مزارع شبعا
 الاطماع وخلفيات الاحتلال

غازي خوندي
كاتب لبناني


مقدمة:

في 25 ايار/ مايو من العام 200 انسحبت “اسرائيل” من معظم الاراضي اللبنانية المحتلة في منطقة الجنوب، الا انها ابقت على احتلالها لمنطقة مزارع شبعا لاسباب استراتيجية عديدة.

هذا التحقيق يسلط الضوء على مزارع شبعا والمراحل التي قطعها الاحتلال “الاسرائيلي” للسيطرة عليها منذ العام 1967، علما ان لبنان لم يكن طرفا في هذه الحرب..

والتحقيق يلقي اضاءات ايضا على الاهمية المائية والزراعية للمزارع، وعلى عناصر اخرى ذات صلة.

  

قبل الدخول في عرض معلومات هامة مباشرة عن مزارع شبعا لا بد من توطئة خاطفة تبين المخطط الصهيوني اتجاه ضم اراضي الجنوب اللبناني الى الكيان الصهيوني.

اوائل سنة 1924 وبناء على اتفاق "حسن الجوار" بين الانتدابين البريطاني والفرنسي وتحت ضغط الحركة الصهيونية، تم ضم سهل الحولة ومساحته حوالي 100 الف دونم الى فلسطين بموافقة الانتداب الفرنسي.

وبين عامي 1924 و1949 اجرت الحركة الصهيونية تعديلات اخرى على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية وتم اقتطاع قرى واراض جديدة.

وخلال عامي 1948 و1949 طردت “اسرائيل” جميع اهالي هذه القرى. وخلال الاجتماعات التمهيدية لاتفاق الهدنة سنة 1949، تم ضم عدة مزارع الى “اسرائيل” تبلغ مساحتها حوالي 2000 دونم.

وخلال حرب حزيران 1967، احتل الجيش “الاسرائيلي” مزارع شبعا في سفوح جبل حرمون بمحاذاة الجولان السوري وشمال سحل الحولة.

وبعد حرب 1967 احتلت “اسرائيل” عدة نواح في منطقة العرقوب في القطاع الشرقي وهي: البحاصير، وادي الخنساء، رويسة بيت الداس، رويسة السماق والجل الاحمر، فضلا عن قضم 200 دونم من حرج "مشهد الطير" تعود ملكيتها للاوقاف الاسلامية.

خلال حرب تشرين 1973، اقتطعت “اسرائيل” عدة نواح لبنانية من جبل الشيخ هي: الشحل، بركة النقار، السواقي، جورة العليق وتلة السدانة. وفي سنة 1974 اقتطعت “اسرائيل” شريطا من اراضي بلدة عيترون يبلغ طوله 3 كلم وعرضه يتراوح ما بين 100 و500 متر، واقتطعت حوالي 500 دونم من اراضي البلدة نفسها اواخر عام 1980.

وفي سنة 1975 اقتطعت “اسرائيل” جبل الشميس، ومن هذا التاريخ حتى عام 1980، اقتطعت حوالي 4 آلاف دونم من القرى التالية: علما الشعب، البطيشية، تلال الضهيرة، يارين، لوطية، مروحين، رامية، عيتاالشعب، رميش، يارون، مارون الراس، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، عديسة وكفركلا.

وخلال اجتياح عام 1978 استولت على اماكن قرب نبع الجوز في شبعا وصولا الى جبل الصوان المطل على شويا.

وفي نيسان 1982 ادخلت “اسرائيل” ضمن الشريط الشائك الكثر من 1500 دونم من اراضي بلدة حولا.

اثر اجتياح حزيران 1982، اقتطعت “اسرائيل” آلاف الدونمات وشقت عشرات الطرقات العسكرية وقامت بسرقة مياه الجنوب وتربته.

 

ـ مزارع شبعا

وبعودة الى موضوعنا عن شبعا ومزارع شبعا لا بد من التوضيح بداية ان بلدة شبعا هي محررة الان واما مزارع شبعا فهي التي مازالت تحت الاحتلال “الاسرائيلي”. وهنالك شريط “اسرائيلي” قريب من بلدة شبعا تقع ضمنه المزارع المحتلة.

وللعمل نشير الى ان اغلبية اهالي شبعا كانوا يقيمون شتاءا في المزارع وصيفا في بلدة شبعا نفسها. وهنالك قسم كان يقيم بشكل دائم في المزارع.

تقع مزارع شبعا على مثلث الحدود اللبنانية السورية الفلسطينية، يحدها شرقا بانياس ومجدل شمس في الجولان السوري، ويحدها جنوبا سهل الحولة شمال فلسطين، ومن الشمال والغرب اراض القرى، بلدة شبعا نفسها والمجيدية وكفرشوبا وحلتا اللبنانية. تبلغ مساحتها حوالي 200 كلم، وكان يسكنها حوالي 10 الاف نسمة يعيشون على الزراعة وتربية المواشي، واهم الزراعات: الزيتون، الحبوب، الخضار والفواكه. وهي تبلغ حوالي 15 مزرعة وهذه اسماؤها ومالكوها:

 

1 ـ تل القاضي على تخوم سهل الحولة الفلسطيني ويملك هذه المزرعة آل ماضي (من كبرى العائلات في شبعا). ينبع من هذه المزرعة نهر اللدان الغزير وكانت تقوم عليه مطحنة يديرها المدعو محي الدين نصيف (من شبعا). ويشتهر هذا التل بالمشمش والرمان.

2 ـ ونسير شمالا فنصل بعد تل القاضي الى مزرعة "مغر شبعا" ومن مالكيها عائلات شبعا: ماضي وسرحان وفراشة والزغبي وعبدالهادي. ينبع فيها نهر بانياس حيث يلتقي بنهر اللدان ونهر الحاصباني في سهل الحولة ويشكلون نهرا واحدا يصب في بحيرة الحولة.

وبين مزرعة المغر وبانياس يجري نهر العسل ومصدر مياهه من ينابيع جبل الشيخ ويروي اراضي المغر حيث كانت تزرع بالحبوب والخضار.

3 ـ مزرعة "خلة غزالة" غرب المغر ويملكها ابن شبعا قاسم حسين هاشم.

4 ـ مزرعة "القرن" ومن اصحابها: آل الحناوي وناصر.

5 ـ مزرعة "جورة العقارب" ومن اصحابها الشهيد شحادة احمد موسى الذي قتله الجيش “الاسرائيلي” داخل منزله عند احتلال المنطقة في 14 حزيران 1967.

6 ـ مزرعة "فشكول" يملكها آل حمد وكانوا قد بنوا فيها منازل جيدة لانهم يقيمون فيها صيفا وشتاء.

7 ـ مزارع "آل صعب".

8 ـ مزرعة "ظهر الحافور".

9 ـ مزرعة "ظهر البير".

10 ـ مزرعة "قفوة" ويملكها آل هاشم ومركيز والخطيب وخوندي.

11 ـ مزرعة "آل نصار" وعبدالله.

12 ـ مزرعة "زبدين" لال حمدان وغياض. وما يذكر ان “اسرائيل” اسكنت في هذه المنطقة يهود الفالاشا القادمين من اثيوبيا عام 1985.

13 ـ مزرعة "الرمتا" وهي تقع على مرتفع استراتيجي يطل على مناطق واسعة من لبنان وفلسطين وسوريا. وقد اقامت “اسرائيل” في هذه المنطقة مركزا رئيسيا لقواتها. من مالكيها: آل نبعة وضاهر وتفاحة وعبدالله.

14 ـ مزارع "بيت البراق والربعة وبرختا وكفردورة" ومن مالكيها: آل السعدي ومنصور وابراهيم حسن. وقرب هذه المزارع وسط الغابات يوجد مقام للنبي ابراهيم يسمى بمشهد الطير.

ونذكر ان كل الغابات المحيطة بهذا المقام تابعة لاوقاف شبعا الاسلامية.

15 ـ مزرعة "مراح الملول".

وبعد ذلك تأتي اراضي "النقار" الخصبة التي تحاذي بلدة شبعا.

ونعود للتذكير بان “اسرائيل” احتلت هذه المزارع باغلبيتها في حرب عام 1967 (التي لم يشترك فيها لبنان) وانها اكملت احتلالها بالكامل خاصة طرد كل سكانها المتبقين فيها وخاصة المزارع: خلة الغزال، فشكول، بسطرة في 21/4/1989.

ونصل الى بلدة شبعا نفسها (المحررة) لنشير لبعض النقاط الهامة عنها:

تقع بلدة شبعا على السفوح الغربية لجبل الشيخ (او حرمون) على الحدود اللبنانية ـ السورية وعلى علو 1400 م عن سطح البحر. وهي تابعة لقضاء حاصبيا وعدد سكانها حوالي 45 الف نسمة.هي كبرى قرى ما يسمى منطقة العرقوب التي تشمل بالاضافة الى شبعا قرى: كفرشوبا، والهبارية كفرحمام.

ولشبعا اهمية استراتيجية لا يعرفها الكثيرون ونلقي الضوء على نقاط اهميتها:

 

أـ موقعها الجغرافي، حيث من مرتفعاتها في جبل الشيخ يمكن الاشراف ورصد منطقة واسعة من الوطن العربي: من العراق حتى مصر!

وخاصة مناطق الجولان السوري والجنوب اللبناني وشمال فلسطين والاردن. وقد بنى “الاسرائيليون” في قمة جبل الشيخ اهم مرصد لهم للانذار المبكر. وهم ما زالوا في هذه الموقع وغيره حتى الان لارتباط ذلك بالاشراف على الجولان والشام والجنوب اللبناني والبقاع الغربي.

ومما يذكر ان سوريا استعادت هذا الموقع في اول يوم لحرب تشرين 1973 وللاسف عادت وخسرته آخر يوم لهذه الحرب!

وهذا ما يدلل على الاهمية الاستراتيجية القصوى لهذا الموقع.

اذن فمنطقة شبعا هي البوابة الجنوبية ـ الشرقية للبناني.. فموقع شبعا على مفترق الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين يجعلها موضع صراع.

ب ـ اتساع رقعة الاراضي التي يملكها اهل شبعا التي تبلغ حوالي 200 كلم2 حيث تمتد من حاصبيا (على علو 450م) حتى جبل الشيخ على علو 2600م والى حدود البقاع الغربي في عين عطا. وهذه الاراضي غنية بثرواتها الزراعية والمائية.

وثروتها المائية ذات اهمية استراتيجية كبرى حيث تقع شبعا على خط المياه الجوفية الرئيسية لجبل الشيخ، انه ثاني اكبر خزان للمياه في الشرق الاوسط بعد خزان جبل صنين ـ الارز.

وما هو متفجر وظاهر الان هو: نبع عين الجوز ونبع المغارة اللذين يمدان المنطقة باكملها حتى مرجعيون بالمياه.

وتنبع من جبل الشيخ ايضا ينابيع بانياس والوزاني واللدان التي تشكل الروافد الرئيسية لنهر الاردن.

ج ـ انها منطقة سياحية من الدرجة الاولى. فهي مصيف رائع لجمالها ومناخها ومركز للتزلج شتاءا. هذا بالاضافة الى عذوبة مياهها والى انواع الفواكه المميزة فيها.

اذان فان شبعا ومزارع شبعا منطقة ذات اهمية استراتيجية وحيث تمتد من اصبع الجليل شمال فلسطين حتى جبل حرمون خاصة انها تحوي اهم خزان مياه في شرق المتوسط ومن قمة هذا الجبل يمن رصد منطقة الشرق العربي حتى سيناء.

 

اشكالات الحدود عند مثلث شبعا ومزارعها:

هنالك تعميم بريطاني ـ صهيوني لاخفاء النقطة المشتركة لالتقاء الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين.

ومن المعروف ان ترسيم الحدود بعد انشاء لبنان الكبير عام 1920 جرى في عام 1923 بموجب اتفاقية "بوليه ـ نيوكمب".

هذا الخط يرسم الحدود بين لبنان وسوريا في الشرق على خط تقاسم المياه الممتد من بحيرة حمص شمالا حتى بانياس جنوبا وهذا الخط يمر بقمة جبل عنتر (في جبل حرمون) وينزل الى ما يعرف بالنقطة 39 من خط بوليه ـ نيوكمب قرب جنوب بانياس.

وعلى هذا الاساس تكون مزارع شبعا (وطبعا شبعا) ضمن الاراضي اللبنانية بكاملها.

وربما طرأ تعديلات على الخرائط المعتمدة للحدود في هذا المثلث بعد الاربعينات وخاصة ابان الوحدة بين سوريا ومصر (والتأييد العروبي في لبنان للانضمام لهذه الوحدة وقد كان لشبعا دورا في ثورة 1958 المؤيدة لعبدالناصر والوحدة).

ومما يجدر ذكره ان “اسرائيل” وسوريا تتصارعان للتواجد في هذه المنطقة التي تعبر الخاصرة لكل منهما (وللبنان بالطبع).

ونعود الى موقف سوريا من الموضوع حيث صرح مسؤولوها ابان الاندحار “الاسرائيلي” من لبنان في 25 ايار الفائت بان مزارع شبعا لبنانية وليس من خلال مع لبنان حول هذا الموضوع.

تبقى النقطة الاساسية وهي ان ملكية اهل شبعا لمزارع شبعا لا غبار عليها فهي ثابتة وواضحة ويوجد الكثير من سندات الملكية المصدقة من السلطات اللبنانية التي ما زالت بحوزة المالكين من اهالي شبعا. وما يحسم هذا الموضوع انه لا يوجد شخص واحد يدعي ملكية اية رقعة ارض من خارج شبعا وهنالك مستندات اضافية كشهادات الميلاد ورخص البناء.

ان المطلوب الان هو الانفاق مجددا بين لبنان وسوريا على وضع خريطة جديدة تبين بوضوح وقوع مزارع شبعا ضمن الاراضي اللبنانية وتقديمها الى الامم المتحدة ومجلس الامن وحيث يستطيع لبنان بعد ذلك الضغط من اجل انسحاب “اسرائيل” من هذه المزارع (تطبيقا للشرعية الدولية ومنها قرار 425 الذي انسحبت على اساس تطبيقه).

وما يهمنا ان نؤكد عليه كقضية اخيرة في هذه الملاحظات السريعة هو:

ان هنالك اراضي ومراكز هامة في خراج بلدة شبعا نفسها ما زالت محتلة من قبل “اسرائيل” وهي واضحة تماما انها من ضمن القرار 425 الذي ادعت “اسرائيل” انها نفذته.

فهناك بشكل اساسي محطة الانذار المبكر في مرتفعات شبعا التي لا يزال الصهاينة يقومون بتحصينها وتسييجها (ربما باسلاك تستطيع تحويل اتجاه صواريخ الكاتيوشا). وهذا مما يدل على نية “اسرائيل” العدوانية وانها لا تنسحب من موقع الا حين تعجز عن حمايته.

هذا بالاشارة الى ان الشريط الشائك الموجود حاليا بمحاذاة بلدة شبعا قد ابتلع الكثير من اراضيها (خارج مزارع شبعا).