الخلاصة:
1 - ليست لدولة اسرائيل الصهيونية، منذ ان زرعت، اية مشروعية تاريخية، ولا توراتية، ولا قانونية، كذلك ليست لتملك لتملك اخلاقية في تصرفها بالداخل والخارج (عنصرية، توسعية، ارهاب الدولة) هي دولة، بين اسوأ اقرانها، شبيهة بالدول التي ترتبط بها اوثق ارتباط:
-  كالولايات المتحدة الامريكية، التي تأخذ اسرائيل عنها اسوأ ما كان الامريكيون يرتكبون بحق الهنود الحمر والزنوج، وتقتدي بأسوأ تصرفاتها (في فيتنام مثلا) وتلوح مثلها بالديمقراطية الوهمية (هذه المقرونة بالدكتاتوريات الدموية في امريكا اللاتينية).

 -   وجنوب افريقيا، وتأخذ عنها ممارسة التمييز العنصري، والنهج الاستعماري القديم.

 -   وسلفادور، وغواتيمالا، واورغواي (الملاذ الرئيسي لقدماء النازية) وتزودها اسرائيل بالسلاح وبالمدربين لاستخدام الارهاب ضد شعوبها.

2 - العقيدة المكونة لدولة اسرائيل: الصهيونية السياسية، والتي لم تنشأ، من التقاليد اليهودية التي تتستر بها فقط، بل من النزعات القومية والاستعمارية الغربية التي ازدهرت في القرن التاسع عشر، هي شكل من اشكال العنصرية، والقومية، والاستعمار.

3 - هذه الدولة، القائمة على ايديولوجية خادعة كهذه، وعلى سلسلة من اعمال العنف والارهاب، لم تنشأ الا بموجب قرار غير شرعي من هيئة الأمم المتحدة (المحكومة يومئذٍ بقوى غربية استعمارية) صادر بفعل ضغوط ورشاوى مخجلة. كما انها لم تعش نتيجة لعملها الذاتي وبقوتها النابعة منها، بل بواسطة تدفق المال والسلاح من الغرب - كالصليبيين في سالف الازمان - وعلى الاخص، بالدعم غير المشروع وغير المحدود من جانب الولايات المتحدة الامريكية، التي جعلت من اسرائيل جزءاً رئيسياً في استراتيجيتها الدولية، وجيبا متعمقاً في الشرق الادنى.

4 - تدخل دولة اسرائيل الصهيونية، بعد تجريدها من الاوهام التأسيسية، ومن الارهاب الفكري (عندما لا يكون مادياً)، في الحق المشترك بين الدول، دون هالة او امتياز او سمة تقديس، لان جميع الدول - وعلى غرارها - قد نشأت، لا من "حق" معين، بل من توازن قوى وامور واقعية.

5 - اذن لا مجال لاعادة وضع التاريخ وتشكيل حدود للدول محفوفة بالمخاطر، بقوة المدافع، وبالتالي، مم يمكن ان يكون الحل الواقعي؟

6 - من الحماقة ان يطلب من منظمة التحرير الفلسطينية "الاعتراف باسرائيل" على الاقل، لثلاثة اسباب رئيسية:
أ - فذلك سيعني الطلب من الفلسطينيين ان يعلنوا شرعية اغتصاب الارض، واقصاء اصحابها، وهي اعمال كانوا هم ضحاياها. ربما امكن، عند الاقتضاء، قبول دولة اسرائيل كأمر واقع، ولكن لا الاعتراف بها كحق صريح..
ب - ان دولة اسرائيل، بطبيعة جوهرها (الصهيونية السياسية) وطبيعة وجودها (تتابع تعدياتها وحروبها) هي في توسع دائم، تتطلع بعد كل اعتداء وكل ضم للاراضي، الى "مجال حيوي" جديد. فلا يمكن اذن الاعتراف بمصداقية حدود "مطاطة" واية اسرائيل يطلب من منظمة التحرير الفلسطينيين الاعتراف بها؟ اهي تلك الناتجة عن تقسيم 1947 الذي رسمته هيئة الامم المتحدة؟ ام عن تعديات 1948 الارهابية ودير ياسين؟ ام عن 1967، واكتساب الاراضي بواسطة الحروب الوقائية والاجتياح؟ ام عن 1982 وتزايد عدد المستوطنات؟ ام عن خطوط الهلوسة لدى هرتزل (من الفرات الى النيل) ولدى بن غوريون (من الليطاني الى سيناء)؟ ام عن آرييل شارون، الحالم بالسيطرة على الشرق الادنى، من دردنيل تركيا الى سويس مصر؟ ام عن "مشروع" تفكيك جميع الدول العربية وفقاً لتقسيماتها العرقية او الدينية؟.
ج - واخيراً، كيف يمكن الطلب الى منظمة التحرير الفلسطينية ان "اعترف" بشيء، بينما ينكر عليها حتى حقها في الوجود؟ كيف يمكن طلب اعتراف مؤسسة غير معترف بوجودها اصلاً؟ مع أي مفاوض اكثر تمثيلاً للفلسطينيين، يود الساسة الاسرائيليون ان يتعاملوا؟ ما دام رؤساء البلديات المنتخبون من السكان الفلسطينيين - واغلبيتهم ابدت تعلقها بمنظمة التحرير الفلسطينية - قد عزلهم المحتل الاسرائيلي فهل يتم التفاوض على التعديات الجديدة مع حفنة من المتعاونين والعملاء، الذي هم بالنسبة للعرب، كما هو سعد حداد بالنسبة للمسيحيين؟ الواقع، ان الساسة الاسرائيليين من بيغن الى بيريزن لا يريدون التفاوض مع احد.

7 - تبعاً لذلك، لا يمكن ان يتأتى حل للمشكلة الا عن طريق المجموعة الدولية:
أ - وهذا لن يتم - كما تدعيه دعاية كاذبة - "بالقاء الاسرائيليين في البحر" لان ما يحاربه الفلسطينيون وجميع انصار الحرية في العالم، ليس فرداً او شعباً، بل عقيدة عنصرية، هي الصهيونية السياسية، والمسلك العدواني والاستعماري الذي تلتزم به دولة وساستها.
ب - هناك عبارة موفقة لاحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية، تذهب الى انه حتى ولو ولد طفل غير شرعي - كثمرة اغتصاب مثلاً - فلا مجال هناك للتفكير في قتل الوليد.
ج - اذاً أي حل يتم التوصل اليه، يجب ان تضمنه الامم المتحدة. رغم نواقصها في الماضي، حينما كانت تحت هيمنة الغرب، فعمدت بطريقة غير شرعية، الى اصلاح ظلم كان هتلر قد انزله باليهود، عن طريق انزال ظلم بالفلسطينيين، الذين لا دخل لهم على الاطلاق في الجرائم النازية.

8 - ان الحل الوحيد، الذي يشرف الجميع، ويوفر الامن والسلامة للجميع، للاسرائيليين والعرب على السواء هو - وكما اقترح ياسر عرفات - قبول الطرفين بجميع قرارات هيئة الامم المتحدة بشأن فلسطين. ونشير هنا الى ان القرار الاول متعلق بالتقسيم، الذي يعين حدوداً دقيقة لكلتا الدولتين: الاسرائيلية والعربية، ويعترف القرار الثاني بوجود دولة اسرائيل. ورغم ان ذينك التقسيم والاعتراف يتجاوزان، قانوناً، صلاحيات الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة، وكأناغير مصنفين اساساً، فقد قبل بهما الفلسطينيون احتراماً للقانون الدولي.

 9 - لكن الساسة الاسرايليين يعرقلون التطبيق، لانه - لم تم - فسيجمد المشروع الصهيوني السياسي القائم على بسط النفوذ والاستمرار في التوسع. ومع ذلك، فان مواجهة هذا الحل غير مستبعدة، ما دامت اكاذيب هذه الصهيونية السياسية تتكشف للعيان مع مرور الايام.
-  قبل كل شيء، لان 18 % من يهود العالم قد استجابوا لنداء "العودة".
-   ثم لان التيار قد انعكس، فبات عدد اليهود المغادرين لاسرائيل اكبر من عدد الراغبين منهم في "العودة". وهذا ابلغ دليل على فشل الصهيونية السياسية ومشروعها الرامي الى تهجير جميع يهود العالم الى فلسطين، ليشكلوا معزلاً (غيتو) عالمياً فعلياً، كان مطمح جميع اللاساميين في العالم.

10 - ان تحقيق هذه التسوية السلمية، النازعة لفتيل حرب عالمية ثالثة محتملة، هو من مسؤولية المجموعة الدولية. واللجوء الى العنف غير وارد في هذا السبيل، بل يصار الى تخفيض معتدل في مقدار المساعدات المتدفقة على اسرائيل، لحمل زعمائها على التفاوض.. لان اعتمادها على الخارج في مجال الاقتصاد والمال والتسلح، هو اساسي.

 11 - ونشر هذا الكتاب بالانجليزية والفرنسية، يرمي الى المساهمة في نشر الحقائق الموضوعية امام الرأي العام العالمي، بغية طرح المشكلة على البحث الهادىء.

 12 - في مرحلة اولى، يتوجب ما يلي:
أ - ان تتوفر لكل طائفة، في فلسطين وغيرها، عربية كانت ام يهودية، الضمانات لسلامتها، وانتفاء كل تمييز عنصري، والتمتع بحكم ذاتها بذاتها، وذلك برعاية قوة دولية.
ب - ان تتوقف كل شحنات السلاح والعتاد والتجهيزات العسكرية، الى الشرق الاوسط.. وان يمنع جمع الاموال، في أي بلد من البلدان، بواسطة الاجهزة الرسمية التابعة لدولة اسرائيل "كالحركة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية الدولية" (المنشأة بموجب القوانين التأسيسية لدولة اسرائيل الصهيونية).
ج - ان يتم تعزيز ذلك النزع التدريجي للسمة الصهيونية عن دولة اسرائيل، بسن عقوبات اقتصادية متصاعدة، تضطر القادة الاسرائيليين في النهاية الى فتح باب الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومع كل من عانى من سياستها العدوانية منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان. حينذاك فقط، يفتح المجال امام اندماج هذه الدولة فعلياً بالقارة الاسيوية بعد ان تكون قد كفت عن مسلكها العنصري الاستعماري، لتتحول الى ما كان يحلم به "مالرتن بوبر" منذ عام 1921، ويدعو اليه منذ 1947، أي الى فيدرالية للشرق الادنى، يتعايش فيها ابناء ملة ابراهيم من يهود ونصارى ومسلمين، وغيرهم ممن يساندون ارفع القيم الانسانية.. دونما أي تفرقة او تمييز.

 

روجيه غارودي          

انتهت الترجمة في 1/10/1996