الأسرى المحررون : فرحة … ناقصة

( ملف حول عودة الأسرى من فلسطين المحتلة 19/4/2000 )


شكلت عودة الأسرى الثلاثة العشر أحراراً الى وطنهم بعد ما قضوا سنوات طويلة في الأسر داخل سجون العدو الصهيوني خطوة جديدة على درب تحقيق النصر النهائي على هذا العدو ، هذا النصر الذي بات قريباً جداً من أن يدركه الشعب اللبناني المجاهد والمضحي .

ومع أن الفرحة كانت كبيرة بعودة هؤلاء المجاهدين ، فان هذه الفرحة بقيت ناقصة ، بانتظار الإفراج عن بقية الأسرى والمعتقلين في سجون العدو في الداخل الفلسطيني المحتل وفي معتقل الخيام .

فيما يلي إطلالة واسعة على موضوع الإفراج عن المعتقلين من خلال ما كتبته بعض الصحف اللبنانية حول الموضوع .

محكمة عُليا؟

تطرح الضجة التي رافقت عملية اطلاق العدو للمعتقلين "الاداريين" من سجن "ايالون" اسئلة ونقاط استفهام لا بد من التوقف عندها، وهي تتجاوز موضوع تحرير الاسرى بحد ذاته، الى الحديث عن الاعتقال وعن آلية الافراج والاجراءات التي مرت فيها هذه العملية.

المراقب للطريقة التي يتعامل بها الاعلام مع هذه القضية تستوقفه الضبابية التي ترافق التطورات المتعلقة بها، ويكاد يشعر بان ما يحصل هو مجرد حديث عن "سجناء امضوا مدة عقوبتهم" وآن الاوان لاطلاق سراحهم، الا ان هذا لم يحصل، ما استوجب التحرك لاستنكار احتجازهم والمطالبة بالافراج عنهم في اقرب وقت.

هل هذه هي القضية فعلا؟

تنطلق المعالجة الصحيحة للموضوع من سؤال اساس هو : باي حق يعتقل الصهاينة مواطنين لبنانيين، وانطلاقا من أي نص قانوني يطبقون قوانينهم على هؤلاء المواطنين، فيعتقلونهم ويحاكمونهم ويصدرون بحقهم الاحكام وينفذونها حتى ياتي وقت اطلاق سراحهم، فيحتجزوهم او لا يحتجزوهم كرهائن؟

أي معاهدة دولية تسمح "لدولة" ما بخطف مواطنين من دولة اخرى ومن ثم محاكمتهم من دون اذن الدولة التي ينتمي اليها هؤلاء المواطنون، ما دامت "الجرائم" لم ترتكب على ارض الدولة التي تحاكمهم؟

وفي أي "غابة" يسمح لقوات الكوماندوس التابعة لجيش ما باقتحام القرى الآمنة في عمق دولة اخرى واعتقال مواطنين تابعين لها؟

الاجابة عن هذه الاسئلة تقودنا الى طرح اسئلة اخرى اكثر بعدا عن التجرد، وتخصصا بالقضية التي نتحدث عنها.

مثلا ، لماذا "امرت" (المحكمة العليا) في الكيان الصهيوني الآن بالافراج عن هؤلاء المعتقلين، وكانت قبل ذلك هي ذاتها قد سمحت عام 1997 لحكومة العدو باحتجازهم رهائن (في عملية قرصنة موصوفة) من اجل المساومة عليهم، ثم رفضت الالتماس تلو الاخر لابقائهم قيد الاحتجاز؟

ولماذا "رضخت" حكومة العدو لقرار المحكمة العليا فلم تتخذ أي اجراء لعرقلة هذا القرار، برغم ان رئيسها ايهودا باراك " كان يفضل الاحتفاظ بهم"؟

وكيف يقف إلتماس من جمعية او شخص في الكيان الصهيوني امام عملية الافراج فيعطلها مرة بعد مرة؟

لقد أقحم البعض نفسه في دوامة عندما اخذ يستمع الى الجدل الدائر داخل الكيان الصهيوني حول موضوع هؤلاء الرهائن، فصدق ـ وربما بعض الصهاينة يصدقون ايضا ـ ان ما يحصل هو عملية قانونية بحتة ، تخضع لمواد قانونية ولاجتهادات دستورية ، بينما القضية في الواقع قائمة في اساسها على "معادلة القوة" التي يفرض فيها الأقوى منطقه من دون أي اعتبار لأي قانون او مبدأ قانوني او انساني.

القضية كل القضية ان العدو يريد اطلاق سراح هؤلاء الرهائن لانه اكتشف ـ متأخرا ربما ـ انهم لم يفيدوه في تحقيق أي هدف او الحصول على أي تنازل (كما يحصل في مناطق اخرى) ولانه سمع الصوت المدوي " بأننا سنفعل أي شيء من اجل الافراج عن اسرانا ومعتقلينا".

لقد قال هذا الصوت: " يجب ان يكون كل الاسرى والمعتقلين احرارا قبل انسحاب العدو من ارضنا" . والافراج عن هذه الدفعة من المعتقلين ليس الا تحقيقا لهذا "الوجوب". اما كل ما يثار داخل كيان العدو فليس الا " تغطية للسموات بالقبوات" كما يقول العجائز في قرانا، ولا اصدق من قولهم هذا .

محمود ريا

 العهد 21/4/2000

 

استقبال وحفاوة كبيرة من الجنوب حتى الأمانة العامة لحزب الله

13 أسيراً عادوا إلى الحرية بشرف

نصر الله: إطلاقهم نتيجة للصمود والجهاد والتضحيات

 

عاد 13 اسيرا من سجون وزنازين قوات الاحتلال الصهيوني الى الحرية، عادوا مرفوعي الرؤوس، مكللين بهالة النصر، وفي عيونهم الامل بالافراج القريب عمن تركوهم خلفهم في معتقلات العدو من عسقلان الى الرملة والخيام.

 

13 اسيرا حفرت أسماؤهم في وجدان الناس وطبعت صورهم في قلوب اهلهم وذويهم، باتوا اليوم محررين، يكملون طريق الجهاد والمقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني.

بعد ظهر الاربعاء، كانت بشائر الحرية، حين تخطى المحررون بوابة كفرتبنيت ليشقوا الجموع المنتظرة والمتلهفة لهم في ساحة البلدة، ومن هناك الى بيروت كانت عصبة حزب الله ورايته التي علت رؤوسهم وخرجت من نوافذ السيارة البيضاء التابعة للصليب الاحمر الدولي، هي عنوان المسيرة.

عملية الافراج جاءت بعد اكثر من اسبوع من مماطلة العدو والاخذ والرد التي انتهجها، على المستويين السياسي والقضائي، متذرعا بالتماسات تقدمت بها جمعيات صهيونية، وكان آخرها من عائلة الطيار الصهيوني رون اراد للإبقاء على الاسرى رهائن حتى تبيان مصير آراد.

في بيروت كان الاستقبال مميزا للاسرى المحررين من الاوزاعي التي احتشد الاهل فيها بانتظار الابناء العائدين فنثروا الارز والورد على الموكب الذي اجتازهم الى باحة شورى حزب الله ليكون الاستقبال اكبر والحفاوة على قدر العائدين.

 

الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله خرج الى باحة مبنى الشورى واستقبل الاسرى وصافحهم فردا فردا، والى جانبه نائبه فضيلة الشيخ نعيم قاسم، ورئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، والنائب الحاج عبد الله قصير، والمسؤول الاجتماعي المركزي الحاج محمد برجاوي، وعدد من كوادر وقياديي الحزب وأسر المحررين وذووهم.

وألقى السيد نصر الله كلمة رحب خلالها بالعائدين من سجون العدو وقال: نبارك للمعتقلين وأسرى المقاومة هذه الحرية التي منّ الله عليهم بها، ونبارك لعائلاتهم بهذه الحرية وهذا النصر.

اضاف: "ان اسرائيل التي اضطرت للاعتراف بقرار دولي اسمه 425 بعد 22 سنة، بفعل المقاومة وشهدائها وتضحياتها وجهادها والخسائر التي لحقت بهذا العدو، هي مضطرة ايضا بفعل هذه المقاومة لاطلاق جميع الاسرى والمعتقلين من السجون". واكد سماحته ان الموضوع ليس كما حاولت "اسرائيل" ان تقدمه بأنه مجرد موضوع قضائي

 

وقانوني، الان تذكر الاسرائيليون هذه الاشكالية القانونية او القضائية بعد سنوات طويلة من احتجاز هؤلاء الاخوة ودون محاكمة جديدة او احكام جديدة". وتابع "ان اطلاق هؤلاء الاخوة، الذي سيليه ايضا اطلاق سراح المعتقلين في سجن الخيام وكل اسير ومعتقل لدى هذا العدو، هو نتيجة طبيعية للصمود والجهاد وللتضحيات ودماء الشهداء. اضاف: "وأنا بين هؤلاء المجاهدين الاحرار العائدين من السجون استعيد ما قلته في يوم عاشوراء ابي عبد الله الحسين (ع)، كل الاسرى والمعتقلين يجب ان يعودوا الى ديارهم وأهاليهم بمن فيهم الشيخ عبد الكريم عبيد وابو علي الديراني والاخوة الذين صدرت بحقهم احكام غير مشروعة وغير معترف بها وغير انسانية لأن هؤلاء مجاهدون يدافعون عن بلدهم، هؤلاء جميعا يجب ان يعودوا قبل الانسحاب الاسرائيلي الى الحدود.

وأكد "اننا قوم لا نترك أسرانا ومعتقلينا في السجون وسنسعى الى أي شيء من اجل استعادتهم الى حريتهم".

 

وبعد الاحتفال الذي اقيم في باحة الشورى، استقبل السيد نصر الله بحضور قيادة حزب الله الاسرى المحررين وذويهم في مقر الامانة العامة للحزب، حيث اطلع منهم على احوالهم وأوضاعهم وصحتهم، وأحوال من تبقى في الاسر، وقال السيد نصر الله في دردشة مع الصحافيين خلال استقباله الاسرى "ان معتقل الخيام يجب ان يخلى ويجب ان يطلق سراح كل المعتقلين، لكن إذا تم احتجاز عدد من هؤلاء وألحقوا بالسجون في داخل فلسطين المحتلة، هذا يصبح جزءا من قضية الاسرى التي نقول انها ما زالت عالقة بيننا وبين الاسرائيلي، ونحن نملك الحق في فعل أي شيء من اجل اطلاق سراح جميع الاسرى والمعتقلين".

اضاف "من حقنا ان نفعل أي شيء، قبل الحدود وبعد الحدود، هذا تفصيل لا يغير من حقنا شيئا".

 

وحول اوضاع المعتقلين الاجتماعية بعد تحريرهم قال سماحته: "هناك تحرك على المستوى الحكومي للاهتمام بها ومعالجتها، طبعا نحن من جهتنا ومن خلال مؤسساتنا وأجهزتنا نقوم بكل ما نستطيع في خدمة الاسرى والمحررين".

وحول عدم وجود أي مسؤول رسمي في استقبال الاسرى قال سماحته: "ان الموضوع تم في غضون الساعة، وأعتقد لم تم إخبارهم ودعوتهم لكانوا اتوا".

الأسرى المحررون

وروى الاسرى لـ"العهد" فصولا من معاناتهم، وعبروا عن مشاعرهم وسرورهم بالعودة الى رحاب الوطن بعد رحلة طويلة من الاسر والتعذيب في سجون العدو ومعتقلاته، وقال احمد محمد طالب ان القوات اللبنانية اعتقلته على متن باخرة في مرفأ جونية، وبعد اكثر من سنتين من التعذيب تم تسليمه مع خمسة معتقلين آخرين الى قوات الاحتلال الصهيوني، وتم نقله الى سجون الاحتلال عبر زورق رسا في مرفأ حيفا، في فلسطين المحتلة.

وقال ان اليوم هو عيد بالنسبة لنا والفرحة لا تصدق ونحن سنكمل في طريق الجهاد والمقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني.

الاسير المحرر بلال عبد الحسن دكروب، قال ان اطلاقنا لم يأت من فراغ، فنحن جاهدنا طويلا داخل المعتقل حتى يتم اطلاقنا، وقمنا بمراسلة منظمة العفو الدولية، ان النصر الذي ترونه اليوم جاء من خلال الصبر وجهاد المعتقلين.<

ووجه تحية الى المعتقلين في سجن نفحة، الشيخ عبد الكريم عبيد، الحاج مصطفى الديراني، جواد قصفي، يوسف وزني، محمد بدير، فادي الجزار، وجميع الاسرى.

 

وقال ان لقاءه بسماحة السيد نصر الله هو امنية وحلم لا يقدر بثمن، ان نلتقي في يوم من الايام بسماحة السيد، وأكد انه ما دام هناك احتلال فإن هناك مقاومة، وحول الجهود التي بذلها حزب الله لاطلاق الاسرى قال دكروب، إذا نظرت الى الشهداء الذين قضوا في طريق المقاومة في سبيل تحرير الاسرى، فإنك تدرك حجم التضحيات التي قدمت من اجل عزة الامة وتحرير الاسرى.

واشار الى انهم كانوا رهائن في سجن ايلون الصهيوني، ومنعوا عنا كل الاتصالات حتى عبر المحامين او الرسائل البريدية.

وعن شعوره بلقاء الاهل قال انني الى الآن لا اصدق ما انا فيه، انه حلم اعيشه، لقد اشتقت لهم كثيرا.

أمير قانصوه

 العهد 21/4/2000

 

رحلة العودة إلى الوطن يوم ليس للكلام

 

ما أن لاح من بعيد موكب المعتقلين المحررين ال13، وهو يجتاز معبر كفرتبنيت في اتجاه المنطقة المحررة، حتى غفرت الجموع المحتشدة منذ الصباح الباكر لعدو لدود اسمه الانتظار، واندفعت تحتفل بحرية مستعادة شعر الجميع بأنهم شركاء فيها ولو لم يمروا بسجن أيالون الاسرائيلي أو بمعتقل الخيام.

كل شيء حصل بسرعة منذ ان تأكد وصول المحررين الى الضفة المحتلة لمعبر كفرتبنيت ، اذ كان الوقت يهرول مسرعا، وكأن الزمن بات عاجزاً عن التقاط انفاسه، وهو الذي طالما عبر بطيئا ثقيلا في عروق المنتظرين منذ ايام... بل سنين.

كانت لحظة اللقاء "مكثفة" الى حد انها ضاقت بالمشاعر والانفعالات المتدفقة التي أطاحت بكل الإجراءات التنظيمية، لتشق مجراها الطبيعي من كفرتبنيت... الى بيروت.

"هذا اليوم يضيق بالكلام" قالت احدى السيدات وهي تراقب ما يجري، وحتى العين بدت اضيق من أي وقت مضى وأعجز من ان تحيط بركاب حافلة الصليب الأحمر، مهما اتسعت.

كنا ننظر إليهم ولا نراهم، فملامحهم هي من النوع غير المألوف لدينا، وتظهيرها يحتاج الى كثير من التأمل. أما هم فكانوا يبتسمون لنا ويسبحون في وجوهنا، يحاولون فك رموزها وألغازها لعلهم يتعرفون الى قريب أو صديق، وقد نجحوا مرات في ذلك.

ومن خلف نوافذ الحافلة المقفلة كانوا يلوحون بأيديهم، مرة لإلقاء تحية ومرة اخرى لرفع شارة النصر، وكانت عيونهم تدور بين الناس والامكنة، وتغزل من خيوط الشمس بريقاً لها.

وبرغم محاولات تنظيم الاستقبال التي بذلت ، الا ان الامواج البشرية بدت اقوى من ان تتكسر، وغمرت الطريق بين كفرتبنيت ومشارف النبطية، لتحاصر الحافلة من كل الجهات، وتحيلها الى جزيرة في بحر من الناس.

وحين انتشر نبأ انطلاق المحررين نحو الأراضي اللبنانية، وتأكد اقترابهم من معبر كفرتبنيت ، دفعت الحماسة بعض الصحافيين الى التقدم ناحية الجهة الاخرى للمعبر، اختصاراً للوقت، ولكنهم ما كادوا يقتربون، حتى فوجئوا بقافلة الصليب الأحمر تتجه مسرعة الى حيث كانوا موجودين في الاصل، فانقلب السحر على الساحر، وأجبر الجميع على خوض سباق غير متكافئ مع القافلة تحت مرأى موقع الطهرة التابع للعملاء.

ووجدت القافلة صعوبة بالغة في تجاوز الحشود قبل ان تسلك الأوتوستراد في اتجاه العاصمة، ترافقها عشرات السيارات التي أطلقت العنان لأبواقها وخرج من نوافذها شبان متحمسون يلوّحون بقبضاتهم.

وبما ان "اللقاء العابر" في كفرتبنيت لم يروِ عطشا بل لعله ساهم في تأجيجه فإن سائقي السيارات قرروا على ما يبدو التعويض عبر محاولات حثيثة للاقتراب من الحافلة التي تقل المحررين، الأمر الذي حوَّل الطريق الى مسرح ل"سجال" بين كل أنواع المركبات والناقلات، وقد دفع بعضها الثمن حوادث متفرقة... ولكن احداً لم يهتم، فهناك من دفع ثمناً أكبر بكثير.

عماد مرمل

 ( السفير 20/4/2000)

 

برج البراجنة تخرج لاستقبال أحمد جلول: سآتي إليكم لأقبلكم واحداً واحداً .

كأن الضحكة حطت على مبسمه وصعب عليها ان تغادره. بابتسامته العامرة. خرج أحمد جلول من السيارة ولم تطأ قدماه الارض التي اشتاق إليها، فالسواعد كانت تنتظره لتحوله الى طائر يغرد في فضاء شارع الامام علي في برج البراجنة. قبلات وتكبيرات وهتافات وأعلام حزبية صفراء خطف احمد أحدها لكنها كانت أصغر من ان ترفرف فاستعان بآخر وراح يدور به دورة كاملة تاركا جسده على الاكتاف في مشهد راقص تحول معه الشارع الى مهرجان ازدان بالارز والورود والوجوه المشرئبة بعد طول انتظار والحناجر الصادحة والقبضات التي تنخفض لترتفع تحية لأحمد العائد بعد غياب 13 سنة عن الحي والاهل والاحبة.

استفاق احمد بعد دقائق من الحلم الذي لم يكن ينتظره وأنزله الحاج علي عمار عن الاكتاف ليثلج قلب الام المريض. ركع الرجل العائد أمام قدمي الوالدة وراح يقبلها بنهم.

عبارات بسملة وحمدلة بالسلامة لم تهدأ وزغاريد انطلقت من الشرفات على إيقاع أسهم نارية ونقرات الطبول الكشفية وأحمد يتمسك بالعلم مجددا وعينا أمه تلاحقانه ودموع من كانوا حولها أفقدت شقيقته "ام علي" وعيها لحين...

قال أحدهم لأحمد: "هل تذكرتني يوم أطلقت سهما ناريا باتجاهك فأحرق قميصك"... ضحك المحرر العائد من أسره "لان الوجوه والاماكن تغيرت عليه كثيرا". كثر جاؤوا وسألوه عما اذا كان قد تعرف إليهم وبعضهم لم يأت بل حضرت صوره مثل الشهيد صلاح جلول والشهيد احمد منيب جلول، قال لنا احمد: توقعت استقبالا عائليا بسيطا ولم أتوقع هذا الحجم من الحب الذي أعتبره تحديا ومكافأة "وعسى الايام تقدرني على مكافأة كل من عذبوا أنفسهم وانتظروني". عندما سألناه عن الوالدة دمعت عيناه وقال: كانت صورتها التي أرسلتها إلي تحز في نفسي كلما نظرت إليها صباحا ومساء. كنت أحزن لحزن عينيها الخفي وكنت أعلم ان قلبها يتوجع على فراقي لكن الله صبرها وعسى ان أعوض كل حزنها وأيام سنوات انتظارها الطويلة.

لا فكرة عن طبيعة المهنة التي سيختارها احمد، فهو كان صديقا للبحر ويعمل على متن سفينة، قبل ان تعترضه ورفاقه البحارة قبل 13 عاما، زوارق "القوات اللبنانية" وترميهم في زنازين الكرنتينا ومن ثم تسلمهم الى اسرائيل في العام 1990.

يقول والده: احمد ملتزم دينيا ويتميز بخجله وتواضعه وحبه للناس ويكره الاتكالية ولذلك كان منذ صغره يكافح لتأمين "خرجيته" ومساعدة اخوته تتدخل اخته كان يبيع الفول والترمس والمفرقعات في مواسم الاعياد ولا يتردد في تقديم مساعدة لأحد ولا تفارقه روح النكتة.

وبطريقة لا شعورية يعود احمد الى بلدته البرج حزبيا و"جنديا في المقاومة الاسلامية" كما يقول، أسأله عن "المشاريع الخاصة" فيضحك... وتجيب خالته: "بدنا نوقفوا بأعلى قوس النصر هون ونطلب منو يختار الحلوة يلي بيريدها"... وتعلق والدته: "لاحقين عليه، المهم انو وصل بالسلامة".

حسين أيوب  

 ( السفير 20/4/2000)

 

13 أسيراً يخرجون من السجون الإسرائيلية إلى الحرية

بلال دكروب وحسن رميتي وأحمد طالب: آثار اعتقال بادية لكن العزيمة باقية

وجوه، قبضات، أعلام، هتافات، أناشيد وعيون تلاحقه في طريقه الى النادي الحسيني في البرج ومسيرة عفوية تحمله ليلا وتضعه على أريكة خشبية ويحيط به والده والنائب صلاح الحركة والنائب السابق علي عمار وحشد من المحبين والاهل الذين أصروا على مصافحته يدا بيد وهو يقول لهم: "لا تعذبوا أنفسكم سآتي اليكم وأقبلكم واحدا واحدا"...

اللحظات تطول وتمتد لتصبح دهرا للمنتظرين هناك، والازدحام يدل على أن شيئا ما سيحدث خلال اللحظات القادمة. صور تملأ الجدران لشاب ملتحٍ وتحمل عبارة "أهلا وسهلا أبو حيدر"، وأبو حيدر ليس سوى الأسير بلال دكروب الذي اعتقلته إسرائيل في 19 شباط 1986. كثيرون لا يعرفون من هو بلال لكنهم كانوا هناك للترحيب به.

أسئلة المارة كانت موحدة "ماذا يجري هنا؟" والجواب دائما واحد "بلال سيخرج اليوم"، أطفال حضروا لرؤية "البطل" وهم يعرفون انه "كان يحارب إسرائيل".

ساعتا الانتظار طالتا بحجم السنوات الأربع عشرة التي أمضاها بلال في المعتقل، فرقة موسيقى كشافة المهدي أخذت مكانها في الشارع، واصطف الجيران على الشرفات، ومن لم يجد له مكاناً نزل الى الشارع برغم ان الرؤية من فوق أفضل، وتسلح الجميع بالأزهار والأرز والمفرقات لاستقبال الأسير البطل بها.  

"وين صاروا؟" سؤال ظل يتردد طوال الوقت، وكانت الوجوه تتلفت يمنة ويسارا بحثا عن صوت بعيد يزف خبر وصول العائد البطل. وما هي إلا لحظات قبل أن تدق التاسعة مساءً فأعلنت الأبواق المتلاحقة أن الأمر بات وشيكا، فركض الجميع نحو مصدر الصوت وبدأت الموسيقى تعزف تحية، وأضاءت الألعاب النارية سماء المنطقة.

ومع ترجل بلال من السيارة تناقلته الأيدي وحُمل على الأكتاف مع صيحات "الله أكبر"، ونُحرت له الخراف ليقطع فوقها ويشق طريقه وسط تدافع المهنئين من الأقارب والجيران، ليصل الى مدخل البناء تحت زخات الأرز والورود.

ولم تمنع الطبقات السبع المهنئين من صعود الدرج الطويل وعدم انتظار وصول المصعد، وعند مدخل المنزل تكتمل مراسم استقبال البطل بإطلاق الزغاريد وتوزيع "البقلاوة".

كل هذا وبلال يسلم على مهنّئيه ويتعرف إليهم من جديد، أطفال صاروا شبابا، ورفاق درب ونضال.

ويتقدم شاب من عمر بلال نحوه بخجل ليسلّم عليه ويسأله "عرفتني؟" وقبل أن يتلقى جوابا يقول له "أنا رفيقك كنت معك بمهمة قبل اعتقالك".

وبصعوبة تستطيع اختطاف بلال للحظات والحديث معه فيشير الى ان "خبر الإفراج كان بالنسبة لنا غير متوقع، ولم يكن لدينا أمل بأن تفرج المحكمة عنا لأن ال"باغاس" أي الاستئناف قدمناه منذ سنوات ولم يُبت به".

وعن المماطلة بالإفراج قال "كنا نحضر أغراضنا كل مرة وكانوا يؤجلون الإفراج حتى لم يعد بوسعهم ذلك"، مشيرا الى ان "البعض حاول الالتفاف حول القرار وكان هناك حديث عن قانون يعتبر مقاتلي "حزب الله" أسرى حرب، لكن هذا كان يعني الاعتراف بالحزب كحزب شرعي وبالتالي المقاومة للاحتلال أمر شرعي، وهذا ما دفع لرفض القانون وإطلاق سراحنا".

ويشير بلال الى ان "الإسرائيليين وضعوا لافتة تقول ان هنا مستشفى للأمراض العقلية وبالتالي إذا قلنا اننا رهائن لن يصدقنا أحد فنحن مجانين بنظرهم".

وعما سيفعله بعد خروجه من المعتقل قال "بعد خروجي هناك مسألة وحيدة: ما دام هناك احتلال إذن هناك مقاومة".

ويضيف بتأكيد مطلق "المقاومة الإسلامية ستحرر الجنوب، كما حلّت قضيتنا بدون مفاوضات، وإذا مدَّني الله بالقوة سأساهم بالمقاومة ولو في أبسط المجالات".

نترك بلال مع أهله وغائب واحد هو والدته التي تُوفيت أثناء وجوده في المعتقل.

رميتي

ومن منزل آل دكروب في المريجة، الى منزل عائلة رميتي في الشياح حيث ترتفع وسط الشارع لافتة لحزب الله ترحب بالأسير حسين احمد رميتي، ويقودك الأرز المتناثرة على الأرض الى منزل عائلة رميتي حيث اصطف الزوار والمهنئون على الدرج، وتطلق كل لحظة "زغرودة" فرحة، وبصعوبة نستطيع الوصول الى الأسير المحرر على شرفة المنزل، ومع وصولنا يستقبلنا الأهل "بحلوينة" الأسير العائد الذي يخبرنا انه امضى عشر سنين في المعتقل بعد ان سلّمته القوات اللبنانية لإسرائيل مع رفاقه الخمسة في العام 1990، "كان لدينا شك بأنهم سيسلموننا لإسرائيل، فهذا ما كنا نسمعه".

ويشرح حسين تفاصيل ما جرى معهم بدءاً من اعتقالهم حتى صدور قرار الإفراج عنهم "كنا نعيش على أعصابنا في اللحظات الاخيرة، كنا نحضر اغراضنا فيقولون لنا اعيدوها لأن الافراج تأجل" ويوضح ان كل "القوانين التي كانت تسري على الشباب الثمانية الذين قدموا الاستئناف كانت تسري علينا، فمحامينا واحد، لكنهم فصلوا قضية الشيخ وأبو علي واعتبروهما يشكلان خطراً على أمن الدولة وحددا لهما جلسة في الثامن من أيار القادم للنظر في قضيتهما".

ويقول حسين انهم نقلوهم "عند الثالثة فجراً من سجن أيالون ووضعونا في سجن الجرمة في حيفا حتى السادسة صباحا عندما أتى الجيش الاسرائيلي وأخذنا الى الحدود بانتظار صدور قرار المحكمة الذي تأخر حتى الثالثة تقريباً، وكنا نتوقع إذا كان القرار سلبيا سيعيدوننا جميعا".

طالب

ونترك حسين لأن المهنئين بدأوا يحتجون على وجودنا لننتقل الى منزل آل طالب حيث دماء الخراف تسيل عند مدخل البناء، وآخر المهنئين بدأوا ينصرفون لترك الأسير المحرر احمد طالب يرتاح من عناء النهار المتعب، ويستقبلنا احمد وآثار الاعتقال بادية على ظهره الحاني وعينيه، وتختبئ منه في الزاوية ابنة لأخيه ولدت في غيابه، وتخجل منه حين يضمها إليه.

يحدثنا أحمد عن تنقله منذ ان اعتقلته القوات اللبنانية في "الكرنتينا ومنها الى أدونيس وبعدها بالبحر الى حيفا حيث سلمونا لإسرائيل ووضعونا في البدء مع الشيخ عبيد والديراني أربع سنوات وأربعة اشهر، حتى نقلونا في النهاية الى سجن أيالون".

ويشير الى ان "كل شيء كنا نحصل عليه بمشكلة واعتصام وإضراب عن الطعام، فلا كرم اخلاق عندهم، وإذا حصلنا على شيء حاولوا سلبنا إياه". ويشير احمد الى ان "القرار بالإفراج كنا نتوقعه منذ زمن لأننا بذلنا الكثير من الجهود".

وعن حياته بعد المعتقل يقول "علينا التأقلم مع الحياة العادية، وبالنسبة اليّ، كل شيء استطيع تقديمه للمقاومة سواء بكلمة أو صوت او سلاح وهذا خط واضح لا نحيد عنه لأنه ارجع العزة للأمة العربية ولبنان، وعندما كنا في المعتقل كانت أعمال المقاومة تمدنا بالمعنويات وتجعلنا نشمت بالأعداء اليهود".

عبير جابر  

( السفير 20/4/2000)

 

عائلة عمار تحتفل بولديها العائدين إلى البسطة : جولة في المنطقة قبل دخول المنزل

عاشت منطقة البسطة مساء امس عرساً بعودة ابني ميس الجبل المحررين احمد محسن عمار وعلي حسين عمار الى حضن عائلتيهما. ساحة البسطة التحتا كانت ملتقى لاهالي واصدقاء وجيران العائدين منذ السابعة مساء حيث غصت بحشود الشباب والاطفال والنساء والرجال الذين توافدوا لملاقاة البطلين المحررين.

عشرات الشبان استنفروا حاملين "عدة" الابتهاج من مفرقعات واعلام وصور للسيد حسن نصر الله، اما النساء فكن يحملن الورود والارز.

"لسنا اقرباء احمد لكننا ابناء منطقة واحدة وننتمي الى خط واحد هو خط الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال، وهذا هو الاهم"؛ يردد احدهم بفخر واعتزاز عندما نسأله عن صفة القرابة بينه وبين احمد او علي.

الاحتفال بعودة احمد وعلي سرعان ما تحول الى تظاهرة حاشدة منظمة الصفوف استقرت بالقرب من منزل عائلة احمد عمار التي تمترست منذ ساعات الصباح الاولى عند معبر كفرتبنيت لملاقاته باستثناء شقيقته خديجة التي ظهرت بين جموع المستقبلين مع أولادها وعلامات التوتر الممزوج بالفرح بادية على تقاسيم وجهها، وعيناها تشوحان ناظرة الى الشارع الرئيسي باتجاه جامع البسطة.

وطافت الحشود زواريب المنطقة بالبطلين المحررين اللذين تناقلتهما الاكف والاكتاف قبل التوجه الى منزليهما.

وعند مدخل البناية حيث تقطن عائلة احمد ذبحت الخراف احتفاء بعودته سالماً. وصعد احمد السلم الى الطابق السابع مع الاهل والاصدقاء على وقع الزغاريد والتهاني.

المشهد ذاته تكرر مع ابن خاله علي الذي يقطن في بناية القاروط في المنطقة ذاتها وقد وصل اليها بعد زفة طويلة.

المحرر احمد عمار بدا قوياً وصامداً برغم الانهاك والتعب نتيجة الحرمان من الطعام والنوم منذ الاربعاء الماضي.

وقد تسنى لنا ان نأخذه من الاهل والاصحاب بضع دقائق حاول فيها تلخيص تجربته في الاسر.

يبدأ احمد بتقسيم هذه التجربة الى مراحل معتبراً ان المرحلة الاولى كانت الاقسى وقد امضاها في معتقل الخيام حيث تعرض لاقصى انواع واساليب التعذيب الجسدي بتهمة الانتماء الى "حزب الله" وحيازة الاسلحة.

وبعد ثلاثة اشهر انتقل الى اسرائيل حيث خضع هناك في سجن المخابرات العسكرية الى التحقيق والى التعذيب النفسي؛ "وضعت في زنزانة مغلقة زي الخزنة" يقول احمد و"كنت احصل على وجبة طعام واحدة في اليوم ويمنعونني من الكلام".

وبعد أن حكمت عليه المحكمة العسكرية بالسجن 4 سنوات ونصف سنة امضاها في سجن شطا نُقل بعد ذلك الى سجن عسقلان ومنه الى سجون بئر السبع، الرملة، الجلمة، واخيراً في ايالون لتنفيذ الاحكام الادارية التي كانت تجدد كل ثلاثة اشهر.

ويصف احمد رحلته داخل السجن بالمعركة الكبيرة وبمسيرة نضال طويلة لتحقيق بعض المكتسبات على صعيد تحسين الاوضاع المعيشية داخل السجن، وكان يتم ذلك عن طريق اللجوء الى الاضراب المفتوح عن الطعام "الى ان توصلنا الى تشكيل فصائل تابعة للتنظيمات الفلسطينية والعربية واللبنانية خارج السجن. وكانت كل فصيلة تهتم بتنظم شؤون المنتمين اليها، ومن بين هذه الفصائل واحدة تابعة لحزب الله داخل السجن، وكنا نقيم الجلسات الثقافية والامنية والسياسية ونتناقش في ما بيننا".

ويختتم احمد بالقول: منذ اسبوع ونحن نعيش حرباً نفسية على مدار الساعة، فتارة نتبلغ خبر الافراج ونحضّر امتعتنا للمغادرة وتارة اخرى نتبلغ خبر عدم الافراج. وبقينا على هذه الحال من دون طعام او نوم حتى اليوم (امس).

رانيا غرز الدين

( السفير 20/4/2000)

 

 

عباس سرور وشقيقه عبد الحسن: كبر الإبن بغياب والده

حسين أحمد العائد من "الكهف" لم يعرف قيمة العملة

لم يكن حسن سرور جائعاً، لكنه وقف في صدر منزله يدعو الحاضرين لتناول الغداء معه ومع عائلته التي لم تجتمع منذ ثلاث عشرة سنة على مائدة واحدة، فأعدت الوالدة أمس ما لذ وطاب لولديها الأسيرين عباس وعبد الحسن العائدين من المعتقل.

وقصة عائلة سرور مع المعتقلات الاسرائيلية كتاب لا تنتهي فصوله، فمع إطلالة الخامس عشر من نيسان 1987 اعتقلت إسرائيل ثلاثة من الابناء: عباس، أحمد وعبد الحسن مع ابن عمهم يوسف في قريتهم عيتا الشعب، وبرغم ذلك لم تترك العائلة أرضها، واعتُقل الابن الرابع في معتقل الخيام ثم خرج بعد فترة. وفي شهر رمضان الماضي أطلقت اسرائيل أحمد في عملية الافراج التي تمت بالوساطة الالمانية، وهو حتى اليوم لا يعرف لماذا اختاروه من بين رفاقه للإفراج عنه.

والمفارقة العجيبة ان عناصر ميليشيا لحد المتعاملة مع إسرائيل اعتقلت الأخ الخامس خليل قبل إطلاق أحمد بأيام قليلة ولا يزال حتى اليوم معتقلاً في سجن الخيام مع ستة من أقربائه.

سيرة طويلة لعائلة كبر أبناؤها وسط جدران الأسر وقيود الاعتقال، فعندما اعتقل عبد الحسن كان في السابعة عشرة من عمر، واليوم خرج من المعتقل مع "شيبة" غزت أطراف شعره، "كنت حاسس اني بالقبر وطلعت منو".

لا يعرف عبد الحسن من أين سيبدأ حياته الجديدة فهناك جدول من الأعمال عليه درسها قبل اتخاذ القرار "آه (نعم) بدي بلش حياة جديدة وأتأقلم مع الجو، بعدني مش متعود، وبدي قرر شو لازم اعمل، بس اكيد بدي اتجوز وبلش حياتي".

وتعليقاً على هذه ال"آه" يردف "ايه مش آه، تعودنا على الكلمات الفلسطينية لأننا امضينا وقتاً مع معتقلين فلسطينيين قبل ان يعزلونا ونصبح وحدنا".

وحياة الأسر لم تفقده عزمه وإرادته وحتى تحديه للعدو، فكان يتسلى برسم اللوحات وإحداها استفزت ضابطا إسرائيليا لأنها كانت تمثل جنديا يخطف طفلاً من أمه ويقول لها "نعتقله الآن قبل ان يصبح خميني"، يومها فرح عبد الحسن لأنه استطاع النيل من هذا الضابط الذي لم يخف غضبه فمزق اللوحة.

حتى اليوم لا يصدق عبد الحسن انه خرج الى الحرية، وبرغم انها المرة الأولى التي يزور فيها بيروت منذ ولادته فإنه يشعر بحنين يدفعه نحو الجنوب فحالة البلد لا تعجبه "البلد حالتو مثل ما كنا نسمعها في المعتقل، بس المقاومة هي عزتنا وفخرنا، واللي شفنا مبارح من استقبال أكد لي إنو المقاومة هي اللي ساهمت بالافراج عنا".

ووجود عباس مع أخيه عبد الحسن في المعتقل خفف عنه الكثير وأعطاه بعض الدعم برغم ان وضعهما مختلف قليلا، فعباس ترك عائلة صغيرة مؤلفة من زوجة في أيام حملها الأخيرة وطفلين فتاة وصبي، "ولد راغب بعد اعتقالي بثمانية عشر يوما واليوم أراه أمامي شابا صغيرا هو أثمن شيء أعطاني إياه ربي".

لم ينم عباس ليلة خروجه من المعتقل "كأنني كنت في جهنم وطلعت، وأول شيء افرحني هو رؤية عائلتي وزوجتي وبنتي كوثر وابنيّ فضل وراغب".

يجلس الصبيان قبالة والدهما وهو يتحدث ويرمقانه بعيون تكاد لا تصدق انه هو امامهما ولا يخفيان فخرهما واعتزازهما بأن والدهما وأعمامهما المعتقلين والمحررين أبطال ومثل اعلى يقتدى به، "اولادي عاشوا في الحزام الامني وطردوا منه منذ سنة ونصف تقريبا ونشأوا ورضعوا المقاومة منذ طفولتهم" يقول عباس.

ولا يأمل عباس خيراً بعد خروجه من المعتقل، وفقد الأمل بأنه سيجد عملاً ليعيل عائلته خاصة ان شقيقه احمد الذي خرج منذ اشهر لا يزال حتى اليوم عاطلا عن العمل، "حتى الآن ما فيش إشي إعملو، وكل شي مجهول حتى اليوم، عندي مستقبل عيلة بدي رتبو، بدي بيت وشغل والحالة تعبانة" ولا يخفي استعداده لتلبية واجب المقاومة "إذا دعاني في اي لحظة فالمقاومة في قلوبنا".

أحمد

خرج حسين احمد امس لشراء ثياب جديدة ليزور بها جده المريض فوجد شوارع الشياح اوسع مما اعتادها عندما كان شابا "كانت الشوارع اضيق وكنت أعرف الضاحية مترا مترا إذا ما بدك تقولي شبرا شبرا، اليوم بدي ارجع اتأقلم واتعرف على كل المناطق".

عندما خطف حسين من قبل القوات اللبنانية عام 1987، لم يكن قد مضى على خطوبته من ناديا اكثر من ثلاثة اسابيع، كان الشاب الوحيد لدى أهله وكانت فرحتهم به لا توصف، وعندما اختطف أصيبت العائلة بصدمة. والوالدة التي أضناها غياب وحيدها لم تفقد الأمل بعودته فتركت كل أغراضه على حالها حتى اليوم.

وعندما سلّم حسين الى إسرائيل عام 1990 وعرف أهله بوجوده في المعتقل بدأوا يراسلونه بانتظام فكان يطلع منهم على أخبارهم وأحوالهم، وشعر بالمسؤولية تجاه خطيبته فأعطاها حرية الاختيار لكنها اختارت البقاء معه وانتظاره طيلة هذه السنوات. "في السجن وضعت مخططاً للمستقبل لأن وقت الفراغ الطويل سمح لي بالتفكير، وأول خطوة سأقوم بها هي الزواج وهي اسرع ما سأقوم به". ويؤكد حسين انه مستمر على خطه المقاوم وهو الذي كان يعمل مصوراً في اللجنة الإعلامية للحزب لكنه اليوم لا يعرف ماذا سيفعل تحديدا.

لم يغمض لحسين جفن في اول ليلة امضاها في منزله، سريره لم يتغير لكنه تضايق من الوسادة لأنها عالية وتقول والدته "ضايع وعم يضيعني معو، ما كان ينام مبارح إلا بدو مخدة واطية وعاداته تغيرت شوي".

ويؤكد حسين كلام والدته "أنا ضايع شوي وأحاول تذكر كيف كنت أتصرف في الماضي، ولكن ما بعرف حتى مبارح حاولت إسأل إمي كيف كنت أتحمم بالماضي".

ولا تخفي ناديا تمسكها بحسين وهي التي انتظرته سنوات، وهي تغمره ببصرها كيفما تحرك وتتراقص عيناها فرحاً أمامه، ووجودها الى جانبه طوال سنوات أسره خفف كثيرا من حدة السجن "أعطتني المعنويات والصبر والأمل بالمستقبل، فإذا كان هناك شخص ينتظرك ويقلق عليك وموجود من أجلك فهذا يدفعك للمحافظة على نفسك من أجله".

كما ان عائلة أحمد كانت حافزا إضافيا له للاستمرار "كنت اشعر بالمسؤولية لأن والدي تقدما بالسن وهما يحتاجانني الى جانبهما وأنا ابنهما الوحيد، وشعرت بالذنب تجاههما خاصة بعد زواج شقيقتي في غيابي، لكن كنت اقول لنفسي هذا الأمر نصيب ولا مفر منه".

ولم ينس حسين وجوه أقاربه ومعارفه، لكنه ظل يحمل في مخيلته صورا لأطفال لم يكبروا أبداً، فكان خلال اعتقاله يحلم دائماً بشقيقته الصغرى التي كبرت وتزوجت وأصبحت أما في غيابه.

"لم تكبر يوما بنظري حتى عندما خرجت والتقيتها ظلت تلك الطفلة التي تركتها منذ 13 سنة".

ومنذ خروجه من المعتقل يترافق حسين مع رفيق طفولته أبو عباس الذي لم يتوقف عن مراسلته طوال سني اعتقاله "اليوم ذهبت معه لشراء الثياب وكنت أسأله عن كل شيء وسيظل معي حتى استطيع التأقلم".

وأكثر ما لفت انتباه حسين هو قيمة العملة اللبنانية فسأل كثيراً عما يجب ان يدفعه إذا أراد شراء شيء ما.

تصل دفعة من الضيوف فيستقبلها حسين وخطيبته بالترحاب مع كلمات "الحمد الله عالسلامة" و"أهلاً بالبطل".

فحسين ظل غائباً سنوات، لكن سيرته كبطل لم تغب يوماً عن لسان أمه التي تغمره دائماً وكأنها لا تصدق أنه عاد .

عبير جابر

 ( السفير21/ 4/2000 )

حسين دقدوق وحسن حجازي:

نستعد مجدداً للانخراط في المقاومة

"إذا كنت قادراً على حمل السلاح في وجه العدو الصهيوني فلن أتأخر أبدا، وبما ان عدوّنا لا يفهم إلا بلغة القوة كنت أتمنى وما زلت ان يأتي اليوم الذي أثأر فيه للظلم الذي عانيته داخل السجن ولو لسنة واحدة".

يرد الأسير المحرر حسين دقدوق من بلدة عيتا الشعب الذي خرج الى الحرية امس الاول بنبرة لا تخلو من الحدة والغيظ على السؤال حول المستقبل الذي ينتظره بعد اعتقال دام 13 عاما داخل السجون الاسرائيلية وآخرها في سجن آيلون، ثم يحرص على التأكيد: "طبعا المقاومة هي من صلب المخطط الجديد لحياتي الذي سأسعى إليه وإن اعطاني ربي العمر والصحة فلن أبخل بتجنيد نفسي لخدمتها".

عندما وصل حسين مساء امس الاول الى منزله تزاحم الاهل والاقارب والجيران لاستقباله والتهنئة بعودته، اقترب منه فتى في السادسة عشرة من عمره وسلّم عليه بحرارة لكن حسين لم يكترث فبادله السلام معتقدا بأنه واحد من ابناء الحي الذي تسكن فيه عائلته (طريق المطار) فسارع أخوه الاكبر الى تنبيهه بأن هذا الشاب هو اخوه الأصغر يوسف الذي كان في الثالثة من عمره عندما اعتقل هو.

فرحة العائلة والأهل بعودة بطلهم لا توصف، فالابتسامة لا تفارق ثغر الكبير والصغير في البيت الذي يضج بوفود المهنئين. لكن فرحة حسين بخروجه من الأسر يعكرها شعور بالأسى يخالج صوته على من تبقى من الأسرى والمعتقلين وعلى رأسهم الحاج مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد وباقي السجناء في معتقل الخيام والسجون الاسرائيلية الاخرى.

يصف حسين الايام السبعة الاخيرة بأنها بمثابة 7 سنوات من الانتظار بالنسبة إليه. "وعملية تبليغنا بالافراج تارة والتبليغ المضاد بعدم حصوله تارة اخرى خلقت حالة من الإحباط والتذمر والقهر في صفوف الأسرى".

يتابع: ونحن في طريقنا الى معسكر الجيش الاسرائيلي في المطلة تمهيدا لتسليمنا الى الصليب الأحمر الدولي كنا نستمع خلسة الى جهاز الراديو الذي كنا نخبئه بين أمتعتنا لمتابعة ما يحدث في قضيتنا. وعندما سمعنا بأن المحكمة العليا رفضت الاستئناف الاخير الذي قدمته عائلة الطيار الاسرائيلي رون أراد أثلجت قلوبنا وارتاحت أعصابنا، عندها تأكد بأن الرجعة الى السجن غير واردة هذه المرة".

حسين الذي يفاخر بانتمائه الى "حزب الله" الذي حصل داخل السجن بعد ان اطلع على مسيرة الحزب ونهجه ورأى فيهه ما يتوافق مع مبادئه ومعتقداته يعتبر ان أول حلم تحول الى حقيقة لديه كان مصافحة الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله امس الأول، "لحظة مصافحته وتقبيله لحظة لا توصف، لم ينطق لساني بأي حرف، لأنني لم أكن اصدق ما يجري".

وعن تجربته يصفها حسين بالغنية لأننا تعرفنا الى عدونا عن قرب كما ان السجن نمّى في نفوسنا الشعور السياسي والانتماء العقائدي بالرغم من ممارسات الإذلال والقهر بحقنا".

ويشير حسين الى أننا لم نكن بعيدين عما يجري على الساحة المحلية والعربية والدولية، فنحن نتابع باستمرار نشرات الاخبار عبر الاذاعات وشاشات التلفزة اللبنانية.

حجازي

يشبه الأسير المحرر حسن صدر الدين حجازي (30 عاما) من ميس الجبل يوم الإفراج (امس الأول) بأنه "يوم الولادة من جديد".

كان استقبالا مشحونا بالمحبة والرضى والفرح من قبل الأهل والأحباء انتظرناه منذ 14 عاما.

لكنه سرعان ما يبدي عتبه ولومه للغياب الرسمي الذي غاب عن مراسم الاحتفال كما عن قضية المعتقلين عموماً، يقول "خلونا نأخذ دروسا من اسرائيل، اسرائيل التي جندت العالم بأسره من اجل قضية الطيار رون اراد الذي أرسلته ليقاتلنا في لبنان، فالأولى بحكومتنا وبدولتنا ان تعمل في المقابل من اجل قضية المعتقلين والضغط عبر المنظمات والمجتمع الدولي للإفراج عنهم، وأن لا تقتصر عملية التحرك على البيانات والخطابات الرنانة".

ويتوقف حسن عند عملية الافراج عنهم التي شابها الكثير من المعاناة والقهر والممارسات اللاإنسانية بحقنا، مكررا مشهد الحرب النفسية الذي جاء على لسان رفيقه حسين دقدوق.

أما عن تجربته فيقول حسين، "اعتدنا مع مرور السنين على حياة السجن التي كنا ننظمها وفق ما تقتضيه الحاجة، اذ كنا نسعى دائما الى تحسين اوضاعنا المعيشية عبر اللجوء الى الإضراب المفتوح عن الطعام بالتنسيق مع باقي الفصائل والمجموعات الفلسطينية داخل السجن وذلك من خلال لجنة وطنية تضم ممثلين عن كل الفصائل تعمل على التفاوض مع إدارة السجن لتحقيق مطالبنا".

أما لحظات الفرح والسعادة فكانت بالنسبة الى حسن ورفاقه سماع او مشاهدة عملية للمقاومة ضد قوات الاحتلال عبر الاذاعة او شاشات التلفزة المتوفرة وقد كان أهمها عملية مقتل عقل هاشم التي كانت بمثابة عيد كبير لنا وضربة لا تقدر او توصف.

وعن مستقبله وحياته الجديدة، يؤكد حجازي أنه على استعداد للانخراط بالعمل المقاوم مشددا على ان النية بذلك موجودة لكنها مرهونة بظروف معينة.

رانيا غرز الدين

( السفير 21/4/2000)