الطور الاول: (من البدايات - 1917): من البدايات الى اكتمال عناصر النجاح
المرحلة الأولى: (بدايات 1897): من البدايات الى بلورة فكرة الدولة اليهودية
قبل المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 وتولي ثيودور هرتزل لزعامتها لم تكن الحركة الصهيونية بعد قد تبلورت كحركة سياسية تدعي تمثيل ارادة الشعب اليهودي الموحد القومية ولا كلاعب فاعل على الساحة الدبلوماسية الدولية وظلت على رغم استباق بعض رواد الفكر الصهيوني لهرتزل نفسه في طرح فكرة الدولة اليهودية مجرد حركة يهودية اوروبية المنشأ ظهرت في اوائل الثمانينات من القرن الماضي غايتها العامة الهجرة الى فلسطين بحجة "العودة اليها بدوافع دينية او دنيوية او خليطة بينها بهدف استيطانها املاً بيوم آت او غير آت يتم فيه اعادة تأسيس الدولة اليهودية فيها.
وتختلف الصهيونية بهذا المفهوم اختلافاً كلياً عن انتقال مجموعات من اليهود الى فلسطين عبر العصور اثر الفتح الاسلامي لغايات دينية صرفة من زيارة وعبارة ومجاورة بل ان الاوساط الدينية اليهودية الاصيلة وحتى بعد ظهور الصهيونية السياسية بمفهوم هرتزل والى الأمس القريب ظلت في سوادها الاعظم مناهضة للصهيونية على اعتبار ان "عودة" الشعب اليهودي الجماعية الى فلسطين انما هي مرهونة بالارادة الإلهية وظهور المسيح وان اي محاولة لاستباق هذه الارادة بالمبادرة السياسية البشرية ان هي الا بدعة تنبذها تعاليم الدين ولا تقرها اطلاقاً.
وهكذا وجدت في فلسطين قبيل ظهور الحركة الصهيونية جاليات يهودية متدينة نصفها من اليهود الشرقيين (السفرديم) والنصف الاخر من الاوروبيين (اشكناز) على عداوة وخلاف مزمن مع بعضهم بعضاً اقامت في المدن الاربع المقدسة في نظرهم (الخليل والقدس وطبريا وصفد). واعتبر هؤلاء ان العيش خارج هذه المدن والعمل لكسب العيش في اي حرفة او صنعة كانت، انما هو منافٍ للدين يصرفهم عن التعبد والصلاة فكانوا لذلك عالة دائمة على ابناء دينهم في اوروبا حيث جمعت لهم الصدقات سنوياً كسباً للأجر والثواب لسد حاجاتهم المعيشية ووفق نظام عرف بـ"الهالوكا" وكان عدد هؤلاء اليهود المتدينين المقيمين في فلسطين عند بدء الحركة الصهيونية في اوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر حوالى 40,000 وكان البكاء عند حائط البراق ("حائط المبكى") بالقدس من اهم اعرافهم بدأ العمل به في اوائل القرن السادس عشر ميلادي بعيد دخول العثمانيين المدينة علماً بان العرف الأقدم كان الوقوف على جبل الزيتون شرقي القدس في مناسبات معينة لتأمل ما اعتبر موقع هيكل سليمان والتحسر على اطلاله.
سبق عدد من مفكري اليهود هرتزل في بلورة الفكر الصهيوني اهمهم خمسة: كاليشير (1795-1874) وموزيس هس (1812-1875) وينسكر (1821-1891) وموهيليفير (1824-1898) وغينزبرغ (1856-1927). تحدى الحاخام كاليشير البروسي المولد الإجماع الديني السائد بان افتى بان العمل الميداني الاستيطاني في فلسطين يجب ان يسبق ظهور المسيح المنتظر وان المعجزة الربانية في خلاص اليهود ستلي حتماً مثل هذا العمل فزرع بهذه الفتوى "المارقة" بنور التوليف اللاحق بين الصهيونية والفكر الديني اليهودي. وجزم موزيس هس الالماني المولد والاشتراكي العلماني زميل كارل ماركس باستحالة النهوض باليهودية في الشتات الاوروبي المسيحي وبوجوب اقامة دولة يهودية في فلسطين كشرط مسق لإعادة إحياء اليهودية سياسياً وكان على قناعة بان الدول المسيحية وعلى رأسها فرنسا ستقدم العون لليهود لتحقيق هذا الهدف. وحذر بنسكر الروسي المولد من الوهم بان اللاسامية على طريق الاضمحلال نظراً لان اليهود يعتبرون اغراباً حيثما وجدوا وانه كلما وصل عددهم في اي بلد م "حد الاشباع" نتج اضطهادهم تلقائياً تبعاً لذلك، ودعا الى انشاء مركز قومي وسياسي خاص بهم من دون تحديد مكانه والى تنظيم مؤتمر قومي لاختيار البلد وتنظيم الهجرة اليه. وصب فكر الحاخام موهيليفر الروسي المولد في مصب فكر سلفه كاليشير اذ دعا الى دراسة علوم الزراعة اضافة الى الدراسات الدينية وذهب في حثه على الاستيطان الى القول "بان الله يفضل ان يعيش مع ابنائه في ارضهم (فلسطين) حتى ولو لم يتقيدوا بتعاليم التوراة على ان يظلوا في الشتات متقيدين بها". وشدد غنزبرغ الروسي المولد على ان الدولة اليهودية المرتجاة لا يجوز ان تكون ملجأ فحسب للشعب اليهودي وانه لا بد من فترة انتقال طويلة قبل انشائها يتم فيها عن طريق تثقيف الذات قومياً وروحياً التخلص من ادران الشتات البغيضة ومن الميوعة في الاخلاق اليهودية والنزعة الخانعة الى تقليد الغرب، لذلك وقف موقف الناقد لحركة الاستيطان الصهيونية الجارية قبل المؤتمر الصهيوني الاول وبعده.
يتبين لدارس هذه الكتابات ان اربعة عناصر تتفاعل فيها: نظرة موغلة في التشاؤم بالنسبة لأوضاع اليهود المستقبلية في البلاد الاوروبية يردفها نفور من النزعة اليهودية المتزايدة الى الاندماج فيها مع توكيد على وجوب المحافظة على الهوية اليهودية التراثية وتثبيتها واجماع على الحيز المفضل لذلك انما هو فلسطين عن طريق هجرة استيطانية جماعية اليها.
ولا شك في ان ظهور اللاسامية الاوروبية العلمانية منذ اواسط القرن التاسع عشر المتزامنة مع منح اليهود الحقوق المدنية الكاملة في معظم الدول الاوروبية خلال هذا القرن بتأثير الثورة الفرنسية وتشريعات نابليون. احدثت صدمة نفسية عنيفة لدى اليهود قاطبة حتى في الاوساط الداعية الى الاندماج والتكيف في اوطانهم الاوروبية بوحي من تعاليم المصلح اليهودي الالماني موزز مندلسون (1729-1786) وحركة التنوير اليهودية "الهمكالا" التي اسسها. ونعني باللاسامية العلمانية تلك الحركة التي رافقت ظهور العقيدة القومية الاوروبية القائمة على مبدأي النقاء العنصري والدولة الامة Nation State المتأثرة بالنظرية الداروينية التي اكتسحت دول اوروبا خلال القرن فجاءت لتضيف بعداً معاصراً للبعد اللاهوتي لعداء اوروبا لليهود المتوارث منذ نشوء المسيحية. وعبر عن هذه اللاسامية الحديثة عدد من مفكري الغرب في كتب تدل عناوينها على فحواها ومن اشهرها كتاب "التفاوت بين الاجناس" لغوبينو الإفرنسي الصادر عام 1853، وكتاب مار الالماني بعنوان "انتصار اليهودية على الالمانية" عام 1869" وكتاب درومنت الافرنسي بعنوان "فرنسا اليهودية" عام 1886. ولعل محاكمة الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي دريفوس عام 1894 من اشهر الاحداث المرتبطة بانتشار اللاسامية العلمانية في اوروبا الغربية، وحضرها هرتزل بصفته الصحافية وكان لها الاثر الحاسم في تطور عقيدته الصهيونية. ولم تمض سنتان على حضور الصحافي الهنغاري هرتزل محاكمة دريفوس حتى وضع كتيبه بالالمانية عام 1896 (23,000 كلمة) بعنوان "دولة اليهود" واعقبه بالدعوة الى انعقاد مؤتمر يهودي عام لتنفيذ ما ورد فيه.
لم يأت هرتزل بجديد في تشخيصه للمعضلة اليهودية او في وصفه للدولة اليهودية كعلاج لها لكن الجديد كان في طرحه المنهجي الهادىء وتوكيده الواثق على الدولة كحل اكيد لما يعانيه اليهود في المجتمعات الغربية واطمئنانه التام الى امكان تحقيق الدولة عبر مقترحاته.
واعتبر هرتزل ان فكرة الدولة وامكان تحقيقها تحتوي على قوة كامنة قادرة على تحريك الشعب اليهودي وان اللاسامية الحديثة جعلت من اليهود الذين فرقتهم تيارات التنوير والاندماج شعباً Volk واحداً متحداً واعظم قوة من ذي قبل وان القضية اليهودية ليست قضية دينية او اجتماعية (وان اتخذت هذه الاشكال احياناً) ولكنها في الصميم قضية قومية وان لا بد من تحويلها الى قضية سياسية دولية لكسب التأييد الدولي للدولة اليهودية كحل لها.
واكد هرتزل ان الشعب اليهودي لا يقل وعياً او ارادة او موارد او طاقات عن شعوب اليونان ورومانيا والصرب والبلقان الذي حققوا آمالهم حديثاً وان لدى اليهود حافز اضافي هو اللاسامية.
واقترح هرتزل لتحقيق الدولة قيام هيئتين الاولى "جمعية اليهود" Society of Jews والثانية الشركة اليهودية The Jewish Company ، واعتبر الجمعية الاداة السياسية ذات سلطة التقرير تقوم بكل الاعمال السياسية المطلوبة من توعية الرأي العام اليهودي والعالمي الى تنظيم الهجرة الجماعية الى اختيار البلد المهاجر اليه الى اجراء المفاوضات مع الدول الكبرى للحصول على "البراءة" Charter التي تعترف بالسيادة اليهودية على البلد المختار.
ويذكر ان هرتزل لم يحدد هذا البلد في كتابه بل تساءل "هل يكون البلد فلسطين ام الارجنتين؟ سنأخذ ما يعرض علينا وما يختاره الرأي العام اليهودي".
اما الشركة فتتولى جمع المال وتنظيم التجارة والصناعة في البلد المختار وتصفية ممتلكات اليهود في اوروبا وشراء الاراضي ومدّ المهاجرين بالمساكن والادوات والقروض وتكون الشركة مساهمة محدودة برأس مال قدره مئتا مليون دولار تسجل في لندن تحت الحماية البريطانية اما المال فأسهل مصدر للحصول عليه هو كبار المتمولين اليهود فان تعذر فيحصل عليه من البنوك الصغيرة وان تعذر فمن الاكتتاب الشعبي اليهودي.
المرحلة الثانية (1897-1914): من المؤتمر الصهيوني الاول الى الحرب الكونية الاولى
قبيل المؤتمر الصهيوني الاول وعند بداية الهجرة الاستيطانية الى فلسين في اوائل الثمانينات من القرن الماضي كان عدد يهود العالم 7,750,000 وكانت اعلى نسبة منهم (حوالى 75 في المئة) تقطن بلاد اوروبا الشرقية وبخاصة روسيا تليها يهود اوروبا الوسطى والغربية (13,15 في المئة) ثم يهود الدول الاسيوية (8 في المئة) بينما نسبة يهود الولايات المتحدة لم تتعد 3,5 في المئة.
وكان اكبر مستودع بشري يهودي يضم حوالى خمسة ملايين منهم يخضع للحكم القيصري الذي حصر اقامتهم في مقاطعاته الغربية البولندية من دون سائر انحاء روسيا وعرفت هذه المقاطعة التي امتدت من بحر البلطيق الى البحر الاسود بـ Pale of Settlement اي "الفناء" وضيق عليهم وتكررت الهجمات الجماهيرية الروسية التي عرفت بـالبغروم Pogrom على الجاليات اليهودية فيها مما دفعها الى الهجرة خارج روسيا فتدفقت جموعهم نحو الولايات المتحدة الامريكية ودخلها منهم 600,000 بين 1881 و1899 و 1,450,000 آخرون ما بين 1899 و 1914.
مقارنة بهذه الهجرة لمئات الآلاف من اليهود الى الولايات المتحدة لم تزد هجرة اليهود الى فلسطين بدافع الصهيونية خلال الفترة ذاتها اي في العقدين السابقين والتاليين للمؤتمر الصهيوني الاول (1880-1914) على 50,000 وجاءت هذه الهجرة في موجتين: الاولى من "الفناء" ومن رومانيا بين 1882-1903 وعددها حوالى 6000 والثانية معظمها من "الفناء" بين 1904-1914 وعددها حوالى 40,000. وعلى رغم قلة عدد هؤلاء المهاجرين فقد كان لدخولهم فلسطين في هذه الفترة بالغ الاثر على مستقبل الحركة الصهيونية ذلك انهم شكلوا النواة البشرية اللازمة للمجتمع الصهيوني الجديد المزمع انشاءه من حيث نظرتهم الاستعلائية على اهل البلاد من العرب وطموحاتهم القومية وخبراتهم المتنوعة المستقاة من بيئة "الفضاء" القاسية ونظرياتهم الاجتماعية حصيلة احتكاكهم بتيارات روسيا واوروبا الفكرية عشية الثورة البلشفية.
وضع المؤتمر الصهيوني الاول بزعامة هيرتزل برنامج الحركة الصهيونية الذي عرف "ببرنامج بازل" واستمر العمل به الى ان حل محله عام 1951 "برنامج القدس" الذي وضع في اول مؤتمر ينعقد بع قيام دولة "اسرائيل". وحدد البرنامج غاية الصهيونية بالالمانية على انها "خلق مسكن ( Heimstatte) للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه "القانون العام" واقرب تعبير بالانكليزية لـ Heimstatte
هو Homestead
الذي يعني "مكان منزل المرء" وكان هدف هرتزل من الاصرار على هذه الصياغة، وهو الداعي جهاراً الى قيام الدولة اليهودية، التخفيف من مخاوف كل من الدولة العثمانية وحلفائها والمتدينين اليهود وكبار اثريائهم من دعاة الاندماج بالمجتمعات الاوروبية فأرسى بذلك سابقة في التمويه على الهدف من دون التخلي عنه اصبحت من اهم ركائز الاستراتيجية الصهيونية فيما بعد. اما الوسائل التي حددها برنامج بازل لتحقيق الغاية المعلنة فهي:
1 - الاستيطان الزراعي وغير الزراعي.
2 - تنظيم الشعب اليهودي بأسره.
3 - تعزيز الشعور بالهوية اليهودية.
4 - الاتفاقات مع الحكومات لتحقيق هدف الصهيونية وهي وسائل لا تزال تعمل الصهيونية بها الى يومنا ها علماً بان المؤتمر الصهيوني الاول بدأ سلسلة مؤتمرات لم تنقطع منذئذٍ كان آخرها المؤتمر الثاني والثلاثين المنعقد في القدس عام 1992.
وصل هرتزل مبكراً الى قناعة راسخة بان اولى اولويات العمل الصهيوني يجب ان تكون الحصول على "براءة" شرعية Charter لاستيطان فلسطين من الدولة العثمانية ولا شك في ان نموذجية للبراءة كانت تلك البراءات التي منحتها الدول الاستعمارية الكبرى بريطانيا وهولندا عبر القرون الى شركات خاصة للاستثمار والاستيطان في مناطق اسيوية وافريقية بدأ بـ"شركة الهند الشرقية" البريطانية في اوائل القرن السابع عشر وانتهاء بالبراءة التي منحتها الحكومة البريطانية عام 1899 الى "شركة افريقيا الجنوبية" التابعة لسيسل رودس لاستعمار منطقة "الزمبيزي" واستعان هرتزل بقيصر المانيا للتأثير على السلطان عبدالحميد عام 1898 فسأله القيصر "قل لي بكلمة ماذا تريدني ان اطلب من السلطان" فأجاب هرتزل "شركة ذات براءة Chartered Company تحت الحماية الالمانية" وفشل هرتزل في مساعيه مع القيصر كما فشل في مساعيه مع السلطان عبدالحميد الذي قابله عام 1901. وعلى اثر فشله هذا لدى اسطنبول اتجه هرتزل في سعيه نحو مانحة البراءات العظمى: بريطانيا… وفي عام 1902 قابل وزير المستعمرات البريطاني جوزيف شمبرلين واقترح هرتزل عليه استيطان منطقة العريش في سيناء فوافق شمبرلين الا ان المحادثات مع الحكومة المصرية اخفقت فما كان من شمبرلين نفسه الا ان عرض عام 1903 على هرتزل براءة لاستيطان افريقيا الشرقية ولحرص هرتزل على الحصول على براءة من بريطانيا بالذات اقترح على المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 ايفاد بعثة لتقصي اوضاع المنطقة الافريقية المقترحة مما اثار معارضة شديدة داخل المؤتمر اتهمت هرتزل "بخيانة الصهيونية" لتخليه عن فلسطين. ومع ان مشروع افريقيا لم يتحقق وتوفي هرتزل في العام التالي فقد نجح هرتزل في تنبيه حركته الى اهمية البراءة القصوى كما نجح عبر المؤتمر الصهيوني واتصالاته مع صانعي القرار في وضع الحركة الصهيونية على خريطة الدبلوماسية الدولية وفي استدرار عرضين استيطانيين من اكبر عاصمة استعمارية في العالم.
وقامت خلال هذه المرحلة اثناء حياة هرتزل وبعد وفاته بعض اهم المؤسسات الصهيونية وعلى رأسها المنظمة الصهيونية ذاتها التي اصبح المؤتمر هيئتها التشريعية والسياسية العليا وضمنت المنظمة امكان كسب قاعدة شعبية لها على اسس تمثيلية ديمقراطية عبر نظام "الشاقل" بقيمة رمزية قدرها مارك واحد او فرنك او شلن ينتخب كل مئة دافع شاقل ممثلاً واحداً عنهم في المؤتمر. وامن هذا المصدر دخلاً لتغطية نفقات المؤتمر ذاته ونفقات لجنته التنفيذية ومكتبها المنبثقتين عنه عن طريق الانتخاب ايضاً. وضمنت هذه الترتيبات استمرار المنظمة كمؤسسة لا ذاتية تؤمن انتقال السلطة بالتتابع. وقام التنظيم الصهيوني في مختلف البلاد على اساس اللامركزية والتوافق مع القوانين المرعية فارتبطت الجمعيات الصهيونية المحلية طوعاً باتحاد عام Federation لكل بلد ارتبط بدوره باللجنة التنفيذية المركزية واقر مبكراً مبدأ التعددية واضيف لتنظيم الاتحادات الافقي تنظيم عمودي افسح المجال لانضمام احزاب عقائدية غير مرتبطة ببلد معين عرفت بالاتحادات المنفصلة Separate Unions انتسبت عن طريقها الى المنظمة فئات اشتراكية ومتدينة. وهكذا ورغماً عن المعارضة الشديدة التي واجهتها الصهيونية في بادىء الامر من الاندماجيين ومن المتدينين عموماً، اوجدت الاطر والمبادىء الكفيلة بتوسيع دائرة التأييد لها الى اقصى الحدود عند توفر الظروف الملائمة وغدت المنظمة الصهيونية الهيئة اليهودية القادرة على الادعاء بصدقية بتمثيل الشعب اليهودي بأسره.
إضافة الى المنظمة الصهيونية، تأسست مؤسستان خطيرتان رسميتان أخريان اثناء حياة هرتزل بقرار من المؤتمر الاستعماري اليهودي Jewish Colonial Trust ( عام 1899) والصندوق اليهودي القومي Jewish National Fund ( عام 1901). اما الصندوق الاستعماري، وهو الهيئة المالية الرئيسية للمنظمة الصهيونية، فكان التجسيد لفكرة "الشركة اليهودية" التي ذكرها هرتزل في كتابه "دولة اليهود" والمرشحة لاستلام البراءة من مانحيها وتأسس الصندوق في لندن كشركة مساهمة محدودة برأس مال معلن قدره مليونا جنيه اكتتب منه حوالى 400,000 جنيه فقط بسبب إحجام كبار المتمولين اليهود عن المساهمة فيه، بيد انه لاقى تجاوباً واسعاً لدى الفقراء اليهود الذين اقبلوا على شراء اسهمه بسعر جنيه واحد للسهم، لكونه يجمع للمرة الاولى في تاريخ المؤسسات اليهودية بين هدفي الربح المادي والخدمة القومية. وتفرغ عن الصدوق عدة شركات مصرفية بدت على انها الادوات الميدانية الصهيونية المفضلة آنذاك واهمها "شركة الانجلو بالستين" (1803) و"شركة انجلو ليفانتين المصرفية" (1908) و"شركة تطوير اراضي فلسطين" Palestine Land Development Co. ( 1908 ) وجميعها سجلت في لندن كشركات مساهمة محدودة وأسست "الانجلو بالستين" فروعاً لها في كل من بيروت والقدس ويافا والخليل وحيفا وصفد وطبريا، بينما أسست "الانجلو ليفانتين" فرعاً في اسطنبول، اما "شركة تطوير اراضي فلسطين" فأصبحت الاداة الرئيسة لشراء الاراضي باسم "الصندوق القومي اليهودي" وهو الصندوق الذي خصص لتمويل شراء الاراضي في فلطين على ان تبقى ملكاً للشعب اليهودي غير قابل للتصرف وتؤجر لليهود من دون سواهم ولا يسمح لغير اليهود العمل فيها. وتم تسجيل الصندوق في لندن كشركة "محدودة بالكفالة وبدون رأس مال موزع في اسهم"، وقام الصندوق على اساس الجباية الشعبية بواسطة طوابع بريد وصناديق صغيرة خاصة وضعت في المنازل والمؤسسات العامة حيثما وجدت جاليات يهودية في العالم، فخلق بذلك حلقة واسعة من اليهود العاديين المؤيدين مباشرة لأهداف الصهيونية.
والصندوق، وان لم يلعب دوراً حاسماً في شراء الاراضي في هذه المرحلة بالذات، فانه لعبه في الطور المقبل وهو على كل حال جسد منذ البداية عبر المبادىء التي قام عليها خطوط الاستراتيجية الصهيونية الاقتصادية الكبرى الهادفة الى انشاء اقتصاد مستقبل منفصل عن اقتصاد عرب فلسطين قاعدة لقيام الكيان السياسي عليها لاحقاً.
ومن اهم المؤسسات الصهيونية في هذه المرحلة، ان لم يكن اهمها ميدانياً، مكتب فلسطين The Palestine Office الذي تأسس عام 1908 وعكس في نشاطاته توجه الحركة الصهيونية بعد وفاة هرتزل وتجميد السعي للحصول على ابراءة نحو العمل الاستيطاني المكثف وتولى ادارته البيروقراطي البروسي الفذ ارثور روبين (1876-1943) الذي جعل من المكتب الهيئة المشرفة العليا على كافة النشاطات الصهيونية في فلسطين، ونسق من خلاله عمليات شراء الاراضي، ان من قبل المؤسسات الصهيونية الرسمية او من قبل شركات خاصة او افراد ووضع خطة جغراسية geopolitical لشراء الاراضي تعتمد وجوب الاستيطان المتصل على محاور ثلاثة: اولها السهل الساحلي بين يافا وحيفا، وثانيها السهل الداخلي بين حيفا وطبريا، وثالثها حوض الاردن من طبريا الى اعالي النهر، وهي الخطة التي تم تنفيذها في الطور التالي وارست البنية التحتية الارضية للدولة اليهودية. وروبين هو الذي رعى في هذه المرحلة التجارب الاولى للقربة الجماعية التعاونية (الكيبوتس) التي اصبحت لاحقاً رأس حربة في اعقاب وعد بلفور.
وتميزت هذه المرحلة ايضاً بظهور تنظيم عمالي حزبي بين صفوف مهاجري الموجة الثانية (1903-1914) انبثق عن حزب "بوعالي زيون" الماركسي والروسي الاصل وتزعم التنظيم الفلسطيني منه ديفيد بن غوريون الروسي البولوني الاصل (1886-1973) الذي دعا الى ضرورة تكييف النظريات الماركسية والاشتراكية الدولية مع ظروف العمال اليهود في فلسطين، ذلك ان هؤلاء يسعون الى تأسيس وطن قومي لهم فيها فطالب بـ"الاستيلاء على العمل" Conquest of Labour في المستعمرات.
والمنشآت اليهودية في فلسطين، اي عدم السماح للعرب بالعمل فيها. وهكذا تم التلاقي بين القاعدة العمالية الشعبية والمؤسسة السياسية الصهيونية حول وجوب انفصال الاقتصاد الصهيوني عن الاقتصاد العربي، ووضعت اسس التحالف السياسي اللاحق بينهما وفي الوقت نفسه تألفت اول مجموعة عمالية مسلحة يهودية باسم Hashomer ( 1908 ) " الحارس" التي كان من اهم اهدافها اخراج الحراس العرب من المستعمرات اليهودي فجاءت نذيراً مبكراً بما هو آت.
والمفارقة الكبرى طوال هذه الفترة هي حاجة المنظمة الصهيونية الى المال، بسبب موقف كبار المتمولين اليهود منها، غير ان كبار المتمولين اياهم هم الذين سدوا هذه الثغرة ليس عبر المنظمة او مؤسساتها، لكن بما قدموه مباشرة الى المستوطنين في فلسطين، وكان على رأس هؤلاء المتمولين من غير الصهاينة اسماً ( Non-Zionist) البارون ادموند روتشيلد (1845-1935) عميد الفرع الفرنسي للعائلة الذي لولا ما تبرع به لانهار حركة الاستيطان الصهيونية بكاملها ما بين اوائل الثمانينات وعام 1914، فقد بلغ مثلاً ما انفقته جمعية "احباء صهيون" وهي اكبر جمعية روسية صهيونية في "فناء الاستيطان" مثلت عشرات الآلاف من الاتباع، بلغ ما انفقته في فلسطين بين 1884 وانعقاد المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 مليوني فرنك، بينما لا بلغ ما انفقه روتشيلد بمفرده خلال الفترة ذاتها اربعين مليون فرنك. وهكذا مهما اختلفت دوافع الاطراف اليهودية العدة، فان الظاهرة المواكبة لتطور الصهيونية الى الآن تشير الى ان مساعي هذه الاطراف جميعاً تصب دوماً في مصب واحد.
المرحلة الثالثة (1914-1917) من بداية الحرب الكونية الاولى الى وعد بلفور
اذا كانت الحرب تصنع التاريخ وتحدث تغييرات جذرية في سنين او اشهر او حتى ايام ما يحتاج السلم الى عقود بل الى قرون للإتيان بمثلها فان الحرب الكونية الاولى خلال السنوات 1914-1918 صنعت تاريخ مشرقنا العربي الذي تلاها الى يومنا هذا.
ومع ان الامبراطورية العثمانية غدت في القرن التاسع عشر "رجل اوروبا المريض" الا ان سياسة بريطانيا العظمى الثابتة كانت الحفاظ عليها تجاه اطماع روسيا القيصرية الى ان قررت بريطانيا احتلال مصر عام 1882 ومنذ ذلك الحين اخذت الهوة تتسع بين اسطنبول ولندن وتضيق بين الاولى وبلين وهكذا عند اندلاع الحرب الكونية الاولى حاربت الدولة العثمانية بجانب المانيا والنمسا - هنغاريا ضد التحالف الثلاثي المؤلف من روسيا وبريطانيا وفرنسا الذي انضمت اليه الولايات المتحدة لاحقاً.
وباشتراك اسطنبول في القتال برز احتمال هزيمتها وبالتالي مصير ولاياتها العربية بما فيها فلسطين بعد الحجرب وعلى اثر فشل جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع في اقتحام قناة السويس عام 1915 واستلام القوات البريطانية المرابطة في مصر تحت قيادة الجنرال اللنبي زمام المبادة زاد احتمال هزيمة الدولة العثمانية ودخول جيوش اللنبي الولايات العربية وزاد معه نشاط الاطراف المعنية في التداول والتفاوض فيما بينها بالنسبة لمستقبل هذه الولايات. فكانت المحادثات بين الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني في مصر السير هنري مكماهون (تموز / يوليو 1915 آذار / مارس 1916) ومعاهدة سايكس - بيكو البريطانية - الفرنسية (ايار / مايو 1916) والمحادثات بين بريطانيا وامريكا والمنظمة الصهيونية (1915 - 1917) التي افضت الى وعد بلفور.
ومحادثات الشريف - مكماهون لا تعنينا هنا مباشرة سوى للتذكير بان وعود بريطانيا حينذاك وسائر وعود العواصم الغربية في اكثر من قارة منذئذٍ الى العرب لا تتعدى قيمتها في معظمها قيمة الحبر والورق المستنفدين في كتابتها. اما معاهدة سايكس-بيكو فقد عكست اعتراف الحليفين المحاربين الكبيرين التبال بـ"حقوق" في المشرق العربي كما عكست شرههما على اقتسام غنائم الحرب فيما بينهما والواقع ان هذا الاتفاق الثنائي كان جزءاً من اتفاق ثلاثي ضم روسيا القيصرية وشمل تقسيم الولايات العربية، ويلاحظ بالنسبة الى الدول العربية المزمع انشاؤها انها محاطة باليابسة لا منفذ لها الى البحر سوى عبر النقب جنوب غزة بينما الساحل اللبناني - السوري يقع تحت الحكم البريطاني المباشر ويقع النصف الجنوبي من العراق والمحاذي لخليج العرب تحت الحكم البريطاني المباشر اما بالنسبة الى فلسطين فنصت معاهدة سايكس - بيكو ان تكون من غزة الى شمال عكا وغرب نهر الاردن تحت حكم "دولي" International من دون تحديد صفته على ان تحكم بريطانيا خليج عكا - حيفا والسهل بينهما.
لم تكن المنظمة الصهيونية عن اندلاع الحرب او خلالها في وضع تحسد عليه بصفتها منظمة دولية لها فروع في جميع الدول التجارية. فبينما كان مقر لجنتها التنفيذية الرسمي (الكتب) في برلين كان معظم مؤيديها في "فناء الاستيطان الروسي" ومستعمراتها في فلسطين حين امر جمال باشا بطرد احد عشر الف يهودي منها لكونهم من التبعية الروسية بينما كانت مؤسساتها المالية الكبرى في لندن، وتمكنت المنظمة ليس من تخطي هذه العقبات الكأداء فحسب بل وايضاً من التقدم بخطوات عملاقة تجاه اهدافها وبزغت المنتصرة الاولى في الشرق الاوسط في تسوية ما بعد الحرب على رغم وجود مقرها في عاصمة الحلف المنهزم، فكيف كان ذلك؟.
كان من الطبيعي ان يفكر مكتب اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في بادىء الامر بالانتقال الى عاصمة محايدة على انه ما لبث ان ادرك ان انسحابه من برلين سيؤدي الى فقدان اي نفوذ له فيها، وبالتالي الى فقدان وسائل التأثير على اسطنبول عبر برلين للتخفيف من تدابير الاولى ضد المستوطنين في فلسطين. لذلك قرر البقاء في برلين اضافة الى فتح مكتب له في عاصمة محايدة (كوبنهاغن) ليكون صلة الوصل بينه وبين سائر العالم الا ان الخطوة الاخطر والاكبر شأناً كان القرار بنقل مركز الثقل للنشاط السياسي الصهيوني الى الولايات المتحدة لوجود اغنى جالية يهودية في العالم فيها واكبرها خارج "فناء الاستيطان" الروسي ولكون الولايات المتحدة بلداً محايداً حافظ على حياده لغاية نيسان (ابريل) 1917 عندما اعلن الحرب على المانيا من دون الدولة العثمانية واردف المكتب قراره هذا بإيفاده احد اعضائه ناحوم سوكولوف (1859-1936) الروسي - البولوني المولد الى بريطانيا لتمثيل المنظمة فيها وشهدت السنون القليلة التالية الحصيلة العجيبة للتنسيق المحكم بين النشاط الصهيوني الدبلوماسي في كل من البلدين: الولايات المتحدة وبريطانيا.
بلغ عدد يهود امريكا عند اندلاع الحرب الكونية الاولى حوالى ثلاثة ملايين جاء معظمهم من "فناء الاستيطان" الروسي كما اسلفنا. اما النخبة فكان معظمهم من اصل الماني جاؤوا قبل اليهود الروس وكانوا باستثناء اقلية صهيونية من دعاة الاصلاح ( Reform) والاندماج وحريصين على إثبات ولائهم الى الولايات المتحدة فكان شعارهم "هذا البلد فلسطيننا وهذه المدينة قدسنا وبيت الله هذا معبدنا" ولم يتجاوز اعضاء الاتحاد الصهيوني الامريكي عام 1914 الـ12,00 بينما لم تتجاوز ميزانية 15,000 دولار، الا انه لم يلبث ان انقلب الوضع في بضعة سنين رأساً على عقب ويعود ذلك في اكثره الى فرد يهودي واحد هو القانون لويس برانديس (1856-1941) الامريكي المولد.
تخرج براندس في الحقوق من جامعة هارفرد وتخصص في النزاعات بين العمال واصحاب العمل وتبنى جانب المستهلك والعالم واشتهر وسمي "نصير الشعب" وجلب انظار الدوائر الليبيرالية وكان من ابرز من اعجب به وودرو ولسن (1856-1924) رئيس الولايات المتحدة (1913-1921) الذي اصبح برانديس من اهم مستشاريه ومن اقرب المقربين لديه وعينه عضواً في محكمة الولايات المتحدة العليا عام 1916 وهو اول يهودي يحتل هذا المنصب الرفيع.
قبل برانديس طلب المنظمة الصهيونية في آب (أغسطس) 1914 اي بعيد اندلاع الحرب ان يتولى رئاسة اللجنة التنفيذية المؤقتة Provisional Executive Committee التي تألفت في الولايات المتحدة وقامت عملياً مقام مكتب المنظمة المعطل في برلين وكان من اول اولوياتها حماية المستوطنين في فلسطين ومدهم بالمساعدات والمال والتخطيط والتسوية بعد الحرب بالنسبة لفلسطين ولأوضاع الاقليات اليهودية عموماً في اوروبا، فاندفع برانديس في تنظيم الاتحاد الصهيوني الامريكي والتجنيد له وفي زيادة موارده وجمع المال والمؤن وارسالها على سفن البحرية الامريكية الى فلسطين واقنع واشنطن بنقل اليهود الذين طردهم جمال باشا الى مصر على هذه السفن ايضاً، وحفّز الخارجية الامريكية للتوسط لدى اسطنبول للتخفيف على المستوطنين وبدء سلسلة لقاءات مع سفيري بريطانيا وفرنسا في واشنطن بالنسبة لمستقبل المشرق، وتم كل هذا بمعرفة الرئيس ولسن ورضاه.
وتصدى برانديس لما له من نفوذ معنوي وسياسي لتهمة "الولاء المزدوج" التي وسمت الصهيونية بها من قبل انصار الاصلاح من اليهود ومن غيرهم من اعدائها فدعا جهاراً الى رفض نظرية "وعاء الانصهار" Melting Pot نموذجاً للمجتمع الامريكي المختلط العناصر وطالب باعتماد "التعددية الحضارية" Cultural Pluralism نموذجاً بديلاً معلناً ان "امريكا تعتبر التنوع دون النسق الموحد درب التقدم الصحيح" وان" كل يهودي امريكي يساعد في استيطان اليهود فلسطين حتى اذا لم يرغب لنفسه او لأحفاده الهجرة اليها يغدو انساناً افضل وامريكياً افضل بهذه المساعدة" ففتح الباب بذلك للنشاط الصهيوني في امريكا على مصراعيه والى يومنا هذا. وما ان حل عام 1919 حتى كان عدد اعضاء الاتحاد الصهيوني الامريكي قد قفز نتيجة لذلك الى 176,000 وميزانيته الى 3 ملايين دولار.
في هذه الاثناء كان يتحرك على الساحة البريطانية زعيم صهيوني اخر فذ هو الدكتور حاييم وايزمن (1874-1952) الروسي المولد وخريج جامعات المانيا في الكيمياء، وكان وايزمان في المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة من اشد المعارضين لسياسة هرتزل القائمة على "البراءة اولاً" ولمشروع افريقيا الشرقية بالذات وغادر اوروبا سنة وفاة هرتزل (1904) لينتقل نهائياً الى بريطانيا حين التحق بجامعة مانشستر محاضراً في مادة الكيمياء.
وعلى رغم كونه عضواً في لجنة المنظمة التنفيذية الا ان وايزمان لم يكن عضو مكتب اللجنة وبالتالي لم يتكن له صفة رسمية لتمثيل المنظمة كالتي كانت لسوكولوف. ومع ذلك اصبح لقوة شخصيته ودهائه وسعة اتصالاته القائد الفعلي للدبلوماسية الصهيونية في بريطانيا خلال الحرب. وقد وصف وايزمان نفسه بانه "ججنائني" وليس مهندساً فهو يزرع "بصلة" في التربة الخصبة حيثما يجدها ويرعاها جميعاً بعناية وطول نفس الى ان تنضج ويحين قطافها.
ولم يكن الوضع بالنسبة للحركة الصهيونية في بريطانيا ليختلف كثيراً عنه في الولايات المتحدة عند بدء الحرب بأكثرية النخبة اليهودية اندماجية النزعة حريصة كل الحرص على تفادي تهمة "الولاء المزدوج" ومناهضة الصهيونية على ااس ان اليهودية دين واليهود لا يشكلون شعباً بحاجة الى وطن غير البلاد التي تقطنها الجاليات اليهودية العدة. وكانت تمثل هذه الاكثرية النخبوية تجاه الحكومة البريطانية "لجنة مشتركة للشؤون الخارجية" انتظمت فيها الهيئات الرئيسية اليهودية في بريطانيا وكان ابرز قادتها اللورد ادوين مونتاغيو (1879-1924) الوزير في وزارة كل من هربرت اسكويت (1906-1922) التي تلتها واللتين قادتا البلاد خلال سني الحرب.
على انه كما في الولايات المتحدة كان للصهيونية بؤر ملتزمة ناشطة ذات صلات واسعة بالمؤسسة الحاكمة البريطانية ما لبث ان اقام وايزمان معها اوثق العلاقات ليصبح قائدها ومرشدها في الشؤون الصهيونية ومسخراً اياها لاغراض منظمته.
وينقسم نشاط وايزمن منذ قدومه الى بريطانيا عام 1904 ولغاية وعد بلفور (1917) الى اقسام ثلاثة: فترة ما قبل الحرب، فترة ما تبقى من وزارة هربرت اسكويت (1914-1916) في سني الحرب الاولى، وفترة وزارة لويد جورج، ففي الفترة الاولى كانت قاعدة وايزمان الاساسية العدائل الثلاثة اليهود الصهيونيين المقيمين في مانشستر الذين عرفوا بـ"عصبة مانشستر" وهم سايمون ماركس ابن مؤسسة شبكة مخازن "ماركس اند سبنسر" الكبرى واسرائيل سيف رئيس الشبكة وهاري ساكر كاتب الافتتاحيات في جريدة "المانشستر غارديان" اليومية الواسعة الانتشار لصاحبها شارلز سكوت المسيحي عضو حزب الاحرار في البرلمان والصديق الحميم والمستشار المقرب لـ لويد جورج وزير المال ثم العتاد الحربي في وزارة اسكويت، وخلف اسكويت في رئاسة الوزارة الذي كان بصفته محام قد مثل المنظمة الصهيونية في المحادثات الخاصة في افريقيا الشرقية بينها وبين الحكومة البريطانية عام 1903.
ولعل اهم حدث بالنسبة لنشاط وايزمان في هذه الفترة كان مقابلته الاولى لـ آرثر بلفور (صاحب الوعد لاحقاً) عام 1906 بواسطة عضو البرلمان المحافظ اليهودي الصهيوني شارلز درايفوس بطلب من بلفور الذي كان حريصاً على معرفة الاسباب الحقيقية لرفض المنظمة الصهيونية لمشروع افريقيا الشرقية الذي كانت الحكومة البريطانية قد قدمته اليها عندما كان بلفور نفسه رئيساً للوزارة (1901-1905) وارست هذه المقابلة اسس صداقة متينة واعجاب متبادل بين وايزمان وبلفور.
وما ان اندلعت الحرب حتى باشرت "المانشستر غارديان" بالدعوة بتوجيه صاحبها سكوت الى ضم فلسطين في اي تسوية بعد الحرب الى الامبراطورية البريطانية وبالتحذير من "سقوطها" تحت الحكم الفرنسي حفاظاً على مصلحة الامبراطورية العليا وضماناً لأمن قناة السويس. وفي الوقت نفسه ارتفع صوت من داخل وزارة اسكويت في شخص الوزير هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني (1870-1963) واول مندوب سام بريطاني في فلطين لاحقاً (1920-1925) الذي ذهب الى ابعد مما ذهب اليه سكوت (ولم يكن بعد قد قابل وايزمان) واقترح على زميله في الوزارة لويد جورج انشاء دولة يهودية في فلسطين بعد الحرب باسم الحفاظ على امن الامبراطورية البريطانية ايضاً واردف ذلك بعد مقابلة وايزمان بمذكرة خطية الى الوزارة بهذا المعنى في كانون الثاني (يناير) 1915 ولم يلبث ان تعرف سكوت على وايزمان بواسطة هاري ساكر كاتب الافتتاحيات في "المانشستر غارديان" اياه فعرفه بدوره على صديقه لويد جورج وهكذا وجد وايزمان نفسه في قلب دائرة صنع القرار البريطانية.
ومما زاد في ترسيخ اقدامه داخل هذه الدائرة انه وهو الكيميائي الماهر اكتشف في هذه الفترة وسيلة لانتاج مادة "الاسيتون" الاساسية لصنع المتفجرات مما ازال اعتماد بريطانيا على استيراد موادها من وراء البحار فعين عام 1916 رئيساً لمختبر الاميرالية البريطانية (الوزارة البحرية) في لندن الامر الذي يسر عليه اتصالاته وقربه اكثر فأكثر من كبار الوزراء امثال ونستون تشرشل وزير البحرية ولويد جورج وزير العتاد الحربي وآرثر بلفور وزير الخارجية. وفي هذه الاثناء تبلورت المطالب الصهيوني بإرشاد وايزمان وقدم في تشرين الاول (اكتوبر) "برنامجاً" الى الحكومة البريطانية "لاعادة" استيطان فلسطين من قبل اليهود عن طريق الهجرة الجماعية من الخارج بهدف انشاء "مسكنهم" ( Home) فيها وعلى اساس الاعتراف بالجنسية اليهودية المنفصلة Separate Jewish Nationality على ان تمنح المنظمة الصهيونية "براءة" ( Charter) تتولها "شركة يهودية" Jewish Company لهذا الغرض. وطالب البرنامج بسلطات واسعة للشركة تتضمن حق الافضلية في الحصول على "اراضي الدولة واي اراض اخرى… وعلى جميع او اية امتيازات Cojncessronsa كما طالب بحق انشاء السكك الحديدية والطرق وشبكات التلغراف والتلفون وبناء الموانىء واحواض السفن وتأسيس شركات الشحن البحري. ويلاحظ التطابق التام بين برنامج وايزمان مع ازاء هرتزل ومساعيه ومع "برنامج بازل" الذي وضعه المؤتمر الصهيوني الاول.
لم يتأثر رئيس الوزارة اسكويت بهذا كله بل كان هزأ من مذكرة هربرت صموئيل لعام 1915 واعرب عن دهشته ان تصدر عنه مثل هذه الاراء الخيالية ولكن ايام اسكويث في الحكم كانت قد قاربت من النهاية.
تبدأ فترة نشاط وايزمان الثالثة والحاسمة بسقوط اسكويت في كانون الاول (ديسمبر) 1916 وتولى لويد جورج رئاسة الوزارة مع حفاظ بلفور على منصب وزير الخارجية. وفي كانون الثاني (يناير) 1917 يلتقي وايزمان بسايكس للمرة الاولى وكان سايكس غير مرتاح للصفة الدولية التي نصت عليها معاهدته مع بيكو ذلك ان بمفهوم 1917 كانت هذه الصفة تعني عملياً حكماً مشتركاً بريطانياً-فرنسياً لم تكن بريطانيا لتسعد له فكانت هذه الارضية المشتركة بين سايكس ووايزمان علماً بان سايكس كان المسؤول الاول عن شؤون الشرق الاوسط في الخارجية البريطانية ومساعد سكرتير وزارة الحرب لشؤون المنطقة. وبدأت منذ هذا اللقاء سلسلة اجتماعات بين الاثنين نصح سايكس وايزمان فيها بالاكتفاء في تلك المرحلة بصيغة مختصرة لمطالب الصهيونية تعرض على وزارة الحرب عوضاً عن "برنامج 1916".
وبدخول امريكا الحرب ضد المانيا (وليس ضد الدولة العثمانية) في نيسان (ابريل) 1917 حرصت بريطانيا على التنسيق مع واشنطن وبرزت اهمية موقع برانديس فيها نظراً لقربه من وونرو ويلسون فزار بلفور واسنطن واشنطن وقابل كل من ويلسون وبرانديس. وكان برانديس في هذه الاثناء قد تلقى صيغة اولى لمطالب الصهيونية من وايزمان عملاً بنصيحة سايكس كان قد بحثها مع ويلسون قبل مجيء بلفور ولم يبحث بلفور المطالب الصهيونية مع ويلسون مباشرة لكنه اطلعه على معاهدة سايكس - بيكو السرية وبالمقابل بحث هذه المطالب مع برانديس الذي اكد له تأييد ويلسون لها.
وبانتشار انباء الاتصالات بين الحكومة البريطانية والحركة الصهيونية اشتد في لندن النزاع العلني بين مؤيدي الصهيونية ومعارضيها من اليهود. وكما حصل في الولايات المتحدة عزز التأييد الرسمي الحكومي للصهيونية موقف الفريق الصهيوني تجاه الفريق اليهودي المعارض ولكن في الوقت نفسه اربكت المعارضة اليهودية الشديدة للصهيونية مؤيدي الصهيونية داخل الحكومة البريطانية. وفي 24 ايار (مايو) 1917 نشرت "اللجنة المشتركة اليهودية للشؤون الخارجية" رسالة في جريدة "التايمز" رفضت فيها المطالب الصهيونية وانكرت ان الشعب اليهودي مشرد وبحاجة الى وطن لإيوائه. ففجرت الرسالة اللجنة من الداخل مما افسح المجال لوايزمان ان يطلب من بلفور بالاشتراك مع اللورد ليونيل روتشيلد (1868-1937) عميد فرع العائلة البريطاني والرئيس الفخري للاتحاد الصهيوني الذي اصبح وايزمان رئيساً له ان تقدم الحكومة البريطانية رسمياً على الاعتراف بالمطالب الصهيونية.
وبين تموز (يوليو) 1917 اشترك الطرفان البريطاني والصهيوني في إعداد نص لتصريح يصدر عن الحكومة البريطانية بتأييد المطالب الصهيونية، وقدمت مسودة الى وزارة الحرب في 3 ايلول (سبتمبر) تنص على ان بريطانيا "تقبل مبدأ اعادة تكوين فلسطين مسكناً قومياً للشعب اليهودي" Reconstituted As " The National Homea " ويبدو ان هذا النص كان يلقى تأييداً من بلفور الا ان اللور منتاغيو اليهودي المعارض للصهيونية وزير الدولة لشؤون الهند في وزارة لويد جورج عارض اصدار مثل هذا التصريح بشدة جعلت الوزارة تقرر احالة الامر الى الرئيس الامريكي ويلسون للإلتفاف على منتاغيو فلم يصدر عن ويلسون ما ينم عن تأييده له فاستغاث وايزمان ببرانديس وحثه على استصدار تأييد من ويلسون واكد هذا له "عطف ويلسون الكامل" على الصهيونية ولكن تطمينات برانديس هذه كانت من عندياته والمطلوب جواب مباشر من ويلسون نفسه فدخلت الحركة الصهيونية في ازمة لان جدول اعمال وزارة الحرب حافل باخطر القضايا المصيرية الاخرى وتدخل سكوت مع صديقه لويد جورج لإعادة وضع الموضوع على جدول الاعمال ونظرت وزارة الحرب ثانية فيه بتاريخ 4 تشرين الاول (اكتوبر) 1917 وكانت الصيغة قد عدلت املاً بإرضاء منتاغيو فجاءت تنص على ان بريطانيا "تنظر بعطف الى إنشاء مسكن قومي للشعب اليهودي في فلسطين" Establishment In Palestine Of A National Homea مما جعل الوزارة تقرر احالة الامر ثانية الى ويلسون واستغاث وايزمان مكرراً ببرانديس وحضه على إقناع ويلسون وبالاجابة السريعة " Now " وارسل اليه نص التصريح المعدل وكان ذلك في 10 تشرين الاول. وفي 13 تشرين الاول قال ويلسون لمستشاره الاول الكولونيل هاوس: "اجد في جيبي مذكرتك حول الحركة الصهيونية واخشى انني لم اذكر لك انني اوافق على الصيغة التي يقترحها الطرف الاخر، انني اوافق على الصيغة واكون ممتناً لو اخبرتهم بذلك" فكان هذا الضوء الاخضر لإصدار وعد بلفور المشؤوم في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917.