والده قضى ووالدته تنتظر والأمل واحد: الحرية

محمد البرزاوي: الشاهد والمتهم والقاضي

( العهد 4/2/2000)


اربعة عشر عاما وأكثر من شهر بقليل مضت على محمد علي البرزاوي في زنازين العدو، وهز صوته في تلك الآونة أرجاء الكيان الصهيوني حين قال بكل رباطة جأش وقوة وجرأة "انا عضو في حزب الله وأتكلم باسم الإسلام وديانتي كمسلم تحتم علي المقاومة، وانني لست غاضبا او نادما على حكمكم بالسجن المؤبد لأن الحكم لله وليس لمحكمتكم"، لم ترهبه الوحدة ولا وحشة الطريق ولا المتوحشون المحيطون به، فما دام كله لله، وكان وما زال مجاهدا في حزبه فممّ يخاف وهو الذي جاهد وصبر في تلال الجهاد في جبل عامل طالبا الشهادة فكان الشاهد والمتهم والقاضي في آن...

كان ذلك في الخامس من كانون الاول من العام 1987 حين اسر محمد علي اثر مواجهة بطولية خاضتها المقاومة الاسلامية ضد قوات الاحتلال والعملاء في اللويزة، وكان مثخنا بالجراح بعد ان اذاقهم بأس المقاومة ومجاهديها...

محمد البرزاوي اليوم هو اشد صلابة وأكثر قوة وعزما داخل زنزانته في عسقلان، يستأنس بالائمة (ع) وتواظب على زيارته ام المجاهدين السيدة الزهراء(ع) فلا تحتاج الى استئذان او تصريح كما يقول محمد في رسائله. ويستبشر محمد بقرب الفرج ويتيقن بأن الحكم هو لله..

قبل سنوات زرنا عائلة الاسير البرزاوي في بعلبك والتقينا والده ووالدته اللذين حدثانا عن فخرهما بجهاد ولدهما وموقفه من الاعداء وحكمهم، وعزمهما على الجهاد بالكلمة والموقف وبذل الغالي والنفيس في سبيل عزة الاسلام ومنعته. ونعيد الزيارة اليوم، فلا نجد سوى الوالدة الصابرة وهي تستأنس بحفيدها، تنتظر ان يقرع الباب ويدخل عليها فلذة كبدها محمد بعد ان رحل الوالد وهو يتمنى ان يحظى بلقاء ولده ولكن هيهات..

وتقول الوالدة في هذا اللقاء: نشكر الله الذي اختصنا بهذه الرحمة، وما اصابنا هو دليل على حب الله لنا ولولدنا، ولو ان والده كان يأمل اكثر لو كان شهيدا. ومنذ فراق ولدي وأنا اعيش في حالة صحية سيئة.. اما والده الذي فارق الحياة منذ سنتين ونصف فلم يحقق امنيته برؤية ولده. استيقظت يوم مرضه في الصباح لأسمعه يحدث محمد ويقول: متى اراك يا ولدي.. اشتقت لك كثيرا.. اريد ان اراك قبل ان اموت.. يومها وقع بمرضه الذي توفي نتيجته...

وصل الخبر الى الاسير المجاهد فكان صلبا قويا وأرسل برسائل يحثنا فيها على الصبر ويهون علينا قضاء الله ويعزينا على ما اصابنا.. والآن ما زلت انتظر وأملي بالله وبالمجاهدين كبير، وكلما قرع الباب اظن انه اتى، وها انا انتظر..

محمد البرزاوي في السجن: معنويات عالية، وأقحوان ابيض.

بعث المجاهد محمد البرزاوي خلال الشهر الماضي رسالتين من سجن عسقلان، تتضمنان بعض الاشارات الى الحالة المعنوية العالية التي يعيشها رغم الوضع الصحي الصعب الذي يعاني منه..

يقول محمد في رسالة مؤرخة في 16 كانون الاول 1999:.

سادتي الافاضل، انا بألف خير من الله ومن وليه ابي الحسن، قد تقولون اني ابالغ واذكر رؤيا اهل البيت (ع). يا احبتي، انا الان في قسم الغرف الافرادية، هذا القسم يبعد عن قسم الزنازين فقط 4 او 5 امتار وهذه الغرفة التي انا فيها الان منذ 8 شهور كان فيها شخص آخر اعرفه، وعندما كان هنا كنت انا في قسم الزنازين، وهذا الشخص كنت اسمع بكاءه من شدة الهموم التي كانت تحيط به، هذه الاقسام حياتها ظلمات وهموم خطيرة، ولكن اقسم لكم اني لا احمل هما ولا اعاني قلقا ولا يوجد عندي مشكلة في حياتي هنا. الان عندما نزلت الى هنا وضعوني في قسم الزنازين قبل ان يضعوني في قسم الغرف الافرادية حيث لم تكن هناك غرفة جاهزة، وبعد مرور 15 يوما وجدوا غرفة ووضعوني بها وكنت مهموما على حياتي هنا حيث اني اعلم ما هي الحياة في هذا المكان، ولكن عليا(ع) لم يترك هما واحدا في فكري حيث كان قد كشف لي طريقي هنا في هذا المكان كيف سيكون، وهو طريق ابيض سالم من الهموم والغموم، ومرت الايام ولم اكن اتوقع ان تكون حياتي هكذا هنا. مر علي شهران ونصف حتى الان وأحوالي مثلما شرحها لي علي(ع) الحياة في هذا المكان معروفة لدى كل المساجين، انها هموم وظلمات خطيرة وقد كنت هنا قبل الان وشاهدت بعيني ظلمات خطيرة وعانيت بمستوى خطير جدا جدا، كانت الهموم والقلق المخيف المرعب تنهش لحمي وتحرق اعصابي حيث ان مكانا كهذا لا يوجد اخطر منه على الاطلاق، ولكن الان يا احبتي فهو برد وسلام ـ "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم" "وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين"، وهكذا فعل بي علي(ع) عندما قدر المولى سبحانه ان ينزلني الى هنا، ومن خلال وليه علي قال لتلك الظلمات الموجودة هنا ان تكون علي بردا وسلاما وهكذا هي الآن ـ برد وسلام..

لم يقل لي علي(ع) شيئا الا وشاهدته مثلما قال تماما، وهو يرافقني خطوة خطوة في حياتي هنا وحتى يزيدني ثقة بما كلمني. لقد حدثني عن امر دقيق وصغير جدا في حياتي وشاهدت مثلما قال. فالذي يعيش وسط الظلمات وهذه الظلمات قد جعلها الله علي بردا وسلاما. الان في هذه الايام التي تمر علي بالتحديد لا يبعد عن فكري ذكر علي وكل ما حدثني به، فكيف لا اذكره في كل رسالة لكم ابعثها..

الفرج قريب. وفي رسالة خاصة الى والدته تظهر العلاقة الخاصة التي تربطه بهذا الانسان العظيم معبرا من خلال كلمات رقيقة عن حبه العميق لها وعن احساسه بعمق تضحياتها وصبرها، فيخاطبها قائلا:.

والدتي الفاضلة وسيدتي المحترمة.. الوالدة الحنون.. صباح الخير، صباح الياسمين والاقحوان الابيض.. والاقحوان الابيض.. تلك الاطباق تقول لك صباح الخير ايتها الام المجاهدة.. صاحبة الثورة. زهراء محمد (ص) كانت ام الثورة، وأم كل الثوار في الارض..

والان ايتها المجاهدة وأم المجاهدين، اطباق الاقحوان تقبلك طويلا. تلك الرقائق البيضاء اللطيفة عندما شاهدت وجه زهراء محمد (ص) المعذبة ابتسمت لها وما زالت مبتسمة حتى الآن، وهي كلما شاهدت أما مجاهدة فهي ـ أي اطباق الاقحوان ـ تقول لها صباح الخير أيتها المجاهدة. ألا تمر عليك حقول الربيع مروجا في روائع اطباق الاقحوان الابيض؟ الا تلاحظين كيف كان تكوين تلك الاطباق؟ مثل ثغر حمل البراءة في اصل تكوينه وضحك ذاك الثغر بملء شفتيه.. فصباح الخير يا سيدة الياسمين والاقحوان.. محمد علي.. يحمل لك أسرارا عظيمة عندما يعود..

ويضيف محمد مخاطبا والدته: كيف مرت هذه السنون؟ أليست حلما عابرا؟.. ما هو الزمن في الحخقيقة والواقع.. انظري في لحظتك التي انت فيها ثم تطلعي الى اليوم الذي مر عليك، انظري الى اليوم الذي فات واللحظة التي انت فيها ثم تأملي كيف هي مشاعرك تجاه هذه الحياة التي نحن بها، حقا وكأن الوجوه ليست حقيقة قائمة لها جوهر ملموس..

ويقول لأمه في ختام رسالته:.

اختم رسالتي معك يا حبيبتي اقبل وجهك الطاهر ويديك الكريمتين، هل تظنين ان الله قد خصك بهذا البلاء وأنت انسان ليس لك ذاك الشأن العظيم، اهديك اطيب القبلات وأطيب التحيات..

ان شاء الله سوف يكون لنا راية فوق كل فخر ولنا صرخة في ضمير البشر..

ولا يفوت محمد في رسالته الفرصة، فيتحدث عن الظالمين ومصيرهم، وعن بقائهم في الدنيا، الذي لا يتعدى ساعة رغم طول اعمارهم فيقول:.

احد انواع الظالمين يقول لهم المولى يوم الحساب "كم لبثتم في الأرض عدد سنين" فيردون قائلين: "لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادّين" وقد كان احدهم قد عاش في الدنيا عشرات السنين ولكن كل تلك السنين كان يشعر بأنها يوم او بعض يوم ـ أي ساعات معدودة من النهار، هذا كله ما عاشه الانسان الظالم في الحياة. ونوع آخر من المجرمين يقول انه عاش في الدنيا ساعة واحدة فقط، كل السنين التي عاشها في الحياة كان يشعر بأنها ساعة واحدة فقط..

وفي رسالة اخرى، مؤرخة في 11 كانون الثاني عام 2000، يواصل محمد تصويره لمصير الظالمين، وهو يعرف من يقصد، دون ان يصرح، لأن الرقابة تقف بالمرصاد..

يقول محمد:.

يقول المولى سبحانه وتعالى للمجرم: وكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. هناك يبصر المجرم ويدرك بأي وادٍ سحيق من الضلال كان يعيش، ثم يقول يا ليتني كنت ترابا. حدثتك في رسالة سابقة عن عذاب احد المجرمين كيف سيكون، وهذا الامر عظيم في مشاعري كلما تذكرته اشعر بمشاعر مميزة بهذا النوع من العذاب. احد مجرمي جهنم تطارده افعى جهنمية ويفتحون الطريق امامه لكي يفر، ويصبح هذا المجرم يركض امام الافعى وهي تطارده وفي النهاية يصل الى نهر من النحاس الذائب المنصهر فيصبح محيرا إما ان يسبح في نهر النحاس المنصهر، أعاذنا الله من هذا العذاب وإياكم، وإما أن يقف لكي تلسعه تلك الأفعى، ولكن بما أنه سبق أن جرب لسعة تلك الافعى فهو يفضل نهر النحاس المنصهر، اللهم نجّنا برحمتك من عذاب النار، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار.. يا مغيث اغثنا من النار..

وبعد كل ذلك يصل محمد الى ذروة التأكيد على روحه المعنوية العالية، فيشير بصراحة الى ايمانه بأن موعد خروجه من السجن بات قريبا لا بل انه يحدد الموعد، ويرى انه لن يستغرق اكثر من بضعة شهور، ويقول في رسالته:.

الان اهم ما يجب ان أذكر لكم هو اني بخير وأحوالي جيدة ومطمئنة، وهذا المكان الذي انا به لن يطول بي المكوث هنا وليس لي مكان آخر اذهب إليه سوى الذهاب إليكم، وذلك قريب ان شاء الله، قريب جدا ان شاء الل،ه وليس اكثر من بضعة شهور بإذن الله..

أسأله بحق ما يجب ان أساله به حين يجيبني، ان يجعل المنتهى قريبا والفرج سهلا وعزيزا، انه سميع مجيب..

والدة الأسير البرزاوي في مذكرة إلى الصليب الأحمر الدولي:.

ابني يعاني من التعذيب النفسي والأمراض ويجب إطلاق سراحه.

قام وفد من العمل الاجتماعي في حزب الله يتقدمه مسؤول العمل الاجتماعي المركزي النائب السابق الحاج محمد برجاوي بزيارة مقر الصليب الاحمر الدولي في بيروت حيث التقى المندوب العام للمنظمة هنري فورنييه وسلمه مذكرة حملتها والدة الاسير المجاهد محمد البرزاوي الى المنظمة الدولية حول الاوضاع الصحية لولدها، وفي ما يلي نص المذكرة:.

جانب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الاحمر في لبنان السيد هنري فورنييه المحترم.

تحية طيبة وبعد

ان الوحشية التي تستخدمها القوات الاسرائيلية وعملاؤها اللحديون داخل السجون والمعتقلات لا يقبل بها أي ضمير انساني حر في هذا العالم

ان المعاناة التي يعيشها الاسرى والمعتقلون داخل معتقلاتهم تفوق حد التصور جراء التعذيب والاذلال والارهاب النفسي اليومي والمتنقل، دونما تمييز بين اسير مريض وأسير معوق، وهذا ما يحصل وتمارسه قوات الاحتلال حاليا في سجن عسقلان بحق الاسير المجاهد والصابر ولدي محمد علي عباس البرزاوي الذي يمكث منذ اكثر من سنتين في زنزانته الانفرادية المظلمة التي لا تراها الشمس، دون الالتفات الى الوضع الصحي او النفسي لهذا الاسير الذي يعاني من عوارض مرضية حادة نتيجة الالم الذي يعانيه جراء خضوعه لعملية استئصال الطحال، اضافة الى عملية استئصال صابونة قدمه اليمنى، والاوجاع التي ترافقه جراء وجود رصاصة مستقرة في ركبته اليمنى. هذا بالاضافة الى التعذيب النفسي الذي يتعرض له، كإبقائه في سجن عسقلان وحيدا على الرغم من نقل كل الاسرى اللبنانيين الى سجون اخرى

وتمارس سلطات السجن في عسقلان ضد ولدي الاسير محمد سياسة الاهمال النفسي والجسدي وسياسة الكذب المدروس، وإيهامه بين الحين والآخر بإطلاق سراحه، وتهديده بالقتل، وما الى ذلك من اساليب وحشية لا تمت الى الانسانية بصلة

ان الحالة التي يعيشها ولدي الاسير محمد هي صورة حية لكل الاسرى والمعتقلين الذين يعانون الامرين داخل السجون الصهيونية، وهذه الصورة يشبعها العدو بتضليلاته عبر الايحاء للرأي العام الدولي باهتمامه بالاسرى المحررين. ولم يعد خافيا على احد ان معظم تقارير الاطباء بحق الاسرى المحررين تثبت انهم يعانون من امراض مزمنة رافقتهم جراء التعذيب النفسي والجسدي الذي كانوا يتعرضون له من قبل الجلاوزة والجلادين في سجون الخيام وعسقلان والرملة والصرفند وغيرها، والتي كان آخرها موت الاسير المحرر مهدي ابراهيم قبل ايام اثناء علاج كان يتلقاه في ايطاليا

انني اتوجه بهذه المذكرة للرأي العام الدولي والهيئات الانسانية ومنظمات حقوق الانسان وكل الجمعيات التي تعنى بهذا الشأن وأدعوها للتحرك السريع من اجل ايقاف هذه المجازر الانسانية التي تحصل امام مرأى ومسمع العالم المتحضر في الالفية الثالثة من العصر

وأطلب من هيئة الصليب الاحمر الدولي زيارة ولدي الاسير محمد البرزاوي وأقرانه من الاسرى والاطلاع على احوالهم وكشف الحقائق وعرضها امام الرأي العام المحلي والدولي اضافة الى العمل والضغط على سلطات العدو للإفراج السريع عنهم، فإنني احمل سلطات الاحتلال الاسرائيلي المسؤولية الكاملة عن أي تأخير بإطلاق سراحه.

بطاقة هوية

 الاسم: محمد علي عباس البرزاوي

 مواليد: بعلبك 1961ـ اعزب

 اسر اثر عملية في منطقة البقاع الغربي بتاريخ 5-12-1987 بعد اصابته في بطنه

 حكم عليه الصهاينة بالسجن 17 عاما.