لبنان والحروب "الاسرائيلية"
(1948 - 1996)
محمود حسين
صحافي وكاتب لبناني
مدخل
مضى نصف قرن وجنوب لبنان واقع تحت مؤثرات الصراع العربي - الصهيوني وتحولاته المدوية. فمع قيام الكيان الصهيوني في فلسطين العام 1948، أصبحت حدود لبنان الجنوبية جبهة مفتوحة على تطورات الصراع العربي "الاسرائيلي" وتفاعلاته واتجاهاته المختلفة. ولقد بدا كما لو ان الصراع الذي دخله لبنان مع المشروع الصهيوني غير محكوم بقواعد اللعبة الدولية التقليدية، التي تنظم، في العادة، خلافات الحدود بين الدول. وهو امر راحت الحركة الصهيونية قبل قيام الدولة، مثلما فعل زعماء دولة "اسرائيل" بعد قيامها، يستغلونه استغلالا ايديولوجيا واستراتيجيا. فلم يكن من قبيل التنظير المجرد ان يذهب الفكر الصهيوني و"الاسرائيلي" الى التشديد على مفهوم التوسع، وبخاصة نحو مجاري ومنابع موارد المياه اللبنانية وفي مقدمها الليطاني، ولم يكن كلام بيغال الون في مرحلة لاحقة غير ذي دلالة تاريخية عندما رأى ان على "اسرائيل" ان ترسم حدودها وفق احتياجات الامن، وارتباطنا التاريخي بالبلد والامكانيات السياسية". مضيفا ان خطوط الهدنة التي كانت قائمة عام 1949 لا يمكن ان تكون حدودا دائمة، انها في غالبيتها خاوية من أي قيمة استراتيجية، وان عودة "اسرائيل" اليها تعني عودتها الى مصيدة موت استراتيجية محتمة"…
ومنذ وقت بعيد، يعود الى مستهل القرن، جرى وضع مفهوم التوسع الصهيوني موضع التطبيق. فقد حاول تيودور هرتسل الاستيلاء على الأرض عن طريق المساومة مع السلطان العثماني عبد الحميد "لاستعمار منطقة الجليل وسنجق عكا" مقابل قرض مالي وضمانة دفع سنوي"… في وقت اخذ المستوطنون الصهاينة يعملون للسيطرة منذ اواخر القرن التاسع عشر على مساحات واسعة من السهول المشتركة بين لبنان وفلسطين. ثم راحوا بعد ذلك يعدلون الحدود الدولية بالاتفاق مع الانتداب البريطاني الذي دخل مع الانتداب الفرنسي في مساومات مفتوحة على اراض في الجنوب اللبناني.
وبعد اجراء صفقات شراء لاراض متاخمة للحدود اللبنانية او واقعة ضمنها استطاعت المنظمة الصهيونية بما لديها من ضغوط وازنة ان تحدث تعديلات على الحدود ولاول مرة سنة 1923باتفاق عقد بين الدوليتين المنتدبتين. وقد شمل هذا التعديل طول باتفاق عقد بين الدوليتين المنتدبتين. وقد شمل هذا التعديل طول الحدود اللبنانية الفلسطينية فالحقت بموجبه قرى لبنانية كثيرة.
لقد بدا واضحا، ان الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين وهي المبينة في صك الانتداب البريطاني على فلسطين وصك الانتداب الفرنسي على لبنان في العام 1920، قد تعرضت للتعديل من خلال اتفاقية "بوليه-نيو كامب" Paulet-New Comb بتاريخ 3\2\1922 التي كرست اتفاقا فرنسيا بريطانيا جديدا ادى الى استتباع سبع قرى لبنانية الى سلطة الانتداب الانكليزي.
هكذا دخلت الارض المقتطعة من لبنان كعنصر حيوي في التاريخ اللاحق للصراع العربي -"الاسرائيلي". ولقد اضفى التشابك الجيو-سياسي بين لبنان وفلسطين قبل وبعد المرحلة الانتدابية منهاجا مكثفا من التعقيدات السياسية والامنية حول قضية الحدود. وستساهم تفاعلات صراع ما بعد النكبة الى يومنا هذا في استيلاد حقائق امنية وعسكرية وجيو-سياسية، جعلت من المنطقة اللبنانية الجنوبية الممتدة من الناقورة غربا الى سفوح جبل الشيخ في الشرق ساحة حروب مستديمة، ومختبرا لاستراتيجيات الامن "الاسرائيلية" بعد هدوء الجبهات العربية ابتداء من منتصف السبعينات.
هذا الموضوع سيتناول باقتضاب المحطات الرئيسية للمراحل التاريخية التي مرت فيها الحروب "الاسرائيلية" على لبنان. بالاضافة الى النتائج الاجمالية الاساسية التي اسفرت عنها كل من هذه المراحل، وخصوصا لجهة الاراضي اللبنانية المقتطعة او التي جرى احتلالها في مراحل متأخرة. مرورا بما ترتب على هذه المراحل من تفاعلات محلية و"اسرائيلية" ومواقف دولية فضلا عن المواقف والقرارات المتخذ في مجلس الامن والأمم المتحدة.
وقد رأينا اخيرا ان نعرض لآليات المواجهة اللبنانية الرسمية والشعبية ومحطات تطورها، ولا سيما لناحية الجدل المفتوح والمستمر حول القرار 425 وضرورة وجود استراتيجية لبنانية موحدة للتحرير.
اظهر المشهد العام لتاريخ الصراع اللبناني -"الاسرائيلي" سلسلة متصاعدة من الحروب العدوانية وعمليات الاجتياح والغزو طاولت الجنوب بصفة خاصة ودائمة، ووصلت في صيف العام 1982 الى غزو العاصمة بيروت، وتبعا لتصاعد حركة العدوان "الاسرائيلي" وتطوره ضمن آليات واشكال مختلفة سحابة نصف قرن، يمكن تقسيم محطاته الاساسية الى سبع مراحل:
المرحلة الاولى : 1948-1967
1- في عام 1948
لم يشكل هذا العام بداية تاريخ جديد تماما بالنسبة لفلسطين ارضا وشعبا وقضية بل شكل ايضا بداية تاريخ جديد من الصراع على لبنان بعامة وجنوبه على الخصوص.
ففي هذا العام انقضت العصابات الصهيونية في ظل تواطؤ الانتداب البريطاني على مدن فلسطين العربية وقراها مشردة مئات الآلاف من السكان الى خارج الحدود.؟
وفي العام نفسه انقضت هذه العصابات نفسها على جنوب لبنان، بالطريقة اياها، فاحتلت جزءا منه واصبحت على مشارف نهر الليطاني بعد ان ارتكبت مجزرة مروعة في قرية "حولا" اللبنانية حيث سقط اكثر من سبعين ضحية من ابنائها فقدمت نموذجا لبنانيا موازيا لمذبحة "دير ياسين" الفلسطينية الذائعة الصيت.
وقد استمر الاحتلال "الاسرائيلي" لهذا الجزء من جنوب لبنان اشهرا تقارب الستة تم الجلاء في نهايتها تحت ضغط دولي انما بعد ان فقد لبنان مساحات واسعة من ارضه وعددا من مزارعه المتاخمة للحدود مع فلسطين.
2- في عام الهدنة
استنادا لاتفاقية الهدنة التي عقدت بين لبنان و"اسرائيل" عام 1949 جرى تخطيط جديد للحدود، فاحتفظت "اسرائيل" بموجبه بمساحات واسعة من الاراضي اللبنانية التابعة للقرى الامامية من الجنوب مثل : يارون ورميش وعيترون وبليدا وميس الجبل وحولا وعديسة وكفركلا وغيرها.
وبسبب من هذا التخطيط الجديد تقدمت حدود "اسرائيل" باتجاه مجرى نهر الليطاني اذ اصبحت المسافة بينهما، في ادنى النقاط، لا تزيد عن الكيلومترين فقط. كما سيطرت "اسرائيل"، بالسبب نفسه على معظم المرتفعات المشرفة على اعماق الجنوب اضافة الى تحكمها بطريق مرجعيون-بنت جبيل تحكما كاملا.
3- حول الهدنة وما بعدها
دخل لبنان، من الناحيتين القانونية والسياسية في حالة حرب مع الكيان الصهيوني الذي اقيم على جزء كبير من فلسطين في عام 1948.
وبات من المعروف ان المجابهة الاولى بين الصهيونيين والعرب انتهت آنذاك بتدخل مجلس الامن ودعوة الاطراف المتنازعة الى عقد هدنة تتضمن امرين مهمين:
اولا: تعيين حدود هدنة تمنع القوات المسلحة لهذه الاطراف من تجاوزها.
ثانيا: سحب القوات المسلحة وتخفيضها الى حد يضمن صيانة الهدنة خلال فترة الانتقال الى سلام دائم في فلسطين.
على هذا الاساس تم، في العام 1949، توقيع اتفاقيات الهدنة بين "اسرائيل" من جهة، ومصر ولبنان والاردن وسوريا من جهة أخرى.
وكانت الدول العربية رفضت مرارا الفكرة "الاسرائيلية" القائلة بان اتفاقيات الهدنة الغت وجود حالة الحرب. واعتبر الفقهاء الدوليون ان الهدنة ليست سوى وقف مؤقت للاعمال الحربية. حتى ان بعضهم رفض استخدام كلمة عدوان في تسمية الاعمال العسكرية التي تقوم بها "اسرائيل" ضد الدول العربية. اذ من المسلم به ان ليس هناك، في الحرب، شيء اسمه عدوان او اعتداء. هناك عمليات قد تكون مشروعة او غير مشروعة، يجب ان تخضع لقوانين الحرب والاتفاقيات الدولية التي تطبق في فترة الحرب.
وقد دأبت "اسرائيل" منذ توقيع اتفاقيات الهدنة على توجيه ضربات "انتقامية" متقطعة الى هذه الدولة العربية وتلك، مدعية انها مجرد تدبير للرد على اعمال أخرى "غير مشروعة" قامت بها الدول العربية او سمحت للمقاومة الفلسطينية، بالقيام بها بعد نشوء العمل الفدائي. وهي الذريعة التي لا تزال "اسرائيل" تستخدمها حتى اليوم في عدوانها المتمادي على لبنان بالذات وخصوصا بعد ان تركزت الاعمال الحربية على ساحة الجنوب اللبناني بالذات.
واذا كانت "اسرائيل" قد واصلت عدوانها بصورة متقطعة على الدول العربية المجاورة قبل عدوان 1967، فان لبنان بجنوبه كانت له الحصة الكبرى في هذا المسلسل العدواني.
وبدا بوضوح ان اتفاقية الهدنة لا تساوي، عند "اسرائيل"، قيمة الورق الذي كتبت عليه. والادلة على استهتارها بهذه الاتفاقية الاعتداءات المتكررة التي كانت تقوم بها قواتها المسلحة على القرى الامامية فتزهق ارواح المواطنين هناك وتهدم بيوتهم وتتلف زرعهم وتجعلهم في وضع غير مستقر ولا آمن الامر الذي دفع بالعديد من سكان تلك القرى، خاصة، الى النزوح شبه الجماعي سواء الى ضواحي بيروت او الى الخارج.
الامر الاخر اللافت في هذه المرحلة الرسائل التي تبادلها خلال عام 1954 ثلاثة من قادة "اسرائيل" هم: دافيد بن غوريون وموشيه دايان مالياهو ساسون، دارت حول العمل من اجل اقامة دويلات طائفية مرتبطة "باسرائيل" ارتباطا تبعيا غايتها تحقيق جملة من الطموحات بعيدة المدى، على المستويين الايديولوجي والجيو-استراتيجي واهمها:
1- تحقيق المطامع الصهيونية الاقليمية في لبنان وبقية البلاد العربية المجاورة.
2- تبرير كيان "اسرائيل" الطائفي والعنصري وتحويله من واقع كونه حالة شاذة في المنطقة الى نموذج يهيمن عليها ويقودها.
3- الهيمنة على المنطقة العربية بما فيها لبنان وبعد تفتيت دولها القائمة واستبدالها بدويلات طائفية عنصرية تابعة "لاسرائيل" ضمانا لاستمرار نهب الثروات العربية واهمها النفط.
لم يأت تقادم الزمن الا ليكشف عن تاريخية هذه الطموحات وراهنيتها. الامر الذي يبين بوضوح ان ثمة استراتيجية "اسرائيلية" ثابتة ترقى الى ما قبل ظهور الكفاح الفلسطيني المسلح ونشوء منظمة التحرير الفلسطينية بل ان هذه الاستراتيجية ترقى الى ما قبل انشاء دولة "اسرائيل" بالذات.
المرحلة الثانية: 1967-1978
كان من الطبيعي ان يأخذ المخطط "الاسرائيلي" ضد لبنان حجما جديدا واليات عمل مختلفة بعد انتصار "اسرائيل" في حرب 1967. فابتداء من ذلك التاريخ كثف الجيش "الاسرائيلي" غاراته على جنوب لبنان واصبحت النشاطات العدوانية شبه يومية.
1- حرب حزيران 1967 لبنانيا
لم ينج لبنان من حرب حزيران عام 1967، فقد أصابته هذه الحرب بخسائر فادحة مع انه لم يشترك فيهال او يتدخل.
وقد تحمل جنوب لبنان جميع هذه الخسائر لانه صار، دون اختيار منه مسرحا للعمليات الحربية المختلفة وبشكل خاص للعمليات الجوية وذلك بسبب محاذاته لساحة القتال، ولقد استغلت العسكرية "الاسرائيلية" ضعف المجالين الجوي والبري في المنطقة الجنوبية فجعلت منها احدى محاورها الرئيسية لهجومها الجوي على اراضي الجمهورية العربية السورية خارقة بذلك جميع القوانين الدولية وشرعة الامم المتحدة.
الا ان الثمن الذي دفعه لبنان من ارضه في الجنوب ومن ارواح بنيه هناك ومن ممتلكاتهم كان باهظا:
- عشرات القتلى ومئات الجرحى.
- تشريد الالوف من القرى الامامية بعامة ومن مزارع شبعا بخاصة.
- الاستيلاء على 11 مزرعة في خراج شبعا هي: مزرعة المغر ومزرعة فشكوء وخلة غزالة ومزرعة زبدين ومزرعة برتعيا ومزرعة الربعة ومزرعة بيت البراق ومزرعة برختا ومزرعة كفردورة ومزرعة العقاسب ومزرعة رمتا.
- مساحات واسعة من جبل الشيخ وخاصة هضابه الغربية : النقار - الشحل - السواقي - وجورة العليق، وتقيم "اسرائيل" فوق هذه المناطق مواقع عسكرية ومرابض للمدافع البعيدة المدى ومنها توجه نيرانها الى القرى والبلدات اللبنانية القريبة والبعيدة.
- دفع خط الاسلاك الشائكة الى داخل الاراضي اللبنانية في اكثر من موقع على الحدود وزرع الالغام في الحقول المحاذية من تلك الاراضي.
- السيطرة على حركة المزارعين في ارضهم القريبة من الحدود وعلى حركة المواصلات في الطريق الوحيدة التي تربط قضاء مرجعيون بقضاء بنت جبيل.
ومنذ حرب حزيران اخذ العدوان "الاسرائيلي" على الجنوب حجما بالغ الضراوة بحيث تحول الى ساحة حرب تشعلها "اسرائيل" حين تشاء غير مبالية بأرواح الناس وامنهم ولا بممتلكاتهم وحقول عملهم. من هنا تضخمت موجة النزوح السكاني من القرى الأمامية، على وجه الخصوص، باتجاه بيروت والخارج.
2- الاجتياحات الصغرى الاولى:
شنت "اسرائيل" في اوائل 1970، هجوما واسع النطاق على الجنوب اللبناني بعد ان مهدت لهذا الهجوم بسلسلة غارات جوية واطلاق قذائف من مدافع الميدان البعيدة المدى.
بسبب ذلك اجتمع مجلس الامن واصدر القرار رقم 279 بتاريخ 12\5\1970.
- في العام 1972 اخترقت "اسرائيل" الحدود اللبنانية وتوغلت في ارض الجنوب ثم قامت بخطف عدد من رجال الجيش والامن العام اللبنانيين وعدد اخر من العسكريين السوريين. وبسبب هذه القرصنة تقدم لبنان بشكوى لدى مجلس الامن الدولي فاجتمع المجلس بتاريخ 26\6\1972 واصدر قرارا رقم 316 يدعو فيه "اسرائيل" الى الكف عن جميع الاعمال العسكرية ضد سيادة لبنان وامنه وادان هجماتها المتكررة عليه وطالبها باطلاق سراح المخطوفين جميعا دون ابطاء. الا ان "اسرائيل" لم تذعن لهذا القرار كجاري عادتها الامر الذي اضطر مجلس الامن معه الى الاجتماع ثانية واصدر قرارا ثانيا رقم 317 تاريخ 21\7\1972 يؤكد فيه مضمون قراره السابق ويأسف على ان "اسرائيل" لم تنفذ رغبته في الافراج عن رجال الجيش والامن اللبنانيين والسوريين الذي اختطفتهم القوات "الاسرائيلية" المسلحة من الاراضي اللبنانية.
- في حرب تشرين 1973 : لم يسلم لبنان من اثار حرب حزيران 1967 كذلك لم يسلم من نتائج حرب تشرين عام 1973.
ومرة ثانية استباحت "اسرائيل" السماء اللبنانية لتشق فيها معبرا لضرب الاهداف السورية. لقد كان المجال الجوي في قضائي مرجعيون وحاصبيا في جنوب لبنان مسرحا لاهم العمليات الجوية في تلك الحرب. اذ كان طيران العدو "الاسرائيلي" يجد منفذا سهلا بهذا المجال للانقضاض على الجبهة السورية من الخلف. وكثيرا ما كان القتال الجوي يدور في سماء القرى الشرقية من هذين القضائين. وهذا ما عرض ابناء هذه القرى وعرض ممتلكاتهم لقذائف الطيران الصاروخية ولحطام الطائرات التي كانت تتمزق في الجو وتهوي على بيوت الفلاحين وارزاقهم في تلك الناحية. حتى ان حطام طائرة فانتوم "اسرائيلية" واحدة قد سقط على منزل في بلدة الخيام الحدودية فانهار على اصحابه فقتلوا جميعا صغارا وكبارا. هذا عن سماء تلك المنطقة الحدودية من لبنان الجنوبي اما عن ارضها فشهدت هي الاخرى اخترقا سافرا من قبل العدو "الاسرائيلي" اذ تقدم بأرتال من دباباته وآلياته نحو قرية "المارية" اللبنانية على محور "راشيا الفخار" في الجنوب.
المرحلة الثالثة : حرب آذار عام 1978
الثالث عشر من شهر آذار 1978 بدأ الاجتياح "الاسرائيلي" الواسع النطاق لجنوب لبنان. فعلى جبهة طولها 100كلم تشمل القطاعين الشرقي والاوسط اضافة الى الشريط الساحلي، دفعت "اسرائيل" باكثر من ثلاثين الف جندي مجهزين باحدث آلة حربية واشدها فتكا. لقد استخدمت في هذا الهجوم عشرات الطائرات من طراز (ف-15) ومئات المدرعات والدبابات والمدافع البعيدة المدى والقت على مدن الجنوب وقراه اطنان القنابل الانشطارية والصاروخية وغيرها من مواد الموت والدمار.
ان ضخامة هذه الآلة العسكرية التي وظفت في هذا الاجتياح ونوعية الاسلحة المتطورة جدا ثم المجازر التي ارتكبتها قوات الغزو "الاسرائيلي" بحق الإنسان والارض والممتلكات تجعل من هذا الاجتياح حربا فعلية هي الحرب الخامسة تشنها "اسرائيل" على بلد عربي اخر هو لبنان، في سياق الحروب العربية "الاسرائيلية" المتعاقبة كما تجعل منه حلقة جديدة من اخطر حلقات المؤامرة المستمرة ليس على الشعب اللبناني فحسب بل وعلى جميع شعوب الامة وفي المقدمة الشعب الفلسطيني.
من هنا شكل هذا الهجوم الذي وصفه المعلق العسكري في صحيفة معاريف "الاسرائيلية" زئيف شيف (عدد 15\3\1978) " بانه اكبر هجوم قام به الجيش "الاسرائيلي" على منطقة جنوب لبنان"، وشكل نقطة تحول كبرى في تاريخ قضية الجنوب اللبناني، وذلك ليس فقط بسبب الرقعة الواسعة التي احتلتها القوات "الاسرائيلية" المسلحة من الجنوب وليس فقط بسبب ضخامة الهجوم وتجنيد كل هذه الآلة العسكرية له بل ايضا بسبب النتائج التي اسفر عنها والتي كانت في الاهداف الرئيسة وراء هذا الاجتياح.
المرحلة الرابعة : من 1978 الى 1980
1- اعلان دولة الشريط الحدودي:
لا شك في ان اخطر حدث وقع في سياق هذه المرحلة هو الخطوة التي اقدمت عليها "اسرائيل" فعلا وانطلقت بها احد صنائعها سعد حداد، في اواسط نيسان من العام 1979.
ففي تلك الفترة بينما كانت الدولة اللبنانية منهمكة بتوفير كافة الشروط لنجاح تنفيذ قراره بدخول الجيش اللبناني الى الجنوب كخطوة أولى في طريق استعادة السلطة الفعلية في تلك المنطقة ومشاركة القوات الدولية في مهامها للتأكد من انسحاب القوات "الاسرائيلية" من جميع الاراضي اللبنانية واعادة السلام والامن الدوليين، في تلك الفترة وبالذات وبالتحديد يوم الاربعاء في 19 نيسان 1979 اعلنت "اسرائيل" من مستعمرة "المطلة" على لسان سعد حداد ولادة "دولة لبنان الحر" في الشريط الحدودي الذي منعت القوات الدولية من دخوله وصولا الى الحدود الدولية المعترف بها كما نصت قرارات مجلس الامن على ذلك.
ولقد صدر نص قانوني لبناني يعتبر حداد خائنا وتجب ملاحقته واعتقاله ومحاكمته. ذلك ان الفعلة التي ارتكبها تعتبر بالغة الخطورة من حيث كونها تشكل اول خطوة عملية معلنة في طريق تجزئة لبنان وتقسيمه ومن حيث كونها تشكل ايضا قاعدة لتكريس الاحتلال "الاسرائيلي" ومنطلقا لاعتداءات جديدة على ما تبقى من الجنوب خارج الشريط الحدودي.
الواقع ان التخطيط من قبل "اسرائيل" قديم لاقامة دولة الشريط الحدودي الممتدة من ساحل البحر جنوبي صور غربا الى اعالي جبل الشيخ شرقا وبعرض عشرة كيلومترات تقريبا فهذا الشكل اياه الذي كانت "اسرائيل" تعرب عن عزمها على انشائه في الجنوب بمحاذاة حدودها الشمالية مع لبنان والذي كان يطلق عليه اسم "الحزام الامني".
المرحلة الخامسة : غزو لبنان عام 1982
وفيما بلغت الإستراتيجية العدوانية "الاسرائيلية" ذروة صعودها وتوترها. حيث استهدفت حكومة الحرب برئاسة مناحيم بيغن تحقيق هدفين مركزيين.
اولا: تدمير البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية تدميرا تاما، ولقد تحقق ذلك بدرجة كبيرة عندما رعت الولايات المتحدة الاميركية اتفاقا بين "اسرائيل" وقيادة المنظمة فقضى بخروج قياداتها واجهزتها ومقاتليها بعد حصار محكم للعاصمة اللبنانية.
ثانيا: اقامة نظام حكم في لبنان يعقد معها معاهدة سلام منفردة. وهو امر لم يتحقق بسقوط اتفاق السابع عشر من ايار 1983، وبدء مرحلة جديدة من الصراع حيث بدأت طلائع المقاومة اللبنانية حرب استنزاف مفتوحة ومديدة ضد قوات الاحتلال "الاسرائيلي" ، أدت بالاضافة الى ضغوط سياسية مختلفة الى جلاء قوات الاحتلال حتى منطقة ما يسمى بالشريط الحدودي مضافا اليها قضاء جزين (من اقضية الجنوب اللبناني).
المرحلة السادسة : اجتياح تموز 1993
كانت حرب الايام السبعة (تموز 1993) مثابة استعادة بالغة العنف لاستراتيجية الحرب "الاسرائيلية" العدوانية. الا انها بسبب اقتصادها على القصف التدميري المدفعي والصاروخي من دون القيام باجتياح بري، فقد "الاسرائيليون" القدرة على تحقيق اهدافها المباشرة، وهي اولا: اختراق المجتمع اللبناني تحت يافطة اللعب على تناقضاته وانقسامه السياسي وهو لم يزل في طور تثبيت سلمه الاهلي وثانيا انهاء المقاومة والضغط على الحكومة اللبنانية للتعجيل بابرام معاهدة سلام في اطار المفاوضات المتعددة التي اطلقها مؤتمر السلام في مدريد عام 1991.
حصيلة المرحلة السادسة كانت التوصل برعاية اميركية الى اتفاق اطلق عليه "تفاهم تموز"
جرى تنفيذه مساء 31\7\1993، ويقضي "بوقف اطلاق الكاتيوشا على شمال "اسرائيل" في مقابل تعهدها بعدم قصف القرى الاهلة والمدنيين اللبنانيين، وهو اتفاق سارع لبنان وسوريا بالاضافة الى المقاومة الى اعتباره مجرد اتفاق امني لا ينطوي على أي ابعاد سياسية تتعلق بمفاوضات السلم".
المرحلة السابعة : "عناقيد الغضب" في نيسان 1996
مضت ثلاث سنوات على اختبار تفاهم تموز 93، وكانت الحصيلة تراجيدية. ولقد بدا كانما جرى الزمن السياسي العسكري ضمن مشهد دائري اعادت فيه الاوضاع والظروف انتاج نفسها بصورة واضحة. فالتطورات التي اعقبت "تفاهم تموز 93" وصولا الى تفجير حملة "عناقيد الغضب" في 11 نيسان (ابريل) 96 كانت محكومة بسياق منطقي سوف يؤدي بالضرورة الى ما آلت اليه الامور. صحيح ان حكومة العمل، ظلت هي نفسها تحت زعامة شيمون بيرس، الا انها لم تستطع ان تغادر سياسات الحكومة السابقة حيال جنوب لبنان بعد اغتيال اسحق رابين. فمنذ اواسط سنة 1995 نحت المواجهة في الجنوب منحى تصعيديا عبر عن ضيق الجيش "الاسرائيلي" بالقيود التي يفرضها "تفاهم تموز". فيما هو يرى ضباطه وجنوده يتساقطون تباعا داخل المنطقة المحتلة تحت ضربات مقاومة كفؤة وواثقة، يتطور اداؤها ويصبح اكثر فعالية في المواجهات الهجومية المباشرة والكمائن وزرع الالغام والعمليات الاستشهادية وغير ذلك من اشكال المقاومة المسلحة. وفي هذا الصدد رأى المحلل العسكري "الاسرائيلي" زئيف شيف ان "الاعمال الصغيرة" لم تعد كافية بعد نجاح حزب الله في تحسين ادائه وازدياد جرأته. فالعمليات العسكرية التي يقوم بها تحاذي الحدود مع "اسرائيل"، وعندما يرد الجيش "الاسرائيلي" يقصف الحزب مستوطنات الجليل. وقد ادى ذلك في تآكل تفاهم تموز 1993 ".
عكست حملة "عناقيد الغضب" ذروة المواجهات الميدانية بين جيش الاحتلال والمقاومة. وحين اتخذت الحكومة "الاسرائيلية" قراراها ببدء العدوان كان هاجسها الاول وقف حرب الاستنزاف التي يتعرض لها جيشها باي ثمن، الا ان الاستهدافات الاجمالية من وراء هذه الحرب المحدودة ظلت في خطوطها الاستراتيجية على احوالها المعهودة. وهي:
1- امن مستعمرات الشمال. وامن الجنود "الاسرائيليين" في المنطقة المحتلة.
2- وقف اعمال المقاومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله او، على الاقل، تحجيمه وتقييد نشاطه (من اجل ذلك، الضغط على القيادتين اللبنانية والسورية من خلال اعمال التدمير والتهجير).
3- ارباك الوضع الداخلي في لبنان واضعاف سوريا ودفعها الى الانضمام الى العملية السلمية باقل ما يمكن من الشروط من خلال انهاء او اضعاف "ورقة" المقاومة (…) وبحسب الصحافي الفرنسي باتريك سيل ان "اسرائيل" كانت تهدف الى اضعاف سورية، في لبنان فتنضم بعد ذلك الى العملية السلمية.
4- الحد من تآكل هيبة الجيش "الاسرائيلي" واستعادة صورته المهيمنة في ساحة الصراع مع العرب.
5- رفع معنويات "جيش لبنان الجنوبي" وسائر حلفاء "اسرائيل" في المنطقة المحتلة الذين يعيشون حالة ارتباك وقلق وخوف على المصير.
بعد سبعة عشر يوما من الحرب العدوانية واسعة النطاق على لبنان في جنوبه وبقاعه الغربي وقع "الاسرائيليون" مجددا في دوائر الخيبة. فالاستهدافات السياسية الامنية لحرب "عناقيد الغضب" لم تغادر منطوقها النظري الذي دأبت عليه إستراتيجيات الاحتلال منذ اخر انسحاب لجيشها في العام 1985. بل ان النسبة الاعظم من هذه الاستهدافات لم تنجز مع وقف العمليات الحربية فجر السابع والعشرين من نيسان (ابريل) 1996.
فور توقف عملية "عناقيد الغضب" اشتعل السجال على اشده داخل المعسكر السياسي الاسرائيلي. فالذي سرع في توقف النار هو المجزرة الرهيبة التي ارتكبها جيش الاحتلال في بلدة قانا وذهب ضحيتها اكثر من 109 من المواطنين اللبنانيين اطفالا ونساء وشيوخا فضلا عن عشرات الجرحى والمشوهين لحظة سقوط صاروخ استهدف احد عنابر الكتيبة الفيجية التابعة لقوات الامم المتحدة. وكان على حكومة شمعون بيرس وقيادة اركانه ان تتلقى غضب الرأي العام العالمي وادانته للمجزرة وان ترضخ بالتالي لجهود الامم المتحدة والمساعي الدولية في هذا السياق. وقد نجحت المبادرة الفرنسية في تثبيت الصياغة النهائية لتفاهم نيسان بعد جدال عسير مع الاميركيين و"الاسرائيليين"، وفي دخول فرنسا كعضو في لجنة المراقبة ثم في التناوب على رئاستها مع الولايات المتحدة.
جاء "تفاهم نيسان" الذي اعلن بشكل مكتوب في السادس والعشرين منه ليلغي "تفاهم تموز 1993" الشفهي ويحل محله. وبهذا المعنى وجدت "اسرائيل" نفسها توقع على هدنة امنية ذات دلالات سياسية من دون ان تكون مهيأة لها. صحيح ان اتفاق التفاهم قد سد ثغرة مهمة في جبهة الحكومة التي كان يرأسها الزعيم العمالي شمعون بيرس، لناحية وقف التورط المطرد في حرب غير مضمونة النتائج، يتعرض فيها المستوطنون في الجليل لحمم الكاتيوشا.. غير ان الصحيح ايضا ان "عناقيد الغضب" لم تلبث ان استولدت المزيد من اختلال العلاقة بين التيارات المؤثرة في القرار "الاسرائيلي" . ثم عادت لتطلق سجالا مزمنا حول جدوى البقاء في لبنان والاثمان المطلوبة سياسيا وامنيا في حال الاقدام على الانسحاب من طرف واحد.
لقد ظهر في المجتمع "الاسرائيلي" تساؤلات عميقة عن الجدوى من حرب لم تبدل من قواعد اللعبة، لا على المستوى السياسي ولا على المستوى العسكري بما يختلف او يخالف روح تفاهم نيسان تموز 1993.وقد نقلت وسائل الاعلام "الاسرائيلية" عن العميد احتياط رافي نوي الرئيس السابق لهيئة اركان قيادة المنطقة الشمالية، انتقاده الشديد لاداء الجيش واعتبر ان العملية فاشلة واهدافها لم تتحقق فقد بقي مقاتلو حزب الله يطلقون صواريخ الكاتيوشا طوال 16 يوما على المستوطنات، ولم يكن الجيش قادرا على اسكات النار، وهذا امر يحدث لاول مرة من حرب 1948 اذ لم تكن المستوطنات تبقى عرضة لاطلاق النار اكثر من يومين او ثلاثة.
كان الشعور "الاسرائيلي" بالخسارة السياسية يتوازى مع الشعور بالتقصير في الجانب الامني. والآمال التي علقها "الاسرائيليون" والاميركيون على نتائج "عناقيد الغضب" لم تر النور.ويقول المعلق "الاسرائيلي" عوديد غرانوت "ان حزب الله استوعب الصدمة الاولى بسرعة ورد بوابل من الكاتيوشا، ووافق وزير الخارجية السوري على العودة الى تفاهم تموز 1993 " من دون التلميح الى امكان الذهاب ابعد من ذلك".
ومثلما حدث بعد عدوان تموز 93، شهدت مرحلة ما بعد تفاهم نيسان تطورات لافتة في حرارة الموقف السياسي "الاسرائيلي" لجهة فتح باب المفاوضة مع لبنان. وراح المسؤولون "الاسرائيليون" وفي مقدمهم رئيس الحكومة شمعون بيرس يقترحون امكان الانسحاب من الجنوب اللبناني في مقابل شروط لم تتبدل مضامينها عما سبق وقدموه غداة عدوان تموز 93.وما قدمه بيرس في هذا الخصوص يقوم على تجديد الدعوة الى البدء بمفاوضات حول تسوية مرحلية مع لبنان تنسحب "اسرائيل" بمقتضاها من "المنطقة الامنية " الى الحدود الدولية في مقابل تجريد حزب الله من قواه واجهزته العسكرية وسلاحه وضمان مستقبل وسلامة افراد "جيش لبنان الجنوبي". على ان يترافق ذلك مع نشر وحدات الجيش اللبناني في المناطق الحدودية في اطار ترتيبات امنية ثابت ومستقرة.
لقد اكتفى اللبنانيون بحدود تفاهم نيسان بوصفه "اطارا ممكنا ومعقولا كما يقول وزير الخارجية فارس بويز واصفا هذا التفاهم بانه يسمح بتمرير مرحلة عبر حصر نطاق العمليات وبشكل اساسي عبر عدم تجاوز العمليات العسكرية الاطار العسكري ووصولها الى أي اطار مدني.
بالنسبة لحزب الله فانه مع تأكيده على "التفاهم " وديمومته، فقد بين امينه العام السيد حسن نصر الله "ان التفاهم لا يقيد حركة المقاومة من اجل تحرير الارض، وان المقاومة لا تطلق هجماتها من المناطق المأهولة. وهذا قيد وضعناه على انفسنا منذ سنوات. لكن التفاهم يبقى محاولة جديدة وجادة لحماية المدنيين اللبنانيين".