"اسرائيل" وجنوب لبنان : عدوان متواصل
د. علي الشامي
مدير معهد العلوم الاجتماعية - الجامعة اللبنانية - الفرع الخامس
دراسات لبنانية - ربيع 1996
منذ العام 1948، والجنوب اللبناني يتعرض لمختلف صنوف العدوانية "الاسرائيلية"، حيث تطال الاعتداءات العسكرية "الاسرائيلية"، المدنيين الجنوبيين الذين تعرضوا لمجازر عدة، كما ان مياه الجنوب اللبناني عرضة للاعتداءات، او تقوم "اسرائيل" بسرقة مياه الجنوب بوسائل مختلفة.
واسهمت "اسرائيل" على مدار الخمسين عاما الماضية، في تدهور الدورة الاقتصادية للجنوب اللبناني، اذ ان الاعمال العسكرية والقصف المركز لممتلكات الجنوبيين غالبا ما تقضي على المواسم الزراعية وتلحق اضرارا فادحة بالمنشات الاقتصادية المتنوعة، وكل ذلك اسهم في هجرة جنوبية كثيفة الى المناطق الاكثر امنا، والاكثر بعدا عن دائرة النار "الاسـرائيلـيـة" .
وقد غزت "اسرائيل" جنوب لبنان في العام 1978، ثم غزت القسم الاكبر من لبنان بما فيه العاصمة بيروت في العام 1982، وفي تموز من العام 1993 شنت "اسرائيل" اعتداءات جوية عنيفة على الجنوب اللبناني خلفت مئات القتلى والجرحى، وفي نيسان 1996، كررت "اسرائيل" فعلتها على مدى 16 يوما.
هذا الموضوع يسعى الى رصد الاعتداءات "الاسرائيلية" على جنوب لبنان منذ العام 1948.
الاستقلال واشكالية الجنوب
قامت بين الدولة اللبنانية، منذ استقلالها عن فرنسا، وقضية الجنوب علاقة بالغة الاهمية والحساسية، تعود بدورها الى جذور المشروع الصهيوني في المنطقة وموقع لبنان في استراتيجية "اسرائيل"، منذ اعلان قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920 وقبل قيام دولة "اسرائيل" سنة 1948. أي ان قضية لبنان كوطن كانت قد ارتسمت في جنوبه، منذ قيامه الى اليوم، فقد ابرزت هذه العلاقة اشكالية لبنان الوطن وتحديد العناصر التكوينية لهويته. ومن البديهي القول ان الوطن يتألف من بشر توافقوا على العيش معا في ارض واحدة، سواء اكانت هذه الارض موطنا تاريخيا خاصا بجماعة معينة ام تجميعا لطوائف واراض وتواريخ حدث في لحظة توافق اهلي او تدبير خارجي، وبمعزل عن هذين العاملين، أي التوافق الاهلي والتدبير الخارجي، وعلى الرغم من التناقضات التي سبقتهما، فان اللبنانيين اجمعوا، بعد تردد ورفض وممانعة عند بعضهم وقبول متحمس عند بعضهم الاخر، وعلى مراحل متفاوتة في الزمن والحدة، على ان لبنان الكبير هذا يشكل وطنا نهائيا لهم جميعا . بيد ان الوطن ليس مجرد تضاريس بقدر ما هو علاقة بين البشر وارض واهداف. وبالتالي، فالوطن يتشكل من حدود طبيعية واستقلال داخلي وسيادة ذاتية وعدالة مجتمعية. وهذه العناصر مجتمعة لا تشكل وطنا اذا لم يتفق اصحابه على حدوده واستقلاله وسيادته. وعلى صورة الوطن تقوم الدولة في حدودها المعترف بها من قبل الدول المحيطة بها، وفي استقلالية قراراها وسيادته على ارضها وعدالة ادارتها للمجتمع.
ولبنان كوطن، لم يعرف تهديدا حقيقيا، شاملا وثابتا، الا من خلال العدوان "الاسرائيلي" الدائم على الجنوب واحتلاله الراهن لاجزاء منه، ولم يعرف هذا الوطن تهديدا مماثلا من دولة اخرى، تسعى الى اقتطاع اجزاء منه او اعادة النظر في وجوده بالذات.
ولم تعكر سكينة لبنان الكبير، منذ ان رسمت حدوده اتفاقية سايكس-بيكو ومنحته فرنسا اعترافا اقليميا ودوليا، مشاريع انتقاص من حدوده وسيادته، انطلاقا من تخومه الساحلية او الشمالية او الشرقية .
وفي المقابل لم تنعم تخوم لبنان بسكينة مماثلة. وهناك كان الوطن يتعرض لتهديد اكتماله في وحدة ترابية وكيان سياسي ناجز وواضح في حدوده وسيادته. وعلى امتداد الزمن الفاصل بين اعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 واحتلال "اسرائيل" لعاصمة هذه الدولة سنة 1982، كان لبنان يتعرض لتوسع صهيوني تدريجي على حساب وحدته الترابية، مثلما كانت سيادة دولته على اراضيها تتعرض لانتقاص دائم.
وقد اصبح مألوفا اليوم النظر الى قضية الجنوب، وتجلياتها في احتلال وعدوان وتهجير وادارة مدنية، بما هي مساحة معلومة تنطلق منها سياسة "اسرائيل" بهدف فرض مشاركتها في صياغة القرار الذي يرسم مستقبل لبنان.
وقائع كرة الثلج الجنوبية
اصبح من المسلمات التي لا تحتاج الى توثيق، ان جنوب لبنان، ارضه وثروته المائية، كان ثابتا من ثوابت المشروع الصهيوني الذي سبق ولادة دولة "اسرائيل" ولازم استراتيجيتها تجاه لبنان .
كما اصبح من بديهيات السياسة والتاريخ ان نضع احداث الجنوب في هذا السياق "الاسرائيلي" التوسعي، وان نقيم علاقة جدلية بين قضية الجنوب ومصير الوطن.
التوسع "الاسرائيلي" في الارضي اللبنانية
في سنة 1922، أي بعد سنتين على اعلان دولة لبنان الكبير، اخترق التوسع الصهيوني الحدود وسط تفاهم انكليزي-فرنسي . وفي لحظة منفعة حصلت عليها شركة فرنسية تمثلت في امتياز تجفيف مستنقعات سهل الحولة التابع لقائمقامية مرجعيون آنذاك، نقضت فرنسا التزاماتها تجاه حدود الدولة التي اقامتها في لبنان وتعاملت هذه الدولة الناشئة مع التفريط الفرنسي بترابها الوطني وكأن شيئا لم يكن : قضم 17 قرية جنوبية من لبنان، هي : المطلة، النخيلة، الصالحية، الناعمة، الخالصة، الزوبة، المنصورة، الذوق التحتاني، الذوق الفوقاني، خان الدوير، الخصاص، العباسية، دفتة، اللزازة، هونين، ابل القمح… وهكذا اخذ المشروع الصهيوني الارض وطرد السكان، الذي كانوا قبل سنتين مواطنين لبنانيين، الى منطقة سيادة دولتهم وحاميتها دولة الانتداب، حيث تحولوا فجأة الى رعايا بدون وطن وحصلوا على "هوية قيد الدرس".
وعشية اعلان دولة "اسرائيل" عام 1948، وبعد اجتياح واحتلال دام ستة اشهر لتسع عشرة قرية وارتكاب مجزرة في بلدة حولا، اعلن دافيد بن غوريون، رئيس اول حكومة "اسرائيلية "، نوعية الهدف الاستراتيجي لسياسة "اسرائيل" تجاه لبنان :" ان لبنان هو النقطة الاضعف في التحالف العربي. ولا بد من انشاء دولة مسيحية على حدود "اسرائيل" يكون نهر الليطاني حدودها الجنوبية وتتحالف مع "اسرائيل" …". وفيما لم تأخذ الحكومات اللبنانية المتعاقبة هذا الاعلان على محمل الجد، عملت "اسرائيل" دائما من اجل تحقيقه، خطوة خطوة، ففي سنة 1949، أي بعد ثلاث سنوات فقط على استقلال لبنان الناجز بجلاء اخر جندي فرنسي عن تراب الوطن، تعرض لبنان لقضم جديد في حدوده الجنوبية، ومر هذا القضم، كسابقه، مرور الكرام على مسامع حكومة الاستقلال، التي لم تفعل شيئا حيال استيلاء "اسرائيل" على قرى: شوكة، اقرت، حانوته، معسولة، المالكية، الدحيرجة، الجردية، كفربرعم، بعد ان طردت سكانها الذي سرعان ما اصبحوا مواطنين لبنانيين "قيد الدرس". وفي اللحظة التي وقعت فيها حكومتا لبنان "واسرائيل" على اتفاقية الهدنة سنة 1949، كان لبنان قد خسر 24 قرية 23 الف دونم من الاراضي الصالحة للزراعة تعود ملكيتها الى اهالي مرجعيون وكفركلا ودير ميماس وحاصبيا والقليعة والطيبة وبعض القرى والمزارع المحيطة بسهل الحولة…. ومنذ بداية الستينات كانت الاعتداءات العسكرية تمهيدا لتواصل القضم وتنفيذا متدرجا لهدف لم يتغير.
وفي السنوات الممتدة من 1967 حتى اليوم، ووسط الاعتداءات والاجتياحات والاحتلال المباشر، كان التراب الوطني مسرحا للتوسع: ففي سنة 1967 بدأت "اسرائيل" بوضع يدها على منطقة غنية بالمياه والبساتين المزروعة، وهي المنطقة المعروفة بمزارع شبعا الواقعة على مساحات واسعة من السفح الجنوبي لجبل الشيخ والجزء الشمالي من سهل الحولة، وتمتد من بلدة كفرشوبا حتى الحدود السورية على مساحة تبلغ 25 كلم مربع وتضم 14 مزرعة و 1075 منزلا تأوي اكثر من 1200 عائلة . وقد احتلت "اسرائيل" هذه المزارع تباعا قبل ان تقدم على طرد سكانها نهائيا في نيسان 1989، وتضيف اليها مزارع اخرى، بحيث تكون "اسرائيل" قد قضمت من التراب الوطني بين حربي 1967 و 1973 المزارع والنواحي التالية: خربة الدوير، برختا، المعز، زبدين، بيت البراق، ربعة، قفوة، برتعيا، رمتا، كفر دورة، جورة العقارب، فشكوا، القرن، سبطرا، خلة الغزالة، البحاصير، وادي الخنسا، رويسة بيت الداس، رويسة السماق، الجل الاحمر، حرش مشهد الطير، الشحل، بركة النقار، السواقي، جورة العليق، تلة السدانة… ومنذ العام 1974 بدأت "اسرائيل" باقتطاع تدريجي استمر حتى سنة 1988، وخسر لبنان من جرائه شريطا من اراضي عيترون طوله ثلاثة كيلومترات وعرضه يتراوح ما بين 100 و 500 متر، و 80 دونما من اراضي بليدا و 90 دونما من اراضي رامية، و50 دونما من عيتا الشعب، و 150 دونما من اراضي علما الشعب وتلال الضهيرة، اضافة الى جبل الشميس كله…
تعديلات حدودية
ومنذ العام 1982 بدأت "اسرائيل" باجراء تعديلات على حدودها الدولية مع لبنان وذلك بالتقدم والتوسع شمالا داخل الاراضي اللبنانية. فقد نقلت الشريط الشائك الفاصل بين الحدود من محاذاة مستعمرة المطلة الى مسافة 600 متر شمالا بطول يراوح ما بين 3 و 5 كلم . ثم شقت طريقا على الضفة الجنوبية لنهر الوزاني بطول 12 كلم، بعدما اقتطعت الاراضي المحيطة بالنبع والتي تبلغ مساحتها 5 الاف دونم، كما ضمت قسما من سهل الخيام، ومساحة 700 دونم من اراضي عيتا الشعب و 008 دونم من اراضي رامية ومرحين و 400 دونم من اراضي الضهيرة و 700 دونم من اراضي علما الشعب , ومنذ نيسان 199 بدأت بتنفيذ الخطوات العملية لضم 40 كلم مربع من الاراضي الواقعة بين مستعمرة المطلة ومرصد جبل الشيخ، اضافة الى تعديل اخر في الحدود قامت به وحدة هندسية في جيش الاحتلال، وذلك بهدف اعادة ترسيم الحدود الدولية في القطاع الغربي المحتل، بحيث تتقدم الحدود شمالا مسافة 200 متر داخل لبنان وعلى طول اربعة كيلومترات، بعد ان مهدت لذلك، سنة 1991، بقضم ثمانية كيلومترات مربعة قبالة مستوطنة برعام الصناعية، وواصلت تقدمها، سنة 1995، في اتجاه املاك الوقف الماروني في الدبيشة..
سرقة المياه
الى هذا القضم المتمادي للقرى والاراضي الصالحة للزراعة وتعديل الحدود الدولية، عمدت "اسرائيل" الى سرقة المياه اللبنانية وبخاصة مياه الحاصباني والوزاني والليطاني. وقد بات من البديهي الاشارة الى مطامع "اسرائيل" في مياه لبنان، وهي مطامع كانت حاضرة في جميع الوثائق الصهيونية المتعلقة بحدود دولة "اسرائيل" وحاجتها الماسة الى المياه. وقد استولت سنة 1968 على 80 مليون متر مكعب من مياه نهر الحاصباني و 50 مليون متر مكعب من مياه نبع الوزاني، أي انها استولت على 90 في المئة من اجمالي الطاقة المائية لهذين النهرين البالغة نحو 140 مليون متر.
وفي ما يتعلق بنهر الليطاني، فقد كانت مياهه موضوع اهتمام لازم سياسة حكومات "اسرائيل" المتعاقبة وخططها في لبنان. ولهذه الغاية اقيمت مؤسسات البحث والدراسة المتخصصة بموضوع مياه الليطاني واثرها في الاقتصاد الزراعي في شمال "اسرائيل" .. وفي هذا السياق برز اتجاهان: الاول يطالب بالتوسع شمالا وضم جميع الاراضي الواقعة جنوب النهر بحيث يصبح الليطاني حدود دولة "اسرائيل" مع لبنان، والثاني يدعو الى سرقة هذه المياه بجميع الوسائل الممكنة من دون اللجوء الى التوسع الجغرافي، وان كان لا يسقطه من حسابه . وبالتالي، اصبح مصير نهر الليطاني هدفا ثابتا في استراتيجية "اسرائيل" التوسعية في لبنان . مثلما اصبح جزءا لا يتجزأ من برنامج التخطيط الزراعي في "اسرائيل" .
ومنذ اعلن ليفي اشكول: "ان "اسرائيل" العطشى لا يمكن ان ترى اكثر من 500 مليون متر مكعب من مياه الليطاني تذهب هدرا في البحر وتبقى مكتوفة الايدي"، ادركت الدولة اللبنانية خطورة هذا الاعلان، فسارعت الى انشاء مصلحة الليطاني سنة 1954 ووضعت خطة للاستفادة من مياهه لحظت تنفيذها على مرحلتين.
وقد تم تنفيذ المرحلة الاولى المتمثلة في بناء سد القرعون وملحقاته: اقامة معامل الكهرباء في مركبا، وشق النفق تحت جبل نيحا، وانشاء بركة انان ومعملي توليد الطاقة في الاولي وبلدة جون، اما المرحلة الثانية التي تقضي بانشاء سد الخردلة بين النبطية ومرجعيون، فلم تنفذ وقد اسهمت الضغوط الخارجية وخلافات السياسيين اللبنانيين حول منسوب ارتفاع 600 او 800 متر في تعليق تنفيذ هذه المرحلة.
ولم تكن "اسرائيل" بعيدة عن تعليق تنفيذ المرحلة الثانية، كما انها لم تكتف بمجرد وقف التنفيذ. واذا كانت تسيطر حاليا على ما يقارب الثلاثين كيلومترا من مجرى نهر الليطاني، من معمل مركبا الى جسر القعقعية، فان تعاطيها مع هذه المسألة سبق اجتياحها للجنوب . واحتلال اجزاء منه من البقاع الغربي وترافق معهما. فقد "قامت "اسرائيل" بتركيب مضخات على النهر على مسافة الف متر جنوب جسر الخردلة اسفل الجبل الذي تقوم عليه قلعة الشقيف. وتم وصل المضخات بانابيب ضخمة بطول 10 كيلومترات حتى خزانات الطيبة التي اقامتها الدولة اللبنانية سابقا لتغذية منطقة جبل عامل بمياه الشفة. ثم قامت "اسرائيل" بوصل خزانات الطيبة بشبكة من الانابيب طولها 25 كلم حتى بلدة عيتا الشعب حيث بنت خزانا ضخما يوزع مياه الليطاني على مستعمرات الجليل الاعلى في فلسطين… كما تفيد المعلومات ان "اسرائيل" بدأت عام 1984 بشق نفق طوله 17 كلم انتهت اعماله في سنة 1986 من الخردلة قرب دير ميماس وحتى قرية كفركلا الحدودية.. وتكمل التقارير الواردة بان اعمال الحفر وتركيب القساطل والتمديدات قد قطعت شوطا مهما، وان مياه الليطاني سوف تجر الى بحيرة طبريا عن طريق انابيب ضخمة مدفونة تحت الارض، مما يوفر "لاسرائيل" ربع مليون متر مكعب سنويا. كذلك افيد عن حفر نفق بطول 10 كلم من منخفض وادي البراغيث في فلسطين الى نقطة تحت جسر الخردلة تستطيع "اسرائيل" بواسطته نقل المياه من الليطاني اليها…
من الاهمال الى الاحتلال : مقدمات وتداعيات
ارسلت "اسرائيل" في عام ولادتها كدولة، سنة 1948، رسالة الى لبنان: مجزرة حولا، كان السبعون شهيدا ضحايا المجزرة والسطر الاول من الرسالة. وقد فهم الجنوبيون معاني السطور الباقية، وهي ان لبنان ينبغي ان يكون مجالا حيويا ومريحا لامن "اسرائيل" واستراتيجيتها التوسعية في لبنان والمنطقة. ولا يصبح لبنان كذلك الا بتحويل جنوبه الى ارض محروقة، في حرثها ونسلها كما في ارادتها ورجائها. ويعبر العنف "الاسرائيلي" المتمادي منذ مجزرة حولا عن وسائل هذا التحويل وغاياته.
في هذا السياق تندرج ممارسات "اسرائيل" العدوانية وتتجسد في استباحة تشترط القدرة على احكام القبضة على اربعة اخماس الباقية. وكما هو معلوم فكل استباحة تشترط القدرة على التصرف بحرية، والقدرة قدرتان: قدرة الذات "الاسرائيلية" المتفوقة، وتجريد قدرة الاخر من عوامل تفعيلها في صمود ورفض ومقاومة. وعلى ذلك فان اجهاض الارادة والرجاء يتطلب تدمير دورة الحياة التي تكفل تحويل الارادة الى مقاومة مثلما يعطي الصمود معنى الرجاء.
وبهذا المعنى، لم تقم سياسات القضم والتوسع وسرقة المياه والاجتياحات، واخيرا الاحتلال، على فراغ، بقدر ما اتكأت على وقائع الاهمال والحرمان وعمقت مفاعيلهما باستنزاف دائم ودموي لارادة الحياة على حافة الجوع فالعدوان "الاسرائيلي" لم يقتصر على اقتطاع كيلومترات معدودة او اجتياحات متضاعفة في 1972 و 1978 , 1982 او احتلال مباشر لنصف الجنوب تقريبا. وانما مهد لها وانتج بواسطتها وقائع مأساوية في تفاصيل الحياة اليومية، من خسائر في الارواح والممتلكات وتدمير الاقتصاد المحلي وتهجير السكان وزج المئات في المعتقلات…
وفي المقابل، لم تنفع جميع المحاولات التي تعمدت محاصرة هذه النتائج في اطار جنوبي، كما لم تنجح محاولات تخفيف انعكاساتها على الوضع العام، ولا سيما ان محاولات كهذه لم تقرأ بامعان سطور الرسالة "الاسرائيلية" او انها لم تقرأها على الاطلاق . وفي الحالتين تقف هذه المحاولات اليوم مذهولة امام مأزق المحاصرة البائسة، حيث يظهر مصير الوطن برمته في مرآة الحدث الجنوبي. هكذا كان المشهد منذ مجزرة حولا، وهكذا هو اليوم، وسط دوامة الانتقال: من الجنوب الى الوطن ومن الوطن الى الجنوب في ظل وقائع تقض المضاجع.
انهيار الدورة الاقتصادية
لقد شهدت الدورة الاقتصادية للجنوب بدايات انهيارها منذ انضمامه الى دولة لبنان الكبير، حيث حدث الانقطاع الاول عن الاسواق الفلسطينية والسورية، ثم ما لبث ان تدعم بتراجع النشاط التجاري لمرفأي صيدا وصور وبسيطرة واحتكار شركة الريجي لزراعة التبغ وتملك عائلات غير جنوبية لمساحات كبيرة من الاراضي المزروعة او الصالحة للزراعة. كما عرفت الاسواق المحلية في بنت جبيل والنبطية وسوق الخان والعباسية وغيرها بدايات منافسة غير متكافئة مع الرأسمال التجاري، وبالتالي تراجعا في دورها التبادلي للمنتوجات الداخلية على انواعها وفي قدرتها على مواصلة علاقاتها المستقلة بالاسواق الخارجية . واذا اخذنا بعين الاعتبار دخول الرأسمال المصرفي وخضوع الزراعة لحسابات مالكيها الجدد الكبار وادراجها في الدورة المصرفية - التجارية الوافدة، بما في ذلك ربط الانتاج الزراعي المحلي بالاسواق الخارجية. نفهم اسباب الازمة التي ادت الى تراجع الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للحياة في حدود الضرورة، والى زيادة معدلات النزوح الى العاصمة.
وحدث الانقطاع الثاني بعد قيام دولة "اسرائيل" عام 1948 الذي سرعان ما عمق الازمة المعيشية القائمة منذ عقدين وزاد من تدهور الزراعة وقطاع الخدمات التجارية والصناعة الحرفية واليدوية في مناطق الجنوب الداخلية. خصوصا في بنت جبيل وراشيا ومرجعيون، وكانت محصلة كل ذلك المزيد من التدهور في الدورة الاقتصادية وتفاقم النزوح في اتجاه العاصمة والهجرة الى الخليج وافريقيا والاميركتين. وقد اسهمت هذه العوامل مجتمعة في اضعاف قدرة الجنوبيين على الصمود في وجه عدوان "اسرائيلي"
بدأ بأخذ، منذلك الحين، اشكالا متطورة في خطورتها وابعادها وتأثيرها في الحياة اليومية. مثلما بدأ من هناك تنفيذ مشروع توسعي، يتجاوز في اهدافه مجرد السيطرة على اراض ومياه الى تحديد مستقبل لبنان وحجمه ودوره.
الانتاج الزراعي
وكما اشرنا سابقا، فان مساحة الجنوب تعادل خمس مساحة لبنان، أي 78،2010 كيلومترا مربعا. وبسبب من جودة الارض ووفرة المياه واعتدال المناخ، اعتمد اهل الجنوب على الزراعة كمصدر شبه وحيد للرزق، وقد بلغت نسبة العاملين في الحقل الزراعي ثلثي القوى العاملة . ومع ذلك، تجدر الاشارة الى التفاوت الحاصل في مجال الانتاج الزراعي، مساحته وحجمه والعاملين فيه، بين مناطق الجنوب الساحلية والداخلية الاكثر تعرضا وتماسا مع العدوان "الاسرائيلي" واهدافه. " ففي المناطق الاولى، تميزت الزراعة باستخدام مرتفع نسبيا للارض وبغلبة الزراعات المروية (مشروع القاسمية، رأس العين… ( وتركز رأس المال وسيطرة الزراعات المكثفة وسيادة الحيازة الكبيرة واللجوء الواسع الى العمل المأجور.." . اما في المناطق الداخلية فان الارض المروية لا تتجاوز مساحتها نسبة 6،3 بالمئة من اجمالي الاراضي المزروعة البالغة مساحتها 7،38 الف هكتار عام 1975. ولهذا السبب شكل انتاج التبغ 62 بالمئة من اجمالي الإنتاج الزراعي لهذه المناطق، تليه البقول والحبوب (18 بالمئة ) والزيتون ( 9 بالمئة ) والزراعات الدائمة (4 بالمئة) والزراعات المروية (7 بالمئة) … كما ان جزءا "لا يستهان به من المساحات المزروعة كانت رخصها تؤجر للمزارعين من جانب اصحاب الرخص، مما كان يرتب اعباء على المزارع لا طاقة له على تحملها، ويضعف الى حد كبير من انتاجية العمل في هذا النشاط. ومن جهة ثانية، فان الزراعات البعلية الواسعة الانتشار في هذه المناطق كانت لا تسهم الا بالنزر اليسير في توفير الدخل للمزارعين …"
وعلى الرغم من هذا التفاوت وعدم تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الليطاني وقلة التوظيفات والمساعدات الممنوحة لهذا القطاع، فان الانتاج الزراعي في الجنوب كان يعطي الوطن "اكثر من 75 بالمئة من مساحة وانتاج الحمضيات، و 90 بالمئة من مساحة محصول الموز، و 80 بالمئة من انتاج اوراق التبغ، ونحو 40 بالمئة من مساحات الخيم الزراعية… كما يعطي نحو 90 بالمئة من مطاعيم الزيتون ونسب كبيرة من مطاعيم الحمضيات، ونصوب صادرات الرياح وغيرها …"
النزوح والهجرة
تفيد دراسة اجرتها مصلحة النشاطات الاقليمية في وزارة التصميم سنة 1964، ان نسبة النزوح الى العاصمة بلغت 27 بالمئة من اجمالي التعداد السكاني لمحافظة الجنوب، اذ من اصل 458958 نسمة كان عدد المقيمين في الجنوب يبلغ 288600 نسمة، أي 63 بالمئة، لكن هذه النسبة تراجعت بمقدار النصف تقريبا في اقل من عشر سنوات. فقد اظهرت دراسة اجرتها منظمة الاغذية الدولية (الفاو) بالتعاون مع مصلحة الليطاني، سنة 1972، ان حركة النزوح بلغت 40 بالمئة من اجمالي العداد السكاني، وهي نسبة تتفاوت بين منطقة واخرى. وتصل الى مستوى 50 بالمئة بالنسبة الى سكان القرى والبلدات القريبة من الحدود . وهذا يعني ان نصف سكان الجنوب، وبخاصة الفئات المنتجة والشابة، قد نزح الى العاصمة وبلاد الاغتراب
ومع ازدياد وتيرة التدخل "الاسرائيلي" ، خصوصا منذ اجتياح 1972 المحدود وبعد اجتياحي 1978 و 1982 والاحتلال الذي اعقبهما، تجاوزت نسبة النزوح والهجرة الثلثين وبلغت في منطقة الاحتلال نسبة 80 بالمئة كما وصلت نسبة البالغين من العمر بين 20 و 40 سنة الى نحو 2 بالمئة من اجمالي عدد النازحين والمهاجرين. واذا كانت احداث الحرب الاهلية الداخلية قد فرضت على اعداد كبيرة من الجنوبيين العودة الى قراهم، فان عودة السلم الاهلي بعد اتفاق الطائف واستمرار الاحتلال "الاسرائيلي" والاعتداءات اليومية وانسداد الدورة الاقتصادية قد اسهمت في هجرة معاكسة، بحيث حافظت نسبة النازحين من منطقة الاحتلال على معدلها المذكور، بينما ارتفعت نسبة الجنوبيين الذي قرروا الاستقرار في المناطق البعيدة نسبيا عن منطقة الاحتلال وذلك بفضل التحسن الكبير الذي طرأ على البنية التحتية منذ العام 1985، وتسارع وتيرة المشاريع الخدماتية من طرق ومياه وكهرباء ومدارس ومراكز صحية.
ومن ناحية ثانية، استفادت "اسرائيل" من احتلالها ووجدت فيه عاملا مساعدا على تنفيذ مشروعها التوسعي في لبنان. فقد اعتمدت الحكومات "الاسرائيلية" المتعاقبة وسائل متنوعة لافراغ الجنوب من اكبر عدد ممكن من سكانه. وهو الامر الذي يستجيب لمتطلبات الامن ومخططات التوسع المتدرج منذ عام 1922 والذي بلغت ذروته عام 1982 . وكان من البديهي ان تستخدم "اسرائيل" جميع وسائلها من اجل المحافظة على واقع الاهمال والحرمان، والعمل على تعميق مفاعيله في الاتجاه الذي يناسبها ضغوط داخلية وخارجية لعرقلة المشاريع الانمائية في الجنوب، وبخاصة مشروع الليطاني: اعتداءات عسكرية واختراقات محدودة منذ مطلع الستينات بغية اشاعة اجواء من الخطر الدائم، ولا سيما في منطقة الشريط الحدودي، هجمات عسكرية جوية وبحرية وبرية في عمق الاراضي اللبنانية، منذ بداية السبعينات، بهدف التأثير في مجريات الوضع السياسي الداخلي والاقليمي، اجتياحات متوسطة وكبيرة الحجم تحت عناوين مختلفة ولكنها استهدفت، في الدرجة الاولى، المدنيين في ارواحهم وممتلكاتهم.
وقد اندرج ذلك كله في سياق استراتيجي واحد لم يتغير: حماية المشروع "الاسرائيلي" في لبنان وتنفيذه بواسطة العدوان المستمر على الجنوب ومنه على لبنان كله . فقد ترافقت الاعتداءات "الاسرائيلية"، منذ بداية الستينات، مع تدمير منهجي لدورة الحياة في الجنوب: ترويع السكان، اتلاف المزروعات، تدمير البنى التحتية والمدارس والجسور، تخريب المنشات العامة، زيادة معدل النزوح بدون عودة، واشاعة حالة حرب دائمة للحيلولة دون قيام مبادرات رسمية او اهلية لتعزيز صمود السكان…
تدمير منهجي
تجدر الاشارة هنا الى فداحة هذا التدمير المنهجي واثره في تمهيد الطرق لاستقرار المشروع "الاسرائيلي" في لبنان من خلال احتلاله لجزء كبير من جنوبه. ففي اجتياح آذار 1978، قتلت "اسرائيل" 560 مواطنا وجرحت 653، وقد فعلت ذلك بوحشية ذات دلالة في مجازر الخيام والعباسية والغندورية ويارون والقنطرة وغيرها، حيث دمرت المنازل وقتلت المدنيين الذين رفضوا النزوح، فكانت حصيلة كل ذلك تهجير عشرات الالوف وتدمير 2500 منزل تدميرا كاملا و 620 منزلا تدميرا جزئيا، اضافة الى تدمير 50 مدرسة وتخريب المنشات العامة واتلاف مئات الالوف من الدونمات المزروعة، واحراق نحو 150 الف شجرة زيتون وبرتقال
وبعد ان مهدت، في تموز 1981، بتدمير الجسور الحيوية في الجنوب والبقاع الغربي وشن غارات جوية طاولت الجنوب من اقصاه الى اقصاه ووصلت الى مناطق الشوف وبيروت، بدأت "اسرائيل" اجتياحها الثاني الكبير في 4 حزيران 1982 والذي فاق، بعنفه ومداه وابعاده، الاجتياح الذي سبقه ومهد له سنة 1978 . وفي هذا الاجتياح الاخير دمرت القوات "الاسرائيلية" البنى التحتية في جميع المناطق التي دخلتها، وبخاصة في الجنوب والبقاع الغربي والطريق الساحلي بين صيدا وبيروت، اضافة الى العاصمة نفسها التي احتلتها القوات "الاسرائيلية" لمدة 83 يوما، وهي اول عاصمة عربية تحتلها "اسرائيل" منذ قيامها. وقد بلغت الخسارة المادية الناجمة عن هذا الاجتياح اكثر من ملياري دولار اميركي وفق تقديرات مجلس الانماء والاعمار . كما بلغ عدد الشهداء نحو 20 الفا، اضافة الى الاف الجرحى والمعتقلين، وتدمير المنازل في 33 قرية و 16 مخيما للاجئين الفلسطينيين.
تهديد وحدة الوطن
ولم يكن عنف الاجتياحين الاخيرين مجرد رسالة سياسية بواسطة المدافع، وانما كان بداية تنفيذ عملي وحسم لاستراتيجية "اسرائيل" الهادفة الى التوسع شمالا في اتجاه الليطاني من ناحية، وتقسيم لبنان الى كيانات (كانتونات) طائفية من ناحية ثانية. وهذا يعني ان العدوان "الاسرائيلي" باشر بوضع مصير لبنان كله على طاولة البحث واعادة الصياغة . فقد احتلت "اسرائيل" اثر اجتياح 1978 جزءا كبيرا من المنطقة الجنوبية الداخلية، وثم اضافت اليها جزين وشرق صيدا بعد اجتياحها الثاني 1982. فكانت نتيجة الاجتياحين احتلال "اسرائيل" اراضي تساوي 9 بالمئة من مساحة لبنان واقل بقليل من نصف مساحة الجنوب : 850 كلم مربع تمتد من الناقورة على ساحل البحر الابيض المتوسط غربا الى حاصبيا ومرتفعات جبل الشيخ شرقا وجزين شمالا، وتضم 167 قرية وبلدة ومزرعة تابعة لاقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحصابيا والنبطية وجزين وصيدا، وتتسع هذه المنطقة بعمق 5 كلم في القطاع الغربي و 15 كلم في القطاعين الاوسط والشرقي وتقارب 40 كلم في جزين. ويبلغ عدد السكان المسجلين في دوائر نفوس هذه الاقضية نحو 400 الف نسمة، وقد انخفضت نسبة المقيمين فيها الى اقل من النصف، وهي في تراجع مستمر مع زيادة وتيرة التهجير القسري والازمة الاقتصادية والتجنيد الاجباري في خدمة قوات الاحتلال.