رحلة في مقابر الخيام النهار 4-8-1998 ص 6-16.
انها رحلة خلف حدود المعقول، تجرنا الى سراديبها المقززة شهادات هدى وعبدالغريب وعبدالكريم وعفيف وجعفر، الخارجين اخيراً من "مقابر" سجن الخيام (…).
ويبدو هؤلاء اليوم كالاطفال الخارجين لتوهم الى معمعة الحياة، يتعلقون بحنين ببقايا صور المعتقل، رغم الذكريات القاسية، ويتلمّسون بحذر طريق مستقبل ما زالت معالمه مشوشة.
يروي عفيف: "سألت الشباب عد خروجي من المعتقل: هل تعملون؟ رد ايجاباً واحد من بين عشرات، فشعرت بالخوف". ويضيف عبدالغريب: "لا اعرف ما سأفعله في الايام المقبلة، انها مرحلة صعبة". في حصاد اعوام الاسر الطويلة، بانوراما راعبة تبدأ بالكهرباء والجلد والاهانة والتهديد، وتنتهي بالجرب والجوع والمرض واحياناً الموت، ولا يوازي ولعهم في سرد تفاصيلها سوى حماستهم في ترداد شعارات رنانة، ينمقونها بالفصحى ويصرون على تكرارها في نبرة حادة: "سأناضل مثلنا ناضلت قبل المعتقل وداخله" او "قدمت جزءاً بسيطاً الى وطني"…
ولكن، اليس من ثمن او مكافأة لهم يقدمها هذا الوطن بعد هذه الاعوام الطويلة من العذاب؟
يسارع جعفر الى الاجابة: "املي كبير في قيادتي" وتتردد عبارة "القيادة" على شفاه الآخرين. وكأن الدولة اللبنانية، في كل ذلك، لاعب متقاعد.
الطريق من المعتقل الى الحرية استغرقت اعواماً طويلة، ولكن رحلة العودة الحقيقية الى الوطن قد تكون اطول.
"باب اول"
ثلاثة عشر عاماً الا اربعة ايام خبِرَ خلالها عبدالغريب بيضون مختلف انواع "الاقامة" في سجن الخيامن حتى باتت رواية اسره توثيقاً وافياً للحياة او بالاحرى لمحاولة الاستمرار في المعتقل. المحطة الاولى: مركز التحقيق في "ثكنة الـ17" اثر اعتقاله في 1 تموز 1985 في بنت جبيل، وهو في الثامنة عشرة من العمر.
ويقول: "بدأوا بتعذيب "باب اول" فبعدما انتهى اول تحقيق الرابعة فجراً نقلنا الى مرجعيون معصوبي العينين ومقيدين الى الخلف. تكدسنا بعضنا فوق بعض كالبضاعة في "جيب مكشوف".
ومن مرجعيون الى سجن الخيام. وصلنا قرابة الحادية عشرة ظهراً فأوقفونا في الشمس وبقينا على هذه الحال حتى السادسة صباحاً وكنا نستدعى تباعاً للتحقيق. عند بزوغ الفجر، لم نعد نقوى على تحمل الوقوف، فرحنا نصرخ حتى سمحوا لنا اخيراً بالجلوس، استرحت في حفرة فوضع احد الحرس رجله على رأسي وراح يفركه بالتراب، لم آبه كثيراً للامر، فكل ما كان يهمني ان اتمكن اخيراً من الجلوس".
فترة التحقيق دامت 43 يوماً ولم تكن اساليبه واحدة بل تنوعت بين سجن وآخر: "علّقت على عمود الكهرباء 6 ساعات توالوا خلالها على رميي بالماء الباردة فالساخنة، ثم جاء دور الجلد بالسياط وهي عبارة عن "كابلات" ثلاث معقودة وعند انتهاء التحقيق، رميت خارجاً مكبّل اليدين والقدمين ومن دون غطاء في البرد القارس والمارون يدوسونني في ذهابهم وايابهم. لم تكن اساليب التعذيب واحدة لكن بعضها دفعنا الى حافة الانهيار كوضعنا في غرف مجاورة للاستماع الى صراخ بعضنا واهانتنا واسماعنا الكلام البذيء.
ومارس "عملاء الزنزانة" شتى انواع الضغوط لحضنا على الاعتراف او للايقاع بيننا".
الى المقابر
ومن غرفة التحقيق الى "المقابر"، وهي وفق وصف عبدالغريب، "غرفة عرضها متر وربع وطولها متران وفي بابها كوة صغيرة عرضها 15 سنتم وطولها 20 سنتم. اما السقف فعلوّه متر وثلاثة ارباع المتر ويتسرب ضوء خافت من كوة صغيرة فيه لا تتجاوز الشبر كنا 6 سجناء في هذه الغرفة ننام "كعب وراس" وعلى جانب واحد، فاذا استدار احدنا، اضطر الى ايقاظ رفيقه ليستدير معه".
لم يستقر طويلاً في "المقابر" وعاد الى غرفة التحقيق بعد اكتشاف معلومات جديدة في ملفه: 65 يوماً من جولات التعذيب الاضافية امضاها في سجن افرادي من 90 سنتم طولاً وعرضاً، مزوداً وعاء لقضاء الحاجة من دون أي امكان للاستحمام او أي وسيلة تنظيف. ومع ارتفاع عدد السجناء، استحدث السجن رقم 3، فكان لعبدالغريب، فرصة "الدخول الى الجنة". يقول: "الحبس رقم 1 يضم 14 غرفة كبيرة و7 غرف افرادية، وقد عجز عن استيعاب الاعداد المتصاعدة من السجناء، حتى ان نحو 70 متهم بقوا مرميين على الارض، فاضطروا الى استحداث السجن الجديد الرقم 3، وهو يضم 20 غرفة مساحة كل منها متران طولاً وعرضاً وسقفها مشبك ويعلوه سقف آخر من الباطون. شعرت انني انتقلت من المقابر الى الجنة بعد مرحلة السجن الافرادي القاسية، واحسست بارتياح كبير وخصوصاً انني صرت استطيع ان امد رجلي".
الجوع
الجوع كان اشد ايلاماً من لذع السياط، ومن لم يجرب الجوع، على قول عبدالغريب، لا يستطيع ان يتحدث عنه: "الترويقة في السجن عبارة عن 5 حبات زيتون وقطعة "توست" والغداء صحن مجهول الهوية تقاسمه جميع السجناء في الغرفة، اما العشاء فطعتا "توست" او لا شيء. الاضراب الاول الذي نفذناه عام 1986 اثمر نتيجة بسيطة فارتفع عدد قطع "التوست" من 2 الى 4، ثم كان الاضراب الكبير العام التالي واتى بنتيجة من الليلة الاولى، رغم اساليب التهديد التي عمد اليها الضابط "الاسرائيلي" المسؤول "ياكي" فارتفع العدد من 4 الى 12 قطعة للفرد، ثم جاء الخبز اللبناني عام 1988 رغيفاً للفرد ثم رغيفاً ونصفاً، فبتنا نشبع على الاقل وان كانت نوعية الطعام معدومة كالارز غير الناضج او الفول المسوس…".
ولكن كيف يمكن مقاومة الجوع طوال عامين ونصف العام؟
"لا مجال لمقاومة الجوع "يجيب الغريب"، لكنني كنت احتال عليه فاحتفظ مثلاً، بقطعة من حصة العشاء اسكت بها معدتي صباحاً في انتظار طعام الفداء، لقد شاهدت رجالاً ينهارون تحت ضغط الجوع او يأكلون قشر البطاطا والموز او عروق التفاح وغيره من بقايا الاكل التي تؤمنه زيارات الاهل القليلة".
دخول الصليب الاحمر الدوي سجن الخيام عام 1995 غير الكثير من شروط الاعتقال، فالكتب الدينية والعلمية والقصص والقواميس دخلت اخيراً المعتقل، باستثناء الصحف، رغم مطالبة السجناء الحثيثة بها. والغرف اتسعت وباتت تضم 12 سجيناً، مع الحفاظ على غرفة "تعيسة" في كل سجن، واختلفت اساليب التحقيق فلم يعد يعتمد العذاب الجسدي بقدر ما يتركز على جهود عميل الزنزانة الذين ينوع الاساليب لاحباط السجين، كالتهويل بعذاب الكهرباء وبقدرات "آلة كشف الكذب التي لا يستطيع احد ان يخفي عنها افكاره"، والاهم ان زيارات الاهل عادت بعد انقطاعها في عام 1988:
"في 14 آذار 1995، قابلت اهلي للمرة الاولى بعد انقطاع 10 اعوام، لم اتعرف اولاً الى المرأة العجوز التي توجهت صوبي حتى قالت لي "يا حبيب يا امي"، ثم التفت وصافحت الشاب الذي يرافقها فقالت: "الم تعرفه؟ هذا اخوك والحقيقة انني لم اعرفه اطلاقاً، رغم انه يكبرني سناً.
عملية تبادل الاسرى والرفات والاشلاء عاشها سجناء الخيام مشاورات ومناقشات حول الاسماء التي يحتمل وقوع القرعة عليها حتى كان يوم 28 حزيران: "غمرتني فرحة كبيرة عند سماع اسمي، لكنني فوجئت بان بقية السجناء القدامى، وعددهم ثلاثة، لن يغادروا الزنزانة، لم اقوَ على كبت دمعتي ورحت اقبلهم واردد كلاماً عادياً مثل "الله يصبركم" وهم يجيبون: "لا تحملوا همّنا".
مثل النمل
الجرب كان في انتظار عبدالكريم حميد في الزنزانة الضيقة بعد عمود الكهرباء في غرفة التحقيق "فالقمل في الزنزانة كان مثل النمل، واذا اصاب الجرب احد السجناء، فانه ينتقل بالضرورة الى الآخرين، تلك مسألة طبيعية فوسائل التنظيف معدومة وكمية المياه المتوافرة محدودة: الوعاء في الغرفة يتسع لعشرين ابريقاً من الماء ويستعمل لقضاء كل الحاجات ولا يتم افراغه الا كل ثلاثة ايام، لذلك حددنا معدل 3 كؤوس مياه لكل منا لقضاء حاجات التنظيف".
شهران عاشهما عبدالكريم، بعد اعتقاله في بنت جبيل في 16 ايلول 1985، في رواق ضيق عرضه متران ونصف المتر وطوله 12 متراً، مع 34 سجيناً آخر، مقيد اليدين والرجلين، يتلقف ما يرمي اليه من طعام بان يشد يديه المقيدتين الى الامام ويميل برأسه الى الوراء. اما الدخول الى الحمام، فكان متاحاً مرتين، صباحاً ومساء. وكانت مشكلة اذا المت بأحد السجناء حالة طارئة…
وسيلة تسلية
عبدالكريم وزملاؤه كانوا بمثابة وسيلة تسلية لافراد الشرطة يختبرون فيهم مختلف وسائل الاستفزاز: "عام 1986، تم تبديل الضابط "الاسرائيلي" "ياكي" فمنع الضابط الجديد "البر" الزيارات والسجائر وتراجعت نوعية الطعام، لكنه منع ايضاً الشرطة من التحرش بالاسرى، وكان السابق قد اتاح لهم حرية التصرف وفق اهوائهم، كالتعرض للسجناء بالضرب من دون سبب او ان يطلبوا منا ان نغطي حتى الرأس ببطانيات وسخة مليئة بالقمل، في اقسى درجات الحر. عاد "ياكي" بعد ستة اشهر فساءت المعاملة اكثر وتفاقمت اشكال الاستفزاز، كحال الاسير ابراهيم صولي الذي ضربه احد افراد الشرطة حتى كسر يده وشق جبينه وكان قابعاً في زنزانته لا ناقة ولا جمل".
الاعراض المرضية كان يعالجها الممرض بعبارتي: "عادي" او "ما في" حتى تتحول آفة مستعصية، فتفتح ابواب السجن اخيراً امام المريض، ليكمل طريقه بهدوء الى الموت.
سجل الوفيات
"ثمة امراض متفشية في المعتقل كالقرحة وآلام الرأس واعطاب النظر والحالات العصبية" ويضيف عبدالكريم: "الفحص الطبي لم يكن يتجاوز دقائق معدودة كل سنة او سنة ونصف، مما يفسر ارتفاع عدد الوفيات: احمد ترمس اعتقال في سن الـ 63 بعد عملية للمقاومة في بلدته طلوسة وتوفي اثر اصابته بمرض ولم يستطع المقاومة لتقدمه في العمر وقساوة البرد. اسعد بزي تورّمت يده فلم يأبه له الممرض حتى تورّم جسمه كله فنقل الى مستشفى مرجعيون ثم الى "اسرائيل" حيث توفي متأثراً بسرطان الدم. علي درويش توفي بالسل، سليم عواضة اصيب بسرطان الرئتين. علي عبدالله حمزة استشهد وهو معلّق على عمود الكهرباء والسوط يلف رقبته. واخيراً هيثم دباجة الذي المت به ازمة قلبية اودت به، وقامت اثر ذلك ضجة اعلامية كبيرة اسفرت عن تدخل المحامية الفرنسية بيكار فيل ومنظمة العفو الدولية والصليب الاحمر الدولي…".
"المصيبة جمعتنا"
"انتفاضة الـ89" محطة بارزة في سجل معتقل الخيام يفخر عفيف حمود برواية تفاصيلها: "كنا قد بلغنا مرحلة ضغط نفسي لم نعد نقوى على تحملها، فللشرطة الحق في ضرب أي سجين واهانته، حتى انهم كانوا يشاهدون حلبات المصارعة ثم يطبقون اصولها علينا، ولا نرى نور الشمس سوى دقائق. قليلة كل شهرين او ثلاثة، حين نقوم بجولة في ساحة المعتقل الضيقة، ثم نعود ادراجنا الى الزنزانات، واذا التقيت مصادفة بأحد معارفي بين السجناء وحاول ان يتحدث الي، اوسعونا ضرباً، فالحكي ممنوع… وانطلقت الانتفاضة في شكل عفوي ومن دون تخطيط، اذ رحنا نصرخ ونقرع الابواب بقوة، وسمع الرفاق في الغرف الباقية وتضامنوا معنا صراخاً. فالمصيبة جمعتنا والتباينات بين التيارات السياسية التي ننتمي اليها بدت تافهة بازاء ما نعانيه جميعاً.
عفيف اعتقال في بلدته كفرحمام 21 مرة كانت اطولها مدة 10 ايام واقلها 3 ايام، قبل ان يقتاد الى سجن الخيام حيث امضى 3825 يوماً، سجل احداثها ساعة بعد ساعة: "في البدء، فرش لي عميل الزنزانة الارض بساط حرير كنت خائفاً ومنهكاً من جلسات التعذيب المستمرة، فنجح في استخراج معلومة مني واندلعت النار حولي من دون ان اقوى على احاطتها، ثلاثة اشهر من التحقيق كنت اعلّق خلالها على العمود ساعات خلال شهر ونف الشهر ثم ارمى عند الفجر في زنزانة ضيقة يرشح نصفها ماء، لأساق مجدداً الى غرفة التحقيق عند السابعة صباحاً يتكرر المسلسل" (…).
رغم الذكريات القاسية، يحنّ عفيف احياناً الى غرف سجن الخيام العتيقة "فالسجناء باتوا اهلي وجزءاً لا يتجزأ مني"، وهو نذر الا يحلق ذقنه قبل ان يطلق رفاقه من قدامى السجناء، وقد عرف هؤلاء خيبة جديدة مع عملية التبادل الاخيرة بعد الخيبة الاولى اثر عملية التبادل المفاجئة عام 1996 (…).
من السيجارة الى العمالة
قالوا لهم: "جهزوا الخروف، ابنكم جعفر سيعود ففعلوا واعادوا الكرة مراراً حتى انهم انتظروا ساعات على المعبر، على امل ان يصدق خبر كاذب، غير ان انتظار جعفر دام 7 اعوام.
"طلبوا مني العمل معهم، رفضت مراراً بذريعة انني ما زالت طالباً الثانوية، فتحولوا من الترغيب الى الترهيب ويضيف جعفر طعام ديب: "انتقل التحقيق الى المطلة داخل "اسرائيل" حيث استجوبني ضابط مخابرات "اسرائيلي"، وعندما ايقن ان لا رغبة لي في الافصاح عن معلومات، قال للشرطي خذه الى البيت… فاقتادني الى سجن الخيام".
اساليب التحقيق كانت قد اختلفت عند دخول جعفر المعتقل عام 1991، فالتعذيب الجسدي خفت حصته وان لم تتغير ادواته كالتعليق على العمود ساعات والجلد بالسياط والدفع بالمياه الباردة فالساخنة "غير ان عميل الزنزانة كان وسيلة التحقيق الاولى، اذ برع في تهيبنا عبر وصف حالات تعذيب مبتكرة كالسجن في غرفة الجراذين او الحجز في غرفة مليئة بالمياه الآسنة فترات طويلة، حتى ان بعض "المحجوزين" فتك الدود بأطرافه فاضطروا الى قطعها… اعتقد ان فكرة الخروج من السجن هي التي جرت هؤلاء الى العمالة، والبعض انساق اليها بفعل ولعه بالسجائر. فالعميل كان يحظى بعلبة سجائر كل يومين والسجين العادي بالكاد يحصل على سيجارة يقسمها وحدات عدة يحتفظ بها خوفاً من "القطعة".
مثلما لا نعرف الكثير عن معتقلي الخيام، هؤلاء لا يعرفون سوى القليل القليل عما يجري في الخارج "فالتعتيم الاعلامي على اوضاعنا شديد ووسيلتنا الوحيدة لمعرفة ما يجري خارجاً هي السجين الجديد، لا ننفك نسأله عن كل كبيرة وصغيرة حتى "ننفضه نفضاً"، لكن التواصل بيننا ليس سهلاً، فالسجين الذي يمرر خبراً لرفيقه قد ينال عقابه اذا عرف الشرطي بذلك، كنا مزيجاً من مختلف التيارات اللبنانية ومعنا ايضاً فلسطينيون وسوريون وجزائريون واردنيون. لكن الاخبار القليلة التي كانت تصلنا عن الخلافات السياسية لم تكن تؤثر على علاقتنا بعضنا ببعض فالمصيبة الكبيرة جمعتنا وهمنا الوحيد كان الاستمرار".
اللقاء الاول
بعد 5 اعوام من الاسر، كان اللقاء الاول مع الاهل: "حضرت نفسي جيداً وقلت: يجب ان تبقى طبيعياً، لكن اللقاء استمر نصف ساعة من دون ان نقوى على قول الكثير، اول سؤال كان لوالدتي، كيف صحتك فأجابت: "المهم شفتك" اما والدي فلم يستطع الكلام الا في الدقائق الخمس الاخيرة من المقابلة".
الوفود الكبيرة من الاهالي التي استقبلت حافلة المحررين اثارت دموع جعفر: "قلت لنفسي ما زالوا يذكروننا وعدد الذين لم ينسوا ليس بقليل.
سجن النساء
هدى حمادة "اطلقت من سجن الخيام قبل شهور من عملية التبادل، فمنظمة العفو الدولية خصتها بحملة كثيفة، نظراً الى صغر سنها (16 سنة) وتعرضها لنوبات عصبية حادة، حتى ان افراد الشرطة غالباً ما سألوها: "من تكونين حتى نتلقى في شأنك كل هذه الرسائل؟".
تروي هدى: "بعد يوم من اعتقال خطيبي غسان عيسى، فوجئنا بسيارة "جيب" تتقدم في اتجاه منزلنا في مارون الراس، وكنا انا وابي وامي نشك الدخان، واقتادوني من دون ان يسمحوا لي حتى بغسل يدي، الى "ثكنة الـ17" ومنها الى سجن الخيام، حيث امضيت 21 يوماً من التحقيق ساءت خلالها حالتي الصحية واصبت بانهيارات عصبية متكررة. كان المحقق يطرح علي اسئلة استفزازية ثم يعمد الى ضربي اذا التزمت الصمت… مثل ما نشاهد في حلبات المصارعة، لكن العذاب النفسي كان اشد ، اذ غالباً ما كان يهددوني بالاغتصاب امام خطيبي. كنت صغيرة وضعيفة وقد وجدوا في هذا التهديد نقطة ضعفي، لكنني صمدت حتى ان المحقق قال لي: "انت عمرك 35 لا 16 عاماً". و"الرحلة" الى غرفة التحقيق كانت تتكرر 3 او 4 مرات يومياً وقد يختار المحقق جلبها في الثالثة ليلاً. "فانهرت لكثرة التهديد والضرب ورمي المياه الساخنة والباردة علي، واضطروا اخيراً الى مراعاة وضعي الصحي اذ كنت اصاب بحالات اغماء وتشنج واظل ساعة على هذه الحال وحيدة في الزنزانة ولا اتمكن من طرق الباب".
سهى بشارة
من السجن الافرادي في زنزانة ضيقة، انتقلت هدى الى غرفة اوسع مزودة حماماً ومنها الى سجن النساء، تقول عن تلك المرحلة: "تحسنت اوضاع السجن كثيراً عند انتقالي اليه، فقد استبدل الوعاء بحمام واقتصر عدد السجينات في كل غرفة على اثنتين، كنا نحاول ان ننسى واقعنا بان نشغل انفسنا بما تيسر لنا، كمطالعة الكتب المتوافرة او تنفيذ بعض الاشغال اليدوية البسيطة. وعرفت الكثير من رفيقات الزنزانة وبينهن سهى بشارة التي احتلت مكانة خاصة في قلبي، كنا نقول لها، بعدما سمعنا عن عملية انصارية والتبادل المحتمل: "عجلي يا سهى في انجاز ما تنفذين من اشغال فسوف نطلق قريباً وتجيبنا: "اعرف انني لن احرر هذه المرة" لم تأمل اطلاقاً في الخروج بعملية التبادل هذه، لكن معنوياتها قوية وهي واثقة بانها ستحرر في يوم ما.
فترة الاعتقال قد تتحول نقطة سوداء في ملف الاسيرة المحررة، فلعنة التهديد بالاغتصاب لا بد ان ترافقها شفقة وتساؤلات تحملها النظرات تقول هدى: "تلك مشكلة تواجهها كل اسيرة محررة، وخصوصاً من سجن الخيام، لا احد يطرح علينا السؤال لكننا نلمح نظرات الشفقة في العيون (…).
حملة دولية للافراج عن المعتقلين في سجون "اسرائيل" السفير 8-8-1998.
اعلنت مجموعة ميرتون في منظمة العفو الدولية انها بصدد حملة تضامن للافراج عن المعتقلين اللبنانيين مجيب ترمس، محمد خليل ترمس، خليل كرنيب وسليمان كرنيب وامين ترمس ويوسف ترمس.
وللمناسبة ناشدت الهيئة الوطنية للمعتقلين اللبنانيين المؤسسات الدولية والانسانية وفروع منظمة العفو الدولية كافة، المشاركة في الحملة التي تقوم بها مجموعة ميرتون وتبني قضية الاخوين خليل وسليمان كرنيب وكذلك قضية سليمان رمضان الذي توفي والده نتيجة اضرابه عن الطعام احتجاجاً على عدم الافراج عنه في عملية التبادل الاخيرة.