مسؤولية "اسرائيل" الدولية عن عدوانها المستمر على لبنان
كمال حماد
أستاذ القانون الدولي العام في الجامعة اللبنانية
شؤون الأوسط
درج القانون الدولي العام عبر مراحل تطوره المختلفة ليكون نسقا من الالتزامات القانونية الدولية التي يتعين على اشخاص القانون الدولي العام. وفي مقدمهم الدول-الامتثال لاحكامها والنزول على مقتضاها ضمانا لحسن سير العلاقات في ما بينهم، وتحقيقا لمصالحهم المشتركة على اساس من الامن والسلام والاحترام المتبادل.
واذا كان واقع الحياة الدولية يشهد من حين الى اخر، اقدام بعض الدول - بغض النظر عن الدوافع والاهداف التي تحدوها الى ذلك - على مخالفة هذه الالتزامات والخروج على مقتضى احكامها، الا ان الثابت قانونا والمستقر فقها وقضاء هو ان اخلال شخص القانون الدولي العام باي من الالتزامات الدولية النافذة في حقه، انما يحمله المسؤولية الدولية عن اصلاح كل الاضرار والخسائر المترتبة على هذا الإخلال، فالمسؤولية الدولية بهذا المعنى تمثل ضمانة اساسية لاشخاص القانون الدولي العام في صدد مباشرة الحقوق المقررة لهم قانونا وحماية هذه الحقوق حال قيام المنازعة بشأنها.
وفي هذا الصدد يمكن القول بصفة عامة ان اقدام "اسرائيل" ومنذ عام 1948، بعدوان مستمر على دولة لبنان، وهي دولة مستقلة ذات سيادة تتمتع بعضوية العديد من المنظمات الدولية والاقليمية، وما ترتب على هذا العدوان من احتلال مساحة كبيرة من الاراضي اللبنانية، فضلا عما ارتكبته السلطات "الاسرائيلية" من انتهاكات خطيرة ازاء السكان المدنيين والاوضاع القائمة في الاراضي اللبنانية المحتلة، يمثل بلا شك اخلالا صريحا ومباشرا باحكام القانون الدولي العام ذات الصلة باستخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية واحترام القانون الانساني الدولي، وخصوصا حقوق الانسان في الاراضي اللبنانية المحتلة، ومن ثم يرتب على "اسرائيل" المسؤولية الدولية عن كل الاضرار والخسائر الناجمة عن هذا الاخلال (1) ، ومن دون اغفال المسؤوليات الاخرى التي يلحظها القانون الدولي العام بحق الدولة او الدول التي تنتهك احكامه.
في مراحل العدوان "الاسرائيلي"
لم يكن عام 1948 تاريخا جديدا فحسب بالنسبة لفلسطين كقضية، بل شكل ايضا بداية تاريخ جديد من الصراع بالنسبة الى لبنان. ففي هذا العام دمرت المدن، وفتكت العصابات الصهيونية بمئات الآلاف من سكان فلسطين وشردتهم خارج الحدود، وذلك من اجل قيام دولة "اسرائيل". وفي هذا العام ايضا احتلت تلك العصابات جزءا من الجنوب اللبناني واصبحت على مشارف نهر الليطاني بعدما ارتكبت مجزرة بحق اهالي قرية حولا اللبنانية، حيث سقط اكثر من 70 ضحية من ابنائها. ومنذ عام 1948 بدأ تاريخ الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان في خط متصاعد وبصورة مستمرة حتى يومنا هذا.
واستنادا لاتفاقية الهدنة التي عقدت بين لبنان و"اسرائيل" عام 1949 (2) ، جرى تخطيط جديد للحدود، احتفظت "اسرائيل" بموجبه بمساحات واسعة من الاراضي اللبنانية في قرى : مثل يارون ورميش وعيترون وبليدا وميس الجبل وحولا وعديسة وكفركلا وغيرها.. وبسبب هذا التخطيط الجديد تقدمت حدود "اسرائيل" باتجاه مجرى نهر الليطاني. اذ اصبحت المسافة لا تزيد عن الكيلومترين في اقرب النقاط. كما سيطرت "اسرائيل" على معظم المرتفعات المشرفة على العمق الجنوبي وهيمنت بالقدر نفسه على طريق مرجعيون - بنت جبيل. وكان نصيب الجنوب اللبناني قبيل عدوان 1967، الحصة الكبرى من مسلسل العدوان "الاسرائيلي".
ولم ينج لبنان من الآثار المدمرة لحرب الايام الستة عام 1967، مع انه لم يتدخل او يشارك فيها، بل ان "اسرائيل" جعلت منه محورا رئيسيا لهجومها الجوي على سوريا، خارقة بذلك حرمة اراضيه وسيادته، وبالتالي القانون الدولي ومبادئه، وميثاق الامم المتحدة.
والثمن الذي دفعه لبنان جراء العدوان "الاسرائيلي" عليه عام 1967 كان باهظا، وتمثل في الاتي:
أ- عشرات القتلى ومئات الجرحى.
ب- تشريد عشرات الالوف من اللبنانيين من القرى الامامية، وبالاخص من مزارع شبعا.
ج- الاستيلاء على 11 مزرعة في خراج شبعا.
د- الاستيلاء على مساحات كبيرة من جبل الشيخ، وخصوصا هضابه الغربية، وهي النقار والشحل وجورة العليق والسواقي.
هـ- تغيير مواقع الحدود بين لبنان و"إسرائيل" عبر دفع خط الاسلاك الشائكة الى داخل الاراضي اللبنانية في العمق.
وفي 21-12-1968 قامت "اسرائيل" بعدوان على مطار بيروت الدولي دمرت بنتيجته منشآت وعددا كبيرا من الطائرات المدنية. وقد دان مجلس الامن الدولي هذا العدوان في قراره الرقم 262، واصفا اياه بانه عمل مدبر وواسع النطاق وذو تخطيط دقيق ويشكل خرقا لالتزامات "اسرائيل" بموجب الميثاق. واعتبر المجلس ان اعمال "اسرائيل" هذه تهدد السلام والامن الدوليين. وان للبنان الحق في ان ينال التعويض الملائم بسبب الدمار الذي لحق به والذي اقرت "اسرائيل" بانها المسؤولة عنه.
ولم يكن عام 1970 افضل من الاعوام السابقة لجهة الاعتداءات "الاسرائيلية" على الجنوب اللبناني، ولكن قمة الاعتداءات توجت في ايار/مايو 1970 عندما شنت "اسرائيل" عدوانا كبيرا برا وجوا، نتج منه توغل "اسرائيلي" ضمن الاراضي اللبنانية، مما دفع مجلس الامن الى الانعقاد في 12 ايار/مايو 1970، واصدر القرار الرقم 279 مطالبا فيه "اسرائيل" بالانسحاب الفوري لقواتها المسلحة من الاراضي اللبنانية.
وفي عام 1972 توغلت "اسرائيل" في الاراضي اللبنانية وقامت بخطف عدد من رجال الجيش والامن العام اللبنانيين. واصدر مجلس الامن الدولي القرار الرقم 316 بتاريخ 26 حزيران/يونيو 1972، يدعو فيه "اسرائيل" الى الكف عن جميع الاعمال العسكرية ضد سيادة لبنان وامنه، ودان المجلس الهجمات "الإسرائيلية" المتكررة ضد لبنان وطالبها باطلاق المخطوفين جميعا دون ابطاء.
ولم يسلم لبنان من اثار حرب تشرين الاول/ اكتوبر عام 1973، اذ مرة أخرى خرقت "اسرائيل" المواثيق الدولية وحرمة سيادة اراضي لبنان لتشق عبرها معبرا لضرب الاهداف السورية. وان حطام طائرة فانتوم "اسرائيلية" سقطت فوق منزل في بلدة الخيام، ادى الى مقتل جميع افراد هذا المنزل والبالغ عددهم 11 شخصا. وعلى الارض اخترقت "اسرائيل" بدباباتها والياتها قرية المارية اللبنانية، وذلك على محور راشيا الفخار.
وفي آذار/ مارس 1978 دفعت "اسرائيل" الى داخل لبنان اكثر من 30 الف جندي مجهزين باحدث الآلات الحربية واشدها فتكا. واعتبر هذا العدوان بمثابة الحرب الخامسة على العرب. وقد احصت مؤسسة الصليب الاحمر الدولي الاضرار التالية الناجمة عن الغزو "الاسرائيلي" عام 1978:
- عدد القرى التي شملها الغزو "الاسرائيلي" بلغ نحو 150 قرية، 82 منها اصيبت باضرار بالغة، و6 دمرت كليا، بينها بلدة الخيام.
- عدد القتلى اكثر من الف. وقد راوح عمق الغزو بين 3 و 17 كيلومترا بين تلال كفرشوبا وشبعا في الشمال الشرقي والناقورة في الجنوب الغربي.
اما المذابح الجماعية التي ارتكبتها القوات "الاسرائيلية" في لبنان في آذار/ مارس 1978 فكانت على الوجه التالي:
أ- مذبحة العباسية التي ذهب ضحيتها 81 مواطنا لبنانيا.
ب- مذبحة الخيام التي ذهب ضحيتها 31 مواطنا.
ج- مذبحة كونين، وكان عدد ضحاياها 29 ضحية اغلبهم من الاولاد والاطفال. اما الجرحى والمعاقين بسبب عدوان آذار/مارس 1978 فكانوا نحو 3 آلاف جريح ومعاق.
اما عدد المهجرين من مناطق الاجتياح خلال آذار/مارس 1978، فبلغ 260 الف مهجر من 150 مدينة وقرية.
واشار محافظ الجنوب حليم فياض في 4-9-1979 امام وفد السفراء الاجانب الذي زاره في مركز محافظة الجنوب في صيدا، الى بعض نتائج الاعتداءات "الاسرائيلية"، قائلا "ان الاعتداءات "الاسرائيلية"، المتكررة البالغة العنف ادت الى منذ آذار/مارس 1978 الى نتائج مأسوية منها:
أ- تدمير ما يزيد عن 7000 منزل تدميرا كاملا.
ب- الحاق الاضرار الجسيمة بما يزيد عن 15000 منزل اخر.
ج- حرمان عشرات الالوف من العائلات اللبنانية من موارد رزقها، خصوصا من الزراعة.
د- تحويل المدن الرئيسية الاربع في الجنوب: صور والنبطية وبنت جبيل والخيام الى مدن يلفها الخراب وتسكنها الاشباح (3) .
ونتيجة لعدوان آذار/مارس 1978 اصدر مجلس الامن الدولي في 20 آذار/مارس قراره الشهير الرقم 425، وفيه ادانة للعدوان "الاسرائيلي" على لبنان، ومطالبة "لاسرائيل" بالتوقف الفوري عن عمليتها العسكرية والانسحاب من دون تأخير من كل الأراضي اللبنانية.
وفي 6 حزيران/يونيو 1982، اجتاحت "اسرائيل" لبنان، وكان هدفها المعلن وضع سكان الجليل بعيدا عن مرمى الصواريخ، وحددت العملية بعمق 40 كيلومترا نحو الشمال، ولكن العملية "الاسرائيلية" المخطط لها عن سابق تصور وتصميم، وصلت الى العاصمة بيروت، مما ادى الى احتلالها. ورافق ذلك عمليات بطولية للمقاومة الوطنية ادت الى انسحاب القوات "الاسرائيلية" منها بعد تدنيسها بجرائمهم ونهبهم وحقدهم الاسود.
وقدر الصليب الاحمر اللبناني عدد القتلى والجرحى جراء العدوان "الاسرائيلي" على لبنان من حزيران / يونيو 1982 الى تشرين الثاني/نوفمبر 1982 بـ19085 قتيلا و 31915 جريحا.
ووفقا لتقديرات مجلس الانماء والاعمار في كانون الاول/ديسمبر 1982 بلغت الاضرار الناجمة عن الاجتياح اكثر من مليارين من الدولارات، وذلك فقط عن الاضرار المباشرة، ولم تلحظ فيها الخسائر الاخرى وقيمة المسروقات والتعويض المحق لعائلات الشهداء والمعوقين وغيرهم من ذوي الحقوق كمتضرري المزروعات والحقول.
وخلال الفترة بين 4 حزيران/يونيو 1982 و19 ايلول/سبتمبر 1982 يوم اكتشاف مجازر صبرا وشاتيلا، تبنى مجلس الامن عشرة قرارات خاصة بالعدوان "الاسرائيلي" على لبنان وعارضت الولايات المتحدة عبر اللجوء الى ممارسة حق النقض ثلاثة من مشاريع القرارات التي تدين "اسرائيل" وتدعوها الى الانسحاب غير المشروط حتى الحدود الدولية المعروفة للبنان. وهذا المشاريع القرارات عرضت في 9 و 25 حزيران/ يونيو و 6 اب/ اغسطس، كما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت مرتين على قرارات اتخذت في 29 تموز/يوليو و 24 اب/ اغسطس.
اما اهم القرارات التي اتخذت في تلك الفترة فهو القرار الرقم 509 في 6 حزيران/ يونيو 1982، والذي اكد فيه مجلس الامن على وجوب احترام وحدة الاراضي والسيادة والاستقلال السياسي للبنان، كذلك طلب من "اسرائيل" ان تسحب مباشرة ومن دون شروط قواتها العسكرية حتى الحدود الدولية المعترف بها للبنان (4) .
ومنذ بداية اجتياحها في حزيران/يونيو 1982، كانت "اسرائيل" تقوم بحملات اعتقال واسعة ضد اللبنانيين. ففي 17 حزيران يونيو 1982 اعترفت "اسرائيل" باعتقالها 1000 لبناني و 5000 فلسطيني، وارتفع العدد الاجمالي الى 9064 معتقلا عند توقف المعارك.
ولم تعترف "اسرائيل" لمعتقلي سجن انصار بحق الانتفاع من القانون الذي يطبق على اسرى الحرب، كما رفضت اعتبارهم مشمولين بالبند 80 من اتفاقية جنيف الرابعة، لكي لا يستفيدوا من حق الزيارات العائلية وتوكيل محامين ليدافعوا عنهم. وكان مسؤولو المركز العالمي للاستعلام عن المساجين والمنفيين والمفقودين اللبنانيين والفلسطينيين قد اعلن في باريس في 24 كانون الثاني/يناير 1983 أن "إسرائيل" تحتجز 10 آلاف شخص على الاقل، اعتقلوا في لبنان منذ بداية الاحتلال. واكد السيد لا براديل، وهو قاض فرنسي وعضو في هيئة رعاية المركز، ان مخيم انصار تضاعف معتقلوه، وان هناك اشخاصا موقوفين في السجون العسكرية (للنساء) ومستشفى شمويل حاروف في بير يعقوب في "اسرائيل". وفي 3 نيسان/ابريل 1983 وصف الصليب الاحمر الدولي في جنيف نقل 1167 سجينا من معتقل انصار الى سجن عتليت بانه خرق لاتفاقية جنيف الرابعة المعقودة عام 1949، والتي وقعت عليها "اسرائيل" ولبنديها الـ49 و76. والمعروف ان البند 49 من الاتفاقية ينص على ان عملية النقل الجماعية او الفردية، وكذلك عمليات نفي الاشخاص خارج الاراضي المحتلة، الى اراضي الدولة التي تحتل، هي ممنوعة ايا كانت الدوافع (5) .
وفي عام 1984 شنت الطائرات الاسرائيلية هجمات على مدينة بعلبك اوقعت 100 شهيد و 300 جريح، بينهم 150 طفلا وعشرة عناصر من قوى الامن الداخلي.
وفي 17 شباط/فبراير 1984 جرى اغتيال الشيخ راغب حرب على ايدي القوات "الاسرائيلية"، ونسفت حسينية بلدة معركة، مما ادى الى مقتل 15 شخصا وسقوط جرحى.
وفي 16 شباط/فبراير 1992 اغتالت الطوافات "الاسرائيلية" الامين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي.
وفي عام 1993، قامت الطائرات "الاسرائيلية" بعدوان واسع استمر سبعة ايام سقط بنتيجته عدد كبير من الابرياء بين قتلى وجرحى، وتم تهجير مئات آلاف الاشخاص من ديارهم (6) .
وخلال عام 1995 بلغت الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان 2218 اعتداء، اسفرت عن مقتل اكثر من 53 شهيدا و154 جريحا، كما اعتقل 73 مواطنا لبنانيا، وتضررت المحاصيل الزراعية، واحترقت البساتين والحقول، وتهدمت مئات البيوت وتضررت، كما شهدت الشواطئ اللبنانية الجنوبية حصارا بحريا استمر فترة طويلة، مما الحق خسائر فادحة في الاقتصاد الوطني اللبناني، وادى الى منع الصيادين من صيد السمك الذي يعتبر المورد الاساسي والرئيسي لعائلات كثيرة في صيدا وصور والجنوب عموما، مما احلق بهم وبعائلاتهم الاضرار المادية والمعيشية الفادحة.
واعتبارا من 10 نيسان/ ابريل 1996 وحتى فجر 26 نيسان/ابريل 1996، شنت "اسرائيل" عدوانا واسعا وشرسا على الاراضي اللبنانية شمل بمداه معظم المدن والمناطق، مثل الجنوب والبقاع وبيروت وجبل لبنان، واوقع خسائر بشرية بلغت 146 شهيدا و 329 جريحا، منهم 30 شخصا معوقا، فضلا عن احداث اضرار جسيمة في الممتلكات ودمار في البنى التحتية. وخلال عدوانها استهدفت "إسرائيل" عمدا قتل المدنيين الآمنين المحتمين في احدى قواعد الامم المتحدة في قانا، مما ادى الى مقتل 102 وسقوط عشرات الجرحى، معظمهم من الاطفال الرضع والنساء والاولاد والمسنين. وقد وصف الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي في الامم المتحدة اعمال "اسرائيل" الموجهة ضد المدنيين، خصوصا مجزرة قانا، بانها ابادة جماعية تذكرنا بالابادة التي نفذها النازيون باليهود.
وفي رسالة الامين العام للامم المتحدة الى رئيس مجلس الامن، ذكر الدكتور بطرس غالي انه يتبين من التقرير الذي اعده المستشار العسكري الميجور جنرال فرانكلين فان كابن الذي كلف باعداد التقرير عقب مجزرة قانا، بان نسق سقوط القذائف في منطقة قانا يجعل من غير المرجح ان يكون قصف مجمع الامم المتحدة نتيجة اخطاء تقنية أو اجرائية. واضاف في نقطة أخرى: غير ان هذه الحادثة هي اخطر شأنا من كل الحوادث، لان مدنيين، فيهم نساء واطفال، قد لجأوا الى مجمع الامم المتحدة في قانا (7) ". وفي 18 نيسان/ابريل 1996 اصدر مجلس الامن القرار الرقم 1052، وفيه يعرب عن استيائه ازاء الحادث الذي وقع في 18 نيسان/ابريل 1996 وادى فيه القصف الى خسائر كبيرة في الارواح بين المدنيين في احد مواقع قوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان، ويدعو مجلس الأمن جميع الأطراف إلى وقف الأعمال الحربية فورا، ويؤكد مجددا التزامه السلامة الاقليمية للبنان وسيادته واستقلاله السياسي في نطاق حدوده المعترف بها دوليا (8) .
ونذكر هنا ان الجمعية العمومية قد اتخذت في الدورة الاستئنافية التي عقدتها بتاريخ 22 نيسان/ابريل 1996 بناء لطلب الحكومة اللبنانية، قرارا دانت بموجبه الهجمات العسكرية على السكان المدنيين في لبنان، لا سيما على قاعدة الامم المتحدة في قانا، واعتبرت انه يحق للبنان ان يحصل على التعويض المناسب لما لحق به من دمار، وان "إسرائيل" ملزمة بدفع ذلك التعويض وطلبت من الامين العام ان يوفد بعثة تقنية خاصة للمنطقة للقيام في غضون شهر واحد بدراسة الحالة واعداد تقرير عن الخسائر البشرية والمادية وعن الاضرار التي اسفرت عنها عمليات القتل.
وقد طالب مجلس الجامعة العربية في اجتماعه الطارئ في 17 نيسان /ابريل 1996، مجلس الامن بالزام "اسرائيل" بدفع التعويضات اللازمة لإعادة ما دمرته الاعتداءات "الاسرائيلية" من مرافق وبنى اساسية وضحايا بشرية كما دان العدوان "الاسرائيلي" الشرس والمتواصل على الاراضي اللبنانية، والذي استهدف سيادة لبنان وسلامة ابنائه واراضيه وضرب أجوائه ومياهه الاقليمية، وادى الى تدمير بنى تحتية ومرافق اساسية واثار تاريخية في مناطق عدة من لبنان (9) . وكانت محصلة الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان خلال عام 1996 على الشكل التالي:
- عدد الشهداء: 283 شهيدا.
- عدد الجرحى: 913 جريحا.
- عدد المعتقلين: 317 معتقلا.
- عدد المبعدين: 35 مبعدا.
اما المنازل المتضررة فبلغت 1097 منزلا، هذا فضلا عن الاضرار في المزروعات والمحاصيل وما خلفته الحرائق التي تفتعلها قوات الاحتلال في الاودية والاحراج (10) .
جرائم "اسرائيل" في لبنان والمسؤولية الدولية
في عودة الى المستندات والوثائق القانونية الدولية وبينها سان بطرسبرغ لعام 1868، واتفاقية لاهاي لقواعد الحرب البرية لعام 1907، وميثاق المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ لعام 1945، وبرتوكول جنيف الذي يحرم استعمال الاسلحة الكيميائية لعام 1925، وميثاق بريان كيلوغ لعام 1928، والاتفاقية التي تحظر من الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، واتفاقية جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحروب لعام 1949، والبروتوكول الاول المحلق بها لعام 1977، وتعريف العدوان لعام 1974، ومشروع المحكمة الجنائية الدولية لعام 1997، وغيرها من المستندات القانونية الدولية، يمكننا ان نصنف الجرائم التي ارتكبتها القوات "الاسرائيلية" في لبنان منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا بثلاث كالاتي:
أ- جريمة ضد السلم.
ب- جريمة ضد الانسانية.
ج- جريمة عسكرية.
وسنعدد في بحثنا هذا الحالات التي تدخل في كل من هذه الجرائم:
1- جريمة ضد السلم
قامت "اسرائيل" ومنذ عام 1948، وكما اوضحنا في بداية البحث، باجتياح للاراضي اللبنانية نتج منه احتلال لمساحات واسعة من اراضيه وتغيير كبير للمعالم التي تثبت الحدود الدولية. كما تعرض المواطنون اللبنانيون وممتلكاتهم للقصف والاعمال العسكرية من البحر والبر والجو.
فاعمال "اسرائيل" تلك، والتي تتكرر كل يوم، تعدت الكلام القائل ان اعمالها تعد انتهاكا لميثاق الامم المتحدة ولمبادئ القانون الدولي العام، لترتكب عدوانا، وكما ورد في تعريف العدوان لعام 1974.
وفي عدوانها على لبنان ارتكبت "اسرائيل" ومنذ 1948 الاعمال العدوانية التالية:
أ- استعملت "اسرائيل" قواتها المسلحة في اجتياحها للاراضي اللبنانية، وقامت باحتلال عسكري للاراضي اللبنانية، ولتاريخ اليوم تحتل عشر مساحة لبنان.
ب- قامت "اسرائيل" عبر قواتها المسلحة بقصف الاراضي اللبنانية.
ج- قامت "اسرائيل" عبر قواتها المسلحة بحصار للموانئ والشواطئ اللبنانية. ففي عام 1995 فقط حاصرت القوات البحرية "الاسرائيلية" الشواطئ اللبنانية الجنوبية لعشرة اشهر، ضاربة كل الاحتجاجات الدولية بعرض الحائط، ومنتهكة حرمة وسلامة اراضي لبنان ومياهه الاقليمية. كما ان زوارقها الحربية تقوم بمراقبة دائمة للشواطئ اللبنانية وتقوم بتفتيش منتظم للبواخر القادمة الى المرافئ اللبنانية.
د- قامت القوات "الاسرائيلية" بعدوان على مطار بيروت الدولي، ونتج منه تدمير معظم الاسطول الجوي اللبناني المدني، وهذا العمل دانه مجلس الامن الدولي والمجتمع العالمي.
هـ- قامت "إسرائيل" بإرسال زمر وجماعات مسلحة ومرتزقة للقيام باعمال ارهابية داخل العمق اللبناني وفي ضواحي بيروت وفي العاصمة ايضا، وكان الهدف قتل اكبر عدد من المدنيين، وقتل المقاومين ورموز قيادية والهدف ايضا اثارة الفتن الداخلية، وقد القت السلطات الأمنية اللبنانية القبض على عدد غير قليل من اولئك العملاء الذين اعترفوا بفعلتهم وبالمحرض، وكانت هي بالطبع "إسرائيل".
ولقد أكدت المادة الخامسة من تعريف العدوان لعام 1974 "بانه لا يسع أي اعتبار، مهما كانت طبيعته، سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو سواها، أن يبرر عدوانا. ان حرب العدوان جريمة ضد السلام الدولي، ويفسح العدوان في مجال المساءلة الدولية، وليس شرعيا ولا يمكن اعتباره شرعيا كسب اية اراض او اية منفعة خاصة حصلت من جراء عدوان. (11) .
2- جريمة ضد الانسانية
تعد من الجرائم ضد الانسانية " القتل والابادة والوضع تحت العبودية والنفي، او كل فعل غير انساني ضد كل السكان المدنيين، او الاضطهادات لاسباب سياسية او جنسية او دينية. وقد اكدت قرارات الجمعية العمومية للامم المتحدة بتاريخ 13 شباط /فبراير و 11 كانون الاول/ ديسمبر لعام 1946 وجوب ارتباط الجرائم ضد الانسانية بجرائم الحرب وبالجرائم ضد السلم وتأكيدا لمبادئ نورمبرغ.
وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الخاصة بالتحذير من جرائم الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، على ما يلي: "… تحت الابادة الجماعية يفهم الاعمال التالية، الاعمال بهدف القضاء الكلي او الجزئي على أي مجموعة قومية او اثنية او عرقية او دينية:
-قتل اعضاء هكذا مجموعات.
- التسبب في اضرار جسمية جسدية وعقلية لاعضاء هذه المجموعات.
- القضاء الجسدي الكامل او الجزئي على هذه المجموعات كنتيجة متعمدة للاهمال الاجتماعي.
ونستطيع ان نؤكد انه في اعوام حرب 1982 ونيسان / ابريل 1996 التي شنتها القوات "الاسرائيلية" على لبنان، اضافة الى عشرات الاعمال العدوانية التي استهدفت اشخاصا وقادة محددين مع عائلاتهم، تقع تحت جريمة الابادة الجماعية.
ففي عدوان 1982 فقط، احصت "اليونيسف" قتل وجرح 11840 طفلا حتى سن 15 عاما، وقتل وجرح 8686 امرأة و 2409 كهلا من عمر 60 وما فوق. وفي فترة حصار بيروت الغربية من العدو "الاسرائيلي" مات 300 شخص من الجوع، و2058 وضعوا في المستشفيات بحالة صحية صعبة، و1637 شخصا تسمموا من جراء الاطعمة الفاسدة التي تناولوها بسبب الحصار "الاسرائيلي"، و 1845 شخصا تعرضوا لازمات نفسية وعصبية حادة، و 2372 شخصا عانوا من امراض معوية خطيرة.
ونتيجة للعدوان "الاسرائيلي" على لبنان في نيسان / ابريل 1996 قتل اكثر من 175 شخصا، وجرح اكثر من 351، معظمهم من المدنيين، ولقد استهدفت "اسرائيل" عمدا قتل المدنيين الامنين بهدف ابادتهم جماعيا في موقع القوات الفيجية في قانا، والذين اتوا مسالمين خوفا من القصف وطلبا للاحتماء وكلهم من النساء والشيوخ والاطفال، وكانت حصيلة تلك المجزرة 102 من القتلى وعشرات الجرحى، وقد وصفها الرئيس اللبناني بانها ابادة جماعية (12) . وطالب الرئيس الهراوي ايضا في كلمته امام الجمعية العمومية للامم المتحدة بادانة "اسرائيل" ومعاقبتها على الجرائم التي ارتكبتها ضد لبنان ومؤسساته وشعبه وقدراته وسيادته وضد الانسانية (13) .
وتعد اعمال "اسرائيل" تلك انتهاكا لاتفاقية منع جريمة ابادة الاجناس والمعاقبة عليها التي وقعت عليها "اسرائيل" وتعتبر طرفا فيها.
ج- جريمة عسكرية
ارتكبت "اسرائيل" جريمة عسكرية في اعتداءاتها العسكرية على لبنان، وخصوصا في حزيران/يونيو 1982، وكذلك في نيسان/ ابريل 1996. فالعمليات العسكرية المتعمدة ضد السكان المدنيين وقصف القرى والمدن المسالمة، اعتبرت من اخطر الجرائم العسكرية، وذلك منذ اكثر من مئة عام في تصريح سان بطرسبرغ لعام 1868. كما ان المادة 25 من البروتوكول الملحق باتفاقية لاهاي لعام 1907 تحظر الهجوم على المدن المفتوحة. واستنادا للفقرة (ب) من المادة السادسة للمحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ، فان الجريمة العسكرية تعتبر انتهاكا لقواعد واعراف الحرب، وهي تتضمن القتل والتعذيب والخطف بحجة الرق او لاهداف أخرى بحق السكان المدنيين في الاراضي المحتلة، والقتل او تعذيب الاسرى العسكريين او الاشخاص الموجودين في البحر، وقتل الرهائن، وسرقة الممتلكات الخاصة او العامة، وتدمير القرى والمدن. وزيادة على ذلك فان الجمعية العمومية للامم المتحدة كانت قد اتخذت قرارين، الاول يحمل الرقم 2444، والثاني الرقم 2675 ويمنعان القيام بعمليات عسكرية ضد السكان المدنيين.
وخلال اعتداءاتها المستمرة على لبنان، قامت "اسرائيل" بقصف الاماكن الآهلة في المدن والقرى اللبنانية بالقذائف ومن جميع الاحجام، بما في ذلك المحرمة دوليا، كالقذائف الفراغية، والقذائف من عيار 900 كيلو غرام، والقذائف الفسفورية، والنابالم. وقصفت "اسرائيل" ايضا المستشفيات والمستوصفات وسيارات الصليب الاحمر التي تحميها اتفاقيات جنيف لعام 1949 والقانون الانساني الدولي. كما منعت "اسرائيل" خلال عدوان 1982 من وصول الامدادات الطبية والادوية التي تعتبر ذات اهمية قصوى لانقاذ حياة كثيرين من المواطنين المصابين خلال حصار بيروت، كما انها قامت بحرمان السكان المدنيين من الماء والمواد الغذائية والكهرباء والمساعدات الطبية. وان اعمال "اسرائيل" هذه تتناقض مع البروتوكول الاول الملحق باتفاقية جنيف لعام 1949، والذي منع استخدام سياسة التجويع للسكان المدنيين كطريقة من طرق ادارة الحروب. وفي انتهاك لمبادئ القانون الدولي، وخصوصا لاتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية للعام 1961، قامت "اسرائيل" في أثناء عدوانها عام 1982 وبصورة متعمدة بقصف وتدمير السفارات الاجنبية المعتمدة في لبنان، منها سفارات الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وفرنسا والجزائر وكندا، كما احتلت سفارات عدة، منها السفارة المجرية.
كما قامت "اسرائيل" بانهاك اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في وقت النزاع المسلح لعام 1954، وذلك عندما نهبت اثار مدينة صور التاريخية والتحف الفنية المحفوظة في قصر بيت الدين، وكذلك التحف والآثار النادرة من المتحف الوطني في بيروت، وكذلك المكتبات النادرة من جامعة بيروت العربية ومؤسسة الدراسات الفلسطينية.
ومن الاعمال التي تضاف الى ممارسات "اسرائيل" والتي تعتبر جريمة عسكرية، هي انتهاكها لقواعد الاعمال العسكرية المعترف بها دوليا والمنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية. فالمادة 37 من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف لعام 1949، تمنع اعمال الغدر والخداع والخيانة في الاعمال العسكرية، و"اسرائيل" استعملت هذه الاعمال مرات عدة خلال عدوانها على بيروت عام 1982، وخصوصا عند وقف اطلاق النار، فكانت تخرقه من اجل كسب مواقع جديدة واعادة توزيع قواتها، كما انها استعملت مكبرات الصوت للنقل الكاذب لاصوات الدبابات والقنابل والمدافع المسلحة مسبقا، وذلك للتأثير في معنويات السكان المدنيين والتلاعب باعصابهم (15) .
مسؤولية "اسرائيل" الدولية
يتعين لقيام المسؤولية الدولية توافر ثلاثة عناصر تتمثل في وقوع اخلال بالتزام دولي، وان يثبت نسبة هذا الاخلال الى احد اشخاص القانون الدولي العام، وان يترتب عليه ضرر لشخص اخر او اكثر من أشخاص القانون الدولي.
وحيث اننا في هذه الدراسة قد قمنا بالتركيز، وذلك عبر الوقائع والمستندات، على اثبات توافر الاركان الثلاثة التي ترتب المسؤولية الدولية على "اسرائيل"، فاننا نذكر فقط بان "اسرائيل" قد اخلت بالتزامها الدولي، وذلك من خلال اخلالها بشرط دخولها الى الامم المتحدة، وهو ان تكون دولة محبة للسلام، كما اخلت بالميثاق الدولي للامم المتحدة، وخصوصا المادة الثانية الفقرة الرابعة التي تنص على التزام الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها في علاقاتها الدولية، كما انها اخلت بمعظم المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعتبر طرفا فيها وتحمل توقيعها، ومنها اتفاقية فيينا لعام 1961، واتفاقية منع جريمة ابادة الاجناس والمعاقبة عليها لعام 1948، واتفاقيات جنيف لعام 1949 وغيرها من الاتفاقيات الدولية الملزمة لها.
وقد اثبتنا من خلال دراستنا نسبة هذا الاخلال الدولي المخالف للقانون الدولي العام في "اسرائيل"، وذلك من خلال معطيات مادية وقرارات دولية صادرة عن مجلس الامن الدولي او عن الجمعية العمومية للامم المتحدة او عن الصليب الاحمر الدولي، او من خلال تقارير البعثات الدولية التي كانت ترسل الى لبنان للتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها "اسرائيل" او من خلال اليونسكو وباقي وكالات الامم المتحدة.
اما العنصر الثالث المتوافر لقيام المسؤولية الدولية، فهو ان لبنان الدولة المستقلة والعضو في الجامعة العربية والامم المتحدة، وهو شخص من اشخاص القانون الدولي العام، قد تعرض لعدوان "اسرائيلي" مستمر، وذلك منذ 1948 وحتى يومنا هذا، نجم عنه اضرار لا تقدر ولا تحصى، طاولت الحجر والبشر والبيئة. واننا في دراستنا هذه قد توقفنا على اهم الاعمال العدوانية "الاسرائيلية" التي تعرض لها لبنان مع بنيان بعض الأضرار والخسائر المادية والبشرية، ولكننا بحاجة الى مسح اكبر واحصاء اشمل لكي نحصي الاضرار الجسيمة التي لحقت بلبنان.
واذ اثبتنا مسؤولية "اسرائيل" عن عدوانها على لبنان، فلا بد ان تتحمل "اسرائيل" نتيجة اعمالها غير المشروعة باشكالها المادية والسياسية والجنائية.
أ- المسؤولية المادية
يترتب على "اسرائيل" ان تقوم بالتعويض عن الخسائر المادية التي اصيب بها لبنان من جراء عدوانها المستمر وهذا يجب ان يتم اما من طريق اعادة كل المنقولات والاموال المادية التي استولت عليها "اسرائيل" خلال عدوانها، او التعويض المالي الذي يوازي الضرر من جراء عدوانها على لبنان.
ويمكننا العودة الى نموذجين في التاريخ الحديث، هما اولا معاهدة فرساي التي اقرت بمسؤولية المانيا عن جميع الخسائر والاضرار التي لحقت بحكومات الحلفاء من جراء شن الحرب العالمية الثانية، والتي فرض عليها واجب التعويضات. ولا بد أن نذكر هنا ان "اسرائيل" ما زالت تتقاضى لغاية اليوم التعويضات من المانيا وغيرها من الدول الاوروبية المتهمة خلال الحرب العالمية الثانية بقتل اليهود، علما ان "اسرائيل" كشخص دولي لم يكن موجودا في تلك الاعوام، أي بين 1939 و 1945، ولا يحق لها ان تقبض التعويضات من وجهة النظر القانونية الدولية، وثانيا، نتيجة لحرب الخليج الثانية، فرضت الامم المتحدة على العراق اثر عدوانه على الكويت عبر القرار 687 في 3 نيسان/ ابريل 1991 والقرار الرقم 692 في 20 ايار/مايو والقرار رقم 705 في 15 اب /اغسطس 1991، دفع تعويضات، لتعويض الكويت ودول ثالثة ورعاياها وشركاتها عن الاضرار والخسائر الناجمة عن غزو العراق للكويت واحتلاله غير الشرعي لها (16) .
وكما ذكرنا سابقا، وفقا لتقديرات مجلس الانماء والاعمار الصادرة في كانون الاول /ديسمبر 1982، فقد بلغت الاضرار الناجمة عن الاجتياح "الاسرائيلي" للبنان عام 1982 اكثر من ملياري دولار اميركي، وخلال العدوان "الاسرائيلي" على لبنان في نيسان/ ابريل 1996 قدرت قيمة الاضرار المباشرة بنحو 500 مليون دولار. وقد اشار السفير رياض طبارة في حينه، أي في 3 ايار/ مايو 1996، الى ان لبنان خسر في العدوان "الاسرائيلي" 13 مرة دخله الوطني، وهذه الخسائر ستضاف الى فاتورة اعادة بناء واعمار لبنان المقدرة بنحو 17 مليار دولار.
والقانون الدولي العام وميثاق الامم المتحدة يفرضان على الدول المعتدية التي تنتهك أحكامه، مسؤولية دولية، وفي حالتنا هنا فان "اسرائيل" يجب ان يفرض عليها التعويض الكامل عن الاضرار التي لحقت بلبنان كشخصية دولية، وايضا عن الاشخاص الطبيعيين والشركات التي اصيبت باضرار جسيمة، والدعوى الدولية يمكن ان تقام من كل متضرر بوجه "اسرائيل".
ب- مسؤولية سياسية
من المعلوم ان "اسرائيل" قبلت في الامم المتحدة شرط التزام ميثاق الامم المتحدة وقراراتها، وهذا يستتبع الموافقة التامة من "اسرائيل" على اقامة دولة عربية في فلسطين، استنادا للقرار الدولي الرقم 181-1947 والقرار 194-1948 الخلاص باعادة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم.
ان "اسرائيل" الدولة المعتدية وغير المحبة للسلام تنتهك باستمرار المبادئ والاعراف الدولية، ناهيك بعدم تطبيقها لكثير من القرارات التي اتخذتها الامم المتحدة في شأن فلسطين والصراع العربي-"الاسرائيلي". واستنادا الى ميثاق المم المتحدة، فان أي دولة لا تنفذ الالتزامات الدولية الناشئة عن كونها عضوا في المنظمة، يفترض ان تطرد من المنظمة الدولية "واسرائيل" التي لا تلتزم بميثاق الامم المتحدة وبقرارات مجلس الامن والجمعية العمومية، يجب ان ينفذ بحقها قرار الطرد، استنادا الى الميثاق نفسه.
ومن العقوبات التي يلحظها ميثاق الأمم المتحدة بحق الدول التي تهدد الامن والسلم الدوليين، قطع العلاقات السياسية والديبلوماسية معها، وهذا الاجراء نفذته الدول الاوروبية الشرقية وبعض الدول الافريقية بعد العدوان "الاسرائيلي" على الدول العربية عام 1967.
وكانت الجمعية العمومية قد دعت في 20-12-1982 عبر قراراها الرقم 123-37، كل الدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة، وذلك استنادا الى المادة 41 من الميثاق، الى تطبيق ما يلي:
- الامتناع عن مد "اسرائيل" بالسلاح ووقف أي دعم عسكري لها.
- وقف الدعم الاقتصادي والمالي والتقني وكل تعاون مع "اسرائيل".
- قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية مع "اسرائيل"، ووقف كل الاتصالات معها بهدف عزلها التام (17) .
ج- المسؤولية الجنائية
المسؤولية الجنائية هي عقوبة بحق المتهمين في الجرائم الدولية. اما اشخاص الجريمة الدولية، فيمكن ان يكونوا الاشخاص انفسهم، فضلا عن الدولة وأجهزتها. ان الصفة الدولية لجرائم الحرب لا تؤدي الى تغيير القاعدة الاساسية للقانون الجنائي التي تقضي بادانة الشخص الطبيعي عن ارتكاب المخالفات الجزائية سواء كفاعل او كمشارك.
ان الذين اقترفوا الجرائم الدولية هم اشخاص طبيعيون وليسوا كائنا نظريا ولا يمكن كفالة تنفيذ واحترام نصوص القانون الدولي الا بعقاب الافراد الطبيعيين المرتكبين لهذه الجرائم.
ولقد ايدت الجمعية العمومية للامم المتحدة منذ عام 1946 مبادئ القانون الدولي الذي تم الاخذ بها في نظام محكمة نورمبرغ، وذلك طبقا لقرارها 1-95 وخصوصا المادة (7) من نظام المحكمة العسكرية الدولية الذي نص على الاتي: "ان حالة المتهمين الرسمية سواء كرؤساء الدولة او كموظفين سامين لا تعتبر كعذر مبرئ ولا كسبب لخفض العقوبة". كما يجدر التذكير بالتصريح بعدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية في القانون الدولي، وذلك حسبما ورد في اتفاقية الامم المتحدة التي اقرت في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968. وقد اكدت المادة الاولى من هذه الاتفاقية عدم تقادم الجرائم ايا كان تاريخ ارتكابها (18) .
وحيث اننا في بحثنا هذا قد اثبتنا ان العدوان "الإسرائيلي" على لبنان هو جريمة دولية وفقا لمنطوق القانون الدولي العام، وحيث ان لا جريمة بدون عقاب، وحيث ان الجرائم التي ارتكبت في لبنان قام بها ونفذها واعطى الاوامر بها قادة "اسرائيليون" وضباط وجنود الجيش "الإسرائيلي" ، وحيث انهم ليسوا كائنا نظريا، بل رجالا اقترفوا الجرائم الدولية، فيجب محاكمتهم وعقابهم وفقا لمبادئ القانون الدولي ذات الصلة. اما الامثلة على المحكمات الدولية لهكذا جرائم فيمكن اخذها من محاكمة النازيين واليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية (المحكمة العسكرية الدولية )، ومن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في يوغوسلافيا ورواندا.
خاتمة
يجب الا يمر العدوان "الاسرائيلي" دون عقاب وكأن شيئا لم يحصل، بل على لبنان واستنادا الى القانون الدولي العام ان يطالب دائما بتنفيذ القرار 425، وان يقوم بمسح شامل لكل الاضرار التي خلفها العدوان على لبنان، وذلك منذ 1948، وذلك منذ 1948 حتى يومنا هذا.
وهذا المسح يجب ان يشكل الاضرار المادية والمسروقات من الممتلكات الثقافية، وقائمة باسماء المعوقين والشهداء، وكذلك تقدير قيمة النهب المنظم للثروات الطبيعية اللبنانية من المياه والتراب،وذلك منذ عام 1978، وذلك من اجل اقامة دعوى دولية ضد "اسرائيل" عن عدوانها على لبنان وما خلفه من اضرار جسيمة وخسائر بشرية لا تعوض.
الهوامش:
1. د. احمد شتا، "المسؤولية الدولية للعراق عن انتهاك القانون الدولي". في كتاب ندوة العدوان العراقي على دولة الكويت في ضوء القانون الدولي، (القاهرة : 1991)، ص ص 414 - 415.
2. انظر د.عصام خليفة، لبنان المياه والحدود 1916-1975، (بيروت:1996) ص ص 73-105.
3. جنوب لبنان، مأساة وصمود. (بيروت: 1981)، ص ص 25-72.
4. الجنوب اللبناني 1948-1986 حقائق وارقام، (بيروت: وزارة الاعلام، 1986) ص ص 37-39.
5. المصدر نفسه، ص ص 54-55.
6. منشورات الجامعة اللبنانية، الغزو "الاسرائيلي" واثاره السلبية (بيروت 1997) ص ص 95-96.
7. دراسات لبنانية، وزارة الاعلام، صيف 1996 ص 170.
8. المصدر نفسه، ص 168.
9. المصدر نفسه، ص ص 182-183.
01. الصحف اللبنانية خلال عامي 1995-1996.
11. د. كما حماد، النزاع المسلح والقانون الدولي العام، (بيروت: 1997) ص ص 33-35.
21. د. كمال حماد، "العدوان "الاسرائيلي" ضد لبنان"، في كتاب الغزو "الإسرائيلي" وآثاره السلبية، (بيروت: اصدارات الجامعة اللبنانية 1997)، ص 32.
31. الديار، 24 نيسان/ابريل 1996.
41. الامم المتحدة، الحملة العالمية لحقوق الانسان، اتفاقية منع جريمة ابادة الاجناس والمعاقبة عليها، (نيويورك: 1991)، 8.
51. د. كما حماد، العدوان "الاسرائيلي" … مصدر سابق، ص ص 33-34.
61. القرارات التي اتخذها مجلس الامن في ما يتعلق بالحالة بين العراق والكويت. (نيويورك: 1992).
71. د. كمال حماد، "الآثار القانونية والدولية للعدوان "الاسرائيلي" على لبنان"، مجلة اوراق جامعية، العدد 10-1996، ص ص 9-26.
81. ندوة العدوان العراقي على الكويت..، (القاهرة : 1991)، ص ص 392-394.