"اسرائيل" ولبنان / المفاوضات والاعتداءات
الدكتور
الياس شوفاني
مقدمة:
في
هذا الموضوع، يسلط المفكر الفلسطيني الياس
شوفاني الضوء على خلفيات العدوان "الاسرائيلي"
ضد لبنان من بين الاعوام 1991 و1996، منطلقا من
العوائق التي كانت تضعها "اسرائيل"
في وجه المفاوضات السورية واللبنانية،
والمناورات التي كانت تتبعها على هذين
المسارين، بهدف تحميل بيروت ودمشق مسؤولية
اعاقة عملية التسوية، وبالتالي تبرير
الاعتداءات "الاسرائيلية"
على الجنوب اللبناني.
ينطلق
الياس شوفاني ايضا، من مناخات التفاوض في عهد
اسحق شامير بعيد انطلاق عجلة عملية التسوية،
ويظهر كيف افشل شامير خمس جولات تفاوضية،
وبعد ذلك يسلط الكاتب الضوء على طريقة تفاوض
اسحق رابين بين الاعوام 1992و1995، وكذلك الامر
مع خليفة رابين، شمعون بيريز، الذي يتحمل
مسؤولية مجزرة قانا في نسيان 1996، والتي راح
ضحيتها اكثر من مائة مدني لبناني.
ويتابع
الكاتب، رصد عملية التفاوض "الاسرائيلي"
في عهد بنيامين نتانياهو، الذي جمد عملية
التسوية من جهة، وراح يكثف الاعتداءات "الاسرائيلية"
على لبنان.
بعد
اكثر من تسع سنوات (1991ـ2000) من المفاوضات
المتقطعة بين "اسرائيل"
من جهة، وسورية ولبنان معا من جهة اخرى، لم
تتوصل الاطراف المشاركة في هذا المسار إلى
انطلاقة ملموسة في التسوية على قاعدة صيغة
مؤتمر مدريد. والعقبة، في الاساس، تكمن في
المواقف "الاسرائيلية"
من القضايا المطروحة في مسار المفاوضات
السوري/ اللبناني المشترك. وكان واضحا منذ
بداية الشوط ان هذا المسار هو الاكثر عسرا،
وبالتالي، الاقل قابلية للتجهير فيه على
المواقف المتناقضة. فالموقف "الاسرائيلي"
التقليدي الرافض لمبدأ التفاوض مع الدول
العربية مجتمعة، وانما مع كل منها على حدة، ظل
يحكم سلوكها في مؤتمر مدريد وما انبثق عنه من
مسارات تفاوضية. في المقابل، ومنذ ان تولى
الرئيس الاسد الحكم في سورية (1970)، اعتمدت
دمشق مبدأ "التضامن العربي" نهجا في
التعامل مع "اسرائيل"،
سلما كان ام حربا. وكان ذلك هو منطلق موقفها في
المفاوضات مع "اسرائيل"
على قاعدة مؤتمر مدريد، فعملت على التنسيق
بين الاطراف العربية في المسارات المختلفة.
وبعد سقوط يتسحاق شامير، الذي تعمد عرقلة
المفاوضات على جميع المسارات، من السلطة (1992)
اصطدم خلفه رابين بالنهج السوري القاضي
بالتنسيق العربي في المفاوضات. وركزت حكومة
رابين جهدها على تفتيت الصف العربي الذي تشكل
عقب مؤتمر مدريد، ونجحت في الاختراق من
الحلقة الاضعف ـ منظمة التحرير الفلسطينية.
وبعد "اتفاق اوسلو 1993"، انفرد الاردن
ايضا في انجاز معاهدة سلام مع "اسرائيل".
ولما تحقق لها ذلك، سعت حكومة رابين إلى الضغط
على لبنان، سياسيا وعسكريا، لفصله عن سورية،
وبالتالي، عزلها واضعاف موقفها، وصولا إلى
تطويعها. ولكن ذلك لم يحصل، وظل لبنان ملتزما
وحدة المسار التفاوضي مع سوريا، الامر الذي
فرض نفسه إلى حد كبير على الموقف "الاسرائيلي"
العام. وفيما ظلت "اسرائيل"
تحاول احداث شرخ بين لبنان وسوريا بشتى
الوسائل، ومنها الضغط العسكري، الا انها راحت
تقتنع تدريجيا بعبثية هذه المحاولات،
وبالتالي، بتقبل الامر الواقع من تلازم هذين
البلدين في مسار المفاوضات على التسوية.
ولكن
ذلك لم يكن التناقض الوحيد بين موقفي كل من
سوريا واسرائيل، اذ ان لكل منهما مفهوما
مختلفا بالنسبة إلى تفسير قرارات مجلس الامن
ـ 242 و338 و425. وفيما كان الموقف السوري حازما في
تنفيذ مبدأ "الارض مقابل السلام" أي
الانسحاب "الاسرائيلي"
من جميع الاراضي التي احتلتها منذ عام 1967،
وخاصة من الجولان وجنوب لبنان، فان حكومة
رابين لم تكن مهيأة لذلك. فلا هي كانت تقبل به،
كما لم تكن تملك التفويض البرلماني للاقدام
عليه، خاصة وانها التزمت في برنامجها
الانتخابي (1992) الاحتفاظ بالجولان، كله او
بعضه، كعنصر حيوي في الامن "الاسرائيلي".
وفي مجرى المفاوضات، اكتشفت القيادة
السياسية-العسكرية "الاسرائيلية"
ان سورية تتعامل معها من موقع الندِّية،
دونما تهافت على التوصل معها إلى تسوية كيفما
اتفق. وقد تأكدت حكومة رابين من ذلك عندما
طرحت مشروعا للانسحاب في الجولان، أي اعادة
الانتشار العسكري فيه، فووجهت بالرفض القاطع.
وحتى بعد توقيع المعاهدة الاردنية ـ "الاسرائيلية"،
افصحت حكومة رابين عن استعدادها لتطبيق اسسها
بشكل عام مع سوريا، التي رفضت ذلك ايضا، لانها
لم تكن ترضى بالشروط المتضمنة في تلك
المعاهدة، خاصة لناحية تطبيع العلاقات
والتعاون الامني. وعندما توصل رابين إلى
القناعة بالا مجال للاتفاق مع سوريا ولبنان،
حتى على اعلان مبادئ التسوية، دون الالتزام
بالانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني
والجولان، وابدى استعدادا مشروطا لذلك،
اغتيل رابين، وتوقفت المفاوضات عمليا. وجاءت
الانتخابات العامة في سنة 1996، لتغير السلطة
في "اسرائيل"،
وتجمد المفاوضات على المسار السوري /
اللبناني إلى عام 2000.
لقد
احبطت حكومة شامير خمس جولات من المفاوضات،
قبل ان تسقط من الحكم في الانتخابات العامة
للكنيست الثالثة عشرة (22/6/1992)، وتخلي مكانها
لحكومة اخرى برئاسة يتسحاق رابين. وكان هذا
الاخير، في حملته الانتخابية، كما في
تصريحاته بعد كسب معركتها، يؤكد انه سيعطي
الاولوية للبعد الفلسطيني في مسار التسوية،
وانه سيعمل على انجاز"الحكم الذاتي"،
على قاعدة اتفاقات كامب ديفيد، ووفقا لما تم
التوافق عليه في المحادثات التي سبقت مؤتمر
مدريد. وكان رابين يرى في سوريا العقبة
الاساسية امام تصوره للحل الذي يريد، فهي
ليست مهيأة لمثل هكذا حل، وهي عصية على
التطويع لاملاءاته. ومن هنا، جاهر بنيته
تأجيل الدخول في مفاوضات جدية معها إلى اجل
غير مسمى. وكذلك، فقد وعى رابين الترابط
الوثيق بين البعدين، السوري واللبناني، في
المفاوضات، وبالتالي، في اية حلول ممكنة.
وعقد العزم على فك هذا الترابط، بوسائل
مختلفة، ليس اقلها الضغط العسكري والسياسي،
والعمل على دق الاسافين بين مسارات التسوية
المتعددة. والواضح ان المسألة مع سورية في
نظره، لم تكن تتوقف عند قضية الحدود والارض
فحسب، بل تتعداها إلى الجيوستراتيجيا والدور
العربي عامة. فرابين كان يعتبر سورية، بما
تمثله من وزن اقليمي ودولي، ومن مركز قومي
عربي، ودولة تمتلك مقومات اقتصادية وسياسية
وعسكرية، تهديدا جديا لـ"اسرائيل". وفي
الكلام عن سوريا، والخلاف الداخلي في "اسرائيل"
حول التعامل معها، كان رابين يكرر مقولة ان
"لا احد يعلمني ضرورات امن "اسرائيل"".
بعد
توليه السلطة في "اسرائيل"،
روجت وسائط الاعلام الاقليمية والدولية ان
رابين سيكون اكثر جدية من سلفه في التعامل مع
المبادرة الاميركية للتسوية، وبالتالي، مع
المسارات التي ترتبت عليها. وبعد تشكيله
حكومته، وزيارته واشنطن لتأمين ضمانات
القروض التي وعدته بها ادارة بوش بمبلغ عشرة
مليارات دولار، وقبوله الدعوة للمشاركة في
الجولة السادسة من المفاوضات، راجت اشاعات
وتكهنات حول ما ستطرحه حكومة رابين في تلك
الجولة. وسرعان ما تبين ان رابين لا يقبل
بالشاخص العربي، "الارض مقابل السلام"،
وبالتالي، فهو لا يخرج عن الموقف التقليدي
لحزب العمل من قراري مجلس الامن، 242 و338، الذي
ظل منذ حرب 1967 يجنح نحو ضم الجزء الاكبر من
الارض المحتلة، بالعدد الاقل من سكانها
العرب، والدأب على خلق الوقائع على الارض،
والتلطي وراء ذريعة "الرفض العربي"…
الخ. وفي الواقع، فقد اوضح رابين مرارا انه
اذا تعارض السلام مع ما يعتبره امن "اسرائيل"
، فانه بالتأكيد يعطي الاولوية للامن على
السلام. وفي نظره، تشكل الجغرافيا عنصرا
اساسيا فيما يسميه امن "اسرائيل"
وبناء عليه، فالانسحاب من المناطق المحتلة
عام 1967 يلحق في نظره الضرر بذلك الامن، الامر
الذي يعني ان رابين يعتبر الارض المحتلة،
كلها او بعضها، اعز من السلام المطروح. ومن
هنا،
فانه
اذا تشبث الجانب السوري بمفهومه لقراري مجلس
الامن، 242و338، فلا لقاء بينه وبين حكومة
رابين، على الاساس الذي تنطلق منه المفاوضات.
هذا بالاضافة إلى ان رابين كان يحمل افكارا
اخرى، تدخل في اطار الجيوستراتيجيا،
ويعتبرها مرتكزات لما يسميه امن "اسرائيل"،
هي ابعد ما تكون عن المنظور السوري لهذه
المسائل، فرابين كان لا يزال يعطي الدور
الوظيفي لـ"اسرائيل" في المنطقة الاهمية
القصوى، كأحد مرتكزات امنها الاستراتيجي
الاعلى، وبالتالي قيامها ومبرر استمرارها
وتحولها إلى ظاهرة قابلة للحياة.
لقد
افتتحت الجولة السادسة من المفاوضات (واشنطن،
24/8 ـ 24/9/1992) بقدر لا باس به من تفاؤل
المراقبين، وحتى بعض الاطراف المشاركة،
بامكان احراز تقدم في القضايا الجوهرية
المطروحة في المفاوضات. الا ان هذا التفاؤل لم
يلبث ان اخلى مكانه لقدر لا بأس به من التشاؤم
في المرحلة الاولى من هذه الجولة. ولعل اهم ما
طرح في هذه المرحلة هو الوثيقة التي تقدم بها
الوفد السوري إلى المفاوضات. وعادت التكهنات
المتفائلة إلى البروز عشية انعقاد المرحلة
الثانية من هذه الجولة، وذلك بعد تعليق
المفاوضات لمدة عشرة ايام بطلب من الوفد "الاسرائيلي"
لدراسة الوثيقة السورية. وبصرف النظر عن
التفاصيل فيما تحتويه هذه الوثيقة من مضمون،
فان رئيس الوفد السوري، الدكتور موفق العلاف،
اكد ان الوثيقة لا تخرج ابدا عن اتفاق دمشق
لوزراء خارجية الدول العربية المعنية
بالمفاوضات. "ومع قبول الحكومة "الاسرائيلية"
الجديدة اعتبار القرارين، 242و338، اساسين
للتفاوض، قدم الجانب السوري ورقة عمل في
ايلول 1992، اعتبرت خرقا في المفاوضات. وعلى
الرغم من عدم نشرها رسميا، الا ان عناصرها
تسربت في معظمها، إلى الصحف من مصادر سورية،
فهي توضح الموقف السوري الاساسي القائم على
التزام "اسرائيل"
الانسحاب الكامل طبقا لجدول زمني محدد،
والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب
الفلسطيني، والامن المتبادل، وفي المقابل،
توقع سوريا اتفاق سلام، ضمن نطاق السلام
الشامل على الجبهات الاخرى، يضع حدا لحالة
الحرب، ويعترف بواقع دولة "اسرائيل"
والحدود الدولية…
اما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات، أي اقامة
علاقات دبلوماسية واقتصادية كاملة، فان وجهة
النظر السورية بقيت على حالها، وهي ان القرار
242 لا يتضمن مثل هذا الالتزام. وهذا الموقف
يوضح السبب في استخدام سورية تعبير "الاتفاق"
لا تعبير "المعاهدة". وتعتبر ان مثل هذا
الوضع سيتم البحث فيه، مستقبلا، بعد ان تلتزم "اسرائيل"
الانسحاب الكامل وتنفذه في مرتفعات الجولان،
وبعد ان يعبر الفلسطينيون عن رضاهم تجاه
التقدم في حل مشكلتهم لنيل حقوقهم. (زهير
ذياب، "احتمالات السلام بين سورية
واسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 14،
ص 93).
وبصرف
النظر عن مخاوف الوفد الفلسطيني في المفاوضات
وتبريراته للاقدام على التسرع في التخلي عن
التنسيق العربي، وبالتالي، التقدم على
انفراد، فقد تكرر على لسان رابين ووزير
خارجيته بيرس، بان حكومتهما لم تقل بعد كل ما
عندها. وتبرعا ايضا، نيابة عن الاطراف
العربية، بما فيها سوريا، مؤكدين ان هذه
الاطراف لم تقل بعد كلمتها الاخيرة، مع
الايحاء بتفسيرات تشكك بمصداقية ما ورد في
الوثائق العربية المقدمة، وخاصة في الوثيقة
السورية، فعلى خلفية ما اثارته هذه الوثيقة
من ردود وتقديرات، تحركت عناصر الجبهة
الداخلية بالنسبة إلى حكومة رابين، بما في
ذلك "لوبي الجولان" وتواردت تحركات "لجان
المستوطنين"، فعمدت حكومة رابين إلى اصدار
عدد من التصريحات تنم عن ازدواجية في
مواقفها، كما ذهبت إلى حد التشكيك في المواقف
المتضمنة في الوثيقة السورية، وحتى في
المواقف المبدئية المعلنة لسورية. فبعد لقاء
لرابين مع وفد من مستوطني الجولان، خرج رئيس
الوفد ليؤكد للصحفيين بان حكومة رابين ليست
منشغلة الان في رسم خرائط جديدة في الجولان.
واعلن احد اعضاء الكنيست من حزب العمل،
افيغدور كهلاني، ان انسحابا ولو بعدد من
السنتمترات في الجولان، سيكلف "اسرائيل"
غاليا، في المال والرجال، اما رابين نفسه،
الذي امتنع حسب زعمه عن الكلام الكثير، كي لا
يلحق الضرر في المفاوضات الجارية، وفي مرحلة
دقيقة، فقال: "ان اهمية الجولان لـ"اسرائيل"
تتعدى كثيرا مسألة الاستيطان والمستوطنين
فيه". (الياس شوفاني، يختبىء وراء اصبعه"،
جريدة تشرين (دمشق)، 12/9/1992، ص 10).
في
الواقع، لم تكن حكومة رابين مهيأة للتقدم
الحقيقي في مسار المفاوضات، لا كما تطالب
الاطراف العربية، ولا كما تتوقع ادارة بوش
عشية انتخابات الرئاسة 1992. وذلك لاسباب
ذاتية، تتعلق بمنظور رابين نفسه للتسوية،
واخرى موضوعية، تتعلق بالتشكيل الائتلافي
لحكومة رابين، وتوازن القوى بين الكتل
السياسية في الكنيست. لم يكن رابين، وهو
المعني مباشرة بالمفاوضات عامة، وبالمسار
السوري خاصة، يقبل الوثيقة السورية المستندة
إلى قرارات "مؤتمر دمشق" لوزراء خارجية
الدول العربية المعنية مباشرة بالمفاوضات.
وذلك لانه ذاتيا يرفض هذا الفهم للتسوية، كما
انه لا يملك التفويض السياسي للتفاوض مع
سورية على قاعدة هذه الوثيقة، سواء من حزبه،
او من حكومته، او الكنيست، او حتى الجمهور "الاسرائيلي".
وفي المقابل، لم يكن رابين يستطيع رفض
الوثيقة، كونها تستند إلى المفاهيم العامة
للتسوية المطروحة، محليا ودوليا. وكان رابين
يعي ان حكومة شمير سقطت لانها اصبحت اسيرة
مسار تسووي، قائم على مبادرة اميركية، دخلته
مرغمة، ولم تشأ ان تجاريه، وفي تصديها
لعرقلته قطعت الفرع الذي تقف عليه، فسقطت.
وحلت محلها حكومة رابين، بدعم اميركي غير
قليل، على اساس انها ستكون اكثر انسجاما مع
المبادرة الاميركية. وجاءت جولة المفاوضات
السادسة، التي قدمت سورية فيها وثيقة رسمية،
حظيت بترحيب الادارة الاميركية، لتضع حكومة
رابين بين مطرقة ادارة بوش وسندان جمهور
المستوطنين "الاسرائيلي".
لقد ارادت الادارة الاميركية تحقيق انجاز في
المفاوضات. يعينها في معركتها الانتخابية،
لكن رابين لم يكن يملك الغطاء السياسي لتلبية
رغبتها. فلم يبق امامه الا المناورة لاجتياز
الفترة المتبقية من ولاية بوش الاولى،
بانتظار ما ستتمخض عنه الانتخابات الرئاسية
الاميركية، دون الالتزام باتخاذ مواقف حاسمة.
فسلك سبيل المرونة اللفظية لتأمين الحصول على
ضمانات قرض المليارات العشرة من الدولارات،
واختلاق الذرائع للمماطلة في المفاوضات
الجادة، إلى ان تنجلي نتائج انتخابات الرئاسة
الاميركية. وقد نجح في تكتيكه هذا، فحصل على
ضمانات القرض، وتبدلت السلطة في واشنطن، ووصل
إلى البيت الابيض احد اشد رؤساء اميركا
تعاطفا مع "اسرائيل"،
بيل كلنتون. (المصدر السابق نفسه).
لم
تحقق المفاوضات "الاسرائيلية"
ـ السورية انطلاقة في بداية ولاية رابين،
ولكنه يبدو ان ذلك قد حصل قبل اغتياله (4/11/1995).
وجاءت الانتخابات المبكرة في "اسرائيل"
(29/5/1996)، وما تمخضت عنه من سقوط حكومة بيرس،
وتشكيل حكومة نتنياهو، لتقطع الطريق على
استكمال المسار الذي قطع شوطا نحو انجاز
اتفاق تسووي.
وعندما
انحت اوساط "اسرائيلية"
باللوم على سورية واتهمتها باضاعة الفرصة، رد
سفيرها في واشنطن، ورئيس وفدها إلى المفاوضات.
وليد المعلم، بما يلي: "هذا ليس صحيحا، بل
هناك تقدم. ولقد اعلن دنيس روس في كانون
الثاني 1996 ان ما تحقق في جولتين من المحادثات
في ماريلاند يفوق ما تحقق في الاعوام الاربعة
الماضية. وهذا مسجل رسميا لدى وزارة الخارجية
الاميركية. وبسبب هذا التقدم قررنا، اوري
سافير ودنيس روس وانا، بصفتنا رؤساء للوفود،
ان نعقد محادثات متواصلة للتوصل إلى هيكلية
لاتفاق يشتمل على القضايا المطروحة كافة،
وحددنا موعدا نهائيا لانهاء عملنا، واتفقنا
ان نسد الثغرات الباقية وننجز بصورة نهائية
جميع عناصر الاتفاق مع حلول حزيران 1996، ومن ثم
نرسل ما اتفقنا عليه إلى لجنة خاصة تعد الصيغة
النهائية للاتفاق. وكنا نتوقع انه بحلول
ايلول 1996 سيكون الاتفاق النهائي جاهزا…
لذلك فوجئنا عندما دعا بيرس، بعد ذلك بقليل،
إلى انتخابات مبكرة. واكد المعلم ان بيرس، بعد
اغتيال رابين، طلب متابعة المفاوضات، الا انه
عاد وتراجع بعد التفجيرات في القدس وتل ابيب (شباط
1996). وتحول الاهتمام إلى محاربة "الارهاب"
وعقد مؤتمر شرم الشيخ، وتلاه مؤتمر المتابعة
في واشنطن، ولم يعد احد يتحدث عن العملية
السلمية. واضاف المعلم: "ثم جاءت
الانتخابات وفاز السيد نتنياهو، ولا نزال حتى
الان (نهاية سنة 1996) نشعر بان ليس لدى الحكومة "الاسرائيلية"
استراتيجيا سلام حيال سوريا". (وليد
المعلم (مقابلة)، "حقائق المفاوضات السورية
ـ "الاسرائيلية""،
مجلة الدراسات الفلسطينية، ع29، ص16).
وعن
التحول في موقف رابين من اخلاء الجولان، قال
المعلم: "ان تعهد "اسرائيل"
بالانسحاب لم يأت الا بعد بذل جهود هائلة.
فمنذ مدريد كان الموضوع الوحيد الذي كنا نقبل
بمناقشته هو الانسحاب الكامل. وطبعا عندما
كان الليكود حاكما كان الامر اشبه بحوار
الطرشان. واظن ان بن اهارون، رئيس الوفد "الاسرائيلي"،
كان يتبع حرفيا تعليمات شامير القاضية
باستمرار المفاوضات عشرة اعوام من دون التوصل
إلى نتيجة. وبعدما اصبح رابين رئيسا للحكومة
في حزيران 1992، استمرينا في اصرارنا على
مناقشة موضوع الانسحاب من دون غيره. وعندما
ادرك رابين اخيرا ان السوريين لن يتقدموا
خطوة واحدة في مناقشة أي من العناصر الاخرى
للتسوية السلمية قبل ان يقتنعوا بنية "اسرائيل"
الانسحاب الكامل، اقدم على كسر الطوق. لقد حدث
ذلك في آب 1993، وناقشنا تفصيلات عنصر الانسحاب
الكامل إلى خطوط 4 حزيران 1967. وهذا ما فتح
الطريق امام مناقشة العناصر الاخرى للاتفاق
السلمي، والتي كان رئيس الحكومة رابين يسميها
"الارجل الاربع للطاولة"، وهي، اضافة
إلى الانسحاب، التطبيع والترتيبات الامنية
والجدول الزمني للتنفيذ. وهكذا، بدأت في
ايلول 1994 مناقشات مع السيد رابينوفتش بشأن
العناصر الثلاثة الاخرى، وقدمنا رؤيتنا حيال
كل منها". (المصدر السابق، ص 19ـ20).
وحمل
المعلم حكومة رابين مسؤولية التباطؤ في
المفاوضات مع سورية، وبالتالي، الحؤول دون
التوصل إلى اتفاق معها، فقال: "اود ان اشير
الا إلى ان معظم الناس يعتقد ان السوريين لا
يتحركون. هذا غير صحيح. "اسرائيل"
كانت تتحرك ببط شديد، وبحذر شديد، واستمر ذلك
حتى توقيع اوسلو" وبصورة خاصة حتى تولي
بيرس رئاسة الحكومة…
كانت استراتيجيا رابين تتمثل في الفصل بين
المسارات الفلسطينية والسورية والاردنية
واللبنانية، وكان يتحكم في وتيرة المفاوضات
في ضوء ما كان يحدث على المسارات الاخرى.
فعندما تقدم، مثلا على المسار الفلسطيني في
ايلول 1993، بلغنا عبر الاميركيين انه لن
يستطيع استكمال المحادثات على المسار السوري
لان الجمهور "الاسرائيلي"
يحتاج إلى وقت ليهضم اتفاق اوسلو، ومن ثم علق
المفاوضات. وبعد ذلك، احرز تقدما على المسار
الاردني سنة (1994)، وبلغنا ان الجمهور "الاسرائيلي"
يحتاج إلى وقت ليهضم الاتفاق الاردني ـ "الاسرائيلي"،
وعلقت المفاوضات معنا مرة اخرى. ولم يتوجهوا
الينا طالبين التحرك بصورة سريعة جدا الا بعد
ان عقدوا اتفاق اوسلو 2 مع الفلسطينيين في
ايلول 1995. وكان هناك ايضا عامل آخر تمثل في
الاختلافات الشخصية بين رابين وبيرس،
وكلاهما كان يريد التوصل إلى تسوية مع سورية،
لكن لكل واحد منهما سرعته وشروطه. كان رابين
مترددا ومتشككا وحذرا جدا. وكان يتحرك ببطء
شديد، خطوة خطوة. اما بيرس فكان، عندما اصبح
رئيسا للحكومة، في عجلة من امره، اذ كان يريد
ان يدخل الانتخابات وهو يحمل الاتفاق السوري
ـ "الاسرائيلي"
وكان يريد ان "يطير عاليا وسريعا" كما
كان يردده". (المصدر السابق، ص 20).
لم
يكن رابين واثقا من ان اتفاقا مع سوريا، يقضي
بالانسحاب الكامل من الجولان، سيمر في
الكنيست الثالثة عشرة باغلبية مقبولة على
الجمهور "الاسرائيلي".
ولذلك عمد إلى المماطلة من خلال وضع العراقيل
على المسار السوري، ريثما ينجز الاتفاقين،
الفلسطيني والاردني، ويهيء الاجواء في "اسرائيل"
لتقبل الانسحاب من الجولان. وفيما ربط هذا
الانسحاب داخليا باجراء استفتاء شعبي، فانه
ازاء الخارج راح يطرح شروطا تعجيزية على
سورية، كان يعلم مسبقا انها لا تقبل بها.
ولعله كان يخطط للتوصل إلى اتفاق اعلان
مبادىء مع سورية، يكون جزءا من برنامجه
الانتخابي للكنيست الرابعة عشرة (1996). ولكنه
اغتيل في نهاية سنة 1995، وتبنى بيرس هذا
المخطط، وسعى إلى انجازه بسرعة، لانه قدم
موعد الانتخابات، ثم تراجع وعلق المفاوضات
لاعتبارات انتخابية. فبعد عمليات المقاومة
الفلسطينية واللبنانية، وبالتالي، عملية
عناقيد الغضب، لم يعد بيرس واثقا من ان
الاتفاق مع سورية، بالشروط المقبولة عليها،
سيشكل رصيدا انتخابيا له، فتخلى عنه. ويذكر
السفير السوري وليد المعلم نماذج من العراقيل
التي كانت حكومة "اسرائيل"
تضعها في طريق المفاوضات، فقال: "لقد تمثلت
هذه العراقيل بصورة رئيسية في المبالغة
والتضخم "الاسرائيليين"
في حقلين: الترتيبات الامنية والتطبيع…
كانوا يطالبون، على سبيل المثال، بمحطة انذار
مبكر في الجولان بعد انسحابهم، الامر الذي
نعتبره انتهاكا لسيادتنا، كما لو انهم يريدون
التجسس علينا انطلاقا من ارضنا ـ وهذا في حال
السلام لا في حال الحرب …
تحدثوا ايضا عن حجم الجيش السوري، واصروا
كذلك على ان تصل حدود المنطقة المنزوعة
السلاح حتى جنوبي دمشق، وهذا يعني ان يكون
الطريق إلى العاصمة مفتوحا امامهم. هذه
المطالب مرفوضة من جانبنا…
كانوا يريدون حدودا مفتوحة واسواقا مفتوحة
لسلعهم، الخ…
، الامر الذي سيكون له تأثيره البديهي في
صناعاتنا…"
(المصدر السابق، ص 21 ـ 22).
ومهما
يكن، فان بيرس خسر انتخابات سنة 1996 لصالح
بنيامين نتنياهو، الذي لم يعترف بالاتفاقات
التي تمت على المسار السوري في ولاية الحكومة
السابقة. واذ اولى نتنياهو جل اهتمامه للمسار
الفلسطيني، بهدف تعطيل "اتفاق اوسلو"،
فانه جمد المفاوضات على المسار السوري تماما.
لقد طلع نتنياهو على الملأ ما تم التوصل اليه
على المسار السوري غير ملزم له، وبالتالي،
فهو على استعداد للبدء في المفاوضات من نقطة
الصفر، "ودون شروط مسبقة". وكان طبيعيا
ان ترفض سورية ذلك، وان تصر على استئناف
المفاوضات على المسار السوري ـ "الاسرائيلي"
من حيث انتهت مع حكومة بيرس (شباط 1996). وهكذا،
لم يحصل أي تقدم في المفاوضات على هذا المسار
خلال ولاية نتنياهو (1996ـ1999). في المقابل، عاد
نتنياهو إلى نهج رابين السابق، في محاولة لدق
اسفين بين لبنان وسورية في المفاوضات،
مستخدما اسلوب الترهيب والترغيب بالنسبة إلى
الحكومة اللبنانية. ولكن ذلك لم يجده نفعا، بل
على العكس، اذ استطاعت المقاومة الاسلامية ان
تجعل من الاحتلال "الاسرائيلي"
للشريط الحدودي اللبناني مأزقا لحكومة
نتنياهو، تتضارب الاراء في المؤسسة السياسية
ـ العسكرية "الاسرائيلية"
حول سبل الخروج منه.
وفي
سياق السعي للخروج من المأزق في لبنان، دون
الاضطرار إلى تلبية الشروط السورية لاستئناف
المفاوضات، شنت حكومة نتنياهو، منذ اواخر سنة
1997 هجوما دبلوماسيا متصاعدا، عنوانه البارز
تنفيذ القرار 425، الصادر عن مجلس الامن (19/3/1978).
وقد سبق هذا التوجه "الاسرائيلي"
الجديد طرح آخر بعنوان "لبنان اولا" وذلك
في منتصف سنة 1996، بعيد تشكيل حكومة الائتلاف
اليميني برئاسة بنيامين نتنياهو. وكانت حكومة
حزب العمل طرحت قبل ذلك مبادرات عدة للانسحاب
من لبنان، لم تلق في حينه قبولا من الجانبين
اللبناني والسوري. وكان لبنان قد شارك في
مؤتمر مدريد والمفاوضات المنبثقة عنه بهدف
تطبيق القرار 425، كما هذا القرار، واعتبرتا ان
صيغة مدريد تجب ما قبلها، وبالتالي، فان حل
مسألة الجنوب اللبناني مرتبط بالحل الشامل
للصراع العربي ـ "الاسرائيلي".
وصيغة مدريد لا تتطرق إلى القرار 425، وانما
تكتفي بالقرارين 242 و 338 اساسا للمفاوضات.
في
المقابل، كان موقف لبنان المعلن كالتالي: "يتمسك
في المفاوضات الدائرة بالقرار 425 على اساس ان
هذا القرار الدولي "يدعو إلى الاحترام
الصارم لوحدة اراضي لبنان ولسيادته
ولاستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها
دوليا، ويطلب من "اسرائيل"
ان توقف فورا عملها العسكري ضد سلامة الاراضي
اللبنانية، وان تسحب فورا قواتها من الاراضي
اللبنانية كافة. ويقوم الموقف اللبناني على
ان تنفيذ هذا القرار يعيد العلاقة مع "اسرائيل"
إلى نطاق اتفاق الهدنة عام 1949، إلى حين تحقيق
حل شامل للقضية الفلسطينية والصراع العربي "الاسرائيلي"
وعقد معاهدات سلام يشارك لبنان فيها مع بقية
الاطراف العربية المعنية". (محمود سويد
"دور لبنان ووظيفته"، مجلة الدراسات
الفلسطينية، ع15، ص 93). الا انه بصرف النظر عن
الموقف اللبناني الرسمي المتشبث بقرارات
الشرعية الدولية، فانه في مسار المفاوضات غاب
ذكر القرار 425 عن وثائق مدريد الرسمية، وهو ما
كانت تصر عليه حكومة "اسرائيل"،
سواء في عهد شامير او رابين. وعلى هذا الصعيد،
تميز الموقف الاميركي بالنفاق. وقد لخصه
الكاتب اللبناني محمود سويد كالتالي: "وقد
عبرت الادارة الاميركية في عهد الرئيس بوش عن
تعاطفها مع المطلب اللبناني فأكدت رسالة
التطمينات الاميركية إلى لبنان (المؤرخة في 15
تشرين الاول 1991) ان "الولايات المتحدة
تستمر في تأييدها قرار مجلس الامن رقم 425، وهي
تعتقد بان للبنان الحق في الاستقلال ووحدة
اراضيه، ضمن حدوده المعترف بها دوليا…".
كما تقر الولايات المتحدة بان "التطبيق
الكامل للقرار 425 لا يتوقف على تسوية شاملة في
المنطقة ولا يرتبط بها…"
وتؤكد الولايات المتحدة ايضا التزامها بـ "انسحاب
القوات غير اللبنانية كافة من لبنان ونزع
سلاح جميع الميليشيات…
ودعم جهود الحكومة اللبنانية من اجل بسط
سلطتها على اراضي البلاد كلها من خلال تطبيق
اتفاق الطائف". لم يقترن هذا "التعاطف"
باية اجراءات عملية تؤدي إلى تنفيذ القرار 425،
بل ظل شكليا كونه ساوى بين حق لبنان في "انسحاب
القوات غير اللبنانية كافة من اراضيه، وبين
امن "اسرائيل"
وحقها في السلام الكامل مع جيرانها، الامر
الذي ترجم خلال سير المفاوضات بالصفقة
الشاملة ضمن معاهدة سلام غير ممكنة الا في
اطار السلام العربي ـ "الاسرائيلي"
الشامل". وفي الواقع، فقد اكد الرئيس
الاميركي، بيل كلنتون في وقت لاحق انه لا يمكن
حل مشكلات لبنان الا في اطار التسوية السلمية
الشاملة في الشرق الاوسط. (المصدر السابق، ص
93ـ74).
ويبدو
ان "اسرائيل"
كانت لفترة طويلة تفاوض لبنان انطلاقا من "اتفاقية
17 ايار 1983". ففي مؤتمر مدريد، حدد يتسحاق
شمير، في رده على كلمات رؤوساء الوفود
العربية، شروط حكومته للانسحاب من لبنان بما
يلي: "ليست لدينا اية مطامع بالارض
اللبنانية، ويمكننا في اطار معاهدة سلام
وانهاء الوجود السوري اعادة الامن
والاستقرار إلى الحدود بين بلدينا". كما
كرر خلفه، يتسحاق رابين نفي اية اطماع لـ"اسرائيل"
في اراضي لبنان ومياهه، وانه "يتوقع ويأمل
بقيام حكومة لبنانية قوية تكون قادرة على
السيطرة كليا على اراضيها من دون وجود قوات
اجنبية كالقوات السورية، وعندئذ يمكن
الاتفاق وتوقيع معاهدة سلام بين بلدينا". (المصدر
السابق، ص 94-95) وظل ربط الانسحاب بمعاهدة
السلام يتكرر في جميع المواقف "الاسرائيلية"
سواء في جلسات المفاوضات او خارجها. وكأنما
لتقطيع الوقت، بينما المفاوضات حول القضايا
الجوهرية تراوح في مكانها، طرح الوفد "الاسرائيلي"
إلى المفاوضات مع لبنان مشاريع عبثية، كأشراك
الحكومة اللبنانية في ادارة شؤون سكان
الجنوب، بينما الاحتلال "الاسرائيلي"
لا يزال قائما. ثم طرح فكرة تشكيل لجنة عسكرية
مشتركة تعني بشؤون الامن بينما المفاوضات
لانجاز معاهدة سلام جارية. الا انه فيما
المفاوضات السياسية تراوح، كان العنف
العسكري يتصاعد بين فعل وردة فعل، وصولا إلى
عملية "تصفية الحساب" تموز 1993. وفي اثرها
قدم رئيس الحكومة "الاسرائيلي"
يتسحاق رابين، إلى وزير الخارجية الاميركي
وارن كريستوفر، اقتراحا طلب اليه نقله إلى
المسؤولين اللبنانيين، وخصلاته ان تتولى
السلطات اللبنانية نزع سلاح حزب الله وارسال
الجيش اللبناني للانتشار في مناطق قرب الحدود
مع "اسرائيل"،
ووضع ترتيبات امنية بين الحكومتين اللبنانية
والاسرائيلية، وان تتعهد الحكومة اللبنانية
بعدم ملاحقة جنود "جيش لبنان الجنوبي"
واستيعابهم في اجهزة الدولة الامنيةـ وكل ذلك
في مقابل انسحاب الجيش "الاسرائيلي"
من لبنان خلال تسعة اشهر، توقع بعدها معاهدة
سلام بين البلدين (هآرتس، 26/8/1993).
لم
توافق الاطراف المعنية على مشروع رابين، الا
انها توصلت إلى تفاهم تموز، الذي لم يصمد
طويلا، وعادت دوامة العنف العسكري في الجنوب
اللبناني، وظلت تتصاعد إلى عملية "عناقيد
الغضب".
راحت
المعارضة "الاسرائيلية"
تدعو إلى استئناف المفاوضات مع سورية، كسبيل
وحيد للخروج من "المستنقع اللبناني"،
على حد تعبيرها، وفي المحصلة، فان نتنياهو،
انسجاما مع ايديولوجية الليكود المتطرفة،
جمد مسارات التسوية جميعا خلال سنوات حكمه
الثلاث (1996-1999). ولم يكن نتنياهو يفكر جديا في
الانسحاب من الجولان، او حتى من جنوب لبنان،
ناهيك عن انه لم يكن يملك تفويضا لذلك من
حزبه، او من حكومته الائتلافية، خاصة في
مواجهة معارضة قيادة الجيش لذلك. فبعد ان فشل
في محاولته الفصل بين المسارين، السوري
واللبناني، عمد إلى المناورة المضللة في
الاتصالات غير المباشرة مع سورية، من خلال
شخصيات اميركية (لاودر)، نقلت عنه مشروعات
تسوية، لم يكن ينوي تنفيذها، كما لم يكن يملك
الدعم الكافي لتمريرها في حكومته، او في
الكنيست.