الطور الثالث (1948-1967 هضم مكاسب الحرب وتثبيت الذات
المرحلة الاولى (1949-1956) من الهدنة الى العدوان الثلاثي
في اعقاب 1905 الّف الزعيم الصهيوني الروسي مناحيم سوشكين (1863-1941) كتيباً في اعقاب زيارته فلسطين بعنوان "برنامجنا" يتساءل فيه "كيف يتسولى على الارض في اي بلد ما؟" ويجيب "ثمة طرق ثلاثة: القوة، اي بانتزاع الارض من مالكها بالعنف، وبالبيع القسري اي باستملاك الملك الخاص لاغراض عامة، وبالبيع الطوعي".
وبالفعل لجأت الصهيونية تباعاً الى الطرق الثلاثة. ففي الفترة العثمانية اعتمدت البيع الطوعي بالتحايل على قوانين البلاد فدرّ عليها 440,000 دونم خلال حوالى اربعين عاماً (1880-1918). وفي الفترة البريطانية اعتمد مزيجاً من البيع الطوعي للبيع القسري فدرّ ذلك عليها 1,200,000 دونم خلال ثلاثين عاماً (1917-1948) ولجأت الى الحرب فدرّ عليها 20,666,000 دونم في اقل من سنة واحدة (تشرين الثاني/نوفمبر 1947 تشرين الثاني 1948) وكان اربح الصفقات وانجزها. وهكذا بعد خمسين عاما من المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 تحققت الغاية الاساسية من "برنامج بازل".
ومن اشد نتائج الحرب الصهيونية العربية الاولى هولاً بعد هزيمة جيوش خمس دول عربية، اخراج 750 الفاً من سكان فلسطين من دياهم وتشردهم لاجئين في الدول العربية المجاورة (لبنان، سورية، شرق الاردن، مصر، العراق والسعودية)، واحتلال "اسرائيل" لاثنتي عشرة مدينة فلسطينية (عكا، صفد، الناصر، طبريا، حيفا، بيسان، يافا، المجدل، اشدود، اللد، الرملة والقدس الغربية)، اضافة الى 518 قرية فلسطينية ما لبثت "اسرائيل" ان هدمت 400 منها للحيلولة دون عودة اصحابها اليها، ودست معالمها وسوتها مع حقولها، ووزعت اراضيها على المستعمرات المجاورة والجديدة التي حلت محلها، واعطت مواقعها اسماء عبرية مستحدثة لازالتها من الذكر والذاكرة اضافة الى ازالتها من الطبيعة، واضحى من تبقى من الفلسطينيين داخل "اسرائيل" اقلية غربية في بلدهم.
واشتغلت يد النهب والسرقة في طول البلد وعرضها واشترك في اختطاف الغنائم والاسلاب رجال الجيش والمدنيون وتوزعت المكاتب والشقق والفيلات والمزارع على كبار ضباط الجيش والسلك المدني على السياسيين وغيرهم. واختفت من المنازل والمكاتب والمتاجر المنقولات على اشكالها من اثاث واجهزة وكتب وسجاد واوانٍ ومجوهرات وثياب ونقود، ومن القرى المواشي والدواجن والمؤن والآلات الزراعية، ومن الشوارع السيارات والشاحنات، وبلغ مثلاً ما سلبه الجيش الاسرائيلي من بلدة صغيرة نسبياً هي اللد، بتقدير توم سيغيف الكاتب الاسرائيلي، حمولة 1,800 شاحنة. ووصل الامر الى حد جعل بن غوريون نفسه يتذمر حسب رواية سيغيف ايضاً قائلاً: "الشيء الوحيد الذي فوجئت به وفوجئت به بمراراة هو اكتشافي لمدى الانحطاط الخلقي المتفشي بيننا الذي لم اكن لأشتبه به على الاطلاق، واعني هذه اللصوصية الجماعية التي اشترك فيها جماعات قطاعات شعبنا على حد سواء". بيد ان اللص الاكبر كان دولة "اسرائيل" بزعامة المتذمر اياه ذلك ان الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) اصدر عام 1950 "قانون املاك الغائبين" حول بموجبه حارس الاملاك Custodian بنقلها الى "سلطة التنمية" Development Authority التي خولت بدورها ببيعها الى "الصندوق القومي اليهودي" Jewish National Fund المعروف بالعبرية بـ Keren Kayemet الذي اسسه هرتزل عام 1901 وتنص لوائحه على بقاء اراضيه ملكاً ابدياً للشعب اليهودي غير قابل للتصرف تجوز ايجارها فقط وحصراً لليهود ولا يجوز عمل غير اليهودي عليها وبذلك اصبحت 92 في المئة من مساحة "اسرائيل" ملكاً ابدياً ليهود "اسرائيل" من دون غيرهم من مواطنيها ولم يتعد ما بقي في ايدي الجالية العربية 1-2 في المئة مع ملكية يهود افراد وغيرهم للرصيد، ولم "ترث" "اسرائيل" املاك الفلسطينيين المنقولة وغير المنقولة فحسب لكنها ورثت ايضاً كل موجودات القطاع العام من العهدين العثماني والبريطاني من اراض وسكك حديد وطرقات ومرافىء ومنشآت ومبان ومكاتب ومستشفيات وثكنات ومستودعات كان للفلسطينيين النصيب الاكبر فيها بصفتهم اكثرية البلاد قبل شتاتهم.
واذا كان "اسرائيل" استغلت سلطة الدولة لحسم استيلائها على الارض الذي كان شغل الصهيونية الشاغل منذ بدء الاستيطان في مطلع الثمانينات من القرن الماضي فانها لجأت الى السلطة عينها لحسم هم لم يقل استحواذاً على الصهيونية عنهن وهو الهجرة الجماعية. فسنّت في تموز (يوليو) 1950 "قانون الودة" الذي كرس حق كل يهودي في الهجرة الى فلسطين عملاً بالمبدأ الصهيوني الاصيل الداعي الى "تجميع المنفيين" Ingathering of Exiles اي تفريغ الشتات اليهودي فيها. وكان بن غوريون من غلاة الداعين الى تطبيق هذا المبدأ الى درجة اعتباره الصهيونية مرادفة للهجرة ( Aliya) ومطالبته بحل المنظمة الصهيونية بعيد تأسيس الدولة على اساس ان واجب اليهودي في الشتات اصبح بعد قيامها "العودة" الى "اسرائيل" ليس الا.
وفتح بن غوريون بقانون العودة باب الهجرة الجماعية على مصراعيه ووضع نصب عينيه مضاعفة عدد اليهود في البلاد خلال اربع سنوات ووظف كل امكانات الصهيونية المالية والتنظيمية والسياسية لهذا الغرض. ودل اول احصاء لاسرائيل في تشرين الثاني 1948 على ان في البلاد 713,000 يهودي و69,000 عربي. وما كادت سنة 1951 تصل الى نهايتها حتى كان قد دخل البلاد 689,275 يهودياً.
هكذا خلال اقل من اربع سنوات وبفضل سلطة الدولة دخل "اسرائيل" من اليهود عدد يساوي العدد الذي دخلها خلال سبعين عاماً منذ بدء الاستيطان الصهيوني بما فيه نموه الطبيعي خلال هذه السنين، واستطراداً نقول ان عدد يهود "اسرائيل" وصل عشية حرب حزيران (يونيو) 1967 الى 2,375,000 ولم يكن هدف رومانيا فبولندا، والدول الاسلامية لـ 79،800 (ايران 39,000، تركيا 37,000 وافغانستان 3,800)، والبلاد العربية لـ 359,000 (العراق 123,000، المغرب 120,000، مصر 75,000، اليمن 48,000، ليبيا 35,000، تونس 30,000، سورية 26,000، عدن 6,500، الجزائر 3,500)، وهكذا افرغت الدول العربية ما لديها على فلسطين بخفة وقلة بصيرة مذهلة حقاً لعواقب ما تفعل. ونتيجة لهذه الهجرة تغيرت بنية المجتمع الاسرائيلي اليهودي الاثني فهبطت نسبة الاوروبيين فيه من 84,9 في المئة عام 1948 الى 56,8 في المئة عام 1961 بينما ارتفعت نسبة اليهود "الاسيويين" من 12,5 في المئة الى 24,8 في المئة واليهود "المغربيين" من 2,6 في المئة الى 18,4 في المئة. وقد حمل بعض هؤلاء حنيناً الى اوطانهم الاسلامية والعربية لكن السواد الاعظم منهم شكل مستودعاً لا قاع له من الحقد والبغضاء عليها وضعه بتصرف الاحزاب الاسرائيلية اليمينية.
وبتأسيس الدولة وتحقيق الغاية من "برنامج بازل" غدا لزاماً على "اسرائيل" والمنظمة الصهيونية ان تحددا الغاية من الصهيونية بعد قيام الدولة وان تنظما العلاقة فيما بينهما بعد ان اصبح احدهما ذا سيادة، فانعقد المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون في القدس ايام 24 نيسان (ابريل) - 7 ايار (مايو) 1951 في جو سادته نشوة الغلبة والنصر ولكن ايضاً وبخاصة للاعضاء الامريكيين تحت سحابة مقولة بن غوريون بمرادفة الصهيونية حصراً للهجرة الى "اسرائيل".
واحتدم النقاش والخلاف على صياغة الهدف كما وقع في المؤتمر الصهيوني الاول واستقر الرأي على الصيغة الاتية: غاية الصهيونية انما هي توطيد Consolidation دولة "اسرائيل" وتجميع منفيين في ارض "اسرائيل" Of Exiles in Ingathering ورعاية وحدة الشعب اليهودي". وكانت الصيغة التي اصر عليها بن غوريون بادىء الامر تنص على "تجميع المنفيين" بـ ال التعريف اطلاقاً على ميع اليهود خارج الدولة مما اثار حفيظة الممثلين الامريكيين الذين نفوا بشدة عن انفسهم صفة "النفي" في بلدهم الولايات المتحدة فكانت الصيغة التي اقرت. اما مهمات المنظمة في المرحلة الجديدة فتحددت: بتشجيع الهجرة واستيعاب المهاجرين وتنشيط الاستيطان الزراعي والتنمية الاقتصادية والحصول على الارض ملكاً للشعب وتدريب الرواد الرزاعيين Halutzim والجهد المكثف لجمع المال لهذه الاغراض بما فيه استثمار رأس المال الخاص وتعميق الهوية والثقافة اليهوديين وتعبئة الرأي العام العالمي لتأييد "اسرائيل" سيادة في سائر المجالات.
وادرك بن غوريون ان لا واردات الدولة ولا العائدات العادية من "الصندوق القومي اليهودي" Keren Kayemet و"صندوق التأسيس" Krem Hatesod وقدرها حوالى 300 مليون دولار سنوياً تكفي لسد نفقات برنامج الطموح لمضاعفة عدد اليهود في البلاد خلال اربع سنين وانه كما يقول في مذكراته "لا يمكن تحمل هذا العبء من دون تعبئة الطاقة الهائلة Tremendous Capacity ليهود امريكا لهذا الغرض". فقرر اصدار سندات Bonds بمقدار بليون دولار تباع في الولايات المتحدة ودعوة كبار رجال الاعمال الامريكيين الى مؤتمر في القدس لإقرار فكرته فيل له ان السندات لا تعفى من الضرائب كما هي الحال بالنسبة الى التبرعات الى الصندوقين السالفي الذكر في امريكا لكنه اصر على رأيه وعقد المؤتمر وتم بيع سندات بقيمة 827 مليون دولار بين 1951 و1965.
وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1951 قابل ناحوم غولدمان الروسي المولد (1894-1982) ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية الرئيس الالماني اديناور على رأس وفد يمثل 23 هيئة يهوية للمطالبة بالتنسيق مع بن غوريون بتعويضات لما اصاب اليهود على ايدي الحكومة النازية وتم الاتفاق بين الطرفين في ايلول (سبتمبر) 1952 دفعت المانيا بموجبه 822 مليون دولار نقداً وسلعاً الى "اسرائيل" ما بين 1952 و1965 غير مبلغ 450 مليون مارك دفع الى سائر الهيئات اليهودية. ووصل جزء كبير منها ايضاً الى "اسرائيل" بطرق غير مباشرة. ولاقى الاتفاق معارضة شديدة في الكنيست من قبل مناحيم بيغن زعيم "الحزب اليميني" (الحيروت) المنبثق عن الحركة التنقيحية Revisionist وكذلك من احزاب اليسار وحرض بيغن اتباعه على مهاجمة الكنيست ورشقه بالحجارة مما استدعى تدخل الجيش لحمايته وتعليق عضوية بيغن في الكنيست لمدة ثلاثة اشهر.
ووصلت الطاقة الاسرائيلية في مجالي الزراعة والصناعة الى ما وصلت اليه بفضل احدث الآلات الالمانية التي تدفقت عليه بموجب هذه الاتفاقية وبنت المانيا اسطول "اسرائيل" التجاري الحديث اذ سلمتها 60 سفينة حمولتها 450,000 طن و8 ناقلات بترول حمولتها 200,000 طن اضافة الى حوض جاف للسفن وحدثت "اسرائيل" شبكتها الهاتفية وسككها الحديد ومحطات توليد الكهرباء بفضل هذه الاتفاقية، كما دفعت المانيا ثم الوقود لهذه المطات وتم كل هذا ما بين 1952 و1964 مما مكن "اسرائيل" من انشاء 172 مستعمرة جديدة ومضاعفة قطاعها المديني خلال هذه الفترة.
وفي عهد الرئيس الامريكي ترومان (1945-1953) الذي اعترف "باسرائيل" خلال دقائق من اعلانها يوم 15 ايار 1948، كون 1948 سنة انتخابية رئاسية، قدمت الولايات المتحدة الى "اسرائيل" (بين 1949 و1953) قروضا بقيمة 135 مليون دولار ومعونات بقيمة 160 مليون دولار. ورغماً عن الخلافات مع الرئيس ايزنهاور الذي خلف ترومان (1953-1961) الذي لم يكن بحاجة الى اصوات اليهود بحكم قيادته لجيوش الحلفاء خلال الحرب قدمت الولايات المتحدة الى "اسرائيل" خلال السنوات الثلاثة من هذه المرحلة (1954-1956) معونات بقيمة 178 مليون دولار.
وفي 29 تشرين الثاني 1948 قدمت "اسرائيل" طلباً لعضوية هيئة الأمم المتحدة ورفض هذا الطلب. وفي كانون الاول (ديسمبر) 1948 اصدرت الجمعية العامة لهيئة الأمم قراراً (194111) بإنشاء لجنة توفيق "لمساعدة الحكومات… لتحقيق تسوية سلمية نهائية لجميع القضايا العالقة بينها". كما نصت الفقرة الحادية عشرة منه على حق اللاجئين "الراغبين في العيش بسلام مع جيرانهم" في العودة "الى منازلهم" او في التعويض لمن يرغب في العودة، وفي نيسان 1949 وافقت كل من الدول العربية (مصر والاردن ولبنان وسوريا) و"اسرائيل" على حضور مؤتمر برعاية لجنة التوفيق يعقد في لوزان في سويسرا. وفي ايار وقع الطرفان مستقلين عن بعضهما البعض مسودتين متطابقتين في نصيهما تفيدان بانهما على استعداد لاعتماد خريطة لتقسيم فلسطين وفق قرار هيئة الأمم الصادر عام 1947 الحقت بكل المسودتين "كنقطة بداية واطار Starting Point &Framework لبحث القضايا الاقليمية". واصر الطرف العربي على عودة اللاجئين وفق قرار كانون الاول 1948 وكان اقصى عدد وافقت "اسرائيل" على عودته 100,000 لاجىء على ان يشمل هذا الرقم من دخل البلاد من الفلسطينيين منذ وقف القتال قدرتهم "اسرائيل" بـ 35 الفاً فرفض العرب الاقتراح وقدمت "اسرائيل" جانبياً اقتراحاً بضم قطاع غزة بسكانه ولاجئيه على ان يكون هذا بديلاً عن اقتراحها الاول فرفض هذا ايضاً طبعاً. وهكذا لم تسفر محادثات لوزان عن اية نتيجة، اللهم الا انها استعملت كورقة تين لقبول "اسرائيل" في عضوية هيئة الأمم في ايار 1949 ما لبثت بعد الحصول عليها ان اعلنت "اسرائيل" رفضها لـ"اطار" التقسيم لعام 1947 ولقرار هيئة الأمم بعودة اللاجئين. وهكذا تم ضمناً الاقرار الدولي بما فعلته "اسرائيل" خلال الحرب وحصلت هي على الشرعية الدولية رغماً عن ذلك وكان هذا الاساس "القانوني" لتدفق المعونات عليها الذي اسلفنا ذكره.
ونصت اتفاقات الهدنة التي عقدت عند وقف القتال 1949 بين "اسرائيل" من ناحية وكل من مصر والاردن ولبنان وسوريا (سحب العراق جيشه من فلسطين من دون التوقيع على اتفاق هدنة) من ناحية اخرى على انها اتفاقات "املتها اعتبارات عسكرية على وجه الحصر" Dicated exclusively by military considerations وانه لا يقصد منها ان تضعف او تبطل ولا بشكل من الاشكال اي حقوق اقليمية او غير اقليمية لاي من الاطراف وان خطوط الهدنة ليست بأي معنى من المعاني In any sense خطوطاً سياسية او اقليمية وانها رسمت من دون الاخلال Without prejudice لحقوق الاطراف السياسية عند التسوية النهائية.
وعلقت اتفاقات الهدنة مسألة السيادة على المناطق المجردة من السلاح التي تضمنتها الى حين التوقيع على معاهدات السلم النهائية وحددت هذه المناطق على كل من الحدود الاردنية والمصرية والسورية المشتركة مع "اسرائيل" وخولت الرئيس الدولي لكل لجنة هدنة مشتركة على كل من الجبهات الثلاث اعادة الحياة المدنية العادية داخل هذه المناطق وحرمت على الاطراف العدة ادخال قوات بوليس او عسكرية خارجية اليها كما حرمت عليها احداث اي تغيير في الوضع العسكري الراهن فيها لمصلحة اي منها.
وفي ايار 1950 اصدرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بياناً ثلاثياً التزمت به بمقاومة اللجوء الى القوة بين دول المنطقة وبالا تزود الدول العربية و"اسرائيل" بالسلاح الا بما تحتاجه منه لاغراض الدفاع عن النفس المشروعة Legitimate self defence .
بقي بن غوريون رئيساً للوزارة ووزيراً للدفاع منذ اعلان قيام الدولة لغاية كانون الاول (ديسمبر) 1953 عندما قرر التخلي عن الحكم والانزواء في مزرعة انشأها في النقب المحتل حديثاً وتولى رئاسة الوزارة من بعده زميله موشيه شاريت (1894-1965) الروسي المولد وتولى وزارة الدفاع بنحاس لافون مرشح بن غوريون، وفي شباط (فبراير) 1955 عاد بن غوريون من خلوته الى الحكم وزيراً للدفاع خلفاً لـ لافون اثر استقالة الاخير بسبب فضيحة سنأتي لها بعد قليل وبقي بن غوريون وزيراً للدفاع الى ان استقال شاريت من الرئاسة في تشرين الاول (اكتوبر) 1955 وخلفه فيها بن غوريون الذي بقي طوال هذه الفترة ان في مزرعته او في منصب وزير الدفاع الصوت الاقوى في صنع القرار الاسرائيلي.
ورافق هضم مغانم الحرب وتوطيد الذات نشاط في المناطق الحدودية ما لبث ان اسفر عن مخطط يرعاه بن غوريون بمعاونة كبار ضباطه وعلى رأسهم رئيس الاركان موشيه دايان الروسي الاصل والفلسطيني المولد (1915-1981) وهو مخطط يتطلع الى مرحلة من التوسع تلي مرحلة هضم المغانم.
وتجسدت اولى بوادر هذا المخطط في عنف ما سمي بالغارات "الانتقامية" على الجبهة الاردنية رداً على حوادث تسلل عبر الحدود. وكانت حرب 1948 زلزلت اوضاع الفلسطينيين المعيشية وفصلتهم عن مصادر كسبهم ورزقهم في مدنهم وقراهم وقطعت الاتصال بين ما تبقى من تراب البلاد في الضفة الغربية وقطاع غزة والقت بمئات الآلاف في العراء عالة على احسان الاخرين. اضافة الى هذا وذاك فصلت حدود الهدنة الاردنية الاسرائيلية الممتدة 350 كيلومتراً حوالى مئة قرية عربية عن اخصب اراضيها الزراعية وشاهد اهلها الصامدون الاغراب يأكلون ثمارها فكان من الطبيعي ان يحصل تسلل كان في بدايته من قبل افراد عزل من السلاح وكانت الغارة على قرية قبيه العربية في تشرين الاول 1953 من اعنف هذه الغارات الانتقامية حين قتل 42 اردنياً وجرح 15 "انتقاماً" لمقتل ثلاثة اسرائيليين.
وتجلى مخطط بن غوريون على الحدود السورية في اصرار "اسرائيل" على سيادتها على المناطق المجردة من السلاح وفي دخولها اليها بقواتها المسلحة وطرد مزارعيها العرب منها كما تجلى في منعها سكان الجولان من الصيد في بحيرة طبريا وهو حق مارسوه منذ الازل وادخالها قوارب مسلحة الى البحيرة لتطبيق سياستها هذه، ولعل اعنف غارة اسرائيلية على هذه الحدود هي غارتها المفاجئة في 10 كانون الاول 1955 على المواقع السورية التي ادت الى مقتل 56 جندياً سورياً وجرح 7 وفقد 32 من دون ان تكون قد وقعت اصابة اسرائيلية واحدة في المناوشات التي سبقت الغارة. بيد ان اخطر تطور على الجبهة السورية كان محاولة "اسرائيل" الاولى عام 1953 لتحويل مجرى نهر الاردن تحويلاً من جانب واحد من دون الالتفات الى حقوق الدول النهرية الاخرى (الاردن، سورية، لبنان) وما تنم عنه هذه المحاولة من عنجهية واستعداد للتوسع على حساب الاخرين.
وتجلى مخطط بن غوريون اكثر ما تجلى على الجبهة المصرية حين طبقت "اسرائيل" السياسة عينها التي طبقتها على الجبهة السورية بالنسبة للمناطق المصرية المجردة من السلاح فدخلت عام 1953 منطقة العوجا الاستراتيجية من الحدود وطردت منها سكانها من البدو واقامت فيها "كيبوتسا" عسكرياً.
لكن اخطر ما حدث على هذه الجبهة هو ارسال وزارة الدفاع الاسرائيلية عام 1954 عملاء لها داخل مصر لنسف مؤسسات امريكية وبريطانية املاً في افساد العلاقات الطيبة بين مصر وهذين البلدين التي تلت الثورة المصرية واتفاق الجلاء عن قناة السويس البريطاني المصري في تموز (يوليو) 1954. بيد ان السلطات المصرية اعتقلت العملاء ويعد محاكمتهم اعدمت اثنين منهم في 31 كانون الثاني (يناير) 1955 فقرر بن غوريون الانتقام وكان قد استلم وزارة الدفاع في 21 شباط (فبراير) بعد استقالة لافون اثر فضيحة العملاء، وانتهز بن غوريون فرصة حادث مقتل اسرائيلي واحد في حادث تسلل من قطاع غزة بتاريخ 23 شباط 1955 ليضرب في 28 منه ضربته فجاءت على شاكلة هجوم مفاجىء مركز على ثكنة الجيش المصري في غزة قتل فيه 38 جندياً وجرح 31.
وشكل هذا الحادث منعطفاً من اخطر منعطفات تاريخ المشرق في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك انه ادى الى صفقة السلاح "التشيكية" التي ادت الى تأزم العلاقات المصرية الامريكية فسحب العرض الامريكي المساعد في بناء السد العالي فتأميم شركة قناة السويس.
وتدهورت في هذه الاثناء ايضاً العلاقات بين مصر من ناحية وكل من بريطانيا وفرنسا من ناحية اخرى بسبب الخلاف حول حلف بغداد بالنسبة لبريطانيا وتأييد مصر لثورة الجزائر بالنسبة لفرنسا واملت بريطانيا في القضاء على عبدالناصر ان تعيد مجدها في المشرق العربي، واملت فرنسا في القضاء عليه ان يستتب لها الامر في "الجزائر الفرنسية" والمغرب العربي، وتلألأت امام بن غوريون فرصته الذهبية وصرخ "من هو هذا ناصر شماصر" فكان العدوان الثلاثي الذي كانت "اسرائيل" رأس حربته واعلن بن غوريون بعد احتلاله سيناء ان سيناء ليست ارض مصرية وبلدة "رأس محمد" في جنوب سيناء الاقصى على البحر الاحمر انما اسمه الحقيقي هو "مفراتس شلومو". ولعل بن غوريون تذكر وهو يقول ذلك ما كان قد دونه في مفكرته اليومية بتاريخ 14 ايار 1948 عشية اعلانه لدولة "اسرائيل" اذ قال "لو اخذنا اعلان استقلال امريكا مثلاً لوجدنا انه لا ذكر لاي حدود فيه لذلك نحن لسنا مضطرين لذكر حدود دولتنا" قال ذلك قبل دخول الجيوش العربية البلاد.
المرحلة الثانية: (1956-1967) من العدوان الثلاثي الى حرب حزيران 1967
فصلت احدى عشرة سنة حرب حزيران (يونيو) عام 1967 عن حرب السويس عام 1956 وكانت المحطة الكبرى على طريق السويس ثانية تحويل "اسرائيل" لنهر الاردن عام 1964 وفشل الدول العربية في الحيلولة دون ذلك. واقول "السويس ثانية" لان المتأمل في مسار الصهيونية منذ البدء وفي مجريات هذا العقد في سياق هضم "اسرائيل" لمكاسب حرب 1948 وتثبيت ذاتها منذئذٍ، لا يسعه الا ان يصل الى قناعة بحتمية اعادة "اسرائيل" للكرة بعد ان ارغمها الرئيس دوايت ايزنهاور على الانسحاب من سيناء. فالقوى الاسرائيلية الذاتية متنامية والبيئة الاقليمية العربية ميسرة وموازين القوى محفزة والظروف الدولية ملائمة والاوضاع الداخلية الاسرائيلية مشجعة والذارئع لشن الحرب متوفرة مستساغة.
هدد ايزنهاور "اسرائيل" بالمقاطعة الاقتصادية كما هددها بإلغاء الاعفاء الضريبي للتبرعات اليهودية فرضخت "اسرائيل" بالطبع واثبت ايزنهاور بإصراره على انسحاب "اسرائيل" انسحاباً كاملاً من قطاع غزة وسيناء وعلى عودة الوضع الى ما كان عليه قبل الحرب ( Status quo ante bellum) ان واشنطن قادرة على فرض ارادتها على "اسرائيل" اذا ما عقدت النية فعلاً على ذلك على رغم كل ما لدى الصهيونية والجاليات اليهودية الامريكية من سطوة ونفوذ في الولايات المتحدة.
والتعديل الوحيد الذي طرأ على وضع ما قبل الحرب هو نشر قوات طوارىء دولة UNEF على حدود قطاع غزة وفي مضيق تيران عند مدخل خليج العقبة مما سمح بمرور الفن الاسرائيلية فيه ورافق ذلك تأكيد من واشنطن على انها تعتبر مياه الخليج مياهاً دولية واعلن الامين العام للأمم المتحدة يوثانت ان وجود القوات الدولية تم بموافقة مصر وان القوات تسحب في حال طلب مصر لذلك. ورفضت "اسرائيل" ان تنشر القوات على جانبها من الحدود ايضاً وكان هذا من المؤشرات المبكرة على نياتها المستقبلية في هذه المرحلة.
ان موقف واشنطن الصارم تجاه "اسرائيل" خلال حرب 1956 تلى موقفاً صارماً سابقاً اتخذته عام 1953 عندما هددت ايضاً بإلغاء الاعفاء الضريبي للتبرعات اليهودية وقطعت بالفعل مساعدتها المالية لتلك السنة لإرغام "اسرائيل" على ايقاف محاولتها الاولى لتحويل نهر الاردن من المنطقة المجردة من السلاح على الحدود السورية-الاسرائيلية، وهذان الموقفان يلقيان اضواء كاشفة على صنع القرار الامريكي تجاه "اسرائيل" منذئذٍ والى يومنا هذا. فكيف ولماذا اتخذ؟
الجواب هو ان ايزنهاور وصل الى الرئاسة بسبب كونه بطلاً قومياً دفعته الى القمة موجة ضخمة من التأييد الشعبي العارم من دون ان يكون لاحد اي فضل عليه وهي حال فريدة ووليدة ظروف استثنائية غير قابلة للتكرار، ثم امضى ايزنهاور حياته في بيئة عسكرية محافظة لم يكن لليهود بعد فيها اي وجود او اثر يذكر فلم تشمل دارة زملائه واصدقائه ولا حتى معارفه يهودا، خلافاً للوضع العام بالنسبة لجمهرة السياسيين الامريكيين. واختار ايزنهاور وزيراً للخارجية جون دالاس المحافظ جداً ايضاً والمنتمي الى النخبة الانكلوسكسونية المغلقة على نفسها والبعيدة، ان لم نقل النافرة، من الاوساط اليهودية. وهو الى ذلك ذو نظرة فاحصة ناقدة للصهيونية يشاركه فيها اخوه آلان دالاس الذي دعا الكونغرس عام 1922 لرفض "الضغوط الصهيونية" من موقع المسؤول عن شؤون الشرق الاوسط في وزارة الخارجية. وآلان دالاس هذا اصبح رئيساً للـ"سي آي آي" اثناء ولاية ايزنهاور.
نشأ عن هذا الوضع ان الصهيونية افتقرت اثناء هذه الولاية الى "المدخل" Access ان قمة صنع القرار الامريكي في الشؤون الخارجية: الرئيس ووزير الخارجية. وكان شعورها بالفاقة اكثر ايلاماً نظراً لما تمتعت به من حرية ذهاب واياب في عهد الرئيس هاري ترومان السابق، ونشأ عن الغياب شبه المطلق لاي "مدخل" يهودي فعال عليه ان استطاع ايزنهاور ان يحدد سياسته تجاه "اسرائيل" خلال حرب 1956 في ضوء المصلحة الامريكية العليا من دون ان تشوبها الاعتبارات الداخلية الفئوية او بالاحرى بالحد الدنى من التلوث منها ذلك ان النفوذ اليهودي في الكونغرس كان قائماً. غير ان اثر الكونغرس في صنع السياسة الخارجية لغاية حرب فيتنام كان اقل مما اصبح بعدها. وكان ليندن جونسون الوثيق الصلة باليهود رئيس الاكثرية الديمقراطية Majority Leader في مجلس الشيوخ وهو الذي ضغط على ايزنهاور حتى لا يلغي الاعفاء الضريبي عام 1956.
شكلت "المجابهة" بين ادارة ايزنهاور و"اسرائيل" خلال الخمسينات منعطفاً خطيراً في تطور التنظيم الصهيوني في الولايات المتحدة وصممت الحركة الصهيونية منذها ان تحول دون تكرارها مع ادارة لاحقة وذلك باحكام ادارة اللوبي اليهودي. فتأسست عام 1954 لجنة "الايباك" American Israel Public Affairs Committee بإيعاز من ابا ايبان سفير "اسرائيل" لدى هيئة الأمم وانشأ عام 1955 "مؤتمر رؤساء الهيئات الامريكية اليهودية الكبرى" الذي ضم في بدايته رئيس 16 هيئة يهودية كتنظيم قائم يعقد عند كل طارىء للضغط على كبار المسؤولين. وما زال هذان التنظيمان الركنين الاساسيين للنشاط الصهيوني المباشر في واشنطن واصبحت "الايباك" اليوم المدرسة لتخريج موظفي وزارة الخارجية والبيت الابيض من اليهود الذين حلوا محل "المستعربين" Arabists بينما بلغ عدد رؤساء التنظيمات اليهودية الكبرى المنضمة الى المؤتمر 37 رئيساً.
استمرت "اسرائيل" في هذه المرحلة في توطيد ذاتها وتثبيتها واصبح عدد سكانها من اليهود عشية حرب حزيران حوالى 2,400,000 وبلغ عدد الناخبين المسجلين لانتخابات الكنيست السادس (عام 1956) 1,499,709 بينما كان عددهم لانتخابات الكنيست الاول (عام 1949) 506,567 وزاد عدد سكان المدن الرئيسية فبلغ عدد سكان تل ابيب، مثلاً، 380,000 عام 1967 بينما كان 220,000 عام 1948. وقفزت القيمة الاجمالية لصادراتها من 28,5 مليون دولار عام 1949 الى 503 ملايين دولار عام 1966 وبلغت نسبة الصادرات الى الواردات عام 1966 58,8 في المئة بينما لم تتعد 11,3 في المئة عام 1949 وكانت اهم صناعاتها في الاجهزة الكهربائية والآلية والالكترونية.
وشهدت "اسرائيل" نمواً مماثلاً في حقل الزراعة فزاد عدد قراها الى 750 قرية عشية حرب حزيران وبينما استهلكت 300 مليون متر مكعب من الماء عام 1949 استهلكت ما يزيد على 1,300,000 متر مكعب عام 1965 وذلك بفضل تحويل نهر الاردن الذي تم في السنة السابقة من نقطة انطلاق مختلفة عن نقطة 1953 مما مكنها من زيادة مساحة اراضيها تحت الري من 300,000 دونم عام 1948 الى 1,450,000 دونماً عام 1967 وزيادة انتاجها الزراعي ستة اضعاف خلال الفترة ذاتها.
وعززت "اسرائيل" خلال هذه الفترة علاقاتها الدولية على رغم سلسلة القرارات الصادرة عن هيئة الأمم في شجب تصرفاتها فاقامت علاقات دبلوماسية مع تسعين دولة، ستون منها من افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، واسست علاقات وثيقة في افريقيا خصوصاً مع الحبشة وغانا وغينيا وساحل العاج اضافة الى افريقيا الجنوبية. وحافظت على علاقات جيدة مع الدول الاوروبية الكبرى: المانيا الاتحادية وبريطانيا وفرنسا وتم الاعتراف المتبادل مع المانيا الاتحادية عام 1965. وباعت المانيا الاتحادية "اسرائيل" طائرات هليكوبتر ودبابات امريكية الصنع بإيعاز من امريكا. وباعت بريطانيا "اسرائيل" سفناً حربية ودبابات "سنتيوريان" الثقيلة. لكن اهم علاقة في مجال التسلح كانت مع فرنسا. وكان معظم طائرات "اسرائيل" الحربية قبل حرب حزيران وخلالها فرنسية الصنع كذلك دباباتها ومدفعيتها الثقيلة. بيد ان الفتور بدأ يدب تدريجياً بينهما بعد استقلال الجزائر عام 1962 بسبب حرص الرئيس شارل ديغول على اعادة العلاقات الطيبة مع الدول العربية وخصوصاً مع مصر.
وكان اخطر بعد على موازين القوى بين "اسرائيل" والعرب في العلاقة الفرنسية - الاسرائيلية التعاون السري في المجال النووي العسكري، الذي بدأ عام 1954 بإشراف شمعون بيريز (مهندس الشرق اوسطية في ايامنا) ممثلاً لاسرائيل بوصفه وكيلاً لوزارة الدفاع وكانت "اسرائيل" بدأت تفكر في حيازة السلاح النووي بعيد اعلان قيامها عام 1948 ، وانشأت عام 1952 لهذا الغرض لجنة الطاقة النووية. وفي عام 1955 استغلت مشروع ايزنهاور النووي السلمي Atoms for Peace لتبني بمعونة امريكا مفاعلاً بحثياً Research Reactor صغيراً في ناحل سوريك طاقته 5 ميغاواط وتضمن الاتفاق مع فرنسا قيامها بمساعدة "اسرائيل" على بناء مفاعل نووي في ديمونا تتراوح تقديرات طاقته بين 25 ميغاواط و40 ميغاواط مقابل ان تعين "اسرائيل" فرنسا في صناعة الماء الثقيل Heavy Water الذي يبدو انها كانت قد طورته وهذه مادة تستعمل في تبريد المفاعلات. وثمة دلائل على ان مفاعل ديمونا بدأ العمل عام 1963 في انتاج مادة البلوتنيوم التي تصنع منها القنبلة النووية فاذا كانت طاقته 25 ميغاواط فهذه تكفي لصناعة قنبلة واحدة في السنة، واذا كانت 40 ميغاواط فهي تكفي لصناعة 3-4 قنابل سنوياً. واكدت مصادر رسمية امريكية وفرنسية على حيازة "اسرائيل" للسلاح النووي. كما اكد على ذلك عام 1986 الاسرائيلي فعنونو الذي كان يعمل مساعداً فنياً في ديمونا، و"اسرائيل" تنكر حيازتها السلاح النووي وترفض رفضاً باتاً كلاً من التوقيع على معاهدة عدم نشر الاسلحة النووية او التفتيش الدولي على مفاعلها في ديمونا. وبحيازة السلاح النووي اصبحت "اسرائيل" سادس دولة نووية عسكرية في العالم بعد امريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا واكتسبت قوة ردع هائلة لا مثيل لها لدى العرب اضافة الى قواتها النظامية التقليدية الضخمة المتفوقة على جيوش الدول العربية المتاخمة لها.
لم يتخذ ايزنهاور موقفه من "اسرائيل" عام 1956 حباً بالعرب، بل املاه عليه حذره من الصدام مع حليف القاهرة الاتحاد السوفياتي الذي لمح الى وجوب قيام العملاقين الاثنين بطرد المعتدين او الى قيامه هو بمبادرة عسكرية من جانب واحد علماً بان تهديد موسكو المباشر لكل من لندن وباريس وتل ابيب تلا اتخاذ ايزنهاور لموقفه الحازم تجاههم. ولم يلبث هذا الاخير بعد اخراج الغزاة من مصر الا ان اطلق مشروعه "لحماية" المشرق العربي من اليوعية وكان هذا هو الخطر المحدق به وهو انما فعل ذلك لان واشنطن نظرت الى كل مناطق العالم طوال الحرب الباردة من خلال منظار صراعها مع موسكو ولان اخراج بريطانيا وفرنسا بهذه الشاكلة المهينة من مصر احدث في نظرها "فراغاً" غربياً في المنطقة كان لا بد لواشنطن من ان تملؤه، حماية لمصالح الغرب البترولية. وبالرغم من موقفه المتشدد من "اسرائيل" حصلت "اسرائيل" على معونات مالية من واشنطن خلال عهد ايزنهاور (1953-1960) قدرها 493 مليون دولار مما يدل على قوة نفوذها في الولايات المتحدة حتى بوجود ادارة غير متعاطفة.
وباقتراب نهائية "كابوس" ايزنهاور تطلع اللوبي الاسرائيلي الى المرشح كينيدي الذي كان له "مدخل" Access عليه رغم تخوفهم منه بسبب مواقف والده جوزيف المناصرة لألمانيا النازية ايام عمله سفيراً في لندن في الثلاثينات ولكنه كاثوليكياً. اضافة الى انه لم يهرع الى تأييد "اسرائيل" خلال العدوان الثلاثي كما فعل المرشحان الديمقراطيان الاخران ليندن جونسون وهوبرت همفري.
واجرى الزعيم اليهودي كلوتزنيك صاحب "المدخل" امتحاناً مبكراً لكينيدي في القضية الفلسطينية ووجد اجوبته في روايته للحادث "ضبابية" Cloudy كما اظهر كينيدي لممتحنه اهتماماً بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، فما كان من كلوتزنيك الا ان قال له "اذا كنت تنوي ان تقول مثل هذا الكلام اثناء معركتك الانتخابية فأخرجني من حساباتك واخرج معي عديدين اخرين". وسأله كينيدي "ماذا يريد اليهود ان اقول؟" فنصحه كلوتزنيك "ان موقف ايزنهاور في السويس لم يكن مرض وموقف ترومان عام 1948 اصاب الهدف بإحكام On The Marka . وعقب ذل حضر كينيدي اجتماعاً مع رجال اعمال يهود كان بينهم كلوتزنيك فوعده بمبلغ 500,000 دولار لصندوقه فوقف في مؤتمر للمنظمة الامريكية الصهيونية Zionist Organization Of America بعد ذلك ليقول "ان هرتزل كان في السابعة والثلاثين من عمره عندما اعلن حتمية قيام دولة "اسرائيل" وذلك جواباً على بعض منتقديه من الجمهوريين على صغر سنه، واضاف "ان الشعب اليهودي منذ انتصار داوود على جوليت Goliath لم يعتبر صغر السن حائلاً دون الزعامة" وحصل كينيدي في انتخابات 1960 ضد منافسه نيكسون على 80 في المئة من اصوات اليهود مما رجح كفته عليه ولو بنسبة قليلة فتأكدت بذلك اهمية هذه الاصوات لكل طامح الى الرئاسة من بعده.
وعبر كينيدي عن تقديره بتعيين كلوتزنيك نائباً لرئيس الوفد الامريكي في الأمم المتحدة. وقال لـ"بن غوريون" عندما التقيا في نيويورك في ربيع عام 1961 (حسب رواية بار زوهار مترجم سيرة الاخير) "انني اعرف بانني انتخبت بفضل اصوات اليهود الامريكيين فهل استطيع ان اعمل شيئاً للشعب اليهودي"، يقول بار زوهار ان بن غوريون ذهل لهذه الصراحة واجاب "عليك ان تعمل ما هو الافضل للعالم الحر".
ورغماً عن ذلك كان كينيدي مؤيداً لثورة الجزائر ومعجباً بعبدالناصر ومتطلعاً الى لقائه وآملاً بالتعاون معه للوصول الى تسوية خصوصاً فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين عملاً بقرار العودة 194 الصادر عن هيئة الأمم عام 1948. وفعلاً ايد كينيدي مشروعاً اعده جاوزيف جونسون عامي 1961-1962 (هو غير ايريك جونستون مبعوث ايزنهاور لشؤون المياه) يتضمن مبدأ اعطاء اللاجئين الخيار بالعودة او التعويض ولاقامة صندوق تشارك "اسرائيل" فيه للتعويض عليهم.
اغضب المشروع بن غوريون غضباً شديداً فكتب الى سفيره في الولايات المتحدة حسب رواية ساي كينين مؤسس "الايباك" ان يخبر اللوبي الصهيوني بان "اسرائيل" تعتبر هذا المشروع خطراً على وجودها اشد وادهى من تهديدات جميع الديكتاتوريين والملوك العرب ومن جميع الجيوش العربية وصواريخ ناصر وطائراته السوفياتية"فقضي بذلك على المشروع. وفي الوقت نفسه وافق كينيدي على بيع "اسرائيل" صواريخ هوك Hawk ، المضادة للقاذفات فزادت بذلك قوة "اسرائيل" الدفاعية وبالتالي الهجومية وكانت هذه اول صفقة سلاح متطور امريكية-اسرائيلية منذ قيام الدولة تبعها سيل لا ينقطع الى يومنا هذا.
وباغتيال كينيدي وتولي نائبه ليندن جونسون الرئاسة تعددت "المداخل" اليهودية الى البيت الابيض …. مستشار الامن القومي واخوه يوجين الرجل الثالث في الخارجية وارثور غولدبرغ السفير في هيئة الأمم وجون روش المساعد الخاص في البيت الابيض وارثور كريم Krim ، وزوجته صديقان مقربان ينزلان على البيت الابيض وعلى "عزبة" الرئيس. والسيدة كريم مسيحية تهودت وهي عضو سابق في منظمة الارغون الارهابية بقيادة مناحيم بيغن.
واستحوذ القتال في فييتنام على ذهن جونسون، وعند استلامه الحكم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 كان وصل عدد القوات الامريكية هناك الى 15 الف جندي فارتفع الى 184,300 في نهاية 1965 والى حوالى نصف مليون في نهاية 1966. وامتد القتال الى كمبوديا. وامر جونسون بقصف منطقة هانوي قصفاً متواصلاً وكلما ازداد الضغط الشيوعي على جونسون في جنوب شرق آسيا ازداد الحافز لديه لرد التحية في غربها.
وتميز الوضع السياسي الداخلي في "اسرائيل" خلال هذه الفترة بظاهرتين: اولاهما تفاقم ذيول فضيحة لافون مما ادى الى استقالة بن غوريون نهائياً من الحكم وثانيهما احتدام التنافس بين احزاب اليمين بزعامة مناحيم بيغن والاحزاب العمالية بزعامة بن غوريون. وبقي بن غوريون رئيساً للوزارة ووزيراً للدفاع من نوفمبر 1955 (بعيد استقالة موشيه شاريت) لغاية حزيران (يونيو) 1963 عندما استقال بسبب فشله في اقناع زملائه بإدانة لافون الذي اصر على انه كان ضحية خداع المؤسسة العسكرية اي بمعنى اخر ضحية بن غوريون نفسه وظل بعد خروجه من الحكم الاب الروحي لهذه المؤسسة كما كان رئيس الاركان بين 1964-1968 اسحق رابين احد اقرب المريدين العسكريين اليه. وخلف بن غوريون في الحكم ليفي اشكول الذي بقي رئيساً الى ان توفي عام 1969.
وبقي حزب "الحيروت" اليميني المنبثق عن العصابتين الارهابيتين الارغون والشتيرن في مرتبة ادنى من حزب الماباي العمالي في انتخابات الكنيست الاولى (1949) والكنيست الثاني (1951) فكانت مرتبته الرابعة في الاولى، والخامسة في الثانية، لكنه قفز الى المرتبة الثانية بعد الماباي في كل من انتخابات الكنيست الثالثة (1955) والرابعة (1959) ووحد الطرفان صفوفهما عام 1965 استعداداً لانتخابات الكنيست الخامسة في هذه السنة فتجمعت احزاب اليسار فيما سمي بـ الائتلاف Alignment ، وتجمعت احزاب اليمين فيما سمي بحزب "الجاحال" واحتفظ حزب "الجاحال" بمرتبته الثانية في هذه الكنيست وكان "الجاحال" يزايد على العمال في السياسة الخارجية خصوصاً تجاه الدول العربية.
كانت هذه خلفية الاحداث الجسام التي شهدها الوطن العربي خلال هذه الفترة من الوحدة (1958) الى الانفصال (1961) ومن استقلال المغرب فتونس (1956) والكويت (1961) والجزائر (1962) ومن ثورة لبنان (1958) والعراق (1958) ونزول قوات المارينز في لبنان وخروجها منه في السنة ذاتها الى ثورة اليمن (1962) ونزول القوات المصرية فيه في السنة ذاتها الى سقوط عبدالكريم قاسم (1962) الى فشل محادثات الوحدة بين العراق وسورية ومصر عام 1963 وما بعد.
وكانت هذه الاحداث الدولية والاسرائيلية والعربية خلفية سعي "اسرائيل" الحثيث مجدداً الى تحويل نهر الاردن الذي تم لها في صيف 1964 وهي سنة انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة اعيد فيه ليندن جونسون الى الحكم وهو الذي وصفه ساي كينين مؤسس "الايباك" في مذكراته عام 1981 بانه "افضل صديق The Best Friend لاسرائيل من بين رؤساء الولايات المتحدة".
وانعقد مجلس الجامعة العربية عام 1960 اثناء الوحدة ليعلن ان مواصلة "اسرائيل" السعي لتحويل النهر "عمل عدواني ضد العرب يبرر تدابير دفاعية مشتركة" فجاء ما جاء بعد هذا الاعلان ولم يجتمع رؤساء الاركان العرب الا في كانون الاول (ديسمبر) 1963 بطلب من سوريا الانفصالية فقرروا ان لا مندوحة من القوة العسكرية لايقاف اعمال التحويل فدعا عبدالناصر الى اجتماع قمة في كانون الثاني (يناير) 1946 (وهو اول اجتماع قمة عربية بعد اجتماع انشاص في مصر عام 1946 قبيل قرار التقسيم عام 1947). وتخلل اجتماع القمة تلاسن وتطاول وتجريح لا يشرف المتفوهين به وقرر القيام بتحويل مضاد لروافد النهر الواقعة في الدول العربية (الحاصباني، والبانياس، واليرموك) وانشاء قيادة عسكرية موحدة للدفاع عنه كما قرر الطلب من ممثل فلسطين في الجامعة احمد الشقيري المثابرة في انشاء "الكيان الفلسطيني".
وفي ايلول (سبتمبر) 1964 وبعد بدء تدفق مياه الاردن الى النقب في جنوب "اسرائيل" عبر الجليل والسهل الساحلي في انابيب قطرها 108 بوصات انعقدت قمة ثانية لتقرر بناء السدود على البانياس والحاصباني واليرموك وقناة تمتد 80 ميلاً داخل الاراضي السورية تربطها ببعضها البعض. وهددت "اسرائيل" وتوعدت وقامت بغارات متتالية جوية ومدفعية على لاقرى السورية ومواقع التحويل المضاد في تشرين الثاني 1964 واذار (مارس) وايار (مايو) 1965 وتموز (يوليو) 1966 اوقفت عملياً هذا المشروع العربي المشترك فتبين لها ميدانياً هزالة العمل العربي الجدي مع انه لم تكن بحاجة الى دليل عليه.
وتم لها سرقة المياه العربية بعدما سرقت معظم الاراضي الفلسطينية قبل ذلك بعشرين عاماً وكانت المجابهة بصدد التحويل بمثابة "بروفة" عسكرية لما هو آت.
واضاف الى فقاقيع الشقيري (رحمه الله) اللفظية برزت في الميدان حركة "فتح" الجهادية تنادي بالقياس بين حرب تحرير شعبية في فلسطين وحرب التحرير في الجزائر وفيتنام والصين مع ان لا قياس بين هذه وتلك. ولم تخفِ "فتح" غايتها في توريط الجيوش العربية النظامية في حرب مع "اسرائيل" بحجة تقاعس الدول العربية عن القيام بواجبها اتجاه فلسطين فقامت بسلسلة غارات صغيرة من الاراضي السورية والاردنية لم يكن لها اي اثر عسكري يذكر على رغم بطولة من قام بها، لكنها اضافت الى مستودع الذرائع التي كانت "اسرائيل" تحرص على تجميعها كما شهد بذلك موشيه دايان في التصريح الذي روي عنه مؤخراً.
وتوج عبدالناصر (رحمه الله) هذه الذرائع من غير قصد تحت تأثير ضغوط عربية هائلة تعرض لها من كل صوب فاقترب رابع الاخطاء الاستراتيجية الكبرى في حياته السياسية: احجامه عن ممارسة صلاحياته الدستورية في الحفاظ على الوحدة (1961) وقرار التأميم (1961) وارسال جيشه الى اليمن (1962) اما رابع الاخطاء وادهاها فكان طلبه سحب قوات الدولية من قطاع غزة ومضيق تيران.