القصة الكاملة لسياسة القضم والضم الاسرائيلية في جنوب لبنان
رحاب أبو الحسن
اللواء 5/5/2000
الأطماع الصهيونية في لبنان وثروته الطبيعية كما للدول العربية الواقعة على خط (الحدود) مع فلسطين المحتلة، التي جعلتها الحركة الصهيونية كياناً لليهود، الى المرحلة التي بدأت فيها عملية تبلور المشروع الصهيوني في المنطقة. وقد دفعت الاعتبارات الاستراتيجية بالصهيونية الى التصور أن الحدود المثلى لإسرائيل كقاعدة، تمتد من المتوسط في الغرب الى سفوح لبنان ومنابع الأردن وقمة جبل الشيخ في الشمال، والصحراء السورية في الشرق والعقبة في الجنوب.
ويصف التوراة (أرض الميعاد) في سفر الثنية: 11-24: (كل مكان تدوسه أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان).
فالحدود الشمالية للوطن القومي اليهودي ومنذ ظهور الصهيونية السياسية، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمشكلة تأمين مصادر المياه الضرورية لاستيعاب الهجرة اليهودية الى فلسطين، ولاعتماد التخطيط الاقتصادي آنذاك على الزراعة.
ويجدر هنا التذكير بإصدار الزعماء الصهيونيين على التمييز بين عبارة (أرض إسرائيل) أو (فلسطين التاريخية) أو (الأرض المقدسة)، وبين عبارة (دولة إسرائيل) لاعتبارات سياسية واقتصادية وعسكرية. وما التأكيد على الجانب الأسطوري واللجوء الى التوراة من قبل الزعماء الصهيونيين سوى محاولة لإيجاد مبرر أدبي لغايات سياسية. ويقول بيغال آلون (إن الرابطة التاريخية ذات أهمية عظمى ... فهي الأساس المعنوي والسياسي للحصول على أراض جديدة تُعنى بالحاجات الروحية، وبالمطالب الاستراتيجية والسياسية للشعب اليهودي تحت السيادة الإسرائيلية).
ويقول إيمانويل راكمان إن عدم ذكر الحدود بالتفصيل في دستور الولايات المتحدة قد ساعد على التوسع. وعلى هذا الأساس فإن الحكومة الائتلافية في إسرائيل (فضلت تجنب وضع أية تشريعات تتعلق بالحدود لسببين: عدم إثارة نقمة الأحزاب الدينية في حال القبول بأرض أصغر مما ورد في التوراة، ولاعتقاد معظم اليهود في إسرائيل أنه يجب الامتناع عن كل ما من شأنه أن يعيق كسب أراض إضافية بالشراء أو بطرق أخرى. ولذلك فإن الصمت الدستوري بدا كأفضل خيار).
ولذلك فقد أجمع الصهاينة (بأن تضم حدود فلسطين الشمالية مصب نهر الليطاني ونهر الأردن كله من منابعه في المنحدرات الجنوبية لجبل الشيخ). فمن جبال لبنان تصور هرتزل أنه يمكن للدولة اليهودية أن تستمد الطاقة الكهربائية. وعلى هذا الأساس أيضا طالب صاموئيل هيلل إسحاق عام 1919 بضم لبنان الى فلسطين.
وكان هربرت صموئيل (أول مفوض سام إسرائيلي لبريطانيا في فلسطين) قد طلب في العام 1918 بأن تشمل الحدود اليهودية الشمالية الضفة الشمالية لليطاني (لا الجنوبية) وتصل حتى راشيا.
إلا أن أبرز الوثائق التي تؤكد نوايا إسرائيل التوسعية المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية الى مؤتمر الصلح المنعقد في فرساي في 3 شباط 1919 ضمنها الحدود المقترحة للدولة الصهيونية، وجاء في المذكرة (إن الحدود يجب أن تسير وفق الخطوط المقترحة للدولة الصهيونية بما في ذلك المنطقة الجنوبية من لبنان). وجاء في المذكرة (أن الحدود يجب أن تسير وفق الخطوط التي تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا، وتتبع مصادر المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان، حتى تصل الى جسر القرعون، فتتجه الى البيرة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم وتسير في خط جنوبي).
اتفاقات تعديل للحدود
ولقد ساهمت سياسة الانتداب في تشجيع الصهاينة على المطالبة بزحزحة الحدود، ويبرز ذلك في إعلان دولة لبنان الكبير: وفي اتفاق 29 تموز الأول حول الحدود اللبنانية الفلسطينية لم يكن نهائياً، حيث إن قرار الجنرال غورو الرقم 368 الصادر في أول أيلول والقاضي بتشكيل دولة لبنان الكبير أبقى الحدود الجنوبية مفتوحة، مما دفع بالإنكليز والصهاينة الى القيام بمناورات لضم الليطاني وجبل عامل الى فلسطين، مما دفع اللجنة الإدارية في لبنان الكبير الى الاحتجاج في رسالة وجهت الى الجنرال غورو في 4 كانون الأول 1920 احتجت فيها (ضد كل تنازل عن شمال خط سايكس - بيكو)، إلا أن اتفاقات عديدة لتعديل الحدود وضم القرى وضعت منها اتفاق أولي في 23 كانون الأول 1920 اتخذت الحدود الأصلية الشمالية لفلسطين مع لبنان الشكل التالي:
(خط يبدأ من رأس الناقورة على ساحل المتوسط، ثم يتجه شرقاً بالقرب من لبونة ويارين ورامية ويارون في الجنوب اللبناني، ثم يتابع شمالاً مع ميل طفيف نحو الشرق ماراً بقرى ألحقت بفلسطين مثل: صالحة (صلحا) المالكية، قدس - المنارة حتى المطلة في أقصى الحدود الشمالية، ثم يتجه نحو الجنوب الشرقي ماراً بقرى من آبل القمح والسنديانة وتل القاضي ودان، ليتجه بعدها جنوباً ماراً وسط بُحيرة طبريا).
إلا أن تعديلات جديدة طرأت على الحدود بموجب اتفاقية بوليه - نيوكامب الموقعة بين ممثلين عن سلطات الانتداب الفرنسي والبريطاني بتاريخ 3 شباط 1922، وقد سلخ عن لبنان الكبير بموجب هذه الاتفاقية عدة قرى عاملية لبنانية وألحقت بفلسطين هي قرى:
هونين، صلحا، طيربيخا ، قدس، المالكية، آبل القميح، والنبي يوشع. غير أن سكان هذه القرى ظلوا يحملون جنسيتهم اللبنانية وحتى دخول هذه الاتفاقية حيِّز التنفيذ في 30 آب من عام 1924 عندما تم ضمهم رسمياً الى أراضي فلسطين. إلا أنه من الثابت أن هذه القرى لم تُسلخ عن لبنان إلا بموجب اتفاق القدس المنعقد في 2 شباط 1926 بين بريطانيا وفرنسا.
وقد حدث تعديل حدودي آخر بموجب اتفاق 23 حزيران 1923 ودُعي باتفاق (حُسن الجوار) حيث تنازلت السلطات الفرنسية المنتدبة بموجبه عن ما يقارب كامل المنطقة اللبنانية من الحولة لصالح الانتداب البريطاني في فلسطين وبالتالي لصالح الحركة الصهيونية وقد تم هذا التعديل بعد عقد (معاهدة سيفر) التي نصت على تثبيت الحدود النهائية بين الانتدابين الفرنسي والإنكليزي بواسطة لجنة ثلاثية من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، تم بموجبها انتقال 23 قرية لبنانية الى منطقة الانتداب البريطاني، يُذكر سلام الراسي منها سبع عشرة قرية هي: النخيلة، الصالحية، النعمة، الخالصة، النروية ، المنصورة، الذوق التحتاني، الذوق الفوقاني، خان الدوير، الدوارة، الخصاص، العباسية، دفنة، اللزازة ، هونين ، وآبل القمح.
سياسة القضم والضم
وكانت سياسة القضم والضم وتعديل الحدود بين لبنان وفلسطين بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، وبدءاً من العام 1892، حيث تم شراء أراض في سهل الخيام والمطلة والمنارة، وكان رائد ذلك البارون روتشيلد. وقد كان ولا يزال هدف إسرائيل من ضم أراض لبنانية هو:
الاستيلاء على المزيد من الأراضي والمياه، والحصول على المناطق الاستراتيجية ومثالاً على ذلك: الأراضي التي ضمتها إسرائيل في العديسة ، نجدها مهمة من حيث الموقع الاستراتيجي فهي تشرف على مستعمرة كريات شمونة (الخالصة)، التي تكمن أهميتها في أنها تؤمن الخدمات الاجتماعية والصحية والاقتصادية للمستعمرات.
وكانت إسرائيل قد أقامت على مرتفعات العديسة ، بعد اقتطاعها 1800 دونم من أراضي القرية، مستعمرة (مسكفعام) بهدف استكمال خط مستقيم لحدودها وتوفير كمية من المياه، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن إسرائيل تطالب، منذ مدة بعيدة، بمائتي مليون متر مكعب من مياه الليطاني لأنها تعاني نقصاً في مواردها المائية، نقص أخذ في الازدياد بعد ارتفاع نسبة الملوحة في مياه خزانات بُحيرة طبريا وتزايد تدفق المهاجرين اليهود اليها، لذلك تسعى إسرائيل الى تعويض ذلك بالمياه التي يوفرها نهر الليطاني.
وفي العام 1967 ، وبعد حرب حزيران اقتطعت إسرائيل ثلاث عشرة مزرعة لبنانية في منطقة العرقوب، وتعرف بمزارع شبعا وهي: المغر، فشكول، زبدين ، أفوا، الربعة، برتعيا ، بيت البراق، برختا ، كفردورة ، جورة العليق، رمتى، القرن، وخلة الغزالة.
وألحقت هذه الخطوة بأخرى مماثلة حين قامت باحتلال عقارات مجاورة للمزارع منها وادي الخنسا، الجاصير، رويسة السماق، رويسة بيت الراس، الجل الأحمر.
وفي العام 1973 اقتطعت إسرائيل أقساماً من جبل الشيخ، وهي تتبع للبنان، وهذه الأقسام معروفة (ببركة النقار والسواقي والشحل)، ثم في العام 1974، اقتطعت أراضي في بلدة عيترون الحدودية وهي بطول 3 كلم طولاً وعرض يتراوح ما بين 100 متر و500 متر، وأعقب ذلك اقتطاع أراض متفرقة في بلدات قريبة لعيترون ومنها محيبيب وبليدا ورامية وتلال الظهيرة وصولاً الى بلدة العديسة الواقعة عند نقطة الحدود اللبنانية - الفلسطينية.
كما احتلت إسرائيل أراضي مجاورة لمزارع شبعا، وهي في خراج بلدات العرقوب ومعروفة عند أهالي المنطقة بأسماء وادي الخنسا، الجاصير، رويسة بيت الراس، رويسة السماق، الجل الأحمر ومرج مشهد الطير. وتقدر مساحة هذه المزارع بحوالى 90 ألف دونم، بطول 11 كيلومتراً وعرض يصل الى 4 كيلومترات.
وفي العام 1970 شقت قوات الاحتلال الإسرائيلي طرقات وسط مزارع شبعا وعملت على تغيير معالم المنطقة، وطالت هذه التغييرات مزرعة المجيدية وتلال بلدتي كفرشوبا وكفرحمام ووصلت حتى خراج بلدة شبعا.
وفي أعقاب حرب تشرين عام 1973، قامت إسرائيل باقتطاع مساحات إضافية من الأراضي اللبنانية، تقع على خط الحدود الدولية اللبنانية - الفلسطينية، ومنها قريب من جبل الشيخ وهي الشمل، بركة النقار، السواقي، جورة العليق. وخلال عامي 1974 و1975، اقتطعت إسرائيل مساحة من بلدة عيترون الحدودية ومنطقة تُدعى (جبل الشميس)، واتبعتها بعد خمس سنوات (1980) بخطوات اقتطاع جديدة في قرى وبلدات حدودية أخرى ومنها في علما الشعب (150 دونماً) تلال الضهيرة، رميش، يارون، مارون الراس، بليدا، ميس الجبل، حولا، عديسة، وكفركلا.
كما استولت على مناطق غنية بالينابيع الطبيعية في جبل الصوان المطل على بلدة شويا في منطقة حاصبيا، وضمت الى داخل الشريط الشائك (الحدود) أكثر من ألف دونم من أراضي بلدة حولا، وستة آلاف دونم من أحراج بلدة مارون الراس.
وفي الفترة ذاتها، أقدم الاحتلال على تسييج مساحة تفوق 20 ألف دونم من سهل الخيام، وأنشأ طرقات في منطقة أخرى، بهدف قضم أراض جديدة بين بلدتي يارون والناقورة الحدوديتين.
وفي تقارير وضعها مجلس النواب اللبناني عن عمليات قضم للأراضي الجنوبية في العام 1986 و1987، استندت معلوماته الى مصدر في قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب ومصادر أمنية لبنانية وشهود عيان (أن إسرائيل ركزت في أعمال القضم الأخير (1987) على أراضي بلدة علما الشعب ويارون ورميش ومنطقة مرجعيون لإكمال شريط من الأراضي المقتطعة في موازاة الحدود الدولية بين الناقورة غرباً ومزارع شبعا شرقاً. وفي علما الشعب، اقتطع الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 مساحات من الأراضي المزروعة بالزيتون تقع عند تخوم الحدود الدولية).
وقد ترافقت خطوات القضم والضم الإسرائيلية بحملات احتجاج واسعة من الأهالي أصحاب الأراضي، لكن حصيلة هذه الخطوات كانت اقتطاع مساحات واسعة من معظم القرى والبلدات الواقعة عند نقطة الحدود الدولية اللبنانية - الفلسطينية.
كما عمد لبنان الى تقديم شكاوى الى مجلس الأمن الدولي حول الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية التي تمارس منذ أكثر من نصف قرن، وقد تعززت هذه الشكاوى، بالرغم من عدم جدية المجتمع الدولي معها، بتأكيدات قوات الطوارئ الدولية عن أن إسرائيل تقوم بين فترة وأخرى (بإجراءات على الحدود) وهذا ما تكشفت عنه الوقائع الأخيرة حيث تسعى إسرائيل الى محاولة تعديل الحدود وافتعال لغط حولها من خلال الحديث عن تواريخ مختلفة. وهي مؤخراً بدأت بالحديث عن حدود عام 1923 ومع رفض لبنان للادعاءات الإسرائيلية وتمسكه بحدوده المعترف بها دولياً، عمدت الأمم المتحدة الى إرسال خبير في الخرائط الى باريس للإطلاع على الوثائق الفرنسية حول رسم الحدود اللبنانية تحسباً للانسحاب الإسرائيلي. إلا أن الحكومة اللبنانية ما زالت ملتزمة بموقفها حيال حدودها الدولية داعية إسرائيل الى الانسحاب من لبنان دون قيد أو شرط، مؤكدة على حدود عام 1923 مع الالتزام باسترجاع مزارع شبعا.
تقرير
وهنا تقرير للحكومة اللبنانية رفعته للأمم المتحدة حول ثماني مناطق قضمتها إسرائيل في فترات سابقة وما زالت حتى اليوم، سيّجتها جميعها بأسلاك شائكة بارتفاع ثلاثة أمتار:
1 - منحدر من 200م حتى الطريق الساحلي يقع جنوب غرب الناقورة.
- المساحة التقريبية حوالى كيلومتر مربع.
- تم جرف هذه المنطقة ونقل كمية كبيرة من الأتربة الى داخل إسرائيل، فبات أرضاً مسطحة تقريباً بمنحدر بسيط.
2 - المنطقة تمتد من كرم نمر الجمل غرباً حتى الضهيرة شرقاً. وعرضه من الحدود الدولية جنوباً حتى الخط المتعرج الذي يصل تل يعقوب بتل أبو ماضي - مرج اللبونة - كرم نمر الجمل.
3 - تمتد من جبل الدجاج غرباً حتى ضهر الجمل شـرقاً. ومن الحدود الدولية جنوباً حتى الخط المتعرج الذي يربط ضهر الجمل بجبل الدجاج شمالاً.
- مساحتها حوالى 5،1 كيلومتر مربع.
- تقع هذه البقعة جنوب رامية.
4 - جنوب غرب يارون وجنوب شرقي رميش. بطول حوالى 3 كلم. وعرض 5،2 كلم.
- تم جرف جزء من هذه المنطقة كي تصبح مركزاً استراتيجياً ونقلت كمية من الأتربة الى داخل إسرائيل.
5 - شرق حولا وجنوب شرق مركبا.
مساحتها التقريبية 3 كيلومترات مربعة.
6 - شرق دير ميماس .
- جنوب الخيام .
7 - جنوب الخيام، مساحتها حوالى كيلومتر مربع.
8 - جنوب كفرشوبا، مساحتها حوالى خمسة كيلومترات مربعة.
وقد استخدمت معظم هذه المناطق مراكز تجمعات للدبابات والمدفعية