2ـ
صحيفة النهار / بيروت 27 آب 1970.
مقدمة
ما
ان وضعت حرب حزيران 1967 اوزارها، حتى امست جميع
مزارع شبعا على مرمى نار الجيش “الاسرائيلي”
الذي اصبح متواجدا بكثافة في محيطها، ولا
سيما في الجنوب والجنوب الشرقي، بعد ان كان
تواجده محصورا جنوبها في سهل الحولة منذ قيام
دولة “اسرائيل”.
وبدأ يمارس الاعتداءات على هذه المزارع،
لانها من ضمن مخططه التوسعي، تمهيدا
للاستيلاء عليها. وقد اعتمد لذلك خطة ماكرة:
انه لم يبادر الى احتلال هذه المزارع دفعة
واحدة، كما فعل في الجولان والضفة الغربية
وسيناء، حتى لا يلفت النظر الى انه احتل قسما
من اراضي لبنان، الدولة التي لم تدخل حرب
حزيران بعكس سوريا والاردن ومصر التي اتهمها
انها تهدد امن “اسرائيل”،
وان جيوشها دخلت الحرب ضد “اسرائيل”.
ومما
يجدر ذكره ان مزارع شبعا كانت خالية من أي
وجود عسكري سوري باستثناء مخفر الدرك المؤقت
في مزرعة زبدين: فلا دبابات فيها ولا بطاريات
مدفعية، ولا أي قوى عسكرية اخرى.
لقد
بدأت “اسرائيل”
بارسال الدوريات الاستطلاعية بين الفينة
والاخرى الى هذه المزارع: اما انطلاقا من
مزرعة المغر باتجاه المزارع القريبة منها، او
من منطقة جباثا الزيت في الجولان باتجاه قاطع
برختا ومراح الملول. مما اثار استفزاز
الاهالي المقيمين في هذه المزارع الذين اخذوا
يراقبون الدوريات “الاسرائيلية”
ويتعقبونها. وقد تمكن هؤلاء من القاء القبض
على احد افراد هذه الدوريات في اواخر حزيران
1967، ونقلوه الى بلدة شبعا وسلموه الى القوى
الامنية اللبنانية.
وقد
استغلت “اسرائيل”
هذه الحادثة لتشن غارات جوية على
بعض المزارع، ولا سيما برختا التي دمرت
غالبية منازلها. ثم دخلتها بعض القوى “الاسرائيلية”،
فهددت الاهالي وطردتهم، بعد ان دمرت ما تبقى
في المزارع من عمران (بيوت، زرائب، آبار مياه،
وسواها). ثم عادت تلك القوى من حيث اتت.
واصبح
السكن في هذه المزارع غير دائم، لانعدام وجود
المساكن، وعدم تمكن الاهالي من اعادة بنائها
من جديد. لعدم توفر المال والامكانيات لدى
اصحابها.
اما
سائر المزارع، فقد بقي فيها العديد من
الاهالي. ولكن اقامتهم امست صعبة وقلقة بسبب
القصف والارهاب والرعب، اذ ان الجيش “الاسرائيلي”
اتبع خطة القصف الوقائي، لا سيما في محيط
البيوت، او عند وجود اهداف متحركة.(1)
وبحلول
شهر تموز 1967، كانت مزارع المغر وبرختا ومراح
الملول اولى المزارع التي دمرها العدو “الاسرائيلي”
كليا.
اما
سائر المزارع، فقد تغيرت الصورة فيها تماما،
ودخلت مرحلة جديدة، وتحولت حياتها الى هموم
واحزان وسكون مشوب بالرعب والخوف، بعد ان
كانت اشبه بخلايا النحل، ولا سيما في مواسم
الحصاد والدراسة والبيادر وجني الاثمار
والزيتون وجمع الخطب للتدفئة ورعي قطعان
المواشي الكبيرة.
لقد
باتت الحياة فيها شبه معدومة، الا من تحركات
بعض الاشخاص بصورة متقطعة او خجولة. واما
اصحاب الطروش والمواشي، فقد فضلوا بيعها او
الانتقال بها الى اماكن آمنة، ولم يبق في
المزارع الى القليل.
وهكذا
باتت الاقامة الدائمة في المزارع صعبة جدا.
واضطر اصحاب المزارع الى هجر مزارعهم ليلا
والاقامة في البلدة، على ان يتولى القادرون
منهم على العمل الاهتمام بالمزروعات ورعي
المواشي وجني المواسم واستثمار الاراضي بشكل
او بآخر. ولكن الانتاج تدنى كثيرا، نتيجة
للاحتلال، وابعاد الاهالي عن مزارعهم،
والتناقض السريع لاعداد قطعان الماشية.
وبعد
توقيع اتفاق القاهرة بين الدولة اللبنانية
ومنظمة التحرير الفلسطينية، وانطلاق العمل
الفدائي من مزارع شبعا ومنطقة العرقوب التي
عرفت في حينه بـ "فتح لاند"، وسعت “اسرائيل”
مجال عملياتها العسكرية في تلك المنطقة،
وكثفت اعتداءاتها، وازداد القصف والتدمير
والعنف. وتفاقم الوضع، ودخلت منطقة مزارع
شبعا مرحلة خطرة جدا. فبعد ان كانت مسرحا
للقصف وللقتال والدوريات المتحركة، اخذ
الاحتلال يغير من نهجه، فبدأ يقيم المواقع
العسكرية الثابتة في العديد من المراكز
والتلال الاستراتيجية.
واذا
كانت المرحلة الاولى قد اقتصرت على تدمير
العديد من المزارع (المغر، برختا، مراح
الملول، الربعة) وقصف البيوت في سائر
المزارع، كما اقتصرت على احتلال المغر وبعض
القمم المطلة على المزارع كموقع الفوار وراس
قاطع برختا وجوارها، فان الاحتلال بدأ يوسع
وجوده الدائم، ويقيم مراكز ثابتة، ولا سيما
في راس المرج والمشهد والرؤوس، ويتقدم باتجاه
شبعا. ويمكن اعتبار هذه المرحلة بداية
الاحتلال الفعلي للمزارع، اذ بدأت السيطرة
الدائمة، ولكن بصورة تدريجية، على المواقع
الهامة، وبدأ شق الطرقات في ارجاء المزارع
لربط المواقع العسكرية بشبكة من الطرقات تؤمن
تحرك الاليات والقوى العسكرية بسهولة.
ومما
يلاحظ ان كل تحرك للجيش “الاسرائيلي”
يبدأ بالقصف العنيف، ثم تتحرك الجرافات لشق
الطرقات، تتبعها الاليات العسكرية. كل ذلك
يجري على حساب حياة المواطنين وارزاقهم
وبيوتهم وممتلكاتهم اذ تحولت البيوت الى
خرائب، والاراضي الى طرقات او مواقع عسكرية،
في حين ان البساتين والاشجار تتعرض للحريق
والقصف الدائم.
وفي
العام 1970، اقدمت “اسرائيل”
على خطوة اخرى خطيرة جدا، تجاوزت مزارع شبعا
باتجاه البلدة، اذ قامت ليل 24 و 25 آب 1970، بقصف
بلدة شبعا قصفا عنيفا اعتبارا من الظهر، ثم
تقدمت قواها الالية مساء باتجاه حارة
السنديانة جنوب غرب البلدة، فدمرت جميع بيوت
هذه الحارة، مستعملة اشد انواع المتفجرات
تدميرا. ورافق ذلك قصف مدفعي عنيف دفع الاهالي
الى النزوح من البلدة، لعدم وجود ملاجئ او اية
وسيلة للحماية. وكادت البلدة تفرغ من سكانها،
باستثناء بضع عائلات محدودة العدد جدا، تمكنت
من البقاء فيها حيث اصيب العديد من سكانها.
واقامت
“اسرائيل”
عدة مراكز عسكرية تشرف على البلدة، اهمها
مركز الشحل الذي ما زال قائما حتى اليوم،
ومركزان في تلة سدانا، اخلت احدهما، وبقيت في
الاخر.
ولم
تكتف “اسرائيل”
بذلك، بل قطعت بالنار الطريق الوحيد الذي يصل
شبعا بالمنطقة. واخذت تقصف كل هدف متحرك على
هذا الطريق، انسانا كان ام سيارة ام سواها من
الآليات. وقد احترق العديد من السيارات نتيجة
القصف “الاسرائيلي”،
فضلا عن حصار ناري دائم، فاستشهد العديد من
ابناء شبعا على طريق حاصبيا ـ شبعا، نتيجة
لذلك، ومنهم: معين ماضي، ناصر ناصر، يوسف غادر.
ان
هذه الاعتداءات الوحشية كان لها اثرها البالغ
الخطورة على بلدة شبعا، التي نزح اغلب
سكانها، وانتشروا في العديد من البلدات
والقرى المجاورة او البعيدة على السواء.
وهكذا وجد ابناء شبعا انفسهم خارج بيوتهم،
فتحركوا بسرعة، واعتصموا وتظاهروا في بيروت
وسائر مناطق تواجدهم، وملأت اخبار محنتهم
الصحف اللبنانية والعربية ونشرات الاخبار في
الاذاعة والتلفزيون.
وقد
جاء في صحيفة "النهار(2)" الكلام التالي:
"نازحون من شبعا، بعد الاعتداءات “الاسرائيلية”
عليها، يتظاهرون في بيروت، ويقطعون كورنيش
المزرعة". وقد شفع الكلام بعدة صور
للمظاهرات والاعتصام وحرق الدواليب. اعتبارا
من ذلك التاريخ، اشتد الحصار على شبعا،
واصبحت هدفا شبه يومي للقصف “الاسرائيلي”.
فلم يكفها احتلال غالبية مزارعها، بل زادت
الضغوط والقصف والارهاب حتى تهجر اكبر عدد من
الاهالي، تمهيدا لوضع اليد على البلدة. ولكن
ارادة الصمود لدى الاهالي، وارتباطهم الوثيق
بارضهم، ودعم ابنائهم المتواجدين في المهاجر
والخليج، وتوحيد كلمتهم وموقفهم، كل ذلك امن
لهم الحد الادنى المطلوب لاستمرارهم في
البلدة، ومواجهة وتحمل العدوان “الاسرائيلي”
الدائم.
وفي
ظل هذا الوضع الخطير، استأنفت “اسرائيل”،
من جديد، الاستيلاء على ما تبقى من المزارع
على فترات متباعدة.
واثر
اعتدائها على منطقة العرقوب في شباط 1972،
والذي شمل بلدتي الفرديس والبهارية، قامت “اسرائيل”
بشق طريق في منطقة القاطع في شبعا، وصولا الى
عين القماش وداف الشيخ. وركزت احتلالها في عدة
مناطق في محيط مزارع شبعا، لا سيما محيط بسطرا
ورمثا، ورويسة السماقة ورويسة العلم.
وبدأت
عمليات التنقيب على الآثار في منطقة كرم
الزيتونة ومراح الملول والنقار، وبعض الخرب
القديمة المنتشرة في المزارع. كما بدأ توسيع
شبكة الطرقات وتحصين المراكز العسكرية
وتسييج مناطق واسعة بالاسلاك الشائكة
المكهربة، او زرع الالغام في مناطق واسعة،
لتشكل حزاما واقيا لمنع دخول المقاتلين.
وبدأت تقيم مساكن لليهود "المستوردين"
من روسيا والحبشة وسواهما، وتستغل الاراضي
لحسابهم. ثم تتابعت عملية القضم التدريجي،
ولا سيما في عامي 1973 و 1974، وابان الاجتياح “الاسرائيلي”
1982. وكانت نهاية المطاف ضم مزرعة بسطرا في
نيسان 1990، وطرد سكانها، وتدمير ما فيها من
عمران.
وبذلك
اكملت “اسرائيل”
احتلالها لمزارع شبعا، وغالبية اراضي
كفرشوبا، وضمتها الى كيانها، بعد ان اقامت
السياج الشائك المكهرب، والى جانبه طريق
معبدة وطريق ترابية، بالاضافة الى حقول
الالغام التي تزنر المنطقة. فيتبين مما تقدم
ان احتلال المزارع جرى على مراحل، ولم يجر
دفعة واحدة عام 1967، كما تدعي “اسرائيل”
التي احتلت، بالاضافة الى المزارع، الكثير من
الاراضي والمشاعات، كمنطقة النقار،
والسواقي، والشحل، ومقاصر الدود، وكرم
الزيتونة، من الجهة الجنوبية الغربية. كما
احتلت اغلبية اراضي بلدة كفرشوبا، شقيقة شبعا
ومزارعها، في المحنة والنكبة.
اما
الجهة الجنوبية الشرقية، فقد احتلت منها عدة
تلال انسحبت من بعضها، وبقيت متمركزة في
بعضها الاخر، كرأس القاطع، وقمة ملحاثا، التي
تضم المرصد، والتي تعلو 2224م عن سطح البحر.
ويمكن لهذا المرصد ان يراقب التحركات في كل من
سوريا ولبنان وشمال الاردن وغرب العراق وشرق
البحر المتوسط، وصولا الى جزيرة قبرص. ونظرا
لوجود اجهزة رصد متطورة، فغدت ممكنة قراءة
ارقام السيارات في المدن والقرى المجاورة.
ومما يجدر ذكره ان هذه القمة هي داخل الاراضي
اللبنانية، ويفصلها عن خط الحدود حوالي 2 كلم،
حيث توجد قمة النشبة المقبلة، المطلة على
قرية حذر. وقد تشبثت “اسرائيل”
بهذه القمة لاهميتها، ولانها من ضمن مخططها
الاستراتيجي، وقد احتلتها بسرعة فائقة.
ويمكن
تقسيم الاحتلال “الاسرائيلي”
الى ثلاث مراحل رئيسية:
1ـ
المرحلة الممتدة من تموز 1967 حتى 1969. وقد تم
خلالها احتلال مزرعة المغر وتدميرها، ثم
احتلال مراح الملول قاطع برختا، وتدمير
البيوت والزرائب في غالبية المزارع، ومنها
فشكول، وقفوة، ورمثا، والربعة، وبيت البراق.
2ـ
المرحلة الثانية، الممتدة من 1969 حتى 1972،
والتي تعتبر مرحلة الاحتلال الفعلي والتمركز
واقامة التحصينات وشق الطرقات، وقد شملت
غالبية مزارع شبعا.
3ـ
المرحلة الثالثة، الممتدة من 1972 حتى 1990،
والتي استكمل فيها بناء المراكز العسكرية،
واقيمت المنشآت الاقتصادية، وجرى التنقيب عن
الاثار واستثمار الاراضي واقامة المستوطنات
لليهود "المستوردين". وقد تم خلالها
احتلال ما تبقى من مزارع شبعا، فكان الاحتلال
الكامل لها في نيسان 1990.
4ـ
وتجدر الاشارة اخيرا الى عدم وجود قوات سورية
في مزارع شبعا قبل حرب حزيران. وعدم وجود قوات
دولية (اندوف) كما تدعي “اسرائيل”.
مع
الاشارة الى ان احتلال “اسرائيل”،
فيما بعد، لم يقتصر على مزارع شبعا فقط، بل
تعداها الى قمم جبل الشيخ، حيث اقام “الاسرائيليون”
مراصد عسكرية للمراقبة والاستطلاع.
الهوامش:
1ـ
كان المرحوم شحادة احمد موسى، الذي استشهد في
المزارع، اول شهداء شبعا بعد حرب حزيران، وقد
اثر ذلك في نفوس العديد من المزارعين.