الاطماع “الاسرائيلية” التاريخية بمزارع شبعا

 

منيف الخطيب/ نائب لبناني سابق


  مقدمة

من المعروف، لدى القاصي والداني، ان “اسرائيل” لها اطماع كبرى في الجنوب اللبناني وجبل الشيخ، لتحقيق نواياها التوسعية، والاستيلاء على مياه الليطاني والحاصباني وينابيع جبل الشيخ، فضلا عن اهمية هذا الجبل الاستراتيجية والسياحية.

ان هذا الموضوع يحتاج على مصنف كبير بل الى مصنفات، لانه موضوع هام وكبير ومتشعب، يجب ان يرتكز على بحث ودراسات معمقة في تاريخ الحركة الصهيونية والاطلاع على مخططاتها ونواياها، وعلى دور الوكالة اليهودية، وتحركاتها، واستغلالها الكامل لكل الاحداث والظروف والحروب، واستعمال كل الوسائل، مهما كانت حقيرة ولا انسانية، في سبيل تنفيذ مخططاتها الاجرامية، والاستيلاء على اراضي الغير، وطرد اصحابها واغتصاب حقوقهم وسلب ممتلكاتهم.

 

وفي طليعة الاطماع “الاسرائيلية”، بعد اقامة الدولة وتركيز اوضاعها، الاستيلاء على جبل الشيخ ومزارع شبعا، التي هي جزء هام من هذا الجبل، وتحتل الواجهة الجنوبية الغربية فيه.

في عام 1861، وبتكليف من منظمة الصهيونية العالمية، قامت اول بعثة بدراسة اوضاع المياه في فلسطين ومحيطها. وقامت بجولات ميدانية واسعة شملت جبل الشيخ ومحيطه، واوصت بوضع ينابيع جبل الشيخ والجولان وجنوب لبنان ضمن المخطط الصهيوني لاقامة دولة “اسرائيل”، ومدها بالمياه، التي ستصبح في المستقبل اغلى من الدماء في منطقتنا.

عقد مؤتمر بال المشهور سنة 1897، بيد ان الاهتمام بجبل الشيخ ومياهه سبق هذا المؤتمر بـ 36 سنة، واندرج ذلك في المخطط النهائي لتنفيذ الحلم الصهيوني باقامة امبراطورية بني صهيون التي ستحكم العالم بشتى الوسائل والسبل والاشكال، ذلك الحلم الذي حددت له فترة زمنية قدرها مئة سنة.

 

اما موضوع المياه، فقد كان في طليعة الاهتمامات “الاسرائيلية”، ويتقدم على ما عداه من الموضوعات التي تطرحها المزارع وفي العام 1941، ابان الحرب العالمية الثانية، طلبت الوكالة اليهودية رسميا، من الحكومة البريطانية، اطلاق يد اليهود في فلسطين كلها وضم جنوب لبنان اليها حتى نهر الليطاني، في مقابل دعمهم للمجهود الحربي البريطاني، وقد رفض تشرشل هذا العرض في بيان رسمي القاه في مجلس العموم.

كما نشرت صحيفة معاريف رسالة من بن غوريون مؤرخة في العام 1941، موجهة الى الخارجية البريطانية 1941، يقول فيها: "علينا ان نتذكر انه من اجل بقاء الدولة اليهودية.. يجب ان تكون ارض النقب، وكذلك مياه الاردن والليطاني في اراضينا"(1).

منذ ذلك الوقت، بدأت المخططات الهادفة الى وضع اليد على تلك المنطقة، وضمها الى الكيان الصهيوني المنوي اقامته على ارض فلسطين، عندما تسمح الظروف وتتمكن القوى الصهيونية، والقوى المساندة لها، من تحقيق هذا الهدف، وذلك للاسباب الهامة الاتية:

1ـ ان جبل الشيخ، المعروف ايضا بجبل "حرمون" يشكل اكبر خزان للمياه في المنطقة، وتتفجر من سفوحه واوديته الينابيع التالية: الحاصباني، الوزاني، الجوز، المغارة في شبعا، السريد قرب الماري، بالاضافة الى ينابيع صغيرة او موسمية في لبنان، والبانياسي، وبيت جن، والسعار في سوريا، واللدان في فلسطين.

2ـ ان جبل الشيخ، بثلوجه ومياهه واحراجه وهوائه الطيب العليل، يشكل منطقة مثالية للسياحة والاصطياف والاشتاء لفلسطين البلد الحار والجاف، والذي لا توجد فيه مناطق اصطياف. وقد عرف “الاسرائيليون” الاهمية السياحية لجبل الشيخ، ولديهم خط جاهزة لمشاريع سياحية هامة، منها انشاء بحيرات اصطناعية وفنادق ومصحات جبلية، وقد انشئت محطة تزلج في منطقة مقاصر الدود، بين راس الشحل ومركز الفوار، ضمن الاراضي اللبنانية. ونظمت رحلات سياحية دائمة اليها. ولدى “اسرائيل” النية الخبيثة بتوسيع نطاق السياحة في جبل الشيخ.

3ـ ان هذا الجبل، الذي يعلو 2814م عن سطح البحر، هو اعلى جبل يطل على فلسطين وسوريا والاردن وسهل البقاع ووادي التيم وجبل عامل، وهو بذلك يشكل منطقة مثالية وهامة جدا، من الناحية الاستراتيجية، اذ ان القوة المتمركزة فيه تستطيع ان تسيطر على ما حولها. وطموح العسكريين الصهاينة ان يكون تحت سيطرتهم للتحكم بمصير المنطقة وحفظ امن “اسرائيل”.

4ـ هناك ما يمكن تسميته "الاستراتيجية التاريخية" وفق العقيدة الصهيونية. وهو اعتقاد فئات كبيرة من اليهود المتدينين الاصوليين. وترتكز هذه الاستراتيجية على مفهوم مفاده ان دولة “اسرائيل” لا تؤخذ الا من الشمال أي من وادي التيم وسهل البقاع وهضاب حرمون، كما حصل في قديم الزمن على يد نبوخذ نصر، الملك البابلي الذي كان على خلاف قوي مع اليهود بسبب تصرفاتهم والاعيبهم، فضرب يهوياكين ملك يهودا، واستولى على كنوز الهيكل. وقد هاجمهم اكثر من مرة، الى ان كان الهجوم الكاسح سنة 581 ق.م، حيث احرق المدينة، وهدم اسوارها واسر منها 700 شخص، فاضطر من تبقى ان يفر الى مصر(2). وكان نبوخذ نصر قد اوقع بالملك صدقيا، وسمل عينيه، وساقه اسيرا الى بابل.

هذه الاسباب الاقتصادية والاستراتيجية هي الدافع والمحرك الدائم للاطماع والاحلام الصهيونية، للاستيلاء على جبل الشيخ بكامله،او على القسم الاكبر من، اذا تعذر ذلك الان. وقد اعتمدت الصهيونية، قبل نشوء “اسرائيل” وبعد نشوئها، كافة الاساليب والذرائع الواهية والخبيثة، للاستيلاء على هذه المنطقة.

ان المخططات الصهيونية مخططات بالغة الخبث. واذا توقفت لبعض الوقت عن اهدافها، فذلك لا يعني التخلي عنها نهائيا. انه يعني تأجيلها الى وقت آخر يكون ملائما.

يؤكد ذلك ما يصدر عن كبار زعماء الصهيونية، قديما وحديثا، من تصريحات تتعلق بنظرتهم الى المجتمعات والدول، كما تتعلق بخططهم التوسعية. ان “اسرائيل” لم تعين حتى الان حدودها، بخلاف كل دول العالم التي تنص، في دستورها على حدود دولتها: اما “اسرائيل”، فحدودها حدود الاطماع الصهيونية التي لا يجوز اعلانها، وبالتالي لا يمكن ايرادها في الدستور. وايراد نماذج من تصريحات قادة العدو ومفكريه تثبت مدى خطورة الاطماع الصهيونية والنوايا التوسعية.

لقد صرح ديفيد بن غوريون، رئيس وزراء “اسرائيل” عام 1952، قائلا: "كل دولة تتكون من ارض وشعب. واسرائيل لا تشكل استثناء لهذه القاعدة، ولكنها دولة ليست مطابقة لارضها او لشعبها. فحين قامت “اسرائيل” لم تكن تضم سوى 6% من مجموع الشعب اليهودي، وعلينا ان نقول ان الدولة قامت فوق جزء من ارض “اسرائيل”"(3).

وفي 7 تموز 1982، نشرت صحيفة معاريف حديثا لغولدا مائير ردا على سؤال وجه اليها يقول: ما هي حدود الاراضي التي تعتبرونها ضرورية لامن “اسرائيل”؟ قالت فيه:

"اذا كنت تريد ان تقول انه يتعين علينا ان نرسم خطا لحدودنا، فهذا امر لم نفعله. وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب. ولكن يجب ان يعرف الناس ان من اساسيات سياستنا عدم النص، في أي معاهدة للسلام، على حدود 1967. فلا بد من ادخال تعديلات على الحدود. نريد تغييرات في حدودنا، كل حدودنا من اجل امن بلادنا".

وفي 10 آب 1967، قال موشي ديان، في تصريح لجريدة الجروزاليم بوست: "نحن لا نحتاج الى حدود دائمة فقط، بل الى حدود تضمن السلام، ثم اضاف: ان الحديث عن قداسة الحدود في هذه المنطقة مجرد هراء. والحدود في منطقتنا ليست شيئا ثابتا، بل هي دائمة التغير والتبديل".

اما ليفي فقد صرح في 29/10/1967، قائلا "ان خطوط الهدنة قد جرى الاتفاق عليها عام 1949، بناء على اعتبارات عسكرية فقط، وان هذه الخطوط ليست حدودا طبيعية". واضاف ان هدف حكومته هو: "تعيين حدود قومية آمنة ومتفق عليها في اطار معاهدات الصلح".

اما شيمون بيريز الذي يعتبر من الحمائم، فيقول في 1/1/1971:

"…لهذا يجب، عند المفاوضات، تنظيم الحدود في مناطق قابلة للدفاع عنها. فان الحدود في رأيي اكثر اهمية من الضمانات"، وفي حديث آخر لوكالة رويتر في 27/2/1971 يقول: "انه يعارض تقديم خريطة الحدود الجديدة التي تطلبها “اسرائيل”، فان “اسرائيل” ليست في عجلة من امرها كي تضع مثل هذه الخريطة التي، اذا قدمناها لتمثل الحد الادنى، فلسوف نتهم على الرغم من ذلك، بالتوسع".

وقد اكد الباحث “الاسرائيلي” موشيه برافر(4) اهمية تلك المنطقة، اذ يعتبر: "ان الحدود الجديدة لاسرائيل يجب ان تصل الى منطقة تعلو 2224 من جبل الشيخ، حيث تمس الحدود اللبنانية، التي كانت في رأيه حدود سوريا مع لبنان.

وفي تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية “الاسرائيلي” "جافي" يؤكد الدكتور شاوول كوهين ان احتياجات “اسرائيل” للمياه هي من الضخامة، بحيث تتوجب السيطرة على قطاع قمة جبل الشيخ. وفي مكان آخر، يذكر التقرير ان التعديلات الاقليمية، التي من شانها ان تساد “اسرائيل”، في المستقبل، تقضي بان تبسط “اسرائيل” سيادتها على منابع المياه وكتف جبل الشيخ.

لقد حاولت “اسرائيل”، بشكل دائم، طمس هذه الحقائق واخفاءها، لتبرر استيلاءها على هذه المنطقة، واضفاء الشرعية على اقتطاعها من لبنان. فتارة تعلن انها غير لبنانية، وتارة تطرح مقولة الحدود الآمنة، او الحدود الواقعية. واخيرا، جاء دور الخط الازرق وهو الاخطر، لانه مصبوغ بالصبغة الدولية، ولا يجوز ابدا قبوله.

ولم تقتصر التصريحات على القادة السياسيين. فالمثقفون الصهاينة ادلوا بدلوهم في هذا المضمار. وابرزوا، بشكل واضح، اطماعهم في الارض والمياه، ومنهم فريش فايسر رعنان الذي يقول، في كتاب له عنوانه "حدود آمنة": "لتأمين الحماية العسكرية، يجب ان تضم فلسطين الصحراء الى الجنوب والصحراء الى الشرق وقسما من سهل البقاع…".

ثم يتابع قائلا: "اما تأمين الموارد الطبيعية، فيفرض الاستغلال الكامل لامكانيات فلسطين الزراعية والصناعية، فمخططات الري تعتمد كليا على المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية التي تضم منابع الاردن والليطاني وثلوج جبل الشيخ واليرموك وروافده". ولم يوفر منطقة الجولان وحوران وجبل الدروز في سوريا.

 

اضافة الى الاطماع التاريخية، ثمة اطماع “اسرائيلية” استراتيجية:
فمرصد جبل الشيخ، او عين المراقبة المتقدمة والحساسة جدا، يمكن اعتباره اهم مركز رصد ارضي، اذ لا يتفوق عليه، من حيث امكانية الرؤية وجمع المعلومات، الا طائرات التجسس او الاقمار الاصطناعية.

يقع هذا المرصد على احدى قمم جبل الشيخ المعروفة بـ "قمة ملحاثا" او "تلة ملحاثا"، الى الجنوب الشرقي من بلدة شبعا، ويتجاوز ارتفاع هذه القمة عن سطح البحر الفي متر. وهي من تلال جبل الشيخ المشرفة على ما حولها في كل من سوريا ولبنان والاردن والبحر المتوسط. وقد تم احتلال هذه القمة والتلال والمواقع القريبة منها بعد صدور القرار 338 في 22 تشرين الاول 1973، وخلافا لمنطوق هذا القرار، الذي ينص على وجوب وقف اطلاق النار، وبقاء جميع القوى العسكرية في مواقعها.

استغلت “اسرائيل” توقف جميع العمليات العسكرية، وهدوء الجبهات، الذي اعقب معارك برية وجوية حامية وشرسة، تطبيقا للقرار 338، فبعد سريان مفعول القرار ووقف اطلاق النار، نفذت عمليات سريعة جدا مخططة ومدروسة، حيث نقلت مجموعات عسكرية (مشاة ومؤللة) بطوافات عسكرية عبر ممر النقار الشحل ـ القاطع في اجواء شبعا، حيث لا يتواجد قوى عسكرية تتصدى لها. وقد سبق هذه العملية قصف مدفعي عنيف ومركز، شمل بلدة شبعا ومحيطها. وقد انتهت هذه العملية قبل بزوغ الفجر، واسفرت عن احتلال قمة ملحاثا ومحيطها وبضع القمم، ولا سيما القمة التي تعلو حوالي 2600م.

وقد انسحبت “اسرائيل” منها بعض فض الاشتباك والانسحاب من القنطيرة، وبقيت متمركزة في قمة ملحاثا.

بعد المفاوضات التي اعقبت حرب تشرين، وانسحاب “اسرائيل” من مدينة القنيطرة والجيب الذي احتلته، وعقد الاتفاق على تحديد خط وقف اطلاق النار الى الغرب من هذه القمة. فاصبح موقع هذا المرصد متقدما مسافات عن خط وقف اطلاق النار لجهة الشرق، بما يشبه اللسان داخل الاراضي اللبنانية والذي لم تتخل عنه حتى الان، واصبح خط وقف اطلاق النار يمتد من الجنوب الى الشمال في منطقة الجولان، ويمر غرب بلدة جباثا الخشب شمالا باتجاه جبل الشيخ، وبعد ان يتجاوز خراج هذه البلدة، ينحرف نحو الشرق على قمم جبل الشيخ حتى يصل الى قممه المطلة على قرية "حذر"، ليصبح هناك متقدما مسافة نحو الشرق ثم يتجاوز خط القمم نحو لبنان ليضم عدة قمم، منها قمة ملحاثا، حيث موقع المرصد، ثم يعود ليتجه الى الغرب داخل الاراضي اللبنانية، مرورا بمركز الشحل ثم ينحدر نحو الشمال الغربي حتى يصل الى موقع بركة النقار، حيث بوابة مزارع شبعا.

هذا هو مرصد جبل الشيخ، مرصد الرقابة الدائمة والجاسوسية المستمرة، وعين “اسرائيل” المتقدمة. وقد زودته “اسرائيل” باحدث الاجهزة الالكترونية المتطورة. ثم زاد اهتمامها به بعد انسحابها من جبل لبنان وتفكيك مرصد الباروك، ولان اهتمام “اسرائيل” به دائم، فانها تدخل عليه التعديلات والتحسينات بشكل دائم، وتجري ذلك علنا على مرأى من اهالي شبعا.

هذا المرصد، الذي اقامته “اسرائيل” داخل الاراضي اللبنانية بعد توقف القتال عام 1973، يشكل مع المناطق المحيطة به والطرق المؤدية اليه، موقعا متقدما جدا عن خط وقف اطلاق النار. انه بمثابة لسان مستطيل يمتد عدة كيلومترات على شريط من قمم جبل الشيخ المطلة على شبعا التي تشكل منطقة بالغة الاهمية، من الناحية الاستراتيجية والسياحية.

والاهم ان هذا المرصد ليس سوى واحد من عدة مراصد هامة اقامتها “اسرائيل” على قمم جبل الشيخ: ثلاثة منها داخل الاراضي اللبنانية اقيمت في قمة ملحاثا، ورأس الشحل وتلة سدانا، واثنان على قمتي الفوار والنشبة المقبلة، على خط الحدود اللبنانية ـ السورية.

 

 الهوامش:

1-     د.عصام خليفة: "لبنان في مواجهة مفاوضات التسوية" ص 16.

2-      عجاج نويهض: "بروتوكولات حكماء صهيون" المجلد الثاني ص 91.

3-      د.عصام خليفة: "لبنان المياه والحدود" ص 141-142.

4-     د.عصام خليفة، دراسة جيوبوليتيكية: "جبل حرمون جديد" جريدة النهار 2/12/1999.