سياسة اسرائيل الخارجية: التوسع

 اود ان اقترح عليكم العودة، بين فترة واخرى، الى البرنامج المتعلق "بفلسطين الكبرى" (اسرائيل الكبرى) قبل فوات الاوان. ذلك ان مؤتمر (بال) يجب ان يضم هذه العبارات "فلسطين الكبرى" (اسرائيل الكبرى) او "فلسطين والاراضي المجاورة"، والا بات المشروع حماقة فأنتم لا تستطيعون استقبال عشرة ملايين يهودي، فوق ارض لا تتعدى مساحتها (25) الف كيلومتر مربع" .

 هذه الرسالة المووجهة الى تيودور هرتزل من احد اصدقائه ومستشاريه الاقربين ديفيد تريتش في 29/10/1899، بعد وقت قصير من اختتام المؤتمر الصهيوني العالمي، تعبر بمنتهى الوضوح عن المنطق الداخلي الذي تلتزم الصهيونية به في سياستها الخارجية. كما هناك امور اخرى كمبدأ "الصهيونية" اياه، وتحويل اليهودية عن مرتكزها الديني الى كيان قوم ودولة، واعتبار جميع يهود العالم تابعين لتلك الامة، والعمل على جلبهم الى حمى هذه الدولة، كانت وراء قيام الدولة الصهيونية بسلسلة الحروب التوسعية، الرامية الى تأمين "مجال حيوي" (كمجال هتلر: لينبزروم). من هذا المنطلق المتصلب الذي تعتمده الصهيونية السياسية، كان منشأ ما ارتكبته دولة اسرائيل من اعتداءات وضم للأراضي. والسمة الوحيدة التي تميز هذه العملية العسكرية التوسعية غير المحدودة التي تقوم بها الصهيونية السياسية، عن النازية، هي ان التركيز - في ما يرافقها من ايديولوجية وميثولوجيا - اما بالنسبة لاسرائيل - فانه لا يقوم فقط على خدعة الامتياز العرقي (كان هتلر يقول: "كل ارض مسكونة بالجنس الآري يجب ان تعود الينا") بل يقوم، بشكل خاص على خدعة مستقاة من التوراة، فهي "وعد" وتفسره بمعنى عشائري صرف.. فبدلاً من ان يكون الوعد روحياً عائداً الى مملكة للرب المخلص المنتظر، تجعله الخدعة مقتصراً على غنيمة مادية خالصة متمثلة في قطعة معينة من الارض.

 وقد اعتبرت الآية المستقاة من سفر التكوين "لذريتك امنح هذه البلاد من نهر مصر الى نهر الفرات الكبير" بمثابة برنامج سياسي وعسكري . كما لو ان الامر يتعلق بحقيقة تاريخية وبصك ملكية، او ان ذرية ابراهيم محددة بصلة الدم وليس بوحدة العقيدة، او انه يجب ان يستثنى العرب من تلك السلالة (رغم انهم من نسل اسماعيل، كبير اولاد ابراهيم)، وكل البشر الذين يرون في تضحية ابراهيم بولده، الصورة المثالية لعقيدتهم، او انه يمكن التسليم بصحة اتصال نسب يهود اليوم بسكان ارض كنعان القدماء، بينما يجزم علم الحياة (البيولوجيا) والواقع التاريخي، بان يهود اليوم - كغيرهم من الشعوب - هم نتاج امتزاج سكان اقاموا وتنقلوا بين جزيرة القرم، واليمن، والحبشة، واسبانيا، ولا يحق لهم، بالتالي، المطالبة بإرث "اجداد" ليسوا ابداً اجدادهم، كما لا يحث لهم استبعاد السكان الاصليين العرب مسلمين كانوا ام مسيحيين، الذين نقلوا عن مملكة داوود خصائصها العرقية وتوارثهم لارضها، اكثر بكثير من اوئلك المهاجرين البولونيين او الروس او الرومانيين او الهنغاريين او اليمنيين او المغاربة الذين لم يزعم احد غير النازيين بتكوينهم لكتلة بشرية فريدة من نوعها، تتميز - حسب العنصريين الهتلريين  بفوارق جسدية (كشكل الجمجمة والانف) وبفوارق نفسية.  

 ومع ذلك، فلم يزل القادة الاسرائيليون يتذرعون بهذا الوهم، وهم "اسرائيل الكبرى" الموعودة للاجداد، وبتلك القراءة الانتقائية من التوراة لتبرير سياستهم التوسعية، واعتداءاتهم المتكررة، وضم اراضي الغير، باسم تلك التلفيقات.

 في صيف عام 1967، قال موشي دايان: "ان شعباً يملك التوراة، ويعتبر نفسه شعب التوراة، يجب ايضاً ان يملك اراضي التوراة، اراضي القضاة والحكماء" .

 وانطلاقاً من هكذا "مبادىء"، تصبح الحدود مرنة مطاطة.. فها هو بن غوريون يقول: "انظروا في اعلان الاستقلال الامريكي ليس فيه اية اشارة لحدود اقليمية. ونحن غير ملزمين بتحديد حدود الدولة" .

 واشارة بن غوريون هذه الى "السابقة" الامريكية تحمل دلالة بعيدة، لان الحدود الامريكية استمرت في حركتها طوال قرن من الزمان (حتى بلغت المحيط الهادىء، حيث اعلن "اغلاق الحدود") تبعاً لمراحل الانتصار في "تصيد الهنود الحمر" وطردهم والاستيلاء على ارضهم. ويقول بن غوريون بوضوح تام: ليس المقصود هو استبقاء الوضع الراهن، بل علينا ان ننشىء دولة ديناميكية، تتوجه نحو التوسع" . وجاءت التجرية السياسية مطابقة لهذه النظرية الفريدة: اخذ الارض، وطرد سكانها، ذلك هو قانون الغاب الذي اعتمدته الدولة الصهيونية، بحكم جوهرها، منذ البداية ولم يحترم القادة الاسرائيليون، في يوم من الايام، قرار الأمم المتحدة بشأن "التقسيم" في فلسطين، بل ان الكومندوس الاسرائيلي عمد على الاستيلاء على المناطق المخصصة للعرب، مثل يافا وعكا، في الفترة الممتدة من اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم، (29/11/1948) الى الانتهاء الفعلي للانتداب البريطاني في 15/5/1948.

 وحينما حاولت الدول العربية التدخل، من اجل حماية الفلسطينيين من مذابح مماثلة لمذبحة دير ياسين (9/4/1948) سنحت الفرصة لزعماء الدولة الصهيونية لكي يستولوا على مناطق جديدة، وبعد ان كانت الأمم المتحدة قد خصتهم بـ 56 % من الارض الفلسطينية، فاذا بهم يحتلون 80 % منها، في نهاية اولى الحروب العربية الاسرائيلية.

 ونذكر ايضاً اسطورة اخرى لا بد من تفنيدها وهي، حكاية داود الصغير الاسرائيلي، قبالة الجبار العربي جالوت، وهي التي يراد بها استدرار الشفقة على هذا "الشعب الصغير" المهدد في امنه، واستثارة بسالته العسكرية، وبصرف النظر عن الاحوال الراهنة وما يمتلك الجيش الاسرائيلي حالياً من تجهيزات عسكرية تفوق، نوعاً ما، ما بحوزة الجيوش العربية مجتمعة، نجد ان مجموع جيوش مصر وسوريا والاردن ولبنان وايران، خلال حرب 1948، كانت اقل من (22) الفاً مقابل (65) الف جندي اسرائيلي.

 وهذه الانطلاقة الاولى بدت، مع ذلك، غير كافية بنظر القادة الاسرائيليين، فقد قال بن غوريون، في مقابلة نشرتها جريدة (نيويورك تايمز) في 9/3/1964 – وكان حينئذٍ متقاعداً: "كان يمكن توسيع نطاق اسرائيل الى اكبر مدى، لو كان موشي دايان رئيساً لهيئة اركان الحرب اثناء حرب 1948" الذي قال "عند اصدر بن غوريون الامر بوقف تقدم جيشنا، وكان يومها رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، يتلقى اشد الضغوط من الرئيس الامريكي هاري ترومان – كنا على وشك الانتصار ومد نفوذنا فيما بين نهر الليطاني شمالاً وصحراء سيناء الى الجنوب الغربي، لم نكن نحتاج لاكثر من بضعة ايام قتالية حتى نحرر البلاد بكاملها".

 ولم يكن ذلك سوى جولة مؤجلة! فبعد تأميم الرئيس جمال عبدالناصر لقناة السويس، وجد زعماء اسرائيل الصهاينة في ذلك فرصة سانحة لتحقيق توسع اقليمي جديد، وذلك بالتحالف مع الانجليز، الذين كانوا يشرفون على القتال، ومع الحكومة الفرنسية، التي كانت تأمل – وهي منهمكة في حرب الجزائر – ان تضرب في مصر زعماء حرب التحرير وحليفتهم. وتم التخطيط لهذه الحملة في فرنسا، على يد موشي دايان وشمعون بيريز من الجانب الاسرائيلي، والجنرال شال، من الجانب الفرنسي، و"شال" هذا سيكون احد المشتركين في "مؤامرة الجنرالات" بالجزائر، فيما بعد .

 اوقف الامريكيون والسوفيات هذه الحملة الجديدة، لكن النية ظلت مبيتة فقد كتب مناحم بيغن يقول: (آرتس) سوف ترد الى شعب اسرائيل بكاملها والى الابد!!" .

 في عام 1967، قرر القادة الاسرائيليون تحقيق قفزة الى الامام والحرب هي سبيلهم الى مشكلاتهم. اذ ان عدد العاطلين عن العمل لديهم عام 1967 بلغ 69 الفاً من اصل القوة العاملة التي تقدر بـ 950 الف شخص. وتجاوزت الهجرة المعاكسة هجرة القادمين (عشرة آلاف مواطن تقريباً كانوا يغادرون اسرائيل سنوياً) ومدخول الاموال الآتية من يهود الخارج (من امريكا خصوصاً) كان في ادنى مراتبه ومن شأن حرب مظفرة ان تحل كل تلك المشاكل دفعة واحدة: التجنيد واحتلال مناطق جديدة، من اجل تصفية البطالة، وجلبة وصياح حول ما يهدد "امن" اسرائيلن لتنشيط عمليات جمع المال.. ثم النصر: لاعادة الثقة الى نفوس المهاجرين! وفكرة "الحرب الوقائية" كانت في مناطق النظام الصهيوني، ففي 12/10/1955 اعلن مناحيم بيغن، في الكنيست: "اعتقد مخلصاً بوجوب حرب وقائية ضد الدول العربية، دون ادنى تردد وبهذا نحقق هدفينا:
-  الاول: تدمير القدرة العربية.
-  الثاني: توسيع ارضنا.
-  وان حرب 1967 الوقائية (حرب الايام الستة) بدأت بعملية مشابهة لتلك التي قام بها الفاشستيون اليابانيون، يوم 7/12/1941، في بيرل هاربور (جزر الهاواي) حينما باغتوا الاسطول الامريكي في الباسفيك ودمروه، دون سابق اعلان الحرب، ففي الخامس من حزيران (يونيو) 1967، هاجمت الطائرات الاسرائيلية مصر – دون اعلان للحرب – ودمرت الطيران المصري الجاثم على الارض!.
-  وفي 12/6/1967، اعلن رئيس الوزراء: ليفي اشكول، امام الكنيست: "صحيح ان وجود دولة اسرائيل كان يتعلق بخيط رفيع، لكن تطلعات الزعماء العرب الى ابادة اسرائيل قد اخمدت" الا ان اياً من الساسة الاسرائيليين لم يكن ليصدق هذه الكذبة المعدة للسذج، وللاستعمال الخارجي والداخلي، وقد فضحها الوزير الاسرائيلي السابق مردخاي بنتوف، حينما صرح لجريدة (علهمشمار) يوم 14/4/1972، قائلاً:
كل هذه القصص حول خطر الابادة كانت مخترعة وملفقة ومضخمة بقصد تبرير ضم مناطق عربية جديدة" هذا ما اكده الجنرال عازر وايزمن (في عدد 19/4/1972 من جريدة معاريف) حينما قال: "ابداً لم يكن هناك اي خطر ابادة" وكذلك الجنرال بيليد، الذي قال (لجريدة هآرتس 19/3/1972): "ان النظرية التي جعلت من خطر المذابح والابادة سيفاً مسلطاً على رقابنا في حزيران 1967، والتي صوت اسرائيل وكأنها تكافح من اجل وجودها المادي، لم تكن سوى خدعة نشأت وترعرعت عقب الحرب". بل ان الجنرال رابين نفسه كتب (في نفس الجريدة المذكورة وفي جريدة لوموند الفرنسية عدد 3/6/1972): "لا اظن ان جمال عبدالناصر يريد الحرب وان الفرقتين العسكريتين اللتين ارسلهما الى سيناء، يوم 14 مايو، لم تكونا كافيتين للهجوم على اسرائيل. كان يعرف ذلك تماماً كما كنا نعرف". وهكذا اجتمع العدوان والكذب ليتيحا لاسرائيل احتلال سيناء. اما الكذب، فلأن الممثلين الرسميين لدولة اسرائيل ما يزالوا يؤكدون بانهم لا يسعون الى اي ضم للاراضي "اسرائيل لا تطمع بأي جزء من اراضي جيرانها" (تصريح اسرائيل لدى الأمم المتحدة ميخائيل كومي في 8/11/1966) وثيقة رقم (1/س ب س - ب ف/505) من وثائق هيئة الأمم المتحدة، وبينما كان (موشي دايان) قد صرح للاذاعة الاسرائيلية يوم 5/6/1967 بانه "لم تكن هناك خطة للغزو" نجد في تصريحات الجنرال هود، قائد الطيران الاسرائيلي، نقيضاً لذلك حينما قال بأن "استعدادات 16 سنة متواصلة، نفذت خلال ثمانين دقيقة فقط". (يعني الهجوم في 5/11/1967) "لقد عشنا في هذه الخطة. وكنا نتدرب على تنفيذها باستمرار" .

واثمر الغدر. اذ صار الصهيونيون يحتلون بعد حرب 1967، مساحة من الارض تعادل ثلاثة اضعاف ما حدد لهم قرار التقسيم عام 1947. ومع ذلك، فقد عادت شهوتهم الى فتوحات جديدة للظهور من جديد. فمنذ شهر يوليو 1968، عاد موشي دايان للتصريح "خلال السنوات المئة الاخيرة، عمد شعبنا الى بناء هذا البلد والامة، والى توسيع نطاقهما، بجلب مزيد من اليهود وبناء المزيد من المستوطنات، لتوسيع حدودنا. فلا ندع احداً من اليهود يقول بان هذا السياق قد انتهى. ولا ندع اي يهودي يظن بأننا سنحط الرحال قريباً".

وكانت غولدا مائير عام 1972، قد اجابت على السؤال التالي في مقابلة صحفية: "اي المناطق تعتبرينها ضرورية لامن اسرائيل" - "اذا كنت تقصد انه كان علينا ترسيم حدود معينة، فهذا ما لم نفعله.. لكن احدث النقاط الاساسية في سياسة اسرائيل، هي انه لا سبيل الى العودة الى حدود ما قبل حرب 1967 في اي معاهدة سلام، اذ لا بد من اجراء تغييرات في تلك الحدود، اننا نريد التغيير في حدودنا من اجل سلامتنا".

وبعد وقفة 1973 العنيفة، استمر تصعيد سياسة اسرائيل الاستعمارية بعناد واصرار، وعلى الاخص بعد اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر (ايلول) 1978 (ميونخ المصرية) التي سهلت مضاعفة عدد المستوطنات السكنية في المناطق المحتلة، وضم القدس، وهضبة الجولان، ثم في عام 1982.. غزو لبنان!! والذي اضفى اهمية على الاعتداء على لبنان، عام 1982 ليس له طابع استثنائي، او طابع غير متوقع، لان العملية كانت مهيأة منذ عشرات السنين.. ومندمجة في مفهوم صراع الاستعمار والفاشية الاسرائيليين من اجل "المجال الحيوي"  والجيد في الامر، هو ان عدداً كبيراً من اليهود في العالم، وبعضهم في اسرائيل نفسها، وملايين من الغربيين، بدأوا يعون، لاول مرة، الخديعة التي انطلقت عليهم منذ اكثر من ثلث قرن من الزمان، ومن المحزن انه كان لا بد من قتل عشرات الالوف من الرجال والنساء والاطفال والشيوخ، وتدمير بيروت وفظائع صبرا وشاتيلا، لكي يطل - من وراء ضباب الوهم الذي اعمى الابصار - ذلك الوجه الحقيقي، الاستعماري، العنصري، الفتان، لنظرية الصهيونية السياسية وتطبيق السياسة الحقيقية لدولة اسرائيل.

واصبح الكذب فاضحاً، الى الحد الذي صعب معه تبين الحقيقة وفظاعتها، رغم كل محاولات الصحافة والتلفزة في تمويه الامور والتخفيف من حدتها.

وكانت اولى الحجج التي ابديت، تبريراً للاعتداء على لبنان، هي محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن، والملصقة بمنظمة التحرير الفلسطينية على الفور. وعلى اثر توقيف الفاعلين والتحقيق معهم، كشفت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر عن ملابسات الحادث، فقالت: "في القائمة التي وجدت مع الفاعلين والمتضمنة لاسماء اشخاص ينوي هؤلاء قتلهم، ورد اسم المسؤول عن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في لندن. مما يثبت ان المهاجمين غير مدفوعين من قبل المنظمة الفلسطينية كما زعمت اسرائيل. وفي اعتقادي ان الهجوم الاسرائيلي على لبنان ليس انتقاماً لمحاولة اغتيال السفير.. هذه التي وجد الاسرائيليون فيها حجة لخوض حرب جديدة" .

هذا التكذيب للدعاية الاسرائيلية مر في فرنسا مروراً خاطفاً بينما هو قد الغى اسطورة "الدفاع الشرعي عن النفس" التي استخدمته كمبرر لذلك العدوان الجديد. وتتالت الاكاذيب، بعد ذلك بشأن اهداف الحرب، التي دعيت بـ"عملية سلام الجليل" والتي افترض انها ترمي الى تأمين هامش امني يمتد الى اربعين كيلو متراً من الحدود. وافسحت قوات الامم المتحدة المجال لمرور الجيش الاسرائيلي، الذي اندفع نحو بيروت. وبعد خراب بيروت، نصب بيغن على خرائبها رئيساً، كانت اسرائيل قد سلحته منذ زمن طويل، وهيأته لحسابها.

وعندما ابدى بشير الجميل قليلاً من الطاعة، نسف وهو في وسط مركز اركانه رغم مناعة هذا المركز وعدم امكان الوصول اليه دون موافقة من الجيش الاسرائيلي. وقد تذرع هذا الجيش بحجة الاغتيال لتشديد قبضته وذلك - حسب قول الحكومة الاسرائيلية - لفرض النظام، ومنع الانتقام والتصفيات.

في هذا الوقت بالذات، وعلى بعد مئتي متر من مقر القيادة العسكرية الاسرائيلية، وتحت انظارها، وتحت ضياء قنابلها المضيئة ليلاً، قام "اعوان" المحتل الاسرائيلي بمجزرة جماعية منظمة استمرت ثلاثة ايام، تم ذبح اولئك الذين كان الزعماء الاسرائيليون يهدفون الى ابادتهم، ولخص بيغن الموضوع كله بجملة واحدة: "غير يهود قد قتلوا غير يهود" وهذا ليس سوى ظاهر القصة، التي ينبغي النظر الى مضمونها كمرحلة بين كثير مثلها، من مراحل تحقيق مشروع الصهيونية السياسية "اسرائيل الكبرى".

ففي وقت لم يهاجم خلاله اي دبلوماسي اسرائيلي، ولن تكن فيه منظمة التحرير الفلسطيني موجودة اصلاً، ولم يهدد فيه اي ارهاب امن الجليل، كان ذكر غزو لبنان وارداً في البرنامج الزمني لعمليات ضم الاراضي الى اسرائيل، فقد كتب بن غوريون، في (يومياته) بتاريخ 21/5/1948، ما يلي:

"يشكل لبنان نقطة ضعف في التكاتف العربي.. فالتفوق العددي الاسلامي فيه مصطنع، ويمكن التقليل من شأنه بسهولة. ويجب ان تنشأ فيه دولة مسيحية، تكون حدودها الجنوبية عند نهر الليطاني، ونعقد معها معاهدة تحالف. ومن ثم، حينما نكون قد حطمنا القوة العسكرية العربية، وضربنا عمان بالقنابل، وسنمشط شرقي الاردن، لتسقط سوريا بعد ذلك. ولو تجرأت مصر وحاربتنا، فسنقصف بور سعيد، والاسكندرية، والقاهرة، بالقنابل. وهكذا ننهي الحرب، وننتقم لاجدادنا في مصر، وآشور، والكلدانيين" .

وهنا يتحقق المرء، على ضوء الاحداث الراهنة، كم يمكن للهلوسة الميثولوجية لدى صهيونية متعجرفة، ان توقع بآلاف المخلوقات الحية من سفك دماء، وذرف دموع.

وقبل توفر مبررات الهجوم على لبنان بوقت طويل، ادخل موشي دايان بعض التحسينات على "السيناريو" الذي وضعه بن غوريون لغزو لبنان. ففي عام 1954، يوم لم يكن الضابط (سعد حداد) - هذه الدمية الدموية بيد بيغن - سوى صبي غرير.. يطالعنا موشي دايان بالخطة التالية المنشورة في "يوميات" موشي شاريت، احد رؤساء الوزارة الاسرائيلية السابقين، وبتاريخ 16/6/1955، حيث يقول شاريت: "وفقاً لدايان، بالامر الضروري الوحيد هو العثور على ضابط صغير الرتبة، اما ان نتوصل الى اقناعه، او نشتريه بالمال، من اجل ان يقبل باعلان نفسه منقذاً للسكان الموارنة (المسيحيين). وعندئذٍ يدخل الجيش الاسرائيلي لبنان، فيحتل المنطقة اللازمة. ويقيم نظاماً مسيحياً يكون حليفاً لاسرائيل. اما المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني، فتضم نهائياً لاسرائيل".

وبعد بضعة ايام من يومياته، يكتب شاريت هذه الملاحظة"

- "استحسن رئيس هيئة اركان الحرب فكرة شراء ضابط (لبناني) يقبل بان يكون دمية في يدنا، بطريقة تجعل الجيش الاسرائيلي يبدو وكأنه يستجيب لنداء من اجل تحرير لبنان من مضطهديه المسلمين".

وهكذا يتضح جلياً - وبعيداً عن خرافات "الامن" او "سلام الجليل" - معنى حرب لبنان، كما كشف عنه، الوزير الجديد لبيغن: البروفسور (ني امام) - من الحزب الوطني الديني، من اقصى اليمين (ها تحيا) - حينما قال:
"فرصة ممتازة تسمح لاسرائيل، لكي تقيم نظاماً جديداً في لبنان.. ويجب على الجيش ان يتهيأ طويلاً. خلال هذا الوقت، ستتمكن اسرائيل من تحسين وضعها الاقتصادي والتقني في هذه المنطقة التي تشكل - من الوجهة التاريخية - جزءاً لا يتجزء من ارض اسرائيل كما سيكون بامكانها ادخال الجزء الجنوبي من لبنان، حتى الليطاني، ضمن خطة التنمية" . وكما هو معتاد، بعد كل تصعيد للموقف، ينادي الزعماء الاسرائيليون بوجوب المضي بعيداً من اجل تحقيق الخطة البعيدة المدى، المعتمدة من الصهيونية السياسية. وها هو الان ارييل شارون، يرى "باننا لم نقم بعد، الا بجزء يسير من العمل" .

وينطبق على هذه الحرب كما يصدق على غيرها من حروب اسرائيل، ما قاله البروفسور "ليبوفتز" في مؤتمره الصحفي يوم 14/6/1982، من ان "الهدف من هذه الحرب هو التحضير للحرب التي تليها".

ويحدث كل هذا، في الواقع، كما لو ان القادة الصهيونيين يطبقون حرفياً ما جاء في كتاب يوشع "كل مكان تدوسه بطون اقدامكم، اعطيه لكم".

انه مفهوم "اسرائيل الكبرى" هدف الصهيونية السياسية الدائم وهو ما عناه قائد الاحتياط الجنرال غازيت، الرئيس الحالي لجامعة بن غوريون، في بير السبع، وهو يستعرض الغايات الجوهرية الكامنة وراء الازمة الاسرائيلية العربية:

"يجب ان تكون ارض اسرائيل ذات يوم، وبمجموعها، تحت السيطرة الاسرائيلية، بل ومندمجة في الدولة اليهودية، وعلى اسرائيل ان تقر بالضرورة الملحة لحل جذري لمشكلة الوجود العربي فوق الارض التاريخية العائدة لاسرائيل" .

في الداخل: طرد العرب من فلسطين.. وفي الخارج: العمل على تفتيت الدول العربية.. وهما جناحا المشروع الصهيوني.

وفي مقال في مجلة "كيفونيم" - اي ارشادات او - نشرته "المنظمة الصهيونية الدولية" في القدس (العدد 14 فبراير، شباط 1982) يستعرض استراتيجية خاصة لاسرائيل في الثمانينات".

هذا النص يعري الطريقة التي يتعين على دولة اسرائيل الصهيونية ان تتبعها في حال تصديها المنهجي لبنية كل دولة من الدول العربية المجاورة، بغية تفتيتها، الا ان عملية على هذا النطاق الواسع، مصحوبة بما تقدمه الولايات المتحدة الامريكية لاسرائيل من دعم غير محدود ولا مشروط وحتمية وضعف الدول العربية والاسلامية ودول العالم الثالث، واستحالة عدم تدخل الاتحاد السوفياتي اثناء تنفيذ تلك العملية.. كل هذا يشكل مفحزاً خطيرا لحرب عالمية ثالثة يستتبعه التورط في حرب نووية قد تؤدي الى انتحار كوكبنا الارضي!!. والمشروع الصهيوني، الذي نستشرف هنا نتائجه القصية..

وبدل النص الذي سنورده منه، على ان الزعماء الصهاينة يعتمدون مواجهته، بمنطق عقيدتهم وهذيانهم - هذا المشروع لا تقتصر علاقته على جزء محدود من العالم بل هو يهدد جميع الشعوب. وتمثل تطلعاته الاستعلائية خطورة فعلية نظراً لان الدولة الصهيونية قد حققت حتى الان كل ما كانت تعلن عن اعتزامها تحقيقه مستقبلاً.

وفي ما يلي، نورد من ذاك المقال الصادر عن "المنظمة الصهيونية الدولية"، الفقرات الاكثر دلالة.. والكاشفة عن الابعاد التي يتصل بها حلم الصهيونية السياسية القديم المعنون بـ"اسرائيل الكبرى"…

"استرداد سيناء، بمواردها الحالية هو هدف اولوي لا تزال اتفاقات "كامب ديفيد" ومعاهدات السلام تقف حائلاً دون الوصول اليه. وباعتبارنا محرومين من المداخيل المتأتية من سيناء، فاننا ملزمون ببذل نفقات باهظة في هذا المجال، وعلينا ان نعمل على استعادة الوضع الذي كان سائداً قبل زيارة السادات، والاتفاق التعيش المعقود معه عام 1979. ان وضع مصر الاقتصادي، وطبيعة نظامها، وسياستها العربية هي قنوات تصب في نقطة واحدة تستدعي من اسرائيل مواجهتها. ومصر وبحكم ازماتها الداخلية، لم تعد تمثل بالنسبة لنا مشكلة استراتيجية، وسيكون بالامكان، خلال 24 ساعة فقط، اعادتها الى ما كانت عليه قبل حرب يونيو (حزيران) 1967، فقد تلاشى تماماً التوهم بزعامة مصر للعالم العربي.. وهي امام اسرائيل وبقية العالم العربي، قد خشرت خمسين بالمائة من قوتها. واذا هي استطاعت الافادة - في المستقبل المنظور - من استعادتها لسيناء، فان ذلك لن يغير في ميزان القوى. كذلك فقد فقدت تماسكها ومركزيتها، وخاصة بعد تفاقم حدة الاحتكاك بين مسلميها ومسيحييها، لذا، يجب ان يكون تقسيمها الى اقاليم جغرافية متمايزة، هدفنا السياسي في التسعينات، على الجبهة الغربية. وعندما تصبح مصر هكا مجزأة، ومحرومة من السلطة المركزية… يتفكك كيان دول اخرى كليبيا والسودان وغيرهما، وان تشكيل دولة قبطية في اعالي مصر، وكيانات اقليمية ضعيفة الاهمية، هو فاتحة تطور تاريخي يؤخره حالياً اتفاق السلام، ولكنه محتم على المد الطويل رغم الظواهر، فالمشكلات الكامنة في الجبهة الغربية، تقل كثيراً عن مثيلاتها في الجبهة الشرقية، وتقسيم لبنان الى خمسة اقاليم، يصور مسبقاً ما سيحدث في مختلف ارجاء العالم العربي، وانشطار سوريا والعراق الى مناطق محددة على اساس المعايير السكانية او الدينية، يجب ان يكون - على المدعى البعيد - هدفاً اولوياً لاسرائيل، علماً بان المرحلة الاولى منه تتمثل في تحطيم القوة العسكرية لدى هاتين الدولتين.

"ان البنى السكانية لسوريا تعرضها لتفكك يمكن ان يؤدي الى خلق دولة شيعية على طول الساحل الغربي، ودولة سنية في منطقة حلب، واخرى في دمشق، وكيان درزي يمكن ان يطمح الى تشكيل دولة خاصة به - ربما فوق ارضنا بالجولان - من حوران وشمالي المملكة الاردنية.. ودولة كهذه من شأنها ان تكون - على المدى البعيد - ضماننا للسلام والامان وتحقيق هدف كهذا هو في متناول ايدينا. والعراق - الغني بنفطه، والفريسة للصراعات الداخلية، هو في مرمى التستيد الاسرائيلي. وانحلاله سيكون - بالنسبة الينا - اهم من انحلال سوريا، لان العراق يمثل اقوى تهديد لاسرائيل، في المدى المنظور. واندلاع حرب بينه وبين سوريا يسهل انهياره الداخلي، قبل ان يتمكن من توجيه حملة واسعة النطاق ضدنا علماً بان كل مواجهة بين عرب وعرب، ستكون مفيدة لنا، ونقرب ساعة الانفجار المرتقب.. ومن الممكن ان تعجل الحرب الحالية مع ايران، بحلل تلك الساعة. ثم ان شبه جزيرة العرب مهيأة لتفكك منهذا القبيل، تحت ضغوط داخلية. كما هو الحال في المملكة العربية السعودية بالذات حيث يتمشى اشتداد الازمات الداخلية وسقوط النظام الملكي، مع منطق بنيتها السياسية الراهنة. وتعتبر المملكة الاردنية هدفاً استراتيجياً، في الوقت الحاضر.. فيما انها لن تشكل - في المدى البعيد - تهديداً لنا، بد تفككها ونهاية حكم الحسين، وانتقال السلطة الى يد الاكثرية الفلسطينية. وهو ما ينبغي على السياسة الاسرائيلية ان تتطلع اليه. فهذا التغيير يعني حل مشكلة الضفة الغربية، ذات الكثافة الشديدة من السكان العرب، اذ ان هجرة هؤلاء العرب الى الشرق - سلماً او حرباً - وتجميد تناميهم الاقتصادي والسكاني، هما ضمانة للتحولات القادمة، وعلينا بذل كل الجهود من اجل الاسراع بهذا المسار يجب استبعاد خطة الحكم الذاتي، وكل خطة تستتبع تسوية او مشاركة في تعايش، يقف حائلاً دون انفصال الشعبين: او الشرط الاساسي لتعايش سلمي حقيقي. على العرب الاسرائيليين - (وضمناً الفلسطينيون) - ان يدركوا انهم لن يستطيعوا اكتساب وطن الا في المملكة الاردنية.. ولن يعرفوا الامان الا باعترافهم بالسيادة اليهودية فيما بين البحر المتوسط ونهر الاردن.

وفي عصر الذرة هذا، لم يعد ممكناً قبول تزاحم ارباع السكان اليهود داخل منطقة ساحلية مكتظة بآهليها ومعرضة لتقلبات الطبيعة.. لذا، فان توزيع انتشار هؤلاء السكان هو من اولى واجبات سياستنا الداخلية، فيهودا والسامرة والجليل، هي الضمانات الوحيدة لبقائنا الوطني، واذا لم نصبح الاكثرية في المناطق الجبلية، فيخشى ان يحل بنا مصير الصليبيين، الذين فقدوا هذه البلاد، كما ان اعادة التوازن على الصعيد السكاني والاستراتيجي والاقتصادي، يجب ان يكون مطمحاً رئيسياً لنا. وهذا ينطوي على ضرورة السيطرة على الموارد المائية في المنطقة الواقعة بين بئر السبع والجليل الاعلى، والخالية من اليهود حالياً" (انتهى نصف مقال المنظمة الصهيونية الدولية).

ومشروع الصهيونية السياسية الاستعماري العنصري هذا ينطوي على طرد الفلسطينيين واغتصاب حقوقهم وابعادهم، ثم على سلسلة من الحروب العدواني في الشرق الاوسط ثم على سلسلة من الحروب العدوانية في الشرق الادنى، واخيراً، على تفتيت كيان الدول العربية جمعاء وبات يشكل تهديداً للسلام العالمي.

ربما تبدو هذه المفارقات في ان بلداً صغير المساحة، محدود السكان، كهذا، يمكن ان يؤدي دوراً بالغ الاهمية على مسرح السياسة الدولية. ولتفهم ذلك، لا يكفي التنويه بموقعه الاستراتيجي.. رغم اتسامه بالاهمية البالغة عند مفترق طرق القارات الثلاث. وحاييم وايزمن، كان على صواب حينما اكد لمفاوضيه البريطانيين بان "الدولة اليهودية في فلسطين، ستكون درعاً واقياً لانجلترا، وخاصة فيما يتعلق بقناة السويس" .

والواقع ان بيد اسرائيل "مفاتيح" اكبر طريق تجاري وعسكري للغرب نحو الشرق، واذا كان هذا لم يعد اليوم لحساب بريطانيا - نظراً لانتقال الهيمنة الدولية - فهو لحساب الولايات المتحدة الامريكية. وقد اصبح لدور اسرائيل، كشرطي في الشرق الاوسط، مزيد من الضرورة بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، منذ ان تعذر عليها الاعتماد على قواعدها في ايران (بعد انقلاب نظام الشاه) فاسرائيل وحدهان تستطيع السيطرة اذن ليس فقط على قناة السويس، بل وعلى المنطقة النفطية، كما تستطيع توفير قواعد مأمونة في شرقي البحر الابيض المتوسط. وهذه مهمات، لا تستطيع الولايات المتحدة بمفردها ان تنجزها، (فتجربة ايران قد صدمتها بشأن تدخلها المباشر بشؤون العالم الثالث) لذا، فهي تعمل - عبر اسرائيل- بعد تزويدها بدعم غير محدود ولا مشروط، وان الوضع مريح جداً لها ولا تنتقص منه الاحكام الشفهية الصادرة، بين حين وآخر، ضد اسرائيل.. التي تحميها لعبة الفيتو من عقاب فعلي قد يعرقل نشاطها، والتي تتلقى من امريكا كل المال والسلاح اللازمين لتحقيق المهمات الحيوية الموكلة لها، وللحفاظ على ثقل الولايات المتحدة الامريكية في التوازن الدولي.. والملفت للنظر ان الولايات المتحدة تزود الجيش الاسرائيلي بأحدث الاسلحة المتطورة، تخبرنا صحيفة "الانترناشيونال هيرالدتريبيون" في عددها الصادر يوم 22/7/1982، بان الحكومة الاسرائيلية قد انفقت تلك السنة خمسة مليارات ونصف المليار من الدولارات، على التسليح والتجهيز العسكري. علماً بان ثلث هذا المبلغ يتأتى من الخزينة الامريكية. وقد حصل الجيش الاسرائيلي على معظم تجهيزاته العسكرية، بموجب برنامج المساعدات العسكرية الامريكية للخارج، البرنامج الذي اعطى اسرائيل (15) مليار دولار - من اصل (28) مليار وزعت على العالم منذ عام 1951. وبين الـ(567) طائرة، التي كانت بحوزة اسرائيل عشية غزو لبنان، هناك (475) طائرة مشتراة من الولايات المتحدة الامريكية بفضل المنح والقروض المقدمة من حكومة واشنطن.

باستثناء تأجيل تسليم القنابل الانشطارية (التي بات بإمكان الاسرائيليين صنعها الان) فان الامريكيين لم ينقطعوا يوماً عن تزويد اسرائيل بالسلاح وفقاً لتصريحات المسؤولين في وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) والرسميين الاسرائيليين ايضاً، هذا وسيتم (كالمعتاد) بيع (11) طائرة من نوع أف/15 لاسرائيل. بالاضافة الى تسليمها - حسب الموضوع سلفاً - طائرات وصواريخ ذاتية التوجيه وشاحنات ومركبات اخرى ومصفحة.

ان التعاون الوثيق القائم بين القوات المسلحة وبين مصانع السلاح، في كلا البلدين، يجعل من المستبعد والمكروه شعبياً كل مشروع للعقاب الامريكي اسرائيل. ويتلقى "البنتاغون" من اسرائيل معلومات مفصلة حول خصائص السلاح الذي تتلقاه.. ولم يجرب الجيش الامريكي البعض منه بعد.. كما سيكون الحال بالنسبة لطائرة الاستكشاف (هوكي) التي استخدمت في المرحلة الاولى من حرب لبنان، ضد الاهداف البعيدة في العمق السوري.

وهكذا يستطيع الجيش الامريكي تجربة ادق اسلحته الهجومية، بواسطة جيش آخر هو اشد فعالية من اي فرقة امريكية منقولة.

من وجهة النظر "الجيوبوليتيكية" - حسب تعبير النازيين الهتلريين - فان حكومة جنوب افريقيا وحدها، تستطيع تقديم خدمات مماثلة، (رغم ضآلتها بالمقارنة مع مثيلتها اسرائيل) نظراً لان تلك الحكومة تسيطر على طريق اخر (غير السويس) الى آسيا عبر الرجاء الصالح.. وتمارس ضغطاً قوياً على افريقيا.

هذا التكامل الجلي بين اسرائيل وجنوب افريقيا، وعاه قياديو البلدين وترجموه الى تضامن وثيق، وخاصة انه مصحوب بتشابه في الانظمة (التمييز العنصري) وفي المواقف (منازعات مستمرة مع الافارقة السود، من جهة، ومع العالم العربي، من جهة اخرى).

وفي عام 1967، حددت مجلة (الشؤون اليهودية)، ذلك "التكامل" الاستراتيجي، بدقة تامة، فقالت: "ترى حكومة جنوب افريقيا ان الشرق الاوسط - حيث تتولى اسرائيل الحراسة كخفير متواضع، لا يمكن تغييره.. مع ذلك - الخط المتقدم لدفاعها عن ذاتها. بعبارة اخرى، ان اسرائيل تحمي، بل عليها ان تحمي الممر الذي قد يتحول الى اخطر سبل الاتصال، في حال الاعتداء. ان اهمية مستقبل الممر المائي بين البحر الابيض المتوسط والحيط الهندي - والتي تعتبر اساسية بالنسبة لاسرائيل - لهي كذلك بالنسبة لجنوب افريقيا، وبنفس القدر من اهمية حماية طريق رأس (الكاب). واذا تأتى لهذه المنطقة ان تقع بين ايد معادية، فسيتعطل الطريق البحري نحو "الكاب" وتزداد خطورة المسائل الامنية بالنسبة لجنوب افريقيا. اما بالنسبة لاسرائيل، فان وجود امة يقظة ومتينة الاقتصاد، في اقصى جنوب القارة الافريقية، يمثل عنصراً جوهرياً في اي استراتيجية فعالة ترمي الى تأمين مؤخرتها".

وقد ترجم التكامل بين اسرائيل وجنوب افريقيا الى اعمال مشهودة على ارض الواقع.. كمجيء "فوستر" الى اسرائيل عام 1967 في رحلة ذات دلالة بعيدة، نظراً لان "فورستر" رئيس البلد المتميز بتمييزه العنصري الصارخ، كان برتبة جنرال اثناء الحرب العالمية الثانية، في "المنظمة المناصرة للنازية" "اوساوا برنداوغ"  كما ترجم الى تعاون عسكري، وتجاري، وثقافي وثيق. اثناء هذه الزيارات، كتبت الصحيفة الاسرائيلية هآرتس في عددها الصادر يوم 26/4/1976، ما يلي:

- "كيف حدث ان ماضي فورستر لم يثر اهتمامنا نحن الذين كنا شديدي الاهتمام بتفحص مسلك اشخاص ادنى اهمية اثناء الحرب العالمية الثانية؟ هل لان مصلحة اسرائيل القومية هي اهم من الذكرى المقدسة لستة ملايين ضحية من ضحايا الهولوكوست النازي؟".

لقد ازدادت العلاقات متانة منذ ان اجرى شمعون بيريز، و(بوتا)  وزير الدفاع في حكومة جنوب افريقيا اولى المفاوضات بين البلدين عام 1970 ودأبت شركات جنوب افريقياً على استخدام اسرائيل سبيلاً للإفلات من العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد جنوب افريقيا من قبل بقية دول العالم.. كما ان الاتفاقية القائمة بين اسرائيل ومنظمة السوق الاوروبية الشتركة، على الصعيد الاقتصادي والصناعي وكذلك العلمي، بدأت تتيح لتلك الشركات ادخال منتجاتها الى بلاد السوق الاوروبية المشتركة.

- "..ولكن، مع وجود العلاقات الاخرى، يعتبر الاتفاق بين البلدين على الصعيد العسكري هو الاهم والاساسي" .

وقد اكدت جريدة تايمس اللندنية، الصادرة في 3/4/1976، ما يلي:
"نتيجة لمنع تداول السلاح، تعاني حكومة جنوب افريقيا بعض الصعوبات في التزود بالاجهزة الحديثة، واسرائيل هي احدى الدول التي تزودها بما تحتاج اليه من سلاح، وتجعلها تستفيد من التجارب المكتسبة من الحروب ضد العرب، وخلال السنوات الاخيرة، زاد الشبه بين جنوب افريقيا وبين اسرائيل وعلى الاخص بين تطور النظام الصهيوني وتطور النظام الافريقي الجنوبي".

وفي رسالة لسكرتير الأمم المتحدة عام 1976 قال رئيس المؤتمر اليهودي الامريكي، بانه "يلاحظ مع الاسف، ان اسرائيل تعتبر بين عدد من الدول التي تزود جنوب افريقيا بالاسلحة" .

وتدفع حكومة جنوب افريقيا لقاء هذا: معدن الاورانيوم المتوفر لديها، والمطلوب من جانب اسرائيل، التي زخرت ترسانتها بعد نوفمبر 1976 بعدد من القنابل الذرية، من طراز قنبلة هيروشيما، يتراوح بين 13 و 20 قنبلة .

ونشرت الجريدة الاسرائيلية هآرتس في 29/6/1975 مقالاً لـ"شلومو آرنسون" يلح فيه الكاتب على "ضرورة اعادة دراسة الموقف الاستراتيجي السياسي الاسرائيلي".. ويقول: "السلاح النووي هو احدى الوسائل التي يمكن ان تخنق امل العرب في تحقيق انتصار نهائي على اسرائيل. ان بعض القنابل الذرية تكفي لالحاق اضرار جسيمة بجميع العواصم العربية، وللتسبب في انهيار سد اسوان وبكمية اضافية، نستطيع اصابة المدن متوسطة الحجم، والمنشآت البترولية. ان في العالم العربي مئات الاهداف التي ينزع تدميرها من كل الامتيازات التي جنوها من حرب الغفران (1973)".

كيف امكن لدولة اسرائيل الصهيونية ان تنال هذه الاهمية الاستراتيجية الشاملة للقوى، ما مكنها اليوم من تهديد السلام العالمي؟.

لقد سبق لهرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) ان قال بوضوح تام: - "بالنسبة لاوروبا، نشكل في فلسطين حامي الحضارة من الهجمات البربرية".. ولكن ومنذ ذلك الوقت، لم تكتفِ دولة اسرائيل بان تكون وكيلة الاستعماريين الغربيين في الشرق الاوسط.. بل اصبحت بيد الولايات المتحدة الامريكية حجر الاساس في ميزان القوى فوق رقعة الشطرنج للسياسة العالمية.

ويستخدم ساسة اسرائيل الصهاينة هذه الحجة كثيراً. فهم، في مقال "كيفونيم" الذي سبقت الاشارة اليه (فبراير 1982) يستعيدون تناول اهم مسائل "الحرب الباردة":

"احد اهداف الاتحاد السوفياتي الرئيسية هو قهر الغرب، بتوصله الى التحكم بالموارد الضخمة الموجودة في الخليج العربي وجنوب افريقيا، وتتركز اغلبية الحاخامات المعدنية العالمية، ونستطيع تصور ابعاد هذه المواجهة الشاملة التي سيكون علينا ان نجاببها في المستقبل، ان نظرية "غورشيكو" تطالب بسيطرة سوفياتية على المحيطات واكثر المناطق الزاخرة بالثروات المعدنية في العالم الثالث، وطبقاً لمفاهيم الاتحاد السوفياتي الحالية بشأن استخدام الذرة، يمكنه القيام بحرب نووية، والفوز بها، والبقاء بعدها، وقد حطم قوة الغرب العسكرية، وتحويل سكان هذا الغرب الى عبيد في خدمة الماركسية اللينينية. ذلك اليوم هو اكبر خطر يهدد السلام العالمي ووجودنا ذاته" .

هذا الاستغلال لمناهضة الشيوعية، من قبل شخص من نوعية مناحيم بيغن هو طابع مميز لمسار الصهيونية السياسية، التي تستطيع التعبير بحذلقة افضل - ودون تعبير في الجوهر - بلسان شمعون بيريز لتقديم "همجية ذات وجه انساني" واستبدال بيغن بشمعون بيريز هو ما يتطلع اليه ريغان من اجل متابعة نفس الخط السياسي ولكن بملامح خارجية اقل تنفيراً.

ولن تغير تبجحات مناحيم بيغن من الحقيقة شيئاً: اذ ان ارتباط اسرائيل وماليتها وتسلحها بالولايات المتحدة الامريكية هو ارتباط عضوي قام بعد قيام اسرائيل بضم الجولان اليها ورداً على التحذيرات الشفهية من جانب ادارة ريغان، ابلغ سفير الولايات المتحدة الامريكية بملاحظة كان اهم ما فيها قوله: "مرة اخرى، تعلنون عنعزمكم على معاقبة اسرائيل.. فماذا تعني عبارة كهذه؟. اترانا من اتباع الولايات المتحدة؟ ام اننا من جمهوريات الموز؟ انكم لن تنجحوا في تخويفنا.. فلقد عاش شعب اسرائيل (3700) سنة دون ائتلاف على الشكل القائم الان مع امريكا، وسيتابع مسيرته دونما حاجة اليه لمدة (3700) سنة اخرى…".

ولا خطر من تبجح بيغن هذا، لان سياسة الصهيونية الاسرائيلية تتطابق تماماً مع مرامي السياسة العالمية للولايات المتحدة، وتؤدي فيها دوراً فريداً يتعذر على غيرها ان يشغله. مما يسمح للحكومة الاسرائيلية ان تفعل او تقول ما تشاء.

وعلى كل حال، فان لتمويل دولة اسرائيل خاصية تميز طبيعة هذه الدولة.

خلال "مؤتمر المليارديرات اليهود"  الذي عقد في القدس، في 9 و10 اغسطس (آب) عام 1967، كشف "بنحاس سابير" وزير المالية الاسرائيلي عن تلقي اسرائيل مبلغ سبعة ملياردات من الدولارات بين 1949 و1966. ولتقدير دلالة هذا الرقم يكفي التذكير بان المساعدات المقدمة بموجب خطة مارشال الامريكية الى اوروبا الغربية بين 1948 و1954، بلغت 13 مليار دولار.. اي ان دولة اسرائيل تلقت من اجل مليوني نسمة - عدد سكانها ذلك الوقت - اكثر من نصف ما تلقاه (200) مليون اوروبي، اي مئة ضعف لكل شخص؟!..

وجه ثان للمقارنة: لم يتجاوز متوسط المساعدات السنوية التي تلقتها "البلدان النامية" خلال فترة ما بين 1951 و1959، ثلاثة مليارات و167 مليون دولار … بينما تلقت منها اسرائيل - وعدد سكانها في ذلك الوقت مليون و700 الف نسمة - اي اقل من واحد بالالف من مجموع سكان الدول النامية - (400) مليون دولار. بعبارة اخرى تلقى مليونا اسرائيلي مئة ضعف مما تلقاه ملياران من سكان العالم الثالث، وبمزبد من المقارنات الواضحة نشير الى ان منحة المليارات السبعة من الدولارات، التي تلقتها اسرائيل خلال ثماني عشرة سنة، تمثل اكثر من مجموع مداخيل العمل الوطنية في كل الدول العربية المجاورة (مصر، سوريا، لبنان، الاردن).. وكانت تصل الى ستة مليارات من الدولارات في عام 1965.

وبالنسبة للمساهمة الامريكية في المساعدات، يتبين ان الولايات المتحدة قدمت - بين 1945 و 1967 (435) دولاراً لكي اسرائيلي و(36) دولاراً لكل عربي. او بعبارة اخرى قدمت لـ 2,5 % من السكان ثلاثين بالمئة من المساعدات المقدمة لـ 97,5% من الاخرين.

وقد قدر الاقتصادي الاسرائيلي المعروف دوليا "دون باتمكين" ان صافي الناتج القومي الاسرائيلي بين 1950 و 1958 - لا يستطع حتى تمويل الاستهلاك الخاص العام، واستهلاك الرأسمال الموجود ، وبعبارة مبسطة، ان نتاج العمل في اسرائيل، لا يغطي الاحتياطات، وطبقاً لكتاب الاحصاءات السنوي للحسابات القومية (1965) الصادر عن الأمم المتحدة، فان تغطية صافي النتاج القومي لكامل احتياجات دولة اسرائيل، قد تراوحت بين 80 و 83% بينما تجاوزت نسبة الـ 87% حتى في بلاد كفييتنام، كانت تنيخ تحت وطأة حرب مستمرة، كذلك تجاوزت 80 % في بلد كالاردن، ولا موارد طبيعية له، وصحراوي في معظمه كما تجاوزت 90 % في بلاد نامية: كبوليفيا والسودان ومالطا ولبنان.

وتعتبر دولة اسرائيل الصهيونية اكثر بلاد العالم تعلقاً وارتباطاً بالخارج، وفي محاولة لملء هذا الفراغ. دعا الزعماء الصهاينة، بعد حرب 1967، الى عقد مؤتمر سنوي في اسرائيل "المليونيريين" اليهود المتواجدين في الشتات (دياسبورا). وفي افتتاح اول هذه المؤتمرات، المنعقد في اسرائيل عام 1968. قال الدكتور ياكوب هرتزوغ، المدير العام لمكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي، مجدداً الهدف من تلك الاجتماعات:

- "يجب النظر في كيفية جذب اهم الاستثمارات الى اسرائيل، واشراك اصحاب الرساميل اليهود المقيمين في الشتات بقتصاديات اسرائيل، بطريقة تشعرهم بالمسؤولية الفعلية.. كما اننا نخطط الان لشيء آخر، لنوع من الحوار الموسع حول مطابقة الشتات لاسرائيل، في اطار العمل ضد التشبيه بالشتات".

وقد تكشفت العملية عن كسب مالي كبير، لان المنظمات اليهودية الامريكية ترسل سنوياً الى اسرائيل مليار دولار وسطياً، وباعتبار ان هذه المشاركات "خيرية" فانه يتم اسقاطها من ورقة الضرائب المفروضة على واهبيها.. اي انها تقع على عاتق دافع الضرائب الامريكي، حتى لو استخدمت لمساندة "الجهد الحربي" في اسرائيل وتمويل اعتداءاتها. الا ان معظم المبالغ يأتي مباشرة من الدولة الامريكية، التي تتجاوز "مساعداتها" ثلاثة مليارات دولار في السنة الواحدة.

ورغم القول بانه من المتوقع زيادة هذه المساعدات السنوية البالغة 3 مليارات دولار، خلال سنة 1982، فان ذلك يتناقض مع التخفيضات المفروضة على الميزانية الامريكية لصالح برامج سياستها الداخلية وقرابة نصف تلك المساعدات "الرسمية" هي عبارة عن هبات و"قروض" سرعان ما ينسى امرها، اما الباقي فيضاف الى الديون الاسرائيلية للخارج، وهذه سريعة التزايد، وتقارب حالياً عشرين مليار دولار. وبمعدل لا مثيل له من قبل يبلغ خمسة آلاف دولار عن كل شخص من مجموع السكان.

ويتكون قوام تلك المساعدات السنوية من شحنات الاسلحة التي هيأ لها الكونغرس الامريكي طريقة تمويل خاصة عبر القرار الذي اصدره عام 1976، بشأن الاشراف على تصدير السلاح وذلك بدافع من تخفيف الدافع الصارخ لتدفقها السنوي، ولتجنب الانتقادات العامة.

وهكذا، ففي سنة 1980 المالية، سمح ببيع سلاح لاسرائيل بقيمة مليار دولار، وتبعه على الفور نصف هذه القيمة ليعتبر مبلغ الـ 500 مليون دولار بمثابة قروض، ويزيد الباقي في الديون المترتبة على اسرائيل تجاه الحكومة الامريكية وتمتد مهلة سداد هذه الديون الى عشرات السنوات. ونظراً للتفاقم المستمر في ازمة اسرائيل الاقتصادية منذ عام 1973 فقد صار هذا السداد صورياً، ما دامت المساعدات الامريكية المتجددة والمتزايدة كل عام، تحل محل الدفعات المعادة .

وقد سبق ان قدمت الحكومة الامريكية لاسرائيل كميات ضخمة من الاسلحة اثناء العدوان الاسرائيلي عام 1956 على مصر. وبهذا الصدد، كتب الصهيوني ميشيل بار زوهارو" : اعتباراً من شهر يونيو (حزيران) بدأت كميات ضخمة من السلاح تتدفق على اسرائيل، بموجب اتفاق فائق السرية يقضي بان لا يعرف بهذه الشحنات لا واشنطن، ولا الجهاز الانجليزي الفرنسي الامريكي المكلف بمراقبة ميزان القوى في الشرق الاوسط، ولا الحكومة الفرنسية المعارضة لاي تقارب مع اسرائيل قد يعرض للخطر ما تبقى من روابط بين فرنسا وين زبائنها العرب".

وتزايدت المساعدات عن طريق عقود سرية للصيانة والمقاولات، وعلى الاخص في الطيران.. ومثال على ذلك ان مصانع الطيران في اسرائيل تتلقى عقوداً لتصنيع قطع غيار عائدة لطائرات (أف/4 وأف/15).

واخيراً، تنطوي المساعدات الاقتصادية على تسهيلات مقدمة للصادرات الاسرائيلية الى الولايات المتحدة الامريكية، تتمثل في اعطائها افضلية على "البلاد النامية" بحيث يدخل 96% من هذه الصادرات الى الولايات المتحدة (نحو مليار دولار) معفياً من اي ضريبة. وباختصار، يكفي ايراد رقم واحد لتحديد طابع الدولة الصهيونية في اسرائيل: فمجموع المساعدات الامريكية التي تتلقاها وحدها، هو بنسبة (750) دولار لكل فرد من سكان اسرائيل. اي ان هذا "البخشيش" وحده، المضاف الى المدخول القومي، يعادل ضعف صافي المدخول القومي للفرد في مصر، او في معظم بلاد افريقيا. وهكذا يتلاشى الكثير من الاساطير، وفي طليعتها تلك الخدعة الكبرى التي تصور اسرائيل دويلة ضعيفة، مهددة باستمرار بامواج متلاطمة من العرب، ومحكوم عليها بالكفاح من اجل البقاء على قيد الحياة.. فيما انها تملك بفضل الولايات المتحدة الامريكية - وسائل تمكنها من الوصول، خلال 48 ساعة، الى دمشق وعمان والقاهرة وبغداد، كما بلغت بيروت.. وليس الخطر الحقيقي في انها مهددة بالخراب، باستمرار، بل في انها هي التي تشكل تهديداً دائماً بالاعتداء على جميع جيرانها. والاسطورة (التي بفضلها يتقبل الرأي العام الغربي كل شيء من اسرائيل، حتى اكثر الجرائم قباحة) اسطورة "المعجزة" المزعومة لداوود الصغير الذي تصدى للغول العربي، "جالوت" الجبار.. بينما يستطيع "صغيرنا" داوود بان يثقل مقلاعه بكل اسلحة الولايات المتحدة الامريكية واموالها.