانت طبرية في الماضي مدينة عظيمة ولكنها الان خرائب واكوام من حجر اسود كانه حرق بالنار، ولا يمكن ان يذهب احد الى هناك الا مع قافلة وتحت حماية حاكم صفد حيث تدفع له اجور من اجل هذه الحماية. ويوجد في طبرية نخيل كثير كما توجد قرى عربية"، وكانت طبرية ايضا مهملة قبل هذا التاريخ، فقد قال عنها الرحالة ابن بطوطة (ت 1377م) "ثم سافرت منها (صيدا) الى مدينة طبرية، وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبق منها الا رسوم تنبئ عن ضخامتها وعظم شانها. وفيما الحمامات العجيبة التي لها بيتان احدهما للرجال والاخر للنساء. وماؤها شديد الحرارة وفيها البحيرة الشهيرة (التي) طولها ستة فراسخ وعرضها ازيد من ثلاثة فراسخ، وفيها مسجد يعرف بمسجد الانبياء".
طبرية … لماذا؟
ويبدو ان اختيار طبرية كان مقصودا من قبل يوسف ناسي، فهو يعرف اهميتها عدا اليهود المتدينين حيث يعتبرها هؤلاء من المدن الاربع المقدسة عندهم في فلسطين. اذ كانت في فترة من الفترات مركزا دينيا لهم، حيث كتب فيها جزء من التلمود الفلسطيني، كذلك شكل فيها نص التوراة ووضعت عليه الحركات. (وكان هذا تأثرا بما قام به المسلمون اذ لم تكن التوراة مشكولة قبل هذه الفترة). كما توجد فيها قبور لبعض الحاخامين المقدسين لدى هؤلاء مثل قبر الحاخام والفيلسوف المعروف موسى بن ميمون، حيث ما زالوا يزورونها الى اليوم. وربما كان من الاسباب التي دعت يوسف الى اختيارها وجود البحيرة وصلاحية الارض للزراعة.
لم يذهب يوسف بنفسه الى فلسطين بل اناب عنه شخصا يهوديا كان يثق به ويعتمد عليه. وقد قابل هذا اليهودي السلطان وتسلم منه الفرمان ورسائل الى حاكم صفد ووالي دمشق يطلب منهما مساعدته في توفير العمال الذين يحتاج اليهم في البناء خاصة من كان قرب طبرية، كما خصص له بعض المال وارسل معه بعض خدمه. كما ارسل يوسف معه بعض مستخدميه، وصحبه ايضا بعض اليهود الذين ارادوا السكن في طبرية، وكانت مواد البناء ـ كالرمل والجص ـ متوافرة في المنطقة، وكذلك توافر الحجر بكثرة من بقايا الابنية القديمة.
وشرع في اعادة بناء المدينة في حدود عام 1564م، حيث بني سور لها بطول 1500 متر، وبني له بابان، كما اعيد بناء البيوت واقيم معبد كذلك، واخذ اليهود يتوافدون على المدينة بعد ان شجعهم يوسف على ذلك، ووجه نداء لهم ـ خاصة المرانوس منهم ـ للهجرة الى طبرية والسكن فيها. وقد انشأ وكالة سرية هو وعمته لتهريب اليهود الى فلسطين وتركيا كما استخدم سفنه من اجل هذا الغرض، واخبرهم بان نقلهم سيكون على حسابه الخاص. وقد هوجم بعض هؤلاء في عرض البحر، وقد ذكر مؤرخ من هذه الفترة " ان كثيرا من اليهود قد ذهبوا في تلك السنة الى الشرق، وفي اثناء رحلتهم هاجمهم فرسان مالطة وغرق بعضهم في البحر، واخذ البعض الاخر منهم اسرى".
وكان يوسف يدفع فدية هؤلاء ويفك اسرهم.
دوافع سياسية
وكان من اليهود المهاجرين الى طبرية مجموعة من العمال المهرة من البرتغال واليونان وايطاليا. وقد شجع يوسف هؤلاء ـ خاصة ـ على الهجرة لانه خطط لاقامة صناعة للانسجة الصوفية والحريرية.
وصناعة هاتين المادتين تمر بمراحل عدة، حيث يمكن تشغيل عدد كبير من الناس فيها، وربما كان هدفه من ذلك ـ ايضا ـ منافسة فينيسيا التي عرفت وقتها بنصاعة المنسوجات الحريرية، وايضا للثأر منها لما فعلته بعمته.
قام يوسف بجلب المواد الاولية لهاتين الصناعتين، حيث استورد كمية من الصوف من اسبانيا، وجلب كمية من اشجار التوت لزراعتها وتربية دودة القز لانتاج الحرير منها.
وظهر جليا من كل هذا ان هدف يوسف ناسي لم يكن من اجل غرض مادي شخصي، فهو كان رجلا ثريا ـ حتى قيل بانه كان من اثرياء العالم في وقته، وانه كان يقدم قروضا الى بعض الدول مثل فرنسا وبولندا ـ ولكن طريقة تخطيطه تشير الى ان دوافعه كانت سياسية، وكان سفير فرنسا لدى الباب العالي قد اكد هذه الدوافع في رسالة الى حكومته مؤرخة في سبتمبر عام 1563م. وقد جاء في الرسالة ما نصه "ان يوسف ناسي قد حصل على فرمان من الباب العالي ووقعه كل من سليم ومراد ابني السلطان لبناء مدينة على بحيرة طبرية ليسكنها اليهود فقط. وهو بهذا يريد ان يحقق هدفه، فيبدأ من هنا ليجعل نفسه ملكا على اليهود، لذلك يطالب فرنسا بامواله.
مقاومة واضراب
وقد اثار المشروع مخاوف سكان فلسطين من غير اليهود، فقد قدم المسيحيون الفلسطينيون شكوى الى الباب العالي قالوا فيها " ان الغرض من هذا المشروع هو جعل طبرية مملؤة بالافاعي الخبيثة التي هي اكثر خبثا من تلك التي تسكن الخرائب. وان هؤلاء (اليهود) يريدون ان يحولوا الكنيسة الى كنيس"، وقد حمل هذه الشكوى ممثل عنهم الى الباب العالي، ولكنه لم يتمكن من مقابلة السلطان، بل قابل الصدر الاعظم، لكن ذلك لم يؤثر على سير المشروع، كما ابدى سكان المنطقة معارضة شديدة للمشروع، حيث حذرهم شيوخهم من مغبة بناء مدينة يهودية في اوساطهم. وقالوا لهم بناء مثل هذه المدينة سيؤثر على حياتهم وعلى عقيدتهم.
وقد تمثلت هذه المعارضة بقيام العمال منهم بالعصيان والاضراب، مخالفين بذلك اوامر الباب العالي، وقد توقف العمل لفترة، ولكن ممثل يوسف ناسي ذهب الى والي الشام واخبره باضراب العمال وتوقفهم عن العمل ومخالفتهم لاوامر الباب العالي. وقد وجه الوالي مجموعة من الجند على وجه السرعة الى المنطقة وقبضوا على اثنين من شيوخ المنطقة واعتبروهما محرضين على الاضراب وعاقبوهما بشدة، وذكرت بعض المصادر انهما اعدما، وعلى اثر ذلك، اضطر العمال الى الرجوع الى العمل، ولكن سكان المنطقة استمروا بمهاجمة موقع البناء بين الحين والاخر، وبسبب ذلك، تأخر البناء لبعض الوقت، ولكنه اكمل فيما بعد. وكان من المباني التي شيدت بيت لعمة يوسف ناسي حيث كانت تنوي السكن في طبرية، ويبدو ان بناء المدينة قد اكمل في السبعينات من القرن السادس عشر. فقد وصفها زائر من هذه الفترة وقال عنها "ان المدينة (طبرية) ترى من بعيد وهي قريبة من الحيرة وتبدو وكأن قسما منها في وسط البحيرة وهي محاطة بسور قوي وتكثر فيها الاشجار".
واستمر اليهود بالهجرة الى المدينة، وكان من ضمنهم بعض الحاخامين وطلاب الدراسات الدينية الذين كانت ترعاهم وتنفق عليهم غراسيا عمة يوسف، ولا يعرف على وجه التحديد عدد اليهود الذين هاجروا الى طبرية، اذ ليس هناك سجلات بهذا الخصوص، ولا يعرف كذلك حجم النجاح الذي حققه المشروع، ولم يذهب يوسف ناسي نفسه الى طبرية طوال تنفيذ المشروع او حتى بعد اكتماله، وقد ذكر من الاسباب لذلك خوفه من تآمر اعدائه الكثر عليه والذين كان منهم محمد صوقللي الذي اصبح صدرا اعظم. وقد ظلت علاقته بالمشروع عن طريق وكلائه الى ان توفي عام 1579م.
بعد وفاته، تبنى المشروع يهودي مناضل برتغالي اسمه سلومون ابينياس، وكان هذا دبلوماسيا ومقربا من الباب العالي ايضا، وقد تحمس للمشروع كثيرا وارسل ابنه نيابة عنه، واول ما قام به هذا هو عقد صلح مع سكان المنطقة الذين لم يكونوا قد قبلوا بوجود المهاجرين اليهود، كما انه بنى لنفسه بيتا كبيرا يشبه القلعة، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلا، وعاد السكان يهاجمون المدينة حتى اصبح وضعها غير آمن، ولم يكن اليهود ليخرجوا منها الا على شكل جماعات، وبسبب ذلك، اخذ بعض اليهود بالهجرة من المدينة الى مدن فلسطين الاخرى، اضافة الى حدوث نزاعات بين اليهود انفسهم حول ملكية بعض العقارات.
وبعد وفاة سلومون ابنياس عام 1603م، وتحول ابنه للدراسة الدينية تدهور حال المدينة، وعندما زارها اغوني روجر عام 1630م لم يجد فيها الا عوائل يهودية قليلة حتى وصل وضعها الى ما يشبه ما كانت عليه قبل اعمارها، ولفظ مشروع يوسف ناسي انفاسه.
المحاولة
وفي عام 1740م، جاء من مدينة ازمير الى طبرية حاخام مشهور اسمه حاييم بن موسى ابو العافية ـ وهو من عائلة سفاردية معروفة بين اليهود ـ مصطحبا معه ابناءه وبعض اقربائه. وكان هذا الحاخام يريد اعمار طبرية بدافع ديني وليس بدافع صهيوني، فهو كان يعتقد بان ظهور المسيح المخلص اليهودي قد قرب وقته، وان اعمار طبرية سيعجل بظهوره. وقد قرب طلب من الشيخ ظاهر العمر ـ الذي كان يسيطر على اجزاء واسعة من فلسطين في هذا الفترة، وفيما بعد على اجزاء من الاردن ولبنان ـ ان يسمح له باعادة بناء المدينة، ووافق الشيخ ظاهر على ذلك. وقد ارسل الحاخام ابوالعافية ابناءه الى سوريا وغيرها من البلدان لجمع الاموال من الجماعات اليهودية. كما انه دعا اليهود الحسيديم ـ الذين كانت حركتهم قد بدأت بالظهور في هذه الفترة ـ ان يلتحقوا به واقنعهم بان اعمار طبرية سيعجل بظهور المخلص اليهودي، ووصل منهم جماعة الى طبرية.
واخذ الحاخام وجماعته يعملون بجد وحماس لاعادة بنائها. ولكن لم تمض على عمل هؤلاء الا سنتان حتى بدأت المعارك بين سليمان باشا العظيم ـ والي دمشق ـ والشيخ ظاهر العمر الذي رفض الخضوع لسلطة والي الشام. وفي عام 1742ـ1743م تحصن العمر في طبرية فحاصرها العظم واخذ يضربها بالمدافع. وعلى الرغم من تشجيع الحاخام لليهود على البقاء، فان مجموعة منهم هربت وكان منهم ابنه. ولم تتوقف المعارك الا بعد ان توفي العظم فجأة وفك الحصار عن المدينة.
بعد انتهاء المعارك، اصلح ظاهر العمر سور المدينة الذي كان قد تضرر اثناء القصف. وكان الحاخام قد طلب من اتباعه مساندة العمر تعبيرا عن امتنانه للسماح لهم بالسكن في المدينة، وجعل انتصار العمر مناسبة ليهود طبرية يحتفلون بها سنويا. كما ان صهره كتب كتيبا بالعبرية يتحدث فيه عن المعارك التي دارت بين العظم والعمر وعن انتصار هذا الاخير. وبعد انتهاء المعارك، رجع بعض اليهود اليها منهم ابن الحاخام الذي اصبح رئيس الجماعة اليهودية الصغيرة في طبرية بعد وفاة ابيه. وظلت المدينة كما هي، وظل عدد اليهود قليلا حتى ان عددهم في عام 1839م، لم يزد على بضع مئات من مجموع السكان، ولم تحي فكرة المشروع الصهيوني في المدينة الا في بداية القرن العشرين بعد ظهور الحركة الصهيونية، حيث اصبحت طبرية مركزا لاستيطان المناطق التي حولها. كما انها اصبحت اول مدينة يطرد سكانها العرب كلهم في عام 1948م، ويحل محلهم مهاجرون يهود.
ويعتبر مشروع يوسف ناسي المشروع الصهيوني الرئيسي قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة.
وقد قالت عنه دائرة المعارف اليهودية "ان مشروع يوسف ناسي هو وحده الذي كان المحاولة العملية لانشاء مركز سياسي يهودي في فلسطين بين القرن الرابع الميلادي والقرن التاسع عشر"، وفي المناهج الدراسية "الاسرائيلية" في الوقت الحاضر يدرس مشروع يوسف ناسي ضمن منهج التاريخ كمحاولة لانشاء كيان يهودي في فلسطين.