مزارع شبعا لبنانية/ الملاكون يثبتون
سليمى حمدان
البلاد 10 حزيران 2000
يتذكر الحاج ابراهيم الزغبي (70 عاما) والذي يملك اكثر من مئة دونم في مزارع شبعا طفولته فيها فيقول : منذ كان عمري 10 سنوات وانا اعمل مع اهلي في مزرعتنا حين كنا نزرع القطن، والفستق والاشجار المثمرة بكل انواعها.. والحبوب جميعها وقبل ان يتباع الزغبي يتنهد بحسرة ويقول: كانت غلتنا تزيد على مئة "مد" من القمح وحوالي اربعين مدا من الحنطة (الكرسنة والشعير) بالاضافة إلى الذرة وغيرها.
والحنين لاول منزل
ويضيف: "كنا نملك منزلا من ثلاث غرف مليئة بالفرش والمؤونة.. وكان لدينا اكثر من عشرة رؤوس بقر وخمسة رؤوس غنم. وفي كل صيف نذبح اكثر من ثلاثة خرفان. نعم كانت حياتنا هادئة، يضيف الزغبي : حين كان لكل بيت مغارة والبيت فوقها هذه المغارة محفورة في الصخر، يوضع فيها التبن الذي تاكله المواشي، ولدينا "بيارة" لسقي الزرع وهي عبارة عن بئر محفورة لتجميع مياه الشتاء، اما المواشي فكانت تشرب من "الحافور" وهي عبارة عن بئر كبيرة حفرها اهالي شبعا بأيديهم.
اما مياه الشرب فكنا نقلها على الدواب من "نبع بارد ومياهه باردة جدا برودة الثلج.
ويقول الزغبي: في مزارع شبعا دفن جدي وعمي وجد جدي.. انها ارض اجدادي ولكل مزرعة مقبرة اصحابها يدفنون فيها ومقبرة مزرعتنا وادي الحمام لكثرة ما يعشش فيها الحمام البري.
مشهد الطير
وعاد الزغبي بذكرياته إلى مقام مشهد الطير.. وهو مقام سيدنا ابراهيم (ع) الذي كان مبنيا فوق تلة، بناء قديم، ومن ثم رممه المغترب خالد عطوي بعد ان اوكل ذلك إلى ابراهيم عطوي، وهو كناية عن غرفتين كانوا يضيئونه بالشموع ويوفون النذور ويعلقون الرايات. وكانوا يتبرعون بالأموال للفقراء ولم يخل هذا المقام من الزائرين يوما واحدا.. وهناك مغارة في قلب المقام ونبع ماء اسمه "لدان".
ويوجد حول المقام شجر سنديان ولا يستطيع 10 رجال الإحاطة بشجرة واحدة منها ولا أحد يستطيع قطع أي واحة منها. وهناك حرج كامل إذا دخله إنسان لا يمكن رؤيته فيه وتعود ملكيته لوقف شبعا، أي انه يغذي الأوقاف.
دواء من شجر اللبنة
ويتحدث الزغبي عن مزروعات المزارع فيقول : هناك الذرة الصفراء التي كانت كل فصيلة تحمل خمسة او ستة عرانيس في إشارة إلى خصوبتها، عدا عن الخوخ البري الذي تصبغه الحمرة، والزعرور والاجاص البري والسماق والصعتر والبلوط الذي يفوق الكستناء بطعمه الطيب والريحان، وهناك شجرة اللبنة، التي تشفي أوراقها من الم المعدة.
ويرسم الطرقات الترابية
ويرسم الزغبي الطرقات التي هي بين مزارع شبعا فيقول : اذا بدأنا من ناحية شبعا ندخل مزرعة "مراح الملول" ـ "بيت البراق" ـ برختا ـ جورة العقاب ـ كفير دورا ـ الربعة ـ مشهد الطير ـ رمثا ـ قسمان ـ طريق اسمه كرم الزيتونة. وهناك طريق يذهب إلى مزرعة بيت حمدان وطريق اخرى إلى بركة بعشيين ومزرعة بيت صعب وبيت هاشم وفي ما بعد نصل " بسطرا" التي تحد المجدية ـ فشكول القرن ـ خلة غزالة ـ الريحانة، ومن ثم إلى مغر شبعا.
اما احمد تفاحة (65 عاما) من شبعا فقال: تبلغ مساحة مزارع شبعا ما يزيد على 264كلم2، ممتدة بطول 22 كلم وعرض 12 كلم. مقسمة على حوالي ثماني عشرة مزرعة وما يزيد، ترتفع عن سطح البحر بين الـ 700 والـ 1000م، احتلها العدو منذ ما يزيد عن الـ 33 سنة، تسرق "اسرائيل" خيراتها وتبتز ارضها وتشرد اهلها بعد ان قتلت الذي قتلته، مستولية على ما يزيد عن المليار دولار اميركي سنويا من المحاصيل التي تنتجها هذه الارض الخيرة. ومن المنتجعات السياحية التي اقامتها ومن استراتيجيتها في موقعها الكائن في سفوح جبل الشيخ مما جعلها مسيطرة على المنطقة تماما.
ويتابع تفاحة: في سنة 1976 احتل العدو قسما من هذه المزارع ليسيطر في ما بعد عليها بالكامل وبعد ان تواسطت الامم المتحدة للمزارعين مع العدو كي يحصدوا محاصيلهم من الزيتون على الاقل، وبعد 3 ايام من القطاف جاءت الطائرات وكانت المحاصيل لا تزال في ارضها وهاجمت المزارعين، فتركوا المحاصيل ليستولي عليها العدو دون أي اعتراض من قبل "الامم المتحدة".
ويضيف احمد تفاحة الذي ولد في مزرعة "رمثا" ويملك ارضا في معظم مزارع شبعا مثل زبدين ـ رمثا ـ كفردورا ـ برختا ـ خربة جمعة وغيرها قائلا انهم تركوا بساتينهم مليئة بالخيرات وتوجهوا ناحية شبعا ومن ثم بيروت.
وابى الا ان يعود بذاكرته إلى تلك المزارع فهي الحلم الذي لا ينساه ابدا ويقول: انها ارض الخير، خزان المياه الطبيعي، الارض الخصبة، ارض آبائي واجدادي وغيرها من الكلمات المنحوتة والتي لا يستطيع احد ان يمحوها.
ويعدد تفاحة اسماء المزارع واسماء مالكيها كالآتي:
1ـ خلة غزالة ـ يملكها قاسم حسين هاشم.
2ـ وادي القرن ـ بيت الحناوي، غادر، علي.
3ـ جورة العقارب : لآل علي.
4ـ مزرعة قفوي: لآل هاشم وآل صعب.
5ـ مزرعة زبدين : لآل حمدان ـ غياض ـ نصيف ـ عزيزة.
6ـ المزرعة الفوقا: عبدالله ـ نصارـ تفاحة ـ دلال ـ سرحان.
7ـ فشكول : لآل حمد.
8 ـ رمثا التحتا: لآل تفاحة ـ خيرالله ـ ريمه.
9ـ رمثا الفوقا: لآل موسى ـ خير الله.
10ـ رمثا : فارس نبعة.
11ـ الربعة: نصيف ـ حمودي ـ غادر.
12ـ مزرعة بيت البراق : السعدي.
13ـ كفردورا : لآل صعب ـ تفاحة ـ السعدي.
14ـ برختا: منصور ـ حمودي ـ ابراهيم ـ الزغبي ـ هاشم.
15ـ برختا الفوقا (مراح الملول) : هاشم ـ صعب.
16ـ خربة العرانة : دله.
17ـ مغرشبعا: الزغبي وآخرون.
حجج و"طابو" تركي
ويتابع تفاحة : نحن نملك حججا و "طابو" تركيا وهي باسم والدي، احمد يوسف تفاحة، عبدالله علي تفاحة، اسعد خليل تفاحة ومحمد احمد تفاحة.
هذه المزارع لكل اهالي شبعا ومزروعة بالاشجار المثمرة والزيتون وانواع الحبوب كافة وغيرها.
والحدود بين مزارع شبعا وسوريا معروفة وهي جرن ماء في الطبيعة، على راس الجبل.
الشهيد شحاذة موسى
وحدثنا خليل الزغبي (51 سنة) مواليد مزرعة "برختا" التي خرج منها عام 1968 والمحاصيل في ارضها، دون الحصول على ادنى مساعدة، بل ان العدو اخرجهم بعد ان استعمل اساليب الارهاب ضدهم وقصفهم بالمدافع والطائرات فاستشهد منهم من استشهد ولا سيما الشهيد شحاذة موسى وآخرون.
ويعود خليل الزغبي بذاكرته إلى تلك الارض الخيرة واصفا وادي العسل الذي تعتبر صخوره خوابي عسل نظرا للمناهل الطبيعية التي كانت تمتص زهر"المصيص" الاصفر بعسله الطبيعي لتصبه في ذلك الوادي عسلا اقرب إلى الشهد.
معاناة اهل شبعا
على صعيد اخر، يقول الاستاذ والباحث الاجتماعي الدكتور طارق السعدي : لم تتوقف مطالبات اهل شبعا بارضهم منذ 1967 وتعرضوا للقتل والمعتقلات .. خالي معين ماضي استشهد عندما قتله العدو عام 1970 فيما اصيب ابنه بجراح ولا يزال يعاني من آثار جراحه حتى يومنا هذا.
ويقول السعدي: لقد زرت المنطقة وكان عمري 10 سنوات في مزرعة بيت البراق وبركة شبعا ومرج السراحنة بقرب مزرعة بيت حمدان في منزلهم المجاور لمزرعتنا التي تزرع بالزيتون الروماني القديم الذي يعود لمئات السنين.. والتي يبلغ ارتفاعها حوالي 4 امتار، وتحتاج إلى اكثر من رجل للاحاطة بها..
اطماع العدو بارض الخيرات
ويتابع الدكتور السعدي قائلا: كيف لا يطمع العدو بمزارع شبعا؟ تلك الارض الفريدة في خصوبتها بسبب عوامل التعرية.. أي المياه والريح عندما تأتي على جبل ما فتزحف منه التربة وتترسب في السهول والاودية وهي غنية بالمعادن فتشكل التربة الخصبة جدا الصالحة لزراعة انواع مختلفة من الخضار والحبوب والفواكه: فمح ـ شعيرـ ذرة ـ فستق ـ والفواكه على انواعها. وهنا ايضا تكثر المواشي والطيور وعلى انواعها. وفيها ما يقرب 120 الف راس ماشية وخصوصا الغنم، الماعز والابقار والتي نقف الكثير منها بسبب القصف "الاسرائيلي" المستمر.
وهناك شهداء عديدون وخصوصا شهداء الالغام التي يضعها العدو في الارض فيستشهد الكثير من المزارعين والرعاة. ان اهالي شبعا رووا ارضهم بالدم واستشهد الكثيرون منهم.
ويخلص د.طارق السعدي إلى القول: انهم يتحدثون عن انسحاب "اسرائيل" من مزارع شبعا فقط ولا ياتون على سيرة التعويضات. مزارع شبعا خزان المياه، سفوح جبل الشيخ، واذا كان سنويا تنتج اكثر من مليار دولار للعدو، بالتعويض يجب ان يكون اقله 40 مليار دولار كتعويض لاهالي شبعا فقط. على الخسائر التي اودت بهم إلى التشرد والضياع والا فالحل ليس الا بيد المقاومة.
اما علي مصطفى عبدالله 73 سنة مواليد سنة 1927 في مزرعة زبدين من مزارع شبعا قال:
املك حوالي الف دونم ارض، وفيها حجج ومستندات رسمية، ومسجلة كلها عند كاتب عدل، ورخص صادرة عن الجمهورية اللبنانية لحفر آبار.
كان لدينا حوالي 600 شجرة زيتون منها حوالي ستين شجرة يزيد عمرها على المئتي سنة. بالإضافة إلى ما هو مزروع باللوز والجنارك والتفاح والعنب، وكان لدينا معصرة زيت، وهي عبارة عن حجر مثقوب، يوضع في وسطه خشبة بالعرض وخشبة بالطول أي (على صوص ونقطة) كي يدور الحجر على الزيتون و"يهرسه" ومن ثم يستخرج منه الزيت، كانت غلتنا تزيد عن عشرة قناطير زيت.
القمح بمئات "المدود"
اما غلتنا ن القمح فكانت تزيد على 400 (مد) أي حوالي عشرين الف كيلو قمح. واقل بيت في شبعا كانت غلته لا تقل عن (5000) كيلو قمح. إلى جانب غيرها من جميع انواع الحبوب بالاضافة إلى المواشي، ويأبى عبدالله الا ان يرسم خريطة مزارع شبعا بالانامل والكلمات فيقول من ناحية شبعا توجد مزرعة برختا ـ مشهد الطيرـ مزرعة كفيردورا ـ مزرعة رمثا ـ مزرعة زبدين الفوقا والتحتا ـ بيت البراق ـ مزرعة قفوي ـ مزرعة خلة غزالة ـ مزرعة فشكول ـ مزرعة بسطرا ـ مزرعة الريحانة ـ ومزارع اخرى إلى ان نصل الى مزرعة مغر شبعا.
والدي في الاسر وهو مختار المزارع
ويقول كل هذه المزارع احتلت سنة 1967، واهل شبعا يقيمون شتاء في المزارع ليصطافوا في شبعا لكن العدو طرد الاهالي الذين كانوا في المزارع، واسر حينذاك والدي مصطفى عبدالله مختار المزارع وساقه العدو إلى مدينة القنيطرة في سوريا لانها كانت محتلة من الصهاينة، وبقي في الاسر مدة شهرين والسبب هو لانه مختار المزارع وكأنها جريمة كبرى. وتابع عبدالله كلامه: يقول العدو ان مزارع شبعا سورية. ونسأل عندما احتل العدو هذه المزارع هل وجد فيها سوريين ؟ ام فلسطينيين؟ ام خلاف ذلك؟ ام انه لم يجد فقط الا اهلها اللبنانيين ـ اهالي شبعا فقط؟
نعمل في المزارع وندفع الضرائب في شبعا
ويقول كان يقطن مزارع شبعا شتاء حوالي 15000 نسمة وشبعا ليس لها خراج الا مزارعها. فكانت هذه المزارع مصدر الخيرات والرزق والحياة المعيشية باكملها.
اما البلدية فكانت في شبعا. والضرائب في شبعا وكان رجال الدرك يتمركزون في شبعا ويزورون المزارع عند الحاجة.
وحول وضع اهالي شبعا ومزارعها بع دان اقتلعهم العدو منها وشرده قال : لعل الكتاب الذي حمله نائب شبعا في ذلك الوقت الدكتور علي ماضي إلى المسؤولين يعطي ابلغ صورة عما آلت اليه حالة اهالي شبعا في حينها: هذا بعض ما جاء في الكتاب " ان واقع النازحين هو اليوم اخطر بكثير، فلم تعد هناك مزارع ولا حقول يستطيع اصحابها الوصول اليها، ان عددا كبيرا منهم ضاعت املاكه، واحتلت مزارعه ونسفت منازله، وضاعت تجارته وفقد اعماله التابعة لبلدة شبعا. الاهالي لا يستطيعون العودة إلى مزارعهم واستغلالها، ليس لان منازلهم قد نسفها العدو فحسب، بل لانهم معرضون في كل لحظة للاعتقال والقتل، وقد جرت عدة حوادث من هذا القبيل يعرفها رجال الامن والسلطات العسكرية حق المعرفة".