جنوب لبنان والاتفاقات الدولية لـ"حقوق الانسان"

ابراهيم العبد الله

  النهار 3/3/2000


عام 1949 انعقد في جنيف "المؤتمر الديبلوماسي لوضع اتفاقات دولية لحماية ضحايا الحرب" حيث اعتمد اربع اتفاقات من بينها الاتفاق الرابع: اتفاق جنيف في شأن حماية الاشخاص المدنيين وقت الحرب في 12 آب ،1949 ولقد وقعت الوثيقة الختامية للمؤتمر وفود الدول المشاركة وبينها وفدا اسرائيل ولبنان، وتوالت تواقيع الدول حتى بلغت 146 دولة.

وبين الاحكام المشتركة في هذه الاتفاقات هو تطبيقها في حال الحرب الدولية او الاحتلال.

ان الهدف الاساسي من اتفاق جنيف الرابع هو "تأمين احترام الشخص الانساني وقيمته، بحماية حقوقه وحرياته التي تمثل جوهر وجوده من اي اعتداء".

ولم يكتف المجتمع الدولي بالاتفاقات الاربع المعقودة عام 1947 وانما تابع عمله وتوصل عام 1977 الى وضع بروتوكولين اضافيين واقرارهما.

لقد وقع لبنان واسرائيل اتفاقات جنيف لعام 1949 والتزما بمراعاة نصوصها وهذه الاتفاقات تشكل العمود الفقري للقانون الانساني الدولي، وقد تضمنت المبادئ التي تخفف من المعاناة الانسانية اثناء الحروب وفي طليعتها حماية المدنيين والحد من آثار العنف وتؤكد على حق كل فرد بالتمتع بحقوق الانسان سواء في زمن السلم او زمن الحرب.

وعام 1967 اتخذ مجلس الامن القرار الرقم 337 الذي ينص على ضرورة احترام جميع اطراف اي نزاع حقوق الانسان ووجوب وفائها بكل الالتزامات التي قبلتها في اتفاقات جنيف لعام .1949

وعام1968 اصدرت الجمعية العمومية للامم المتحدة القرار الرقم 2444 (د-23) فأيد قرار المؤتمر الدولي الثاني عشر للصليب الاحمر والهلال الاحمر المنعقد في فيينا (1965) والذي حدد ثلاثة مبادئ يجب مراعاتها في المنازعات المسلحة وهي:

1- ان حق اطراف النزاع في استخدام وسائل الحاق الضرر بالعدو ليس حقا مطلقا.

2- ان شن هجمات تستهدف السكان المدنيين بصفتهم هذه امر محظور.

3- يجب التمييز في جميع الاوقات بين فئة الاشخاص الذين يشتركون في الاعمال العدائية وفئة افراد السكان المدنيين بهدف حماية الفئة الاخيرة وتجنيبها الضرر بقدر الامكان.

وانتهت الجمعية العمومية في قرارها المذكور الى ان فكرة شن حرب ضد السكان برمتهم سعيا الى ارغام العدو على التسليم، غير مقبولة.

وعام 1969 طلبت الجمعية العمومية للامم المتحدة من الامين العام ان يتابع موضوع حقوق الانسان اثناء المنازعات المسلحة وان يولي عناية خاصة لحماية حقوق المدنيين المقاتلين في نضال الشعوب من اجل التحرر من السيطرة الاجنبية وفي سبيل نيل حقها في تقرير المصير.

وعام 1970 قدم الامين العام للامم المتحدة تقريرا تضمن عرضا لصكوك الامم المتحدة التي تحمي حقوق الانسان اثناء النزاعات المسلحة مع اشارة خاصة الى وجوب تطبيق اتفاق جنيف الرابع على المناضلين في سبيل الحرية.

وعام 1970 ايضا اتخذت الجمعية العمومية عددا من القرارات بينها:

1- ان حقوق الانسان الاساسية المنصوص عليها في الصكوك الدولية تظل منطبقة كل الانطباق في حالات النزاع المسلح.

2- ان المشتركين في حركات المقاومة الوطنية يجب ان يعاملوا في حال القبض عليهم معاملة اسرى الحرب.

3- ادانة قصف السكان المدنيين بالقنابل.

4- عدم جواز القيام بعمليات انتقامية ضد السكان المدنيين او ترحيلهم بالاكراه او الاعتداء بأي شكل على سلامتهم.

وعام 1973 اعتبرت الجمعية العمومية للامم المتحدة الوضع القانوني لنضال المقاتلين ضد الانظمة الاستعمارية نضالا مشروعا يتفق كل الاتفاق مع مبادئ القانون الدولي.

وعام 1974 اصدرت الجمعية العمومية الاعلان المتعلق بحماية النساء والاطفال اثناء المنازعات المسلحة واعتبرت فيه جميع الاعمال التي تؤلف اشكالا من القمع والمعاملة القاسية واللاانسانية للنساء والاطفال بما فيها التعذيب واطلاق الرصاص والعقاب الجماعي وتدمير المساكن والطرد قسرا اعمالا اجرامية.

ان اسرائيل تمارس الاعتداء على لبنان منذ نشوئها وقيامها ككيان ودولة، والاعتداء الاهم والابرز هو احتلالها الارض منذ اكثر من عشرين سنة والبقاء فيها.

ولكن الامر المهم الذي يجب الالتفات اليه والتركيز عليه هو ان هذا العدوان يقع تحت طائلة القانون الدولي عامة والقانون الدولي الانساني وشرعة حقوق الانسان في صورة خاصة، وان ابراز هذا الامر، والتمسك به له الاولوية المطلقة وهو يكمل المقاومة المسلحة ويعطيها الشرعية.

إن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وسائر القرارات والاتفاقات اجمعت على ان تعطي كل شعب احتلت اراضيه او جزء منها الحق المطلق بمقاومة الاحتلال بجميع الطرق والاساليب بما فيها المقاومة المسلحة.

ان نضال الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الاجنبي وممارستها حقها في تقرير المصير جميعها مكرسان في ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.

ثم ان القانون الانساني الدولي ومحوره اتفاقات جنيف الاربعة وملاحقها تهدف اساساً الى التأكيد على مبدأ احترام الشخص الانساني واحترام كرامته ومنحه حماية افضل ضد شدائد الحرب والتخفيف من معاناته من جرائها.

ولقد افرد هذا القانون اتفاقاً خاصاً وملحقاً خاصاً لموضوع حماية الاشخاص المدنيين في وقت الحرب وهو يطبق في حال الحرب الدولية او الاحتلال كما هي حال اسرائيل في الجنوب اللبناني.

وتنص المادة 51 على ان يتمتع السكان المدنيون بحماية عامة ضد الاخطار الناجمة عن العمليات العسكرية اذ لا يجوز ان يكون السكان المدنيون محلاً للهجوم، وتحظر اعمال العنف او التهديد به الرامية اساساً الى بث الذعر بين السكان المدنيين.

كما تنص المادة 52 على الا تكون الاعيان المدنية محلاً للهجوم او لهجمات الردع والاعيان المدنية هي كافة الاعيان التي ليست اهدافاً عسكرية.

كما حضت المادة 54 على حماية الاعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين بحيث يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من اساليب الحرب. كما يحظر مهاجمتها الاعيان والمواد وتدميرها او نقلها او تعطيلها وهي التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها واشغال الري وكل ما له قيمة حيوية لهؤلاء السكان.

وحددت المادة 56 في صورة خاصة الاشغال الهندسية والجسور والسدود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية... الخ.

ان استهداف محطات الكهرباء التي تقع في اماكن بعيدة عن مسرح القتال هو عمل عدواني يستهدف تدمير المنشآت المدنية ومعاقبة السكان المدنيين وارهابهم والضغط عليهم.

ان ما تقوم به اسرائيل من اعمال عدوانية يستهدف السكان المدنيين والاعيان المدنية هو انتهاك صارخ للقانون الانساني الدولي ومخالفة واضحة وصريحة لنصوص معاهدات جنيف الاربع وملاحقها.

ان ادانة هذه الاعمال ومعاقبة اسرائيل للقيام بها امر واجب التطبيق ويقع على الامم المتحدة وسائر الهيئات والمنظمات الدولية المبادرة اليه.