عشرات المعتقلات وآلاف اللبنانيين شهود على الاجرام "الاسرائيلي"
محمود زيات / صحافي لبناني
الديار 19 تموز 2000
مقدمة:
يقول "جد المعتقل" في الخيام، كما لقب المعتقلون الاسير المحرر سليمان رمضان، الذي كان اول من دخل المعتقل وآخر من خرج منه، لانشغاله في تركيب طرف قدمه التي بترها "الاسرائيليون"، يوم اسر في عملية للمقاومة، كنت آكل اظافري من شدة الجوع، وكنت اتمنى لو يبتروا عضوا من جسمي، او ان يعطوني ساقي المبتورة لآكلها من شدة الجوع، ويقول عصام "لقد اطفأوا السجائر في اعضائي التناسلية"، ويقول حسن "عرفت ان والدي اعتقل من سعاله" وميلا صوفنجي "حقنت بأبر المورفين"، ومحمد " لقد رفسوني باحذيتهم ما ادى إلى فقء خصيتي الشمالية".
هذا بعض من الشهادات، قدمها اسرى ومعتقلون خرجوا من زنازينهم فجر يوم الثلاثاء في الثالث والعشرين من شهر ايار الماضي، وهم يطاردون فلول سجانيهم، هذه الشهادة تختصر فصولا طويلة من الاجرام الصهيوني، والاجرام المتصهين الذي لقن لمرتزقة "لبنانيين" جاؤوا من كل طوائف ومذاهب المجتمع اللبناني، واعلنوا ولاءهم الكامل للمحتلين.
اليوم، وبعد ان تحول معتقل الخيام إلى مزار يومي، تسلط "الديار" بعض الاضواء السريعة على المعتقلات "الاسرائيلية"، في الخيام وداخل فلسطين المحتلة، كي تبقى قضية الاسرى والمعتقلين اللبنانيين في ذاكرتنا، وكي ندرك اكثر مدى حجم التضحيات التي قدمها اللبنانيون، من اجل الوصول إلى الانتصار الذي حققه المقاومون، بعد هزيمة المحتلين، وصولا إلى انشاء محكمة الخيام الدولية لمحاكمة قادة العدو "الاسرائيلي" كمجرمي حرب.
بدأت قوات الاحتلال "الاسرائيلي"، ومع بدء الغزو الواسع الذي شنته على لبنان، في كتابة سجلها الاسود، في اعتقال اللبنانيين المناهضين لها، فاقامت العشرات من المعتقلات في كافة المناطق اللبنانية، وزجت بها الآلاف من اللبنانيين، ففي كل المقرات التابعة للحكام العسكريين "الاسرائيليين" في الاقضية والمحافظات، كان بداخلها عشرات الزنازين، حتى انها حولت ملاعب رياضية وباحات عامة إلى معتقلات جماعية، لم توفر حتى النساء والاطفال والشيوخ، إلى ان انشأت في الرابع عشر من تموز معتقلا جماعيا في بلدة انصار الواقعة في قضاء النبطية.
وقد زج في المعتقل اكثر من خمسة آلاف لبناني وفلسطيني، اضافة إلى اشخاص من جنسيات مختلفة، اتهموا بمقاومة الاحتلال، إلى ان اقفل المعتقل في العام 1985، حين اندحرت قوات الاحتلال "الاسرائيلي" إلى داخل الحزام الامني الذي انشأته في المنطقة الحدودية، هذا الحزام الوهمي، بقي حتى تمكنت المقاومة من اسقاطه بالكامل في الرابع والعشرين من ايار الفائت، واستبدلته بمجموعة من المعتقلات في مركز الـ17 في منطقة صف الهوا القريبة من مدينة بنت جبيل، ومركز الامن في بلدة عيترون الحدودية وزغلة في منطقة حاصبيا، وكان معتقل الخيام من ابشع المعتقلات التي اقامتها، وجميعها كان شبيها بالمعتقلات النازية.
واكملت قوات الاحتلال فصول اجرامها بسوق معتقلين لبنانيين إلى سجونها داخل فلسطين المحتلة، ومنها السجون القائمة في عسقلان، نفحة الشهداء، الجلمة، الرملة، الشطة، آيلون، الصرفند، الدامون، عتيت وبئر السبع.
وفي هذه السجون، اخضعت "اسرائيل" المعتقلين والاسرى اللبنانيين إلى محاكمات صورية، حيث اصدرت احكاما تعسفية بحقهم، قضت بسجنهم فترات، اطولها الحكم الذي اصدرته محكمة اللد "الاسرائيلية" بحق الاسير انور ياسين. فضلا عن الاحكام التي اصدرتها المحاكم "الاسرائيلية" بحق الاسير اللبناني سمير القنطار الذي شارك في الهجوم على احدى المستعمرات "الاسرائيلية" في شمال فلسطين في العام 1978، حيث تجاوز مجموع هذه الاحكام الـ 400 سنة.
تعذيب
ونتيجة لاساليب التعذيب التي مورست بحق المعتقلين في سجن الخيام، منذ انشائه في العام 1985، سقط عدد من المعتقلين شهداء، بعد ان خضعوا لاساليب وحشية، يتعرف اللبنانيون على جزء منها اليوم، بعد الزيارات التي تمت إلى معتقل الخيام، والاستماع هناك إلى تجارب اسرى محررين. ومن ابرز الذين استشهدوا تحت التعذيب:
يوسف سعد (بنت جبيل)، بلال السلمان (مركبا)، حسين علي محمود (حولا)، اسعد بزي (بنت جبيل)، احمد فضل الله ترمس (طلوسة)، عبدالله غملوش (شقرا)، علي عبدالله درويش (الجميجمة)، ابراهيم فرحات (كفررمان)، زكريا محمود نضر (عربصاليم)، لبيب فارس ابوغيدا (حاصبيا)، ابراهيم الفخري (الحنية).
"الديار" القت عددا من الاسرى المحررين، ممن امضوا اكثر من عشر سنوات داخل السجون "الاسرائيلية" في معتقل الخيام، وفي داخل فلسطين المحتلة، فتحدثوا عن تجربتهم داخل الزنازين، وعرضوا الظروف الصعبة التي عاشوها والتحدي اليومي الذي يخوضه من بقي من المعتقلين اللبنانيين حتى اليوم، في مواجهة يومية مع الجلادين الصهاينة، اضافة إلى كيفية تعاطي الدولة والمجتمع والهيئات الدولية مع قضيتهم.
فسهى بشارة منفذة محاولة اغتيال مسؤول الميليشيات المتعاملة مع الاحتلال "الاسرائيلي" "انطوان لحد" التي سبق حكمها احكام القضاء اللبناني التي تصدر تباعا، والمتحمسة لاطلاق حملة متواصلة للافراج عن الاسرى تدعو دائما الشباب اللبناني إلى تنظيم حملة تضامنية تشارك فيها كافة فئات المجتمع، للتضامن مع الاسرى خاصة وان هناك اسرى مازالوا يقبعون في ابشع السجون "الاسرائيلية" كأنور ياسين الذي امضى حتى الان اكثر من ثلاث عشرة سنة وسمير القنطار الذي ما زال في السجن منذ العام 1978، وواجب الدولة والناس والمجتمع ان يدافعوا عن هؤلاء الاسرى، فاما ان نكون لبنانيين او اننا لا نستحق هذا الوطن.
وتلفت إلى انها وفي العاصمة الفرنسية باريس حيث تتابع تحصيلها العلمي، تقدم مساهمة تعتبرها متواضعة في دعم قضية الاسرى، من خلال اثارة قضيتهم في المحافل الدولية ومنها هيئة الامم المتحدة، وتقول سأبقى ارفع صوتي عاليا لاثارة قضية الاسرى في السجون "الاسرائيلية"، وهذا شكل من اشكال المقاومة الفعالة. ولا تخفي سهى عتبها على بعض الاهمال في التعامل الرسمي مع الاسرى المحررين الذين ما زالوا يبحثون عن الحلم الذي من اجله قدموا التضحيات وامضوا سنوات طويلة من عمرهم.
وتقول : في دول العالم يجري تكريم لكل من قاوم الاحتلال وتعلق على صدره الاوسمة، بينما في لبنان فان حظوظ العارضات والراقصات في كثير من الاحيان افضل منهم.
اسرى خرجوا من السجون "الاسرائيلية"
عن المحاكم "الاسرائيلية" وتعاطيها مع الاسرى اللبنانيين يقول الاسير المحرر نبيه عواضة (امضى 10 سنوات داخل السجون "الاسرائيلية" في فلسطين المحتلة)، ان هذه المحاكم تستند في اصدار احكامها إلى قوانين الطوارىء الصادرة قبل اغتصاب فلسطين، والتي تحظر حمل السلاح لمقاومة الجنود "الاسرائيليين" حتى داخل الاراضي اللبنانية، وقال: "وكأنه المطلوب من اللبناني الذي يريد ان يساهم في تحرير وطنه، ولكي لا يطاله القانون "الاسرائيلي"، ان يحصل على ترخيص من قوات الاحتلال "الاسرائيلي"".
ويضيف ان المحكمة "الاسرائيلية" التي اصدرت حكمها علي بالسجن 15 سنة، وكان عمري يومها 16 سنة، ، استندت إلى البند "ب" من قانون الطوارىء "الاسرائيلي" الذي يعتبر كل من ينتسب إلى حزب سياسي غير شرعي بنظر القانون فهو مذنب، واعتبرت المحكمة ان الحزب الذي انتمي اليه هو حزب غير شرعي بنظر القانون "الاسرائيلي"، وكأنه يعني بذلك ان على كل لبناني وقبل ان ينتسب إلى حزب سياسي لبناني عليه ان يحصل على اذن ايضا من وزارة الداخلية "الاسرائيلية"، والسخرية ان القانون "الاسرائيلي" يطلب من اللبنانيين ان يحصلوا على اذن مسبق حين يقررون حمل السلاح في بلدهم، لتحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال "الاسرائيلي".
واسرى محررون من معتقل الخيام
وعن الظروف الصحية والحياة اليومية داخل معتقل الخيام، يقول الاسير المحرر نعمان نصرالله (امضى 10 سنوات) بعد اعتقاله الذي تم من منزله على اثر استشهاد شقيقه جورج في عملية ضد قوات الاحتلال في سفوح جبل الشيخ عام 1988، واعقب ذلك مضايقات وضغوط تعرض لها والده الذي استشهد هو بدوره، وابعدت عائلته إلى خارج بلدتهم ابل السقي، ان المعتقلين عانوا كثيرا من الاوضاع الصحية التي كانت متردية جدا، حيث تنعدم كل اشكال الرعاية الصحية والشروط البيئية غائبة، وهي هددت حياة الكثير من الاسرى والمعتقلين.
ويضيف رجائي ابوهمين (امضى 18 سنة في معتقل الخيام) إلى الواقع الصحي الذي كان سائدا داخل معتقل الخيام، وقال: هناك الكثير من الاخطاء الطبية تعمد الاطباء "الاسرائيليون" ارتكابها ضد الاسرى، وادى ذلك إلى استشهاد عدد منهم.
وجاء في شهادات دونها معتقلون واسرى، كسروا القيود والاغلال قبيل ساعات قليلة من تحرير الجنوب، ليلتحقوا بقوافل الذين اقتحموا القرى والبلدات التي كانت محتلة.
· عصام عواضة "اعتقلت في 17/4/85 وخرجت يوم التحرير في 23/5/2000". "اطفأوا السجائر في كافة انحاء جسدي، على الاعضاء التناسلية والاصابع وبعد كل حفلة كهرباء اصاب بالغيبوبة، فجروا منزلي واصعدوني بطائرة هليكوبتر لالقائي في البحر حتى يأكلني السمك، وضعوني في الطريق العام بين علما الشعب والناقورة، فعبرت فوق ظهري 6 آليات وناقلات جند وانا مكبل اليدين والرجلين لمدة عشر دقائق".
· حسن عواضة "اعتقلت في تاريخ 3/2/84 وافرج عني في 15/4/94". "من شدة التعذيب كنت عندما اشرب الماء ابوله فورا، وقد عرفت والدي من سعاله".
· "ن.م" "عانيت من نزيف لمدة ثلاث سنوات، بسبب وضع العصا في مؤخرتي، وحتى الان لم استطع الانجاب، بسبب الصدمات الكهربائية على اعضائي التناسلية".
· ميلا صوفنجي "اعتقلت في 9/11/1985 وافرج عنها في ك2 87". "حقنت بابر المورفين، وعذبت بالكهرباء في ما يسمى مستشفى مرجعيون". اجريت لي سبع عمليات جراحية فاشلة، حققوا معي في غرفة الاشعة واستخدموا الكهرباء واطفاء السجائر مكان الجرح.
· تيسير شعبان "اعتقلت بتاريخ 9/12/86 وخرجت يوم التحرير". "اعطوني حبوب للهذيان واطفأوا السجائر في صدري. وضعوني في القن وقال لي الشرطي: عندما تبيض اخبرني، ومن شدة العتمة لم اكن اعرف الذين معي في الغرفة".
· محمد عبدالحسن سرور "اعتقلت بتاريخ 29/2/99 وخرجت يوم التحرير". "علقوني على العامود في الليل وانا عار من الثياب، رفست بأحذيتهم على اعضائي التناسلية مما ادى إلى فقء خصيتي الشمالية".
· سليمان رمضان "اعتقلت في ايلول 85 وافرج عني في 23 ايار 2000. "قصتي مع العذاب طويلة ومريرة وهي تقارب الخيال، كانت ساقي المبتورة تنزف عندما وضعوني في ممشى طويل مكبل اليدين والساق اليسرى، وتركوا المبتورة وغطوا وجهي بكيس اسود، وبدأ ضابط "اسرائيلي" يدعى ياغي بالتحقيق معي وكان يحاول ايهامي بانه فلسطيني او اردني مقاوم ليستدرجني الا انه لم يفلح فبدأوا بضربي على ساقي المبتورة واطفاء السجائر في جسمي. وكانت اسمن وجبة احظى بها نصف بيضة وكمية قليلة من الماء، ووصلت إلى مرحلة تمنيت ان يبتروا عضوا من جسمي ويأتوني بالطعام، فالجوع اقسى من الوجع والضرب والكهرباء. قضيت 73 يوما في الممشى (كانون الاول والثاني وجزءا من شباط) على حمالة ومقيدا في رجلي اليسرى وبيدي ومعصوب العينين، وكنت ارتدي شورت فقط ولا يمر يوم دون ان يأتي رجال الشرطة ويلبطوني ببوطاتهم على بطني وكنت اصرخ وانا نائم. لم اكن ارى من يطعمني كانوا يرفعون الكيس الاسود ولكني كنت احاول ان احف الكيس بالحائط حتى انقره نقرة صغيرة لا احد يلاحظها وكنت ارى المحقق ياغي من خلالها. وكنت من شدة الجوع اتمنى وانا في الممشى دخول الزنزانة (القن) التي لم تعد موجودة الان اذ ان العدو هدمها قبل دخول الصليب الاحمر الدولي. لقد اكلت اللحم الذي على اظافري وكنت اتمنى ان يقطعوا احد اعضائي ويطعموني".
· كوزيت ابراهيم "اعتقلت في 2 ايلول 1999 وخرجت يوم التحرير". "قبل دخولي المعتقل خضعت إلى جراحة في الامعاء، وكنت احتاج إلى نظام صحي وغذائي وادوية وقد كتب الطبيب الذي فحصني هذه الامور في ملفي وسلمها إلى آمر المعتقل الذي رمى التقرير في الدرج. وحين ساءت حالتي الصحية تولى فريق يشبه الممرضين الاهتمام بي، الا ان حالتي انتكست ونقلت إلى المستشفى مرات لا تحصى.
· نجوى سمحات "اعتقلت بتاريخ 1/10/1999 وخرجت يوم التحرير". "اول كلمة قالها لي المحقق/ يا عاهرة، ركعت على الارض ورفسني برجليه، وجلدني بكرباج، على كتفي وفلقة على رجلي حتى ازرقت، وما عدت قادرة على المشي. في الليل سكب الماء علي وانا مقيدة بالشباك ثم نقلني إلى المرحاض وقيدني بدوش الحمام حيث اصبت بنزيف حاد. بعد اربعة اشهر على اعتقالي نقلوني إلى داخل "اسرائيل" فحقق معي شخص يدعى ابوشريف فطلب مني التعامل معهم حتى يفرج عن زوجي وابني طبعا رفضت ذلك".
· غسان سعيد "اعتقلت بتاريخ 16/8/1998 وخرجت يوم التحرير". ضربت ببوط عسكري على رقبتي وباعقاب البنادق على ظهري وبوكسات على عيني. اطفأوا السجائر في جسمي وضربت بآلة حادة على الظهر، والرأس".
· عفيف حمود: "لقد احتجزنا لمدة ما فوق الـ 15 عاما، تعذيبا وضربا، وفي عزلة تامة عن العالم، لم نسمع من العالم سوى بعض الاصوات القليلة التي طالبت باطلاق سراحنا من بعض المنظمات الدولية بينما اليوم نسمع في الداخل من يطالب بالرحمة للعملاء الذين شنقوا علي عبدالله حمزة وقتلوا بلال السلمان وابراهيم ابوالعز.وفي الخارج تتحرك بعض الدول لاستقبال العملاء اللحدين بينما ما يقارب 2000 اسير محرر مشردين في بقاع الارض الواسعة من دون ان نسمع كلمة واحدة لمساعدتهم ولا من الناحية الانسانية. اما المحاكمات للعملاء فهي محاكمات شكلية وتبرئة لهم. فلتكن المحاكمة للعملاء اللحدين محاكمة دولية علنية لاسرائيل لانها المسؤولة عن المعتقل. لذلك فنحن الاسرى المحررين نطالب بمحاكمة علنية للعملاء وتوثيق شهاداتهم لتكون مستندا ضد دولة الاحتلال "الاسرائيلي". نعم لمحاكمة حقيقية، والا فان المحاكم الشعبية ستعم القرى المحررة. كل الذين تلطخت ايديهم بدماء اسرى خطفا واعتقالا وتعذيبا يجب ان يلقوا العقاب الحقيقي. نحن مع الرحمة للمواطنين البسطاء ولكن مع اقسى العقاب للذين عذبوا الاسرى ونكلوا بالمقاومين. هذا القضية ستبقى محور نضالنا سنبقى نناضل من اجل انشاء محكمة الخيام الدولية لمحاكمة القادة "الاسرائيليين" كجرمي حرب داعين كافة الناجين من معتقل الخيام إلى توقيع الشكوى التي سنقدمها للامم المتحدة ضد "اسرائيل" لدفع التعويضات للمحررين.