الطور الثاني (1917-1948): من اكتمال عناصر النجاح الى قيام الدولة بالحرب

 المرحلة الاولى (1917-1922) من دعم الدولة العظمى الى الشرعية الدولية
بحصول الحركة الصهيونية على تأييد الدولة الاستعمارية الكبرى عن طريق وعد بلفور توفرت للحركة عناصر النجاح اللازمة وكان الوعد هو "البراءة" التي سعى اليها هرتزل منذ المؤتمر الصهيوني الاول والمفارقة ان "البراءة" جاءت على حاييم وايزمان الذي كان من اشد معارضي اعطاء هرتزل البراءة الاولوية التي اعطاها اياها غير ان كلاهما كان على حق فلولا "انجازات" الحركة الصهيونية (قبل البراءة) لما كانت البراءة ولولا البراءة لما ادت الانجازات الى ما ادت اليه بعد وعد بلفور.

وكان لوعد بلفور فعل السحر في الجاليات اليهودية الغربية ازال تحفظات العديدين من اليهود على الصهينية وتخوفهم من تهمة "الولاء المزدوج" فاستغلت الحركة الصهيونية ذلك الى ابعد الحدود وعوضت عن انقطاع الاتصال بيهود روسيا بسبب الثورة البلشفية بحشد التأييد الشعبي لها في الولايات المتحدة على نطاق لم تكن لتحلم به قبلاً وذلك تمهيداً لعرض مطالبها بالتنسيق الوثيق مع الراعي البريطاني على مؤتمر الصلح المقبل فانعقد في كانون الاول (ديسمبر) 1918 بقيادة الاتحاد الصهيوني الامريكي المؤتمر اليهودي الامريكي American Jewish Congress الذي ضم الصهيونيين وغير الصهيونيين ممثلاً لثلاثة ملايين من اليهود وطالب مؤتمر الصلح بإقرار وعد بلفور والاعتراف بالحقوق التاريخية لليهود في فلسطين وبجعل فلسطين "كومنولث يهودي" تحت الوصاية البريطانية كما قرر المؤتمر اليهودي هذا ارسال وفد لمؤتمر الصلح للتعاون مع وفد المنظمة الصهيونية بإشراف برانديس.

وفي شباط (فبراير) 1919 وبعد التشاور بين وايزمان وبلفور قدمت المنظمة الصهيونية مذكرة الى مؤتمر الصلح في باريس بمطالب المؤتمر الامريكي نفسها مع تحديد مفصل للحدود الشمالية والشرقية ومما ذكرته بالنسبة للحدود الشمالية ان جبل الشيخ هو "ابو المياه" ويجب ان يكون بكامله وكذلك "جميع مصادر" مياه نهر الاردن والليطاني داخل حدود فلسطين اما الحدود الشرقية فهي خط سكة الحديد الحجازي جنوباً الى العقبة وذكرت المنظمة انها كانت ميناء يهودية في ايام سليمان. ووقع على المذكرة كل من سكولوف ووايزمان باسم كل من المنظمة الصهيونية العالمية ويهود فلسطين وسبعة يهود امريكيون عن المنظمة الصهيونية الامريكية وممثل واحد عن يهود روسيا. ومثل وايزمان وسكولوف امام المؤتمر وطالب وايزمان بهجرة خمسة ملايين يهودي واجابة عن سؤال من وزير خارجية امريكا روبرت لانسينغ ولم يكن متعاطفاً مع الصهيونية عن معنى عبارة "السكن القومي" National Home الواردة في وعد بلفور قال وايزمان ان القصد ان تصبح فلسطين تدريجياً يهودية كما انكلترا انكليزية وامريكا امريكية. وحضر بلفور الجلسة وارسل من يهنىء وايزمان بعدها على شهادته.

كان لبريطانيا والصهيونية في هذه المرحلة بالنسبة لفلسطين هدف واحد اساسي هو إضفاء الشرعية الدولية على وعد بلفور وعلى بقاء بريطانيا في فلسطين وذلك ضمن اطار التسوية للشرق الاوسط التي يقرها مؤتمر الصلح. وعلى رغم الهدف المشترك هذا لم تكن وجهات نظر الطرفين دوماً متطابقتين كما ظهرت دونه عقبات صعبة التذليل.

اما العقبات فأهمها اثنتان اولاهما ان ميثاق عصبة الأمم الذي اقر نظام الانتداب في 28 حزيران (يونيو) 1919 عند التوقيع على معاهدة فرساي استند في اقراره لهذا النظام الى المادة 22 منه التي استندت بدورها الى مبدأ تقرير المصير الذي اعلنه ويلسون ضمن نقاطه الاربع عشرة. وعملاً بهذا المبدأ وبتأثير من صديقه رئيس الجامعة الامريكية في بيروت هاورد بليس وعلى رغم تأييده لوعد بلفور سراً (بتأثير برانديس) طالب ويلسون بإيفاد لجنة تمثل المؤتمر الى الشرق الاوسط للاستفسار عن رغبات اهالي البلاد واثر رفض فرنسا وبريطانيا الاشتراك بهذه اللجنة اوفد ويلسون صديقيه شارلز كرين وريتشارد كينغ في حزيران 1919 الى الشرق الاوسط اللذين انتقدا في تقريريهما الصهيونية انتقاداً شديداً ونقلا رغبة اهالي البلاد في الاستقلال اولاً واذا كان لا بد من وصاية فلتكن وصاية امريكية مؤقتة وليست فرنسية او بريطانية.

لم يسفر تقرير كينغ - كرين عن اية نتيجة بسبب موجة الانعزالية العارمة التي اكتسحت امريكا في اعقاب معاهدة فرساي ضد انضمام امريكا الى عصبة الأمم وانهماك ويلسون عبثاً في مجابهتها ثم اصابته بجلطة دموية جعلته قعيداً وحدّت من نشاطه اعقبها فوز وارن هاردينغ الانعزالي في انتخابات 1920 الرئاسية.

والواقع ان صنع القرار الامريكي بالنسبة لفلسطين اتصف في هذه الفترة بصفات لازمته لاحقاً والى الامس القريب من حيث الانفصام بين سياسة البيت الابيض والكونغرس من جهة وسياسة الخارجية من جهة ثانية وهو انفصام التام في عهد رونالد ريغان وكمل التئامه في عهد بيل كلينتون اليوم.

فها هو ويلسون يضطر عملاً بمبادئه الى ايفاد لجنة كينغ كرين لكنه يتجاهل توصياتها ويسعى بالخفاء لإصدار وعد بلفور عن طريق مستشاره في البيت الابيض الكولونيل هاوس من دون علم وزير خارجيته لانسينغ. ولانسينغ يكتب لويلسون قبل وعد بلفور وبعده ناصحاً بعدم تأييد الصهيونية ولا يشير الى ارشاداته الى الوفد الامريكي الى مؤتمر الصلح بالنسبة الى فلسطين او وعد بلفور او اليهود. وألن دالاس (لاحقاً رئيس ال سي. آي. آي) والمسؤول آنذاك عن الشرق الاوسط في الخارجية يدعو علناً الى عدم الرضوخ الى الضغوط الصهيونية بينما تنجح هذه الضغوط في استصدار قرار بالإجماع من الكونغرس الشديد الانعزالية في ايلول (سبتمبر) 1922 بتأييد فحوى وعد بلفور من دون ذكره تخصيصاً.

اما العقبة الثانية فكانت التطورات في الساحة العربية من انعقاد المؤتمر السوري في حزيران 1919 الى بيعة فيصل ملكاً على سوريا ولبنان وفلسطين في آذار (مارس) 1920 الى معركة ميلسون ودخول الفرنسيين دمشق وإخراجهم لفيصل منها في تموز (يوليو) 1920 الى دخول عبدالله شرق الاردن. ورافق هذه الاحداث هيجان الشعب الفلسطيني ضد الانباء عن وعد بلفور التي لم تجرؤ بريطانيا اعلانه في البلاد الا في شباط 1920 فيعقب ذلك اشتباكات عربية يهودية عنيفة في الجليل ويافا في شباط ونيسان 1920 وتكررت هذه الاشتباكات بالقدس في ايار (مايو) 1921 عقب تعيين هربرت صموئيل اياه اول مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين في تموز.

ازاء هذه التطورات تنقل المسؤولية عن الشرق الاوسط من الخارجية البريطانية الى وزارة المستعمرات ويتولاها وزير المستعمرات ونستون تشرشل الذي يزور المنطقة في ايار 1921 ويقرر في ما يقرر على رغم صهيونيته اخراج شرق الاردن بحجة وجود عبدالله فيها من نطاق تطبيق وعد بلفور وبالتالي من الحدود الشرقية التي طالبت المنظمة الصهيونية بها ويصبح نهر الاردن ذاته حدود فلسطين الشرقية بالمفهوم البريطاني الرسمي.

خلال هذه الاثناء تستمر المفاوضات البريطانية-الصهيونية حول موقع وعد بلفور ووصاية بريطانيا له من ضمن اطار التسوية النهائية المقرة من قبل مؤتمر الصلح. وينعقد مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920 وتنهال عليه مئات البرقيات من الاتحادات الصهيونية في العالم بما فيها جنوب افريقيا وكندا مطالبة بمنح بريطانيا الانتداب على فلسطين وإدراج وعد بلفور في معاهدة الصلح مع تركيا.

ويمنح مؤتمر سان ريمو الانتداب على سورية لفرنسا والانتداب على فلسطين لبريطانيا. ومع ان هذا التطور كان من باب تحصيل الحاصل بسبب غياب امريكا عن المؤتمر وتمثيلها فيه بمراقب فحسب وخلو الساحة للضبعين الكبيرين بريطانيا وفرنسا الا انه شكل انجازاً مهماً للصهيونية على دربها نحو الشرعية الدولية.

وتأتي الخطوة التالية على هذا الدرب في معاهدة سيفر في آب (اغسطس) 1920 اذ تتخلى تركيا فيها عن سيادتها على فلسطين وتتضمن نص وعد بلفور والموافقة على تطبيق نظام الانتداب عليها. ويبقى امام الطرفين البريطاني والصهيوني الاتفاق على نص صك الانتداب ذاته الذي يحدد غاية الانتداب ذاته الذي يحدد غاية الانتداب وآليات التنفيذ ومسؤوليات كل منهما ثم إقرار هذا الصك من قبل عصبة الأمم.

وتدوم المفاوضات حول صك الانتداب من مؤتمر سان ريمو نيسان 1920 لغاية تموز 1922 ويعيد الطرف الصهيوني اثارة مطالب سبق ان طالب بها قبيل اصدار وعد بلفور (برنامج 1916) وفي مذكرته الى مؤتمر الصلح عام 1919 ويدور النقاش حول نقاط اربع رئيسة:
1 - حقوق اليهود في فلسطين بسبب "العلاقة التاريخية".
2 - غاية الانتداب.
3 - وضع طرف الصهيوني او اليهودي المتعاقد تجاه الدولة المنتدبة وصلاحياته.
4 - مسألة الحدود.

 واصرّ الطرف الصهيوني اصراراً شديداً على ان تتضمن ديباجة صك الانتداب الاشارة الى هذه العلاقة والى "الحق الذي تعطيه للشعب اليهودي لاعادة تكوين فلسطين مسكناً قومياً لهم" The claim this gives them to reconstitute Palestine as their National Home. وادعى وايزمان في مراسلاته مع اللورد كيرزون خلف بلفور في وزارة الخارجية وغير المتعاطف مع الصهيونية ان لا سبيل له لحشد التأييد اليهودي لوعد بلفور من دون الإقرار بهذه العلاقة. وعلق كيرزون على ذلك في مذكرة الى رئيس الوزارة لويد جورج بقوله ان سبب الاصرار على هذه العلاقة انما هو "حتى تكون هذه الصياغة الاساس عند كل مرحلة للمطالبة بحق الافضلية بغاية السيطرة الكاملة على حكم البلد"، لم يستمع لويد جورج الى نصيحة كيرزون وبقيت الاشارة الى العلاقة التاريخية مع تعديل ينص على انها "الاساس" Grounds ، "لإعادة تكوين مسكنهم القومي في فلسطين".

بالنسبة لغاية الانتداب طالب الطرف الصهيوني ان تكون صراحة "كومنولث يهودي" اي دولة يهودية وهو تعبير رفضه كيرزون فاعادوا "الكرة باقتراح" "كومنولث Self Governing Commonwealth يتمتع بحكم ذاتي كتعبير ملطف فرفض هذا ايضاً واصر الطرف البريطاني على "تنمية مؤسسات الحكم الذاتي" Development Of Self Governing Institutions. واعتبر وايزمان ان هذا تعبير خطر معناه إمكان "تنمية مؤسسة تمثيلية قبل ان يصبح اليهود اكثرية في البلاد" لذلك بعد رضوخه لكيرزون طالب بتطمينات شفهية من لويد جورج يدعي انه حصل عليها وان لويد جورج قال لونستون تشرشل وزير المستعمرات بحضور وايزمان "يجب الا تمنح فلسطين حكماً تمثيلياً" : You Mustn’t Give Representative Government To Palestine. بالنسبة لموقع المنظمة الصهيونية طالب الطرف الصهيوني بالإعتراف بوكالة يهودية Jewish Agency تمثل جميع يهود العالم من صهيونيين وغير صهيونيين على ان تعتبر المنظمة الصهيونية هي هذه الوكالة الى حين قيام الاخيرة وعلى ان يكون للوكالة / المنظمة حق الافضلية Preferential Right ، في انشاء وادارة المنافع والمرافق العامة وفي استغلال موارد البلاد الطبيعية، رفض الطرف البريطاني حق الافضلية لكنه وافق على الوكالة اليهودية واعطاها صلاحيات مهمة سنأتي لاحقاً على ذكرها.

اما بالنسبة للحدود فقد حسمت التطورات التي ذكرنا على الساحة العربية مسألة الحدود الشرقية ورفضت فرنساً رفضاً قاطعاً الحدود الشمالية الصهيونية فأنقذت بذلك الجنوب اللبناني من الاستيطان الصهيوني طوال فترة الانتداب على لبنان وبعده. وبهذه التعديلات اقرت عصبة الأمم صك الانتداب في 24 تموز (يوليو) 1922 وأفضت على البراءة (وعد بلفور) الشرعية بالمفهوم القانوني الغربي الدولي السائد الى يومنا هذا فسبحان الله.

 وشهدت هذه المرحلة احداثاً جساماً داخل كل من المنظمة الصهيونية ذاتها وداخل الجالية اليهودية في فلسطين اما بالنسبة للمنظمة فقد انفجر الخلاف عام 1920 في القمة بين عملاقيها وايزمان وبرانديس حليفي الامس اللذين التقيا للمرة الاولى في تموز 1919.

 وسبب الخلاف قضيتان جوهريتان الاولى: تقييم دور العمل السياسي الصهيوني بعد وعد بلفور ومؤتمر سان ريمو. والثانية: ادارة "صندوق تأسيس فلسطين" Kerren Hayesod برأس مال 25 مليون جنيه قرره مؤتمر لندن London Conference ، الصهيوني عام 1920 الذي كرس رئاسة وايزمان للمنظمة الصهيونية وانتخب برانديس رئيساً فخرياً لها الذي سبق انعقاد المؤتمر Congress الصهيوني الثاني عشر في كارل سباد وهو اول مؤتمر Congress يعقد بعد انتهاء الحرب.

 خلاصة الامر ان برانديس رأى بان وعد بلفور ومؤتمر سان ريمو انهيا دور المنظمة الصهيونية السياسي وان العمل السياسي مستقبلاً يجب ان يناط بالجالية اليهودية في فلسطين ضمن اطار الانتداب وهو رأي رفضه وايزمان بشدة متناهية معتبراً ان وعد بلفور وسان ريمو ان هما بالعكس الا بداية العمس السياسي المكثف والدؤوب للمنظمة الذي من دونه لا امل بتحقيق الدولة اليهودية اطلاقاً. اما بالنسبة الى صندوق التأسيس فرأى برانديس انه يجب ان يخضع في كل بلد الى الاتحاد الصهيوني للبلد ذاته وليس للسلطة المركزية للجنة المنظمة التنفيذية. ورفض وايزمان هذا الرأي بشدة لا تقل عن رفض لرأي برانديس الاول ونقل المعركة الى داخل معقل برانديس في الولايات المتحدة وانتصر عليه فأمن بذلك حفاظ اللجنة التنفيذية على موارد الصندوق التأسيس التي كان معظمها امريكي المصدر.

 اما التطورات داخل الجالية اليهودية في فلسطين في هذه المرحلة فأهمها نمو الحركة العمالية الاشتراكية القومية بقيادة بن غوريون الذي سبق ذكره نتيجة موجة الهجرة الثالثة (1919-1923) منذ بدء الاستيطان والاولى تحت الحماية البريطانية التي ادخلت الى البلاد 35,000 مهاجر وكان معظمهم من اعضاء حركة الشبيبة الرواد Halutzim ، الذين عملوا في المستعمرات التعاونية الجماعية Kibbutz والتحقوا بحزب "وحدة العمل" Ahdut Avoda الذي اسسه بن غوريون عام 1920 حول نواة حزب "باعولي زيون" القائم. وفي السنة ذاتها تأسس "الاتحاد العام للعمال اليهود" (الهستدروت) بمساهمة بن غوريون ايضاً كما تأسست المنظمة العسكرية الصهيونية "الهاغانا" التي كانت على صلة وثيقة بكل من "الاتحاد العام للعمال" و"حزب وحدة العمل".


 

المرحلة الثانية: إرساء قواعد الدولة (1922-1947)
نمت الدولة اليهودية داخل رحم الانتداب البريطاني منطلقة من انجازات الصهيونية السابقة وارست قواعد الدولة خلال الربع القرن الفاصل بين إقرار عصبة الأمم لصكّ الانتداب عام 1922 وتوصية هيئة الأمم عام 1947 بتقسيم البلاد الى دولتين احداهما يهودية والاخرى عربية، وكل يهودي دخل فلسطين في هذه السنين دخلها بحماية الحراب البريطانية، وانجزت الصهيونية ما انجزته خلالها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً بفضل بريطانيا وتشريعاتها الانتدابية وقمعها العسكري للمقاومة الفلسطينية لكنها انجزته ايضاً بفضل زعامتها الفذة ومتانة تنظيمها واستعداد اليهود للتضحية والعطاء لتحقيق اهدافها في فلسطين.

وكان عدد سكان فلسطين من اليهود في نهاية الحرب الكونية الاولى 56 الفاً توزعوا بين المدن الرئيسية (القدس، يافا، تل ابيب، حيفا، صفد وطبريا) وفي حوالى 50 مستعمرة زراعية وكانت نسبتهم من مجموع سكان البلاد (حوالى 750,000) اقل من 10 في المئة وارتفع عدد اليهود خلال الانتداب البريطاني الى 608,000 عام 1946 وزاد عدد المستعمرات الى 259 مستعمرة فأصبحت نسبتهم من مجموع سكان البلاد (1,912,000) اكثر من 31 في المئة. وعاد 74 في المئة من زيادة اليهود الى الهجرة و26 في المئة فقط الى النمو الطبيعي بينما عاد 96 في المئة من زيادة السكان العرب الى النمو الطبيعي و4 في المئة فقط الى الهجرة.

ونمت بسبب هذه الهجرة الجاليات اليهودية في المدن فارتفع عدد سكان تل ابيب من اليهود من 15,000 عام 1922 الى 166,000 عام 1944، وسكان حيفا من 6,000 (1922) الى 66,000 (1944)، وسكان القدس من 62,000 (1922) الى 97,000 (1944).

وارتفع سكان المستعمرات من حوالى 5,000 (عام 1918) الى 144,000 (1944) وجاءت اعلى نسبة من المهاجرين اليهود من بولونيا لغاية 1938 عندما زادت نسبة المهاجرين من المانيا اليها.

وبلغ مجموع ما تملكه اليهود من اراضي فلسطين في اوائل الثمانينات من القرن الماضي ولغاية اندلاع الحرب الكونية الاولى (1914) 420,600 دونم اي 1,5 في المئة من مساحة فلسطين (27 مليون دونم) وزادت ملكية اليهود عام 1946 الى 1,624,000 دونم اي الى 6 في المئة فقط من مساحة فلسطين. لكن خطورة ملكية الـ 6 في المئة لم تكن في حجم الاراضي بل في مواقعها ونمط انتشارها وفي تنظيمها والغاية من اقتنائها. فالمستعمرات كانت بمثابة التخوم تحدد حدود الدولة المنتظرة وانتشارها وتتبع خطة سابقة التصميم وضعها قبل الحرب الكونية الاولى كما اسلفنا "مهندس" الاستيطان الصهيوني اليهودي البروسي ارثور روبين.

وتهدف الخطة الى السيطرة العسكرية المستقبلية على الحد الادنى من الاراضي المتاخمة لبعضها البعض الكافية لتأمين قيام كيان سياسي عليها قادر على اتخاذها منطلقاً للتوسع خارجها، وكل من ينظر ببعض العناية الى خرائط تطور نمو المستعمرات في فلسطين قبل الحرب الكونية الاولى واثناء الانتداب لا يسعه الا ان يلاحظ ان انتشارها يتبع شكل حرب النون N بالانكليزية اذ يشكل الضلع الايسر الاستيطان الساحلي بين يافا وحيفا والضلع الايمن الاستيطان بين بحيرة طبريا واعالي حوض الاردن والضلع الاوسط الاستيطان عبر السهل الداخلي (مرج ابن عامر) الرابط بين الضلعين الآخرين. والحكمة في هذا كله تكمن في ان الاستيطان الساحلي يؤمن الاتصال بالخارج عبر البحار واستيطان اعالي نهر الاردن يهدف الى السيطرة على موارد مياهه بينما الاستيطان البيني لا يربط بين الضلعين الاخرين فحسب بل ايضاً يفصل شمال فلسطين (الجليل) عن سائر البلاد كما يتحكم عند طرفه الشرقي بـ"البوابة" الشرقية لفلسطين عند بدء مرج ابن عامر.

ومما يجعل ايضاً النوع اكثر خطورة من الكم في الاستيطان الصهيوني لفلسطين خلال هذه المرحلة الزمنية ان معظم المستعمرات خلال الانتداب البريطاني اقيمت على اراضي "الصندوق القومي اليهودي" (الكيرين كايميت) الذي انشأه هرتزل عام 1901 وبتمويل من "صندوق تأسيس فلسطين" (الكيرين هايسود) الذي انشأه وايزمان عام 1920 بعد صراعه مع برانديس فكان الصندوق القومي يعتبر كل اراضيه كما اسلفنا ملكاً ابدياً للشعب اليهودي يؤجرها حصراً لليهود دون مقابل للسنوات الخمس الاولى وبعدها بشروط متناهية السهولة، بينما كان صندوق التأسيس يقدم القروض الطويلة الاجل بفائدة 2 في المئة لفترة 40-50 سنة لاعمال الانشاء والبناء. وزادت ملكية الصندوق القومي من 16,000 دونم عام 1914 الى حوالى نصف الاراضي اليهودية في فلسطين البالغة 1,624,000 دونم عام 1946 اما صندوق التأسيس فقد موّل تأسيس 25 مستعمرة عام 1922 زادت الى 76 مستعمرة عام 1936 والى 153 مستعمرة عام 1944 فكانت نسبة المستعمرات التي مولها الى مجموع مستعمرات فترة الانتداب حوالى 60 في المئة.

وهكذا ارتبطت هذه المستعمرات وارتبط سكانها ومصالحهم وولاؤهم بسلطة المنظمة الصهيونية المركزية من ناحية كما ارتبطت من ناحية اخرى بكل من الهستدروت (الاتحاد العام للعمال) عبر تعاونياته وبتنظيمه العسكري "الهاغانا".

سنكتفي بذكر بعض ملامح الدولة الكامنة في المجتمع اليهودي المتنامي في فلسطين اثناء الانتداب البريطاني فمن حيث البنية الاقتصادية الاجتماعية الاساسية وبسبب نوعية المهاجرين الثقافية وتوفر رأس المال الخارجي اتخذ المجتمع بنية المجتمعات الصناعية الغربية. فنسبة انتاج اليهود في قطاع الصناعة والتعدين والبناء عام 1947 من مجموع انتاجهم كانت 37 في المئة وقريبة من نسبة الانتاج في هذا القطاع في بريطانيا (44 في المئة) بينما نسبة انتاج العرب الفلسطينيين في هذا القطاع كانت 14 في المئة وكانت نسبة انتاج اليهود في قطاع الزراعة لا تتعدى 12 في المئة بينما نسبة العرب فيها كانت 41 في المئة وعمل 10 في المئة الطبقة العاملة اليهودية في الزراعة و 31 في المئة في الصناعة والبناء بينما نسبة العرب كانت 50 في المئة في الزراعة و11 في المئة في الصناعة والبناء وبلغ معدل دخل الفرد اليهودي 141 جنيهاً مقابل 50 جنيهاً للفرد العربي.

اما في حقل الخدمات الاجتماعية فكان حضور الطلاب في سني 5-14 المدارس بنسبة 97 في المئة لليهود و32,5 للعرب وكان لدى اليهود 33 مدرسة فنية وزراعية مقابل 6 مدارس عربية. وبلغ ما انفقته الحكومة الانتدابية على الصحة عام 1944 (وكان اعتماد العرب في معظمه على الخدمات الحكومية في هذا المجال) نصف مليون جنيه بينما بلغ ما انفقه صندوق الصحة في الاتحاد العام للعمال اليهود "الهستدروت" لوحده في هذا العام مليون ومئتي الف جنيه وكان لدى الفلسطينيين 125 جمعية اقراض Credit قروية تعاونية عضويتها 6000 ورصيدها 27,000 جنيه بينما كانت عضوية اليهود في الجمعيات التعاونية 355 الفاً ورصيدها عشرة ملايين جنيه وبلغت عام 1946 ودائع اليهود في البنوك وجمعيات الإقراض التعاونية 77 مليون جنيه مقابل 18 مليون جنيه للعرب.

ولم يزد عدد العمال العرب المنتظمين في نقابات لهم عام 1945 على 20,000 عامل بينما ضم "الهستدروت" 143,000 عامل من الراشدين بما فيهم 38,000 امرأة كما ضم 8,500 من الشبيبة العمالية وشكلت عضوية الهستدروت 75 في المئة من مجموع اجراء اليهود ولم يكن "الهستدروت" اتحاد عمال بالمعنى العادي فكانت شركة قابضة عملاقة تفرعت عنها شبكة عجيبة من النشاطات العمالية والزراعية والتجارية والاقتصادية والثقافية والصحية في كل مجال من مجالات حياة المجتمع اليهودي وكانت ذات علاقة حميمة بـ 200 مستعمرة عبر تعاونياتها الزراعية كما كانت وثيقة الصلة بمنظمة "الهاغانا" العسكرية واشرفت على الهستدروت هيئة تنتخب من قبل القاعدة الشعبية وتعكس انتماءات اعضائها الحزبية وكان ديفيد بن غوريون امينها العام من 1921 الى 1935 اما تمويل نشاطاتها فكان معظمه يرد من الخارج عبر المنظمة الصهيونية العالمية.

وتميز المجتمع اليهودي في فلسطين ايام الانتداب بتنظيمه السياسي وكانت الحكومة البريطانية اصدرت عام 1926 "مرسوم الجاليات الدينية" التي اذنت به للجاليات في فلسطين ان تنظم نفسها بموجبه ورفض الفلسطينيون العرب من حيث المبدأ ان ينتظموا في طائفتين: اسلامية ومسيحية ولم يشكل المرسوم اي حرج لليهود الذين سارعوا الى تنظيم انفسهم بموجبه فانتخبوا مجلساً عاماً Va’ad Leumi انتخب بدوره لجنة تنفيذية مثلت يهود فلسطين تجاه حكومة الانتداب وخول المجلس العام جباية الضرائب من طائفته التي انفقها على الخدمات الاجتماعية لها.

لكن مركز السلطة اليهودية لم يكن هذا المجلس العام المحلي على اهميته المستند الى تشريع سلطة الانتداب في فلسطين بل كان الوكالة اليهودية Jewish Agency التي نص عليها صك الانتداب ذاته ومنحت المادة الرابعة من الصك الوكالة حق "النصح والتعاون" Advising and cooperating مع ادارة فلسطين في "الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الشؤون التي قد تؤثر في تنمية المسكن القومي اليهودي" كما نصت المادة السادسة منه على ان على الادارة البريطانية، بالتعاون مع الوكالة اليهودية… تشجيع استيطان اليهود المكثف على اراضي فلسطين" close settlement… on the land. وهكذا كانت الوكالة شريكاً فعلياً للادارة البريطانية، على ان الاهم حتى من هذا وذاك هو انه بموجب صك الانتداب ايضاً كان على الوكالة "ان تضمن تعاون جميع اليهود الراغبين في المساعدة في انشاء المسكن القومي اليهودي" اي انها كان لها صفة دولية قانونية رسمية تشمل العالم بأسره.

اعترفت الحكومة البريطانية بالمنظمة الصهيونية على انها الوكالة الى حين قيام الوكالة، ذلك ان الوكالة كان من المفترض فيها ان تضم كلاً من اليهود الصهيونين وغير الصهيونيين ورسمياً تأسست الوكالة بهذا المعنى عام 1929 وطغت الصفة الدولية طبعاً على المنظمة الصهيونية ذاتها منذ البداية. ففي 1897 لم يزد عدد الاعضاء اليهود الفلسطينيين في المؤتمر الصهيوني الاول عن الاربعة من اصل 196 عضواً وحتى عام 1939 في آخر مؤتمر صهيوني قبل الحرب العالمية الثانية (وهو المؤتمر الواحد والعشرون المنعقد في جنيف) كانت نسبة دافعي "الشاقل" للتصويت في المؤتمر من يهود فلسطين 16 في المئة وتبين الارقام الاتية سعة القاعدة الدولية للمنظمة الصهيونية. فمن اصل 1,040,450 دافع شاقل لمؤتمر 1939 كان 299,165 من بولندا و 263,741 من الولايات المتحدة و 167,562 من فلسطين و 60,013 من رومانيا و 23,513 من بريطانيا و 22,343 من جنوب افريقيا و 15,220 من كندا… الخ.

وكان مكتب الوكالة التنفيذي في القدس ولها مكاتب في كل من لندن وواشنطن ونيويورك وجنيف وكانت لها دوائر لكل من الاستيطان والشؤون المالية، والعمل، والتجارة والصناعة، والشؤون السياسية و(بصفة سرية) الامن اي شؤون "الهاغانا" وكانت تعمل بجانب "المجلس العام" المنتخب المحلي Va’ad Leumi وتدعمه تجاه السلطة البريطانية لكن خلافاً لهذا المجلس لم تكن لا الوكالة ولا المنظمة الصهيونية خاضعة لسلطة الانتداب بل كانتا رقيبتين عليها وذلك باعتراف دولي.

وكان للمنظمة الصهيونية / الوكالة اليهودية ثلاث وظائف رئيسة اولها الضغط على المراكز العصبية لصنع القرار في لندن مباشرة وعليها في العواصم الغربية الاخرى الكبرى كوسيلة للضغط غير المباشر على لندن، وثانيها الجباية لمؤسساتها المالية المركزية الكبرى وبخاصة "الصندوق اليهودي القومي" و"صندوق تأسيس فلسطين" الكيرين هايسود، وثالثها الدعاية الملحة المتصلة والمتنوعة لدعم الوظيفتين الاوليين، وبلغ ما ارسلته المنظمة الصهيونية الى يهود فلسطين من يهود الولايات المتحدة فقط بين 1930 و1948 (396 مليون دولار) وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس ذلك الزمن.

فاذا اضفنا الى كل ما سبق تنظيم الهاغانا العسكري التابع للمنظمة الصهيونية الذي سنتناوله لتونا ندرك متانة القواعد التي كان قد تم ارساءها في هذه المرحلة بفضل قيادة وايزمان ومن ثم بن غوريون الذي حل عملياً محله منذ اواسط الثلاثينات لقيام الدولة في المجتمع اليهودي في فلسطين ايام الانتداب البريطاني عشية توصية الأمم المتحدة بتقسيم البلاد في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947.


 

المرحلة الثالثة (1948) قيام الدولة بالحرب
مرت الحرب الصهيونية العربية الاولى 1947 - 1948 في مرحلتين رئيستين: مرحلة الحرب غير النظامية بين القوات الصهيونية من جهة والقوات الفلسطينية الشعبية المدعومة لاحقاً بمتطوعين من الدولة العربية الذين انتظموا فيما سمي بجيش الانقاذ الذي اشرفت عليه الجامعة العربية وهي فترة امتدت من 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 لغاية 15 ايار (مايو) 1948 وهو تاريخ انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وانسحاب القوات البريطانية من البلاد وإعلان قيام دولة "اسرائيل" فيها، ومرحلة الحرب النظامية بين قوات دولة "اسرائيل" وجيوش عربية ارسلتها سورية ولبنان ومصر والعراق وشرق الاردن بإشراف الجامعة العربية (اضيفت اليها فيما بعد قوات رمزية من السودان والسعودية) وامتدت من 15 ايار 1948 الى ان تم التوقيع على اتفاقيات الهدنة في نهاية 1948 ومطلع 1949 بين "اسرائيل" من ناحية وكل من مصر وشرق الاردن، ولبنان وسورية من الناحية الاخرى.

وليس الغرض من هذا الفصل وصف القتال في هاتين المرحلتين فلهذا وقت ومجال غير هذا انما الغرض من هذا الفصل هو تفحص الرواية الصهيونية لاسباب وقوع هذه الحرب الصهيونية العربية الاولى وهي رواية تجذرت في ضمير اليهودية العالمية وبالتالي في الضمير الغربي.

تقول الرواية الصهيونية ان الحرب قامت بسبب رفض العرب من فلسطينيين وغير فلسطينيين لقرار هيئة الأمم بالتوصية بـ "حل وسط" Compromise بتقسيم فلسطين الى دولتين احداهما يهودية والاخرى عربية ومقاومتهم المسلحة لهذا الحل ما اضطر الدولة اليهودية ان تخوضها دفاعاً عن نفسها وبكلمة فان فحوى الرواية الصهيونية ان الطرف العربي هو المعتدي البادىء والطرف الصهيوني هو المعتدى عليه البريء.

والحقيقة في نظرنا هي على خلاف كلي مع الرواية الصهيونية ذلك ان التقسيم لم يكن حلاً وسطاً بأي مفهوم عادل ومعتمد لهذا التعبير. فالحل الوسط بالمصطلح الاخلاقي وحتى اللغوي يعطي كل ذي حق حقه، يحافظ على جوهر حقوق كل طرف في النزاع القائم، ويقيم التوازن بين تنازلات كل منهما، وهو لا يعطي طرفاً ما ليس له على حساب الطرف الاخر ويصدر غالباً عن طرف محايد حريص على مصلحة الطرفين المتنازعين تم الاحتكام اليه والقبول المسبق بحكمه بالتراضي ويتم الاقرار بهذا الحكم من قبل المتنازعين ولو على شيء من المضض المتساوي بينهما. فأين هذا المفهوم للحل الوسط من مبدأ التقسيم (اي قيام دولة يهودية قسراً على جزء كبير او صغير من فلسطين) في سياق تاريخ القضية الفلسطينية منذ ظهور الصهيونية واينه من اسلوب طرح التقسيم على هيئة الأمم عام 1947 وتوقيته ومن تفاصيل التقسيم التي اقرتها هيئة الأمم بل ومن الطريقة التي انتزعت بها الولايات المتحدة القرار به منها ناهيك عن الابتهاج الذي وصل سمت الرأس عند طرف لدى سماعه به وعن الغضب العارم الذي استولى على الطرف الاخر منه.

فمبدأ الدولة اليهودية غاية الصهيونية ومبتغاها وهو مبرر وجودها من قبل المؤتمر الصهيوني الاول ومن بعده ونجمها القطبي الذي اهتدت بهديه في كل كلمة صيغت لتغليفه وتمويهه ان في برنامج بازل (1897) او وعد بلفور (1917) او صك الانتداب (1922) والصهيونية لم تلجأ الى التغليف والتمويه الا لخداع فريستها الشعب الفلسطيني الذي تعرف مبكراً على الساعي لاغتياله فيها وذلك بالتواطؤ مع راعيها وحاميها بريطانيا المنتدبة لريثما يشتد ساعدها وتتجمع لديها عناصر القوة اللازمة وترسى القواعد الثابتة لقيام الدولة اليهودية وهو الذي تم خلال الانتداب البريطاني كما اسلفنا.

ولم ينص قرار التقسيم الصادر عن هيئة الامم عام 1947 على ان يحتفظ كل طرف بما لديه من الاراضي بل "منح" الطرف الصهيوني الذي كان لا يملك اكثر من 6 في المئة من مساحة البلاد منحه 57 في المئة منها فبينما كانت ملكية اليهود لا تتعدى 1,624,000 دونم قبل قرار التقسيم وذلك على رغم كل ما بذلته الصهيونية خلال ستة عقود منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي من جهد ومال وتخطيط وتحايل وحشد وضغوط سياسية ودعاية عالمية غدت مساحة الدولة اليهودية بعد قرار التقسيم 15 مليون دونم اي انه بين عشية 29 وضحى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 قفزت "ملكية" اليهود اكثر من 900 في المئة وذلك لاعتبارات سياسية لا تمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد الى اي قيم او قواعد قانونية او خلقية.

لم يحدد قرار التقسيم الكيفية التي ستمتد بها سلطة الدولة اليهودية من حيز مساحته 1,624,000 دونم الى حيز مساحته 15 مليون دونم يقطنه ويملكه العرب الفلسطينيون لكن الدول الاعضاء التي كانت وراء القرار بطلب وبضغوط هائلة من الصهيونية وعلى رأسها الولايات المتحدة كانت تعلم علم اليقين ان القيادة الصهيونية مصممة على تحقيق التقسيم بالقوة وان العرب يرفضون ذلك رفضاً باتاً ومصممون على الدفاع عن ديارهم، وهكذا كان قرار التقسيم بمثابة الضوء الاخضر للقوات الصهيونية للقيام باحتلال الحيز العربي الواسع والآهل بالعرب الذي ضم اعتباطاً وتعسفاً ومن دون سابق اقرار من العرب الى حدود الدولة اليهودية المقترحة فكان قرار التقسيم بالتالي نفسه قراراً بإعلان الحرب على العرب بالتواطؤ مع المنظمة الصهيونية ونيابة عنها .

قرار الحرب الصهيوني لم يؤخذ عام 1947 لا قبيل قرار التقسيم ولا بعيده لكنه ينبع نظرياً من صميم العقيدة الصهيونية من حيث انها محررة منذ البدء وبطبيعتها من قيد الاعتماد على الرض او القبول العربي المسبق لها او لسياساتها وكما قال حاييم وايزمان الى الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت عام 1944 "شرحت له نظريتي بانه لا يمكننا ان نربط قضايانا بقبول العرب ونحن لو فعلنا لحجبوا عنا قبولهم". ولعل من ابلغ الادلة على تجاهل الصهيونية لرفض العرب او قبولهم لجوئها المتوال الفوقي الى الدول الكبرى للاستحصال لى "براءتها" المنشودة.

ويمكننا تتبع بلورة قرار الحرب في ذهن الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون قبل قرار التقسيم باكثر من عشر سنوات ذلك ان بن غوريون هو الذي اخذ هذا القرار وهو الذي اشرف على التخطيط والاعداد للحرب من اواسط الثلاثينات بصفته رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية (1935-1948) والمسؤول عن شؤون الأمن.

وفي عام 1920 اسس بن غوريون حزب "وحدة العمل" (احدوت افودا) الاشتراكي القومي وفي عام 1930 اشرف على دمج الحزب بحزب "العامل الشاب" (هابوعيل هاتسعير) ليؤلفا حزب "الماباي" الذي قاده وبقي العمود الفقري السياسي للوكالة اليهودية لغاية قيام دولة "اسرائيل" ولوزاراتها المتعاقبة بعدئذٍ لغاية انتصار حزب "الليكود" بقيادة مناحيم بيغن على "الماباي" في انتخابات "اسرائيل" النيابية عام 1977. ودعا برنامج حزب "وحدة العمل" الى "تأسيس الجمهورية الاشتراكية اليهودية في جميع انحاء فلسطين والى نقل ملكية اراضي فلسطين ومياهها ومواردها الطبيعية الى شعب "اسرائيل" لتصبح ملكاً ابدياً له"، كما دعا حزب "العامل الشاب" منذ تأسيسه عام 1905 الى السيطرة Conquest      على العمل العبري اي منع العمال العرب بالقوة من العمل على الاراضي اليهودية وبهذه الخلفية الحزبيةومن موقع المسؤولية في لجنة الوكالة اليهودية التنفيذية اخذ بن غوريون يفكر بعمق في مستقبل "العلاقة" بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين وفي توازن القوى بينهما، فوصل الى قناعة ثابتة في اوائل 1936 كما يجزم بذلك شبتاي تيفيث Tevech كبير الخبراء الاسرائيليين في سيرة بن غوريون وسياساته، بان لا امل في السلام مع الفلسطينيين ما داموا يرفضون قيام اكثرية يهودية في البلاد ولا يقبلون بهجرة يهودية غير مقيدة اليها وان لا بد من ان تكون العلاقة المستقبلية معهم علاقة عسكرية وليس سياسية. ويضيف تيفيث ان هذا الاستنتاج لم يكن مصدر غم او كدر لت بن غوريون بل بالعكس كان قد وصل في الوقت نفسه الى قناعة ثانية وهي ان الحركة الصهيونية قد اجتازت مرحلة الخطر في ميزان القوى مع الفلسطينيين بسبب تدفق الهجرة اليهودية على البلاد في السنين الخمسة السالفة حين تضاعفت الجالية اليهودية عدداً فوصلت الى 355,157 سنة 1935 بينما لم تتعد 164,950 سنة 1930. ويؤكد تيفيث ان لهذا السبب لم يعد بن غوريون مهتماً باي اتصالات مع الفلسطينيين التي كان قد بدأها قبل 1936 وانه لم يسعَ الى مقابلة اي فلسطين بين 1936 وقيام الدولة اليهودية عام 1948.

ويشكل مشروع التقسيم للجنة الملكية البريطانية برئاسة اللورد بيل Peel الذي صدر في تموز (يوليو) 1937 في اعقاب المرحلة الاولى من الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) منعطفاً خطيراً اخراً بالنسبة للقضية الفلسطينية والحركة الصهيونية ولبلورة تفكير بن غوريون الاستراتيجي. فهذه المرة الاولى منذ وعد بلفور التي يدعو فيها طرف بريطاني رسمي الى اقامة دولة يهودية مترجماً الوعد اياه الى دولة كما تدعو اللجنة الملكية الى الهجرة القسرية ( Compulsory Transfer) للجاليات العربية من الدولة اليهودية والى ضم المناطق العربية الى شرق الاردن. وتنفجر الثورة الفلسطينية ثانية في اعقاب صدور تقرير التقسيم لتصل الى ذروتها في السنتين (1937-1939) وينعقد المؤتمر الصهيوني العشرون في زوريخ عام 1937 ويلقى تقرير التقسيم معارضة شديدة بخاصة من الاعضاء الامريكيين من حيث المبدأ لكونه يتضمن التخلي عن كل "ارض اسرائيل" والقبول بجزء منها فقط ويتزعم بن غوريون الرأي بقبوله مشروطاً ويلقي فيما يقوله في حينه اضواء كاشفة على نظرته الى مشروع التقسيم عام 1947 الذي نحن بصدده.

ففي تموز 1937 يقول في رسالة الى زعيم صهيوني بولندي "الدولة هي خطوة اولى نحو الحل الشامل للشعب اليهودي وأداة جبارة لتحرير جميع ارض اسرائيل"ز وفي خطاب لحزب "الماباي" في تشرين الاول (اكتوبر) 1937 يقول "ان تحقيق الدولة اليهودية يمر في مرحلتين الاولى مرحلة البناء وارساء القواعد وتستمر من عشر الى خمس عشرة سنة وهي مقدمة الى المرحلة الثانية التي هي مرحلة التوسع ( Expansion). وغاية المرحلتين تجميع المنفيين ( exiles) من الشتات في جميع ارض اسرائيل". ويقول في رسالة الى اولاده في تشرين الاول 1938 "ان قيام الدولة في جزء من فلسطين ليس غاية الصهيونية النهائية بل وسيلة باتجاهها". ويقول تيفيث انه حتى قبل تقرير اللجنة الملكية وبدءاً بنهاية العشرينات كان بن غوريون يصف نفسه بانه يمارس "الصهيونية العميقة" ( Deep Zionism) وان "المبتدئين" في الصهيونية لا يفهمون استراتيجية "المراحل" وان الظروف غير المؤاتية تقتضي صياغة اهداف تبدو لهؤلاء المبتدئين على انها تنازلات وهي ليست كذلك.

اما بشأن توصية اللجنة الملكية بالتهجير القسري للفلسطينيين من الدولة اليهودية فيعلق عليها بن غوريون عام 1937 بقوله: "من المؤكد ان بريطانيا لن تقوم بذلك اذا لم نصرّ عليه بكل ما اوتينا من قوة ونفوذ واذا لم يتم هذا الامر بسبب تقاعسنا فإننا سنخسر فرصة لم تسنح لنا من قبل وقد لا تعود لنا ثانية ابداً". ويستطرد بن غوريون بقوله "يجب ان ننتزع من قلوبنا الافتراض بان هذا الامر (يعني التهجير القسري) مستحيل بل هو ممكن والخطوة الحاسمة الاولى هي ان نعد انفسنا لتوليه بأنفسنا". ولم يكتفِ بن غوريون بالتعليق على تقرير التقسيم لكنه كلف عام 1937 ضابطاً كبيراً في "الهاغانا" باسم افنير ( AVNER)

بوضع خطة لاحتلال فلسطين كلها على ثلاث مراحل في حال انسحاب البريطانيين من البلاد.

طبعاً لم ينسحب البريطانيون في حينه من فلسطين بل عدلوا عن مشروع التقسيم بسبب اشتداد الثورة الفلسطينية ودعوا الى مؤتمر في لندن عام 1939 صدر كتاب ابيض في اعقابه يحدد الهجرة اليهودية وانتقال الاراضي وينص على استقلال فلسطين دولة موحدة ضمن فترة عشر سنوات شرط اتفاق الطرفين الفلسطينيين واليهود ولا شك في ان الكتاب الابيض هذا جاء نتيجة تلبد الاجاء الدولية واقتراب موعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.

ادت المجابهة العسكرية بين الفلسطينيين وبريطانيا خلال الاعوام 36-39 الى توسيع الهوة في توازن القوى بين الفلسطينيين والصهيونيين لصالح الاخيرين فحطمت بريطانيا القوة العسكرية والتنظيمات السياسية الفلسطينية خلالها من ناحية بالمقابل وبالتعاون مع بن غوريون ضاعفت القوة العسكرية الصهيونية بإنشاء وتدريب وتسليح قوة يهودية رسمية رديفة للهاغانا اطلقت عليها اسم "شرطة المستعمرات اليهودية" Jewish Settlement Police قوامها 20,000 مسلح اضيفت الى الهاغانا "غير الرسمية" وقوامها 25,000 مسلح فأصبح لدى بن غوريون جيش قلما توفر لليهود مثله من قبل قادر على تولي العلاقة "العسكرية" مع الفلسطينيين ومع الدول العربية.

 فها هو بن غوريون يجتمع بمالكولم مكدونلد وزير المستعمرات البريطاني في شباط (فبراير) 1939 فيسأله الاخير "الى متى تعتقدون اننا سنضع حرابنا تحت تصرف هجرتكم الى فلسطين؟" فيجيبه بن غوريون "لسنا بحاجة الى حرابكم". فيقول مكدونلد "وكيف يكون هذا؟ هم اكثر منكم عدداً وسيأتي لنجدتهم جيش عربي من العراق". فيجيب بن غوريون "ان اجتياز البحر اسهل من اجتياز الصحراء".

غضب بن غوريون غضباً شديداً على سياسة الكتاب الابيض لكنه ادرك ان مصلحة الصهيونية هي في انتصار بريطانيا على المانيا كما ادرك اهمية القتال بجانب بريطانيا بالنسبة "للعلاقة العسكرية" مع العرب بعد الحرب فدفع بشبابه للانخراط في الجيش البريطاني فانخرط منهم خلال السنوات 1939-1945 (27,000) حصلوا على احسن خبرة وتدريب فازداد الصهيونيون بهم قوة على قوة.

في الوقت نفسه ادرك بن غوريون ان الكتاب الابيض مؤشر لانحسار التأييد البريطاني للصهيونية وان القوة العالمية الصاعدة هي الولايات المتحدة وان لدى الصهيونية امكانات ضخمة هناك قابلة للتعبئة فانتقل اليها ونظم في ايار 1941 انعقاد مؤتمر يهودي في فندق ييلتمور في نيويورك استحصل منه على قرار بـ"انشاء فلسطين كومنولثاً يهودياً" وهي الصيغة التي اقترحتها المنظمة الصهيونية على بريطانيا بعد مؤتمر سان ريمو 1920 عند بداية المفاوضات حول صك الانتداب ورفضتها بريطانيا في حينه كما اسلفنا. وهكذا الزم بن غوريون يهود امريكا بإنشاء الدولة اليهودية وفق مخططه هو في جميع انحاء فلسطين وليس في جزء منها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

حتى قبيل مؤتمر بيلتمور كان بن غوريون طلب من الهاغانا بوضع خطط عسكرية لمواجهة سيناريوهات عدة تأخذ في الاعتبار درجات مختلفة من تدخلات اعتراضية من قبل بريطانيا او الدول العربية. وبالفعل وضعت بين 1940-1945/1946 اربع خطط عرفت بالخطط الف، باء، جميم، ودال وكانت الاخيرة تهدف الى احتلال فلسطين بكاملها مذكرة بخطة افنير AVNER عام 1937 كما حرص بن غوريون في مطلع الاربعينات على تكوين قوة ضاربة خاصة داخل الهاغانا عرفت بـ"البالماخ" وكان قبل ذلك قد اولى الصناعة العسكرية اهتمامه فبلغت طاقة عشية الحرب العالمية الثانية مكنتها من صنع مدافع الهاون Mortar وقذائفها والقنابل اليدوية وذخيرة من عيار 9 ملم. وفي حزيران (يونيو) 1945 قام بزيارة الى الولايات المتحدة لتوسيع قاعدة هذه الصناعة وطلب الاجتماع بعشرين من كبار رجال الاعمال اليهود المهتمين في "شؤون الامن". وفي 12 تموز (يوليو) 1945 وفي جلسة صباحية تم تخصيص 15 مليون دولار للهاغانا انفق نصفها على شراء آلات لصناعة السلاح من "ادارة موجودات الحرب الامريكية" Administration War Assets التي كانت بدأت تصفية هذه الموجودات وبيعها خردة. وعلى سبيل المثال تم شراء 50 آلة لاختبار Test الذخيرة سعر كل منها العادي 18,000 دولار تم شراءها كلها بسعر 150 دولاراً للخمسين آلة. وهكذا شحنت الى فلسطين 2000 ماكينة تزن مئات الاطنان وصلت جميعاً سالمة على رغم الحصار البحري البريطاني الذي سمعنا عنه الكثير في الدعايات الصهيونية ولعل ابلغ دليل على ذهنية الحرب التي استحوذت على بن غوريون وارتباط هذه الاستعدادات بها هي بدء حملة شرسة على وايزمان لازاحته عن زعامة الحركة الصهيونية (وهي حملة نجحت في غرضها في المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين المنعقد في بازل عام 1946) بحجة كما قال بن غوريون عام 1942 ان وايزمان "اعجز من ان يقود الصهيونية على الدرب الملتوي المؤدي الى الدولة ولا هو مكون لقيادة الشعب اليهودي في فلسطين او الامة اليهودية في الحرب لتأسيسها".

وضع بن غوريون نصب عينيه هدف احراج بريطانيا والضغط عليها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لاخراجها من فلسطين حتى يتسنى له تنفيذ خططه العسكرية (الخطتين جيم ودال) وافترضت الخطة ج حياد بريطانيا في قتاله مع العرب، اما الخطة دال فافترضت غياب بريطانيا وتدخل جيوش الدول العربية وتحاشى بن غوريون بعناية متناهية المجابهة العسكرية مع بريطانيا معتبراً ان "العلاقة" معها سياسية وان "العلاقة العسكرية" انما هي مع العرب. ونجح بمعونة المنظمتين الارهابيتين "الارغون" و"الشتيرن" المنشقتين عن "الحركة التنقيحية" اليمينية    Revisionist التي اسسها فلاديمير جابوتنسكي في مطلع العشرينات و"الخارجتين" عن طاعة الهاغانا في دفع بريطانيا باتجاه التخلي عن الانتداب ومغادرة البلاد.

وكان حليف بن غوريون الاكبر في الضغط على بريطانيا الولايات المتحدة كما توقع سالفاً خصوصاً بعد وفاة فرانكلين روزفلت واستلام نائبه هاري ترومان الرئاسة عام 1945. وكان ترومان دشن سياسته الشرق اوسطية عندما صرف وفداً حاشداً من سفرائه في الدول العربية ابقاه واقفاً جاء "ليتنحنح" على موالاته للصهيونية بقوله "انني آسف ايها السادة ولكنني مضطر للاستجابة لمئات الآلاف الحريصين على نجاح الصهيونية وليس بين ناخبيي مئات الآلاف من العرب".

عل هذه الارضية المتينة وضع بن غوريون في آب (اغسطس) الخطة الصهيونية الجديدة لتقسيم فلسطين اي لقيام الدولة اليهودية على 75 في المئة من مساحة البلاد. وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1946 ايد ترومان هذه الخطة في معرض تهنئة ناخبيه اليهود بعيد الغفران (يوم كيبور) فكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لبريطانيا اذ ما لبث ان احالت القضية الفلسطينية الى هيئة الأمم حين تبنى الاتحاد السوفياتي بدوره ولأسبابه في ربيع 1947 مبدأ التقسيم اي قيام دولة يهودية فحصل بن غوريون بذلك على دعم العملاقين الكبيرين في آن واحد.

وفي 6 تشرين الاول (اكتوبر) اي قبل قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 اصدر بن غوريون امراً لصناعته العسكرية لانتاج 20,000 بندقية و10,000 مدفع رشاش و10,000 مسدس و500 رشاش و4,5 مليون طلقة.

ترى كل كان شعور بن غوريون في تلك اللحظة بالقوة اقل من شعوره عام 1936 بسبب وصول عدد اليهود في فلسطين الى 355 الفاً وهل نسي عام 1947 كل ما قاله عن "الصهيونية العميقة" ومراحل تحقيق الاحلام الصهيونية؟.