الابعاد السياسية والجغرافية ـ السياسية للمشروع الاستعماري تجاه فلسطين في القرن التاسع عشر.

نشرة الاسلام وفلسطين

ايلول 2000


قراءة في كتاب "الامبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية للدكتور بشير نافع*".

ما يميز هذه الدراسة دقتها، العلمية الموثوقة، والتحليل العميق لمرتكزات المشروع الاستعماري تجاه فلسطين. فالدراسة مع وعيها لدور الحركة الصهيونية وما انتجته من تعبيرات شتى موارية نفسها وراء التعبيرات القومية اليهودية في عصر حافل بالروح القومية الاوروبية، ما بررت به تحالفها مع الاستعمار البريطاني ونجاح مشروعها الاستيطاني. الا انها تضيء وبشكل ممنهج حيثيات المشروع الاستيطاني الذي اخذ بالتبلور في اوساط المؤسسة الدينية ـ السياسية البريطانية قبل عقود من ولادة الحركة الصهيونية. وان كان الدكتور بشير في هذا السياق يشير إلى الاهمية التي يكتسبها التوقيت الراهن من شهر آب او بالتحديد تاريخ يوم 11 من شهر آب لكن عام 1840حين ارسل وزير خارجية بريطانيا آنذاك لورد بالمرستون تعليماته إلى سفير بريطانيا في الدولة العثمانية يقول: "ان من المهم للسلطان ان يشجع اليهود على العودة للاستقرار في فلسطين.. فان وجودهم في فلسطين سيصبح صمام امان ضد أي مخططات شريرة لمحمد علي او أي من خلفائه" ص 52. فايجاد جسم غريب يفصل بين المشرق والمغرب بين الشام ومصر مسألة جوهرية للمخططات البريطانية. وما هو لافت في هذا التوقيت أي يوم 11/8/1840 ان ارسال رئيس الوزراء البريطاني هذه الرسالة ترافق في نفس اللحظة بقصف الاسطول البريطاني حممه على بيروت حيث جيش محمد علي ما يوحي بالعلاقة الخاصة بين الناحيتين.

يدخل الدكتور بشير نافع في دراسته، من باب مناقشة عاملي الدين والاطماع الاستعمارية، بابعادهما الجغرافية السياسية، في توجهات قادة الفكر والدين والسياسة للامبريالية البريطانية. فبريطانيا وكما هو معروف اتاحت للمشروع الصهيوني فرصة التبلور في القرن التاسع عشر الذي مثل الحقبة التي شهدت ذروة الصعود البريطاني، المترافقة مع نمو المشروع الاستعماري تجاه فلسطين.

 

الا ان الدكتور بشر نافع يشير إلى ان علاقة بريطانيا الحديثة بالمسألة اليهودية بدأت في عصر الثورة على الملكية، او ما سمي بحكم البرلمان الطويل (1649ـ1660) مبينا ان "اوليفر كروميل" الذي تولى الحكم لخمس سنوات (1653ـ1658) من سنوات الثورة الاحدى عشرة، طمح لاخراج بريطانيا من مرحلة الانقسام الداخلي والحرب الاهلية، وان يشارك هولندا في نفوذها التجاري الاستعماري فيما وراء البحار، واستخدم هذا المبرر إلى جانب الانجليكان الديني الجديد واستعداد "الطهريين" بما يمثلونه من ارتباط قوي بالعهد القديم وما اكتسبوه من نفوذ داخل برلمان الثورة، لاصدار موافقة برلمانية تسمح لليهود بالعودة إلى بريطانيا والاستيطان فيها في محاولة لجلب الاموال والثروات اليهودية لتساعد في اعطاء الحيوية لانكلترا، كما حصل مع هولندا بعد ان جاءها اليهود بعد حروبهم مع اسبانيا الكاثوليكية.

ومنذ ذلك الحين حكم العاملان معا ـ التحول البروتستانتي ومشروع التوسع الاستعماري ـ مجمل العلاقات البريطانية بالمسالة اليهودية مع استقرار الكنيسة البروتستانتية في بريطانيا، بلا قلق او صراع على دوره ومستقبلها. وتعمقت العلاقة بالعهد القديم الذي اصبح في ايدي الجميع. ولان عقلنة القرن الثامن عشر في بريطانيا لم تكن علمانية الطابع بمعنى انها كانت ردة فعل للتطرف الديني الطهري وليس للمسيحية ذاتها، فقد اصبحت بريطانيا وهي تدفع بوجودها العالمي إلى مناطق جديدة، تتحسس دورها في عودة المسيح، بعد ان يعود اليهود إلى فلسطين.

ويرصد د. نافع حركة الرحالة والرحلات التي نشطت "وكانت فلسطين والشرق الاسلامي محطة مهمة للرحالة البريطانيين، الذين عادوا لبلادهم يسجلون بمسحة عنصرية واضحة سخريتهم من المسلمين والمسيحيين الشرقيين" وصورت فلسطين انها ارض قاحلة قليلة السكان، وحمل الاسلام في كتب الرحالة مسؤولية تأخر وانحطاط فلسطين.

ويرى د.نافع ان اسطورة عودة اليهود إلى فلسطين اصبحت مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر جزءا من الثقافة البريطانية العامة، مؤكدا انها لم تقتصر على الدوائر الكنسية والاكاديمية.

ويلحظ د. بشير الفشل العثماني امام فيينا وان هذا الفشل انما هو ايذان جديد بتوازن قوى جديد في وسط وشرق اوروبا بدأت اوروبا على اثره في اعادة الكرة بعد ان تراجعت لاكثر من قرنين امام العثمانيين.

ويبحث د. نافع في توجهات بريطانيا بعد خسارتها في مواجهة اميركا، واعطائها الاهتمام الاكبر لمسألة الصراع على او مع الحوض الاسلامي، وبشكل خاص مع الدولة العثمانية. مظهرا ان بريطانيا بدأت تنظر إلى روسيا كمنافس خطر بعد ان كانت تميل لمساندتهم في صراعهم مع الاستانة.

ويشير د. نافع انه في العام 1768، بدأت كاترين الثانية حملة عسكرية كبرى ضد الوجود العثماني في شبه جزيرة القرم. وفي عام 1770م، كانت قواتها تستعد للتقدم نحو الاستانة ذاتها، وقد شهد العام التالي مذبحة هائلة لمسلمي البلقان. ومع ان اللورد (بيت) رئيس الوزراء البريطاني حاول التدخل لصالح العثمانيين ضد كاترين الثانية الا انه مني بالفشل، لان الرأي العام البريطاني لم يكترث لمصير الاستانة.

والمفارقة كما يشير د. نافع ان الموقف البريطاني وعدم اكتراثه لحرب القرم، كان مختلفا تماما من حملة نابليون، ففي حين عارض التدخل في حرب القرم، ايد وبكل قوة الرأي العام البريطاني وارتفعت الاصوات تدعو للمسارعة في منع الفرنسيين من السيطرة على المتوسط، كما ارتفعت اصوات الدوائر الدينية لمنعها من احتلال فلسطين خوفا من ان يصبحوا "هم اداة الله في رجوع اليهود لوطنهم والتعجيل بعودة السيد المسيح".

ويبين الدكتور نافع في دراسته "الابعاد الدينية والجغرافية ـ السياسية للمشروع الاستعماري" ان حملة نابليون فتحت امام بريطانيا الشهوة والمزيد من الاهتمام بالارض المقدسة، واسهم هذا الاهتمام بتأسيس رابطة فلسطين في عام 1804م للتشجيع على "الاكتشافات" والبحث في بلاد القدس ومواقعه، ويرى انها ادخلت منطقة الشرق العربي إلى قلب الصراع الدولي مدعما كلامه بقول باربره توخمان التي كتبت. تقول ان "اية قوة تهدد بالسيطرة على اوروبا لا بد ان تمنع من السيطرة على الشرق الاوسط".

ويرى الدكتور نافع انه على المستوى الاوروبي، ادخلت الثورة الفرنسية وحروب نابليون القارة إلى الطور قرب الاخيرة من مسيرة الانقسام القومي وبروز الدولة القومية شارحا ذلك بان القرن التاسع عشر ولد بين كلمات ادموند بيرك التي وصفت الثورة الفرنسية بانها " اكبر ازمة شهدها العالم في تاريخه". في حين افتتح القرن الثامن عشر بمقالات جون لوك حول الحكومة المدنية.

وقد دعا ادموند بيرك وهو واضع اسس السياسة البريطانية المحافظة إلى الاستمرارية التاريخية للامم في مواجهة دعوات الثورة والتغيير، مروجا لقيم الثبات ونابذا الصراع . وعن نشوء هم الامة العبرية، ليس لدى اليهود نفسهم بل لدى الاوروبيين وبشكل خاص البريطانيين يتوقف د.نافع امام استسلام عقلانية القرن الثامن عشر للوحي والالهام في ردة بالغة على عصر الشك والقلق الذي ظنت اوروبا انه اطلق عواصف الثورة والحرب، فيرى انه "عاد ضمير انكلترا التوراتي نشطا وحيويا بكل ما يمثله العهد القديم من ناحية، ومن ناحية اخرى حلق العصر الرومانتيكي الجديد فرحا بالاحاسيس القومية التي انطلقت في احضان الامبراطوريات القديمة".

كما يشير د.نافع لنشوء وهم الامة اليهودية ليس فقط لدى اليهود انفسهم بل لدى الاوروبيين وبشكل خاص البريطانيين، في الوقت الذي كان فيه يهود اوروبا يحاولون الحصول على حقوقهم المدنية في مختلف انحاء القارة، ويسعون لقبولهم كمواطنين كاملي الهوية.

ويتحدث الدكتور نافع عن القوى في المجتمع البريطاني، ليزيح الستار عن اهداف هذه القوى ويبين دعاواها، مشيرا إلى انه في الوقت الذي كان "الطهريون" قوة المجتمع الفعالة والمحركة في القرن السابع عشر، فقد اصبح الانجيليون هم اكثر تياراتها الاجتماعية ـ الدينية ـ السياسية فعالية في القرن التاسع عشر ويقول د.نافع "وان كان لانكلترا ان تتعهد عودة اليهود إلى فلسطين في القرن العشرين، فلانها كانت والى درجة كبيرة تتحرك دينيا في القرن التاسع عشر" مؤكدا انه لم ينضح ثقل الانيجليين فيما يخص فلسطين بحسب، بل ايضا دورهم في خدمة مصالح الامبراطورية في الهند والصين، قبل وبعد حرب الافيون. الا ان د.بشير يلحظ ان عامل الدين لم يكن كافيا ليحمل اثقال وتبعات تبلور المشروع الامبريالي تجاه فلسطين فقد جعلت جغرافية فلسطين منها هدفا بالغ الاهمية في المخططات الامبراطورية البريطانية سريعة النمو والتوسع في القرن الماضي.

وفي اطار تصاعد المشاعر البريطانية البروتستانتية تجاه فلسطين، يشير د.نافع إلى انه في العام 1807، اسست في بريطانيا الجمعية اللندنية لنشر المسيحية بين اليهود، وكانت الفكرة المحورية ـ كما يذكر الدكتور نافع ـ لمؤسسي الجمعية ان اعتناق اليهود للمسيحية سيعجل من عودتهم إلى فلسطين، وهي العودة الممهدة لظهور السيد المسيح، اذ ان ارتباط التحول إلى المسيحية بمشروع الوجود اليهود في فلسطين كان وما زال قويا في الاوساط البروتستانتية كما تورد دراسة " الابعاد الدينية والجغرافية للمشروع الاستعماري" الا ان القرن التاسع عشر بتطوراته الجذرية على الصعيد السياسي سيضعف من هذا الارتباط.

يذكر د.نافع اهم الشخصيات التي ساهمت في السنوات الاولى لنشاط الجمعية منهم : الاب اسكندر ماكول الذي كان نائبا لرئيسها، واهم اساتذة اللغة العبرية في كلية الملك بجامعة لندن، وقد كرس حياته كلها للاهتمام بيهود العالم ومسألة عودتهم إلى فلسطين، إلى الدرجة التي ترك فيها منصبه الجامعي وذهب إلى وارسو ليساعد في "تخفيف العداء الكاثوليكي البولندي عن اليهود". وليبشر بمشروع الجمعية، وكانت ابنته وزوجها من النشطاء في الجمعية وساهما في نشاطات القنصلية البريطانية في المدينة المقدسة وبين يهود فلسطين. وبهذا الصدد يقول الدكتور بشير نافع ان الجمعية فشلت في انجاز مشروعها السياسي بكل المقاييس. ويورد الشخصيات التي تأثرت بالمشروع وكان اهمها اللورد شافتسبري (1801ـ 1885).

ويلقي د.نافع في دراسته نظرة على التطورات التي اخذت تتسارع في تشرين الثاني عام (1831) حيث تقدمت قوات محمد علي بقيادة ابنه ابراهيم باشا من مصر إلى فلسطين، فيما كان اسطوله يحاصر حامية عكا من البحر. وفي هذه المرة سقطت عكا. وفي صيف 1833 بدأت قوات ابراهيم باشا بالتحرك نحو اسطمبول. ويورد الدكتور نافع مواقف القوى من حملة محمد علي والمواقف الاخرى المتباينة في حمى التوازنات الدولية مع الدولة العثمانية إلى التدخل المباشر في شأنها.

ويركز على ازمة الاستانة مع محمد علي، وبدأ (شافتسبري) حملته من اجل المشروع الصهيوني ـ المسيحي، وذلك بنشر مقال طويل من ثلاثين صفحة اوضح فيه آفاق تصوره لمسألة عودة اليهود إلى فلسطين. اعرب في مقالته عن اهتمامه البالغ بتميز العرق اليهودي، وعارض دعاة دمجهم وانخراطهم في المجتمعات الاوروبية، بانيا معارضته على اساس انهم غرباء في كل البلاد، ما عدا فلسطين. واتبع المقالة بتحرك نشط نحو (بالمرستون) وزير الخارجية البريطاني آنذاك الذي لم يكن متدينا بشكل خاص، لكن تحت وطأة اشتعال المسألة الشرقية واعتبارات الرأي العام البريطاني الذي تحكمت فيه بقوة صيحات الانجيليين جعلته جاهزا لاعتناق مشروع شافتسبري.

وتبين الدراسة التوافقات الدولية والاجتماع الذي ضم القوى الاربع في لندن (روسيا ـ بريطانيا ـ بروسيا ـ النمسا) للاتفاق حول الخطوات الضرورية ضد محمد علي ومنع تقدمه شمال سورية مع اعطائه حق ادارة جنوبها (أي فلسطين) اضافة لمصر. ورفضت فرنسا الاقتراح، وفي الوقت الذي اتسع فيه نطاق الاضطرابات الشعبية ضد حكم ابراهيم باشا في سورية، صدرت الاوامر من لندن للاسطول البريطاني بالتدخل.

يشرح الدكتور نافع، الآليات التي اتبعها (شافتسبري) وبالمرستون لتشجيع اليهود على العودة والاستقرار في فلسطين، ورسالته الموجهة إلى القنصل البريطاني في اسطمبول. التي ترافقت مع قصف بيروت والتقدم البريطاني ويضيف د.نافع ان "عقد الثلاثينات من القرن التاسع عشر قد فتح طريق بريطانيا إلى القدس والقاهرة معا، واصبح الطريق الواصل بين المدينتين يشكل هما اساسيا لحكومات الامبراطورية المتوالية، حتى تقدم قواتها عليه في الحرب العظمى الاولى إلى فلسطين".

وبعكس الواقف الدولية الاخرى تبنت بريطانيا سياسة الحفاظ على الدولة العثمانية وبقائها ضمانا للحفاظ على طريق بحرية الامبراطورية، خاصة انها تمثل طريقها (مصر ـ فلسطين) إلى الشرق الاقصى. وكمعظم الدول الاوروبية ـ كما يضيف د.نافع ـ ان بريطانيا كانت ترى في ان التخلف والاسلام مرتبطان ارتباطا تاريخيا، وان تجديد قوى الدولة العثمانية غير ممكن التحقيق دون دماء وثيقة الصلة بالحضارة الغربية. وقد تجلى هذا في رسائل بالمرستون لسفيره في اسطمبول يدفعه إلى تشجيعه السلطان ورجال الدولة العثمانية على دعوة اليهود إلى فلسطين، فعودتهم ستأتي بالمال وتقدم الامبراطورية.

ويتابع د.نافع مبينا ان الدافع الثاني لبالمرستون في اعتناقه لمشروع (شافتسبري) هو حرصه على ان يجعل من فلسطين عازلا بين مصر والمشرق. والدافع الثالث يصب في ان تدخل بريطانيا لحماية اليهود في فلسطين سيجعل لها دورا موازيا للدور الفرنسي في حماية الكاثوليك والدور الروسي في حماية الارثوذكس. وعبر الادلة يوضح د.نافع ان (وليام يونغ) القنصل البريطاني في فلسطين والذي عينه بالمرستون اعتبر باشارات ضمنية ان اليهود امة وهي خطوة سبقت بروز الحركة الصهيونية بخمسين عاما.

ويشير د.نافع ان بالمرستون وشافتسبري كانا اهم رجلين في المؤسسة البريطانية في النصف الاول من القرن التاسع عشر. جاء الاول ليضع الامبراطورية، وهي تواصل سياسة التوسع، في الصف الاول من الدول صانعة القرار في العالم، ومثل الثاني ضمير العصر الفيكتوري المثقل بآثام الثورة الصناعية. وقد حرصت بريطانيا، حتى وهي غارقة في دماء الشعوب الاخرى، ان يكون لها من يمثل دور الضمير، ويبين الدكتور نافع، ان بالمرستون وشافتسبري، صنعا معا بداية التزاوج بين الاسطورة الطالعة من صفحات العهد القديم وغرف المداولات الدنيوية في قطار وزارات الويستمنستر، او بين الابوية المسيحية اليهودية التي تناقلتها الاجيال البريطانية منذ عهد كرومل وسياسة الامبراطورية.

وتتعرض (الدراسة) للرؤى الثقافية والسياسية التي سادت العقود الاولى من القرن التاسع عشر (الرومانطيقيين بناة الامبراطورية)، وما ساد على هذه الخلفية واقتراب رواية العهد القديم من صناع السياسة ومن الرأي العام. ومن ثم اعادة تقديم المشروع الاستيطاني من جديد لصناع السياسة والرأي العام، بما يلائم واقعية "عصر العلم" ومصالح الامبراطورية في ذروتها. ويتوقف د.نافع امام دور الشعراء والروائيين والقساوسة والضباط وموظفي الشركات الاستعمارية والديبلوماسيين وما قدموه من "حماسة بطولية" في القرن التاسع عشر في اعادة صناعة اليهود كافة وكقومية منفصلة وكأصحاب حق ديني وتاريخي في فلسطين ولم يكن بينهم يهودي واحد.

ويشير إلى انه منذ عام 1840 وحتى ظهور الحركة الصهيونية، لم تنقطع الكتابات والدعوات والاقتراحات لاعادة اليهود إلى فلسطين. ويذكر انه في عام 1844 كانت كل بريطانيا تقرأ كتاب (ايلوت وربيرتن) الاشهر في تاريخ كتب الرحالة الانكليز من فلسطين "الهلال والصليب" والذي طبع 17 مرة، وفي العام نفسه اسست في لندن "الجمعية البريطانية والخارجية لاعادة اليهود إلى فلسطين". والقى في اختتامها القس كرايبس كلمة جاء فيها ان "الحكومة البريطانية ستتدخل لدى تركيا لتخصيص فلسطين من الفرات إلى النيل ومن المتوسط إلى الصحراء للشعب اليهودي". ويضيف ان اشهر الداعين لمشروع توطين اليهود في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر كان الكولونيل تشارلز تشرشل احد اجداد ونستن تشرشل.

ويتابع د.نافع انه في 1865 اسست مجموعة من البريطانيين الصهاينة صندوق استكشاف فلسطين، وذلك لوضع مشروع التوطين في اطار علمي، ودراسة الارض المقدسة اقتصاديا وجغرافيا. سارع على اثرها الصندوق بارسال باحثين ورحالة إلى فلسطين للاستقصاء والدراسة. وحظيت الجمعية باهتمام بالغ عبر ارسال علماء الانثروبولوجيا للدراسة والتفحص. كما دعا اسحاق آش في 1871 إلى تاسيس شركة مثل شركة الهند الشرقية، تعمل ضمن اربع مراحل لشراء الا رض واستقدام اليهود اليها والعمل على تحسين تربتها وزراعتها، واستمد آش تصوراته من ان ذلك سيؤدي لبناء الشخصية القومية اليهودية، وتقوية امكانات الدفاع العسكري عن هذا الاراضي ضد الآخرين حتى تأتي لحظة استقلالها". وفي هذا السياق كانت الدقة الكاملة لقدوم المهاجرين اليهود وعلى رأسهم زعماء الوكالات اليهودية في النصف الاول من القرن العشرين كما تذكر الدراسة. وكل هذا كان بحماسة بريطانية لصناعة الامة والرأي العام حتى يسلم الراية لرواد الحركة الصهيونية الاوائل.

ويرصد د.نافع دور الشخصيات التي ساهمت في عبور المشروع من الدوائر المسيحية إلى الدوائر اليهودية امثال الدبلوماسي والكاتب والرحالة البروتستانتي (لورنس اوليفانت) ديبلوماسي وكاتب ورحالة بروتستانتي ووليام هوكر الذي توفي عام 1931 وشهد تبلور المشروع الصهيوني، واصبح صديقا حميما لكل زعماء الحركة الصهيونية.

وبتكثيف يعرض د.نافع للتحديات الدولية التي سادت في القرن التاسع عشر لحصول الدول العظمى آنذاك على مصالح لها ومواقع ارتكازية في ظل ضعف الدولة العثمانية وكل ذلك ترافق مع طرح مشاريع توطين لليهود في بلاط نابليون.

وعن تحمس البريطانيين لمساواة اليهود ببقية المواطنين البريطانيين، يشير د.نافع إلى الدور الذي لعبته الشخصيات البريطانية المؤثرة في القرار السياسي في هذا المجال. وتتطرق الدراسة إلى مؤتمر برلين في العام 1878 وخوف المانيا الموحدة حديثا من دفع ثمن الصراع الاوروبي. فكان موضوع المؤتمر مراجعة صلح (سان ستيفانو) بين تركيا وروسيا او محاولة ايجاد حل سلمي للصراع على "المسألة الشرقية". وتوضح الدراسة ان مؤتمر برلين كان معلما بارزا لتدهور الدولة العثمانية واقتطاع ما يمكن اقتطاعه.

ومع وصول سالسبري إلى الحكم حسمت بريطانيا موقفها تجاه مسألة مستقبل الدولة العثمانية، بل ان سالسبري منذ حرب القرم كان يعتقد ان بريطانيا (راهنت على الفرس الخاسر). وانه كان عليه القبول بعرض الروس منذ (1840) بتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية.

وكما تفصل الدراسة النشاطات التي سادت في فلسطين في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر، والتي شملت تأسيس الجمعيات الخيرية والمدارس الخاصة (الخ) وكانت تهدف إلى تحريك ودعم مشروع توطين اليهود وبناء المستوطنات الزراعية في فلسطين، وكانت المساعدات التي وصلت للمستعمرين الاوائل تعود في مصدرها إلى فرع عائلة روتشيلد الفرنسية.

ويتوقف د.نافع امام الاحداث التي سادت في نهاية عام 1894، واصدار محاكمة (داريفوس) الضابط الفرنسي اليهودي، والذي ما وهو لا يدرك ابعاد الضجة التي احاطت به. وتحولت المحاكمة من مجرد حدث عابر، واتهام بالتجسس لصالح دولة اجنبية (المانيا) إلى صراع بين انصار الحقوق المدنية وعلى رأسهم اميل زولا والتيار الفرنسي المعادي لليهود. وهنا يبين د.نافع نشأة تيودر هرتزل، الذي لم يكن صهيونيا قوميا ولا يهوديا متدينا والذي تابع احداث قضية (داريفوس) كمراسل لصحيفة نمساوية يهودية.

واستغلت محاكمة درايفوس اليهودي النمساوي لتأجيج دعاية الفكرة الصهيونية، فمنحت هرتزل هامشا للتحرك بين اوساط الشخصيات والتجمعات اليهودية الاوروبية لقعد المؤتمر الصهيوني الاول في بال بسويسرا عام 1897. ومع نجاح هرتزل في عقد المؤتمر الصهيوني الاول واصداره وثيقة لاقامة وطن يهودي في فلسطين بدعم مطلق من الغرب، تحرك على مستويات عدة، ففشل عن طريق الاستانة، ثم حاول عن طريق غليوم الثاني ولم ينجح. وفي عام 1900 اقترح عليه الصهاينة عقد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن، ومنذ ذلك الوقت توجه اهتمام هرتزل ورفاقه إلى بريطانيا. وبدأ يلحظ امكانية الالتحام بين حركته وبين مشروع الامبريالية البريطانية.

ويعرض د.نافع لدور تشمبرلن وزير المستعمرات البريطانية وآرثر بلفور لتطوير آفاق المشروع الصهيوني ونمو الحركة الصهيونية في بريطانيا وذلك التلاقح بين المشروع والطموحات الامبريالية تجاه فلسطين والمنطقة بعمومها.

وعن الحرب العالمية الاولى والتوازنات يقدم د. نافع صورة متنوعة الوجوه لواقع الدولة العثمانية ومواقف الدول العظمى تجاهها. ويذكر ما كتبه الوزير البريطاني جورج في مذكراته عن الحرب : "ان الامبراطورية التركية تقع عبر رقعة من الارض تحول دون وصولنا إلى ممتلكاتنا مترامية الاطراف في الشرق.. وكان، حيويا بالنسبة لطرق مواصلاتنا وبالنسبة لنفوذنا في الشرق انه متى اعلنت تركيا الحرب ضدنا، ان نبادر فورا إلى قهرها وتسوية سمعتها، دون ضياع الوقت. وكان احراز نصر سريع ضد الاتراك من الاهمية بالنسبة إلى امن الامبراطورية وسلامتها بحيث لا يمكن لامرئ ان ينكر ذلك".

وبعد اندلاع الحرب بشهور قليلة وفي عام 1914 كانون الاول جاء "سكوت" رئيس تحرير (مانشستر الغادريان) بحاييم وايزمان من مانشستر، وقدمه للويد جورج وهربرت صاموئيل الوزيرين في حكومة اسكويت، وفي الحوار انصبت الاسئلة حول آفاق المشروع الاستيطاني.

في كانون ثاني عام 1915، قدم هربرت صموئيل مذكرته المعنونة "مستقبل فلسطين" إلى رئيس الوزراء، وكان اهم من دافع عنها في جلسة الحكومة لويد جورج، الذي حذر من "ان علينا ان نذكر ان العار ان ندع فلسطين تقع تحت حماية فرنسا اللادينية الغنوصية". وكانت تلك بداية التحرك الذي ادى في النهاية إلى صدور اعلان بلفور.

ويقدم د. نافع تفصيلا لنشأة لويد جورج وتبنيه ودعمه المطلق للمشروع الصهيوني.

وتبين الدراسة اللقاءات الاولى التي تمت بين بلفور ووايزمان وتحديدا اثناء الحملة الانتخابية لعام 1905 التي خسرها الاخير لصالح حزب الاحرار. وقد قدم وايزمان وجهة نظر دينية توراتية للدفاع عن موقع فلسطين في المشروع الصهيوني.

وتبين الدراسة اللقاءات الاولى التي تمت بين بلفور ووايزمان وتحديدا اثناء الحملة الانتخابية لعام 1905 التي خسرها الاخير لصالح حزب الاحرار. وقد قد وايزمان وجهة نظر دينية توراتية للدفاع عن موقع فلسطين في المشروع الصهيوني.

ويشير د.نافع إلى عمق تبني البريطانيين للمشروع الصهيوني في الحديث الذي دار بين وايزمان وبلفور وكأنه لم يكمل حديثه الذي بدأه في عام 1905 حيث قال: "اظن انه بتقدمنا في الحرب وعندما تصمت المدافع، ربما تفوز بأورشليمك".

وتبحث الدراسة في تقسيم فلسطين والتوافقات الدولية (سايكس بيكو). ويلفت الانتباه الدكتور نافع لكلمات سجلها كاتب سيرة حياة مارك سايكس يقول: " بشكل ما كانت اتفاقية سايكس بيكو ذات جذور صهيونية، اذ كان فصل فلسطين احدى نتائج مذكرة صومائيل واحاديث غاستر مع سايكس وتأثير سايكس على بيكو.. ولم تعارض الاتفاقية الامال الصهيونية الا باصرارها على القطاع الدولي". على ان تلك المعارضة لم تلبث ان حلت بصدور اعلان بلفور.

في الاستخلاصات كتب د. نافع: "ان المشروع الصهيوني في جذوره وفي بيئته الاساسية مشروع اوروبي غربي، قبل ان يكون مشروعا يهوديا. بل لولا جذوره الاوروبية المسيحية والتحامه بمشروع الهيمنة الامبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكانت الحركة الصهيونية الان مجرد تجمع آخر مثل التجمعات والطوائف".

ويضيف: ان العلاقة المركبة بين اليهود واوروبا الغربية في القرن التاسع عشر سمحت ان يجد كل طرف من دعاة المشروع الصهيوني بابعاده الثلاثة مكانا له. الذين حملوا المشروع على ارضية دينية توراتية كانوا انعكاسا للاحياء التوراتي البروتستانتي. والمحافظون القلقون وجدوا فيه حلا للتوتر التاريخي الذي رافق المسألة اليهودية في اوروبا، اما الامبرياليون "الايديولوجيون" فنظروا للمشروع من زاوية "اوروبا الشرق الاوسط" وتغريبه حضاريا، وانهاء المواجهة الاسلامية في حوض المتوسط كما وجدوا فيه على المدى القريب جدارا لامن الامبراطورية وديمومة لهيمنتها. وكما يرى د. نافع دراسته بالتأكيد على الخطر اليهودي الصهيوني، ومشددا على ان الجسد اليهودي الصهيوني هو مادة المشروع الاستيطاني في فلسطين، هو لحمة وعظامه.. وان خارطة الصراعات الدولية التي تشكلت في نهايات القرن التاسع عشر هي ذاتها التي تشهدها اليوم، بل هي استمرار لتلك انما بتغييرات غير جوهرية.