الفصل الثاني:الاسطورة الصهيونية السياسية الراهنة لدولة اسرائيل

"غير يهود.. قتلوا غير يهود"
تصريح بيغن عقب مذابح صبرا وشاتيلا 27 سبتمبر 1982).  

سياسة اسرائيل العنصرية: واقع استعماري
ترفض الصهيونية السياسية التي تقرأ التوراة بروح قبلية متعصبة ونزعة قومية عنصرية الاصغاء لعهد "ميخا" (3/19-12):

"استمعوا الى هذا، يا سادة يعقوب، يا قضاة بني اسرائيل، يا من تكرهون الحق، وتجعلون كل صراط مستقيم ملتوياً، ببنائكم صهيون في وسط الدماء، وبأغراقكم اورشليم في الجريمة، وهكذا بسببكم، ستحرث ارض صهيون كالحقول، وتصبح اورشليم كتلة انقاض".

لقد اقتطعت تلك القراءة الانتقائية لنفسها ثلاث خرافات رئيسية، هي خرافة الشعب المختار، وخرافة الهبة المعطاة لهذا الشعب من ارض كنعان، وخرافة "اسرائيل الكبرى" المقتصرة على اليهود.

ان قراءة ناقدة للتوراة تحدد العصر الذي شهد اختلاق تلك الموضوعات وتكشف مراميها السياسية واللاهوتية، هي وحدها القادرة على دمج تلك المسائل بتاريخ من تقدير الانسان وتقرير الله.

واذا كانت التوراة، بنظر المؤمن، تكشف عن تجلي الله في حياة البشر، فالمهم فوق كل شيء ادراك ما في نصوصها من لمحات شعرية واشراق الهي. وبالتالي، فلا يمكن قراءتها ككتاب تاريخ، مثل التاريخ الروماني. لان نصها حينئذٍ يكون ادنى قيمة من الناحية الموضوعية. ما دام يتعذر انتهاج "الموضوعية" معياراً لاختيار الروايات التوراتية بشأن حركة الرسل الاولين، والاقامة في مصر، والخروج من مصر، وموسى، والاستقرار في ارض كنعان، لاستحالة التحقق من هذه الامور، سواء عن طريقة وثائق مخطوطة من مصادر خارجة عن نطاق التوراة، ام عن طريق معلومات مستقاة من الحفريات الاثرية. اما موت سليمان، فهو اول حدث في تاريخ اسرائيل يمكن تحديد تأريخه بالضبط  لان بالامكان اقامة مقارنة تاريخية لتسلسل احداث المملكة الآشورية الحديثة وهو تسلسل يمكن الوثوق به، ومحدد بدقة بواسطة الحسابات الفلكية.

ليس هناك شارح جاد لا يقر اليوم بان اقدم النصوص التوراتية المسماة بمصدر "يهوه" قد تم وضعها فيما بعد، في عهد سليمان، ونتجت عن تجميع احاديث تناقلها الرواة. وهذه الروايات التوراتية الناقلة لملاحم حدثت قبل عدة قرون تصبح، بعد اخضاعها لمعايير "الموضوعية" التاريخية - فاقدة للمضمون التاريخي ولا تحمل منه اكثر مما تحمله "الالياذة" او "الراميانا".

ووفقاً لوجهة النظر هذه فانها تبدو من الزاوية الايجابية التاريخية تبدو محدودة الافق، مجردة من العاطفة، ولا تكترث الا "بالاحداث" دون "المعاني". كما تنعدم فيها كل حقيقة تاريخية ينطوي عليها "الوعد" المعطى لابراهيم، و"التحالف" و"الاختيار" والتضحية بابنه اسحاق، و"الخروج"، وشخص "موسى" نفسه!

اذن، فمن وجهة النظر العملية (بالمعنى الضيق للكلمة، اي بمعناها الايجابي التجريدي) لا يتبقى شيء على الاطلاق من الوعد، والاختيار، والتحالف ومن كل تاريخ اسرائيل حتى حكم داوود.

ولكن، ونعلى العكس من ذلك، لو القينا نظرة شاملة على التاريخ، نظرة انسانية محضة، اي لو بحثنا في اروقة الماضي عن كيفية صيرورة الانسان انسانياً. وعن المبتكرات "الشعرية" التي سعى الانسان بواسطتها - وخلافاً لباقي المخلوقات الحية - الى اكتساب معنى لحياته، وعن صور البطولة والتقديس التي تصورها او عاشها لبلوغ الحد الاقصى من تحقيق الذات، عندئذٍ تحقق المشكلة التاريخية نقلة الى الامام.

وليست المشكلة في ان نعرف ما اذا كان ابراهيم قد ولد فعلاً في "اور" بأرض "كلدانية" (وهي مغالطة تاريخية، على كل حال  وما اذا كان خط سيرته هو الموصوف لنا، وما اذا كان الرب قد تجلى له (وبأية صورة؟) ليعده ويهبه ارضاً او ذرية.. او ان نعرف اي جبل كان فوقه "شوك النار" لدى موسى، وما اذا كان (يوشع) هو القائد العام للقبائل وقاتل الكنعانيين (كما صار آخرون، بعد قرون عديدة، قتلة الهنود الحمر الامريكيين؟)..الخ.

ان المشكلة مختلفة كلياً ولا تستبعد الالتزام بالدقة العلمية الاكثر الحاحاً بل تفرضها وتفترضها سلفاً، وهي التالية:
في اي زمن، وفي اية احوال تاريخية، وفي اية جماعات بشرية ومن اجل اي هدف، اختلفت هذه الروايات التأسيسية، والحاسمة بالنسبة لتشكيل الانسان والحياة والابطال الحقيقيين او الاسطوريين؟

المهم ان ثمة بشراً قد استطاعوا ان يتصوروا وان يبدعوا صوراً منقولة عن ذواتهم. ولقد حاولوا العيش كتلك النماذج التي ابتدعت حقيقة جديدة في التكوين الانساني ، وفتحت آفاقاً جديدة غير محدودة، واستكشفت المقياس الجديد الذي يلازم، بين كل مشروع انساني وكل انجاز لهذا المشروع، ومع ذلك الافق اللانهائي للمسيرة البشرية. الافق اللانهائي الذي تدعوه الاصولية الابراهيمية بالله، والذي يتيح للانسان ان ينجز "تحركات اللانهائي" في المهمات الاكثر دنيوية كما ذكر "كيركغارد" في تأملاته الفريدة حول ابراهيم "فارس الايمان ".

لنستعد الان، وفقاً لهذا المنظور اللاهوتي ، مسائل الاختيار والتحالف، والوعد بالارض وبالذرية، لا لكي نتناولها "كأحداث" (على طريقة سند الملكية، او برنامج سياسي، يشبه ما تجهر به الصهيونية السياسية من مزاعم مضحكة قاتلة) بل لتقبل "معناها" كإرث عظيم لليهودية في منطلق المسيرة المتصلة لليهود والمسيحيين والمسلمين.

واذا قبلنا بما يقره المفسرون العلميون المعاصرون من تاريخ يثبت ان اقدم مسجلي الاحداث الجارية، من يهوه، لم يدون شيئاً قبل عصر الملك سليمان، فاية "رسالة" كان يقصد تبليغها لمعاصريه ؟

ويرى البعض - مثل فون راد، في كتابه عن "لاهوت العهد القديم" - تأكيداً لشرعية ملكية داوود في نص اليهودي (دحضنا لتطلعات التجمعات القبلي السابق) وآخرون - مثل "البير دي بوري" يؤكدون على الجانب النقدي، لا الحماسي، من مدونات الـ"يهوه"، الذي ينوه بان تدبير الله و"وعده" سيحققان رغم دناءة الذين قد اختارهم. كما يبين هفوات صدرت ضد "الوعد" نفسه، حتى من ابراهيم بالذات، اذ لم يلتزم اثناء اقامته في مصر بجانب الوعد، الارض، (التي تخلى عنها) والذرية (التي يهددها تخاذله بإدخاله زوجته سارة على انها اخته الى حريم فرعون) (سفر التكوين: 123/10-20).

لقد انصب اهتمام "يهوه" على ابراز عظمة الله وبذله النعم دون حساب. فالله يبقي بركته سابغة على عباده رغم عثراتهم التي تدخل على عدم جدارتهم لان يكونوا متلقي وعده. وفي فقرات عديدة، تنويه بوقوع الكوارث في كل مرة يستخدم بها النبي او افراد عائلته، الحيلة او العنف ازاء الآخرين، كالذي حدث بعد خضوع ابراهيم لضغط زوجته سارة من اجل طرد الخادمة ام ابنه (سفر التكوين 16) وحينما تعرض يوسف لخيانة اخوته (سفر التكوين 25-27) وعند اقدام ابناء يعقوب على تقتيل سكان "سيحم" اثناء احتفالاتهم الدينية (سفر التكوين 34).

كان ابراهيم يخفق في كل مرة يسعى بها الى التصرف بالوعد وتحقيقه بوسائله الخاصة، بالعنف او بالخداع. ولم يستطع العيش الا بالتفاهم مع جيرانه.

كذلك يربط "يهوه" منجزات مملكة داود وسليمان بتدبير كوني من الله. مشيراً الى ان وعد الله لن يتحقق الا عندما تحل بركته على جميع من في الارض. اما المصادر الاقدم من ذلك، فلا جدوى من تناولها في بحثنا هذا. ان عدم كون الرسل - وعلى رأسهم ابراهيم - شخصيات تاريخية، وكون التحالف، والوعد والاختيار، اقرب الى الاسطورة منها الى التاريخ.. فهذا لا يمنعنا من التساؤل حول ما تعنيه هذه الاساطير الوهمية، بل يدعونا للإستفسار عنه. فالتحالف هو قضية العلاقة بين الانسان وخالقه، والوعد هو، قضية العلاقة بين تقدير الله وتدبير الانسان، والاختيار، قضية مسؤولية الانسان المتسافي. كما جاء في القرآن، وفي آيات عديدة منه، القول "وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم" . والتوراة، بعد تنقيتها تكشف لنا عن روايات متتابعة للوعد والارض الذرية.. في البداية، وعد الرعاة البدو، بأرض يستطيعون الاستقرار بها (كما جاء في سفر التكوين 38/10-22) وهو وعد لا ينطوي ابداً على غزو او فتح عسكري وسياسي للبلاد، بل على مجرد الاستقرار. تأتي بعد ذلك مرحلة ثانية (او رواية ثانية للوعد، موسعة وفقاً لحجم المتطلبات القومية) تقدم تبريراً لغزوات داوود، وتتكفل سيادة "الشعب المختار" على جميع المناطق الواقعة (بين مجرى سيول مصر) وبين النهر الكبير نهر الفرات (سفر التكوين 15/18). اما المرحلة الثالثة (استناداً الى العهد القديم) فتبسط الوعد لـ"كل جماعات الدنيا" (سفر التكوين 12/3).

وتتمثل السمة السائدة في قصة الوعد في اهتمام الله دائماً بخلاص الانسان  سواء كان يَعْدُ بدواً رحلاً بالامان وفلاح ذرية سعيدة بالاستقرار في ارض خصبة، ام كان يعد شعباً بعد نجوعه، بدولة ثابتة ومزدهرة كما كان الامل اثناء حكم داوود، او كان يفتح المجال لدعوة من في الارض جميعاً الى تحقيق اسمى تدابير الانسان ومقادير الخالق على لسان احد رسله، مثلاً اليشع (2/4). وخلاص الانسان لا يؤجل ابداً الى عالم آخر، اذ يبدو ان العقيدة الاسرائيلية القديمة تنفي ثنائية كهذه. ولكن الارض والسلطة السياسية ليستا ابداً غاية بحد ذاتهما. فهما متداخلتان نسبة الى مفارقة الله لهما وتساميه عنهما.

الارض ملك الله وحده، "اراضي البلاد لن تباع بلا رجعة، لان البلاد هي لي. ولستم سوى مهاجرين وضيوف" (سفر اللاويين 25/23) ومن اجل قطع صلة الانسان بالارض، قضى الله باستعادة الارض وتوزيعها من جديد في كل يوبيل زمني (اي كل 49 سنة) "ليتم تحريرها في اليوبيل، ويعود للانسان ما يخصه". والسلطة، كالارضن تتعلق بالله وحده، وفي الكتاب الاول لصموئيل (8-10/18) حذر صموئيل الشعب من التنازلات التي يقتضيها انشاء نظام ملكي في اسرائيل. هذا "التحرير" الحقيقي ازاء التملك والسلطة، هو الدرس الكبير المأخوذ عن خروج موسى "لن تتصرفوا ابداً كما كان يتصرف اهل مصر، حيث اقمتم" (اللاويون 18-3) "فالتحرير" ليس هو انتقال التملك والتسلط الى يد اخرى، وصيرورة مضطهدي الامس الى مضطهدي اليوم. تلك هي الرسالة الرائعة من اليهودية الى العالم، والتي فرطت بها الصهيونية السياسية بتحريفها الجذري لمعنى الوعد.

وشوهت الصهيونية السياسية اليهودية، واضلت المسيحية. افلا يعتبر ضلالاً اساسياً للمسيحية ان تنقاد الى الانحراف عما كان هو اعظم ما ورثته اليهودية، الا وهو عقيدة ابراهيم هذه التي لا تسعى الى التمتع بوعود الله، بل الى الخضوع لقضائه؟.

لقد فاق "كيركغارد" علماء الاديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام، عمقاً، حينما عين النقطة المركزية المشتركة في عقيدة ذرية ابراهيم المتلقية "للوعد" الذي هو بالنسبة للطوائف الثلاث (التي تشكل، طائفة واحدة) وعد بمسؤولية، لا بامتياز. مسؤولية خضوع ما يفكر الانسان به لتقدير الله مع كل ما تنطوي عليه هذه المغامرة المثيرة من مخاطر للانسان، الذي لا يستطيع التأكد ابداً مما يقدره الله.

وكان (كارل بارت) قد كتب بان كل حديث لي عن الله. انما يقوله انسان، انسان معرض للخطأ، بعبارات مؤقتة دائماً، قابلة للمراجعة، تعيش على عدم اكتمالها. كما كتب كيركغارد "قصدت ان استقي من قصة ابراهيم الجدلية المنطوية عليها، للتحقق من اي تناقض غريب يتكون الايمان. تناقض تتحول الجريدة بموجبه الى فعل مقدس مرضٍ لله. تناقض يرد لابراهيم ابنه اسحاق. تناقض لا يحد منه اي منطق عقلاني، لان الايمان يبدأ بالضبط حيث ينتهي التفكير العقلي".

والمسيحيون الذين انقادوا الى مساندة مزاعم الصهيونية السياسية حول "ارض المياد" و"الشعب المختار" لعلهم لم يبرأوا بعد من زيغ الكنيسة القديم المتمثل في تعزيز معاداة المسيحية للسامية منطلقة من اتهام اليهود بانهم قتلة الرب. قتلة يسوع المسيح.. فاليوم تحاول الكنيسة ذاتها ان تصحح المسار باتباعها اتجاهاً معاكساً متوازياً.. فبعد سابق لعنها السابق للشعب "المطرود" واذ بها تقدم الضمانات للشعب "المختار".. وما كان العرج بالقدمين معاً هو المشي الصحيح… صحيح ان هناك منزهين وهناك مذنبين.. ولكن ليس

هناك من الأمم المنزهة الطاهرة اكثر من تلك الملعونة الخاطئة.

وبعد نزاع سوقي زعمت في الكنيسة المسيحية انها المؤتمنة على "الاختيار" والوريثة "للشعب الكاهن" ها هي الان مستعدة للتسوية وللتقسيم، كما لو هناك في ذرية ابراهيم بدع وطوائف، وكما لو ان عقيدة ابراهيم "ميراث" يمكن لشعب ما ان يطالب به، او هي جنس بشري، او منشأة، او كنيسة وليست مطلباً مشتركاً بين كل الذين يحاولون تلبية نداء الرب.

على كل حال، ما هي هذه "الكثلكة" وتلك "الكنائسية" الاقليمية الغربية التي تتجاهل وجود بقية اعضاء الطائفة الابراهيمية، اليهود، قبلهم، والمسلمين بعدهم. وليس ابشع من ان يفصل بعض المسيحيين "الوعد" بالارض، عن "الوعد" المملكة، كما لو ان توراتهم لم تكن تشكل كلاً واحداً مشابهين في ذلك بعض الاسرائيليين الذين يعزلون من التوراة نزعات قومية وعنصرية معينة، عن شمولية الرسل من عموس الى اليشع.

ومن اي مفهوم لعقيدة ابراهيم ولرسالة المسيح، استطاع "جاك ماريتان" ان يستقي كتابته التالية "فلسطين هي الارض الوحيدة التي تؤكد الحتمية الالهية ان لأحد الشعوب حقاً بها لا يمارى" . وكما لو ان الاشتراك بالوعد عو اشتراك في امتياز وحق الامتلاك، لا تقاسم لمسؤولية ونعمة.

وماذا يعني القول في الوثيقة المعنونة "ارشاد رعائي بشأن موقف المسيحيين من اليهودية" الصادرة عن اللجنة الاسقفية الفرنسية، في 16/4/1975؟ فقد جاء في الوثيقة في بندها الخامس ما يلي:

"لا يمكننا، كمسيحيين، ان ننسى الهبة التي اسبغها الله سابقاً على شعب اسرائيل، وهي ارض دعي الى الاجتماع وفوقها".

ماذا يمكن ان يقال عن هذه الوثيقة، غير انها خداع خطير يرمي الى وضع تماثل بين اليهودية وبين دولة اسرائيل والصهيونية، وغير انها لاهوتية المسيحية عجيبة، لم تعد تنظر الى يسوع المسيح والى التبليغ الشامل بالمملكة باعتبارهما الانجاز التام للوعد؟

فيما كان تعريف القرآن بذرية ابراهيم هو الافضل، عندما لم يقم وزناً لا لصلة الرحم ولا لتوارث الارض، بل جعل المشاركة في العقيدة الواحدة هي الاساس، حين لبى ابراهيم نداء ربه، "فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين" (سورة الصافات 102). فبمثل هذا التسليم غير المشروط يكون تسليم كل امر انساني لتقدير الله وقضائه، وبهذا كانت البداية بالنسبة لذرية ابراهيم.

ثالثاً: " غير يهود قتلوا غير يهود"…
هكذا وصف مناحيم بيغن، مذابح صبرا وشاتيلا، في 17/9/1982، في بيروت.
وعبرت السيدة شولاميت آلوني، النائبة في الكنيست، وزعيمة "الحركة المناصرة للحقوق المدنية" عن نقمتها الشديدة في مقال بعنوان "باسم اليهودية" في الجريدة الاسرائيلية "يديعوت احرونوت" عدد 25 حزيران 1978، حينما قالت:
- "يحدث كل هذا، كما لو انه يرمي الى ادخال فكرة في اذهان يهود اسرائيل تقول بوجود فارق نوعي ومعياري بين اليهود وبين غير اليهود. ذلك هو المبدأ الذي يحكم جميع قوانين الدولة وتنظيماتها بشأن السياسة الداخلية، والاحوال الشخصية والعائلية، ومقاييس المواطنة. وهذا المبدأ هو الذي يملي علينا تصرفاتنا تجاه الاسرائيليين والعرب، والبدو، وسكان الضفة الغربية، وغزة. كما يملي وسيلتنا في الاستجابة لمطامحهم. ان اي سوء استخدام للقانون اليهودي لن يستطيع اسكات الذين يحسنون التميز بين شريعة الكهان وبين رؤيا الانبياء. ونحن لن نسمح لاي كان ان يحول اسرائيل الى معزل (غيتو) ديني، بمزاعم الخلاص المنظر، يهزأ بالسنن الشاملة للانسانية وللقانون الدولي".

هذه الصرخة تفضح الانحراف الفكري في اسس اليهودية، الناتج عن توظيف الصهيونية السياسية للخرافات والاساطير في تحقيق اغراضها.

والواقع، ان مجمل سياسة دولة اسرائيل الداخلية والخارجية، مستمد - وفق منطق محكم - من الخاصيتين الاساسيتين للصهيونية السياسية. باعتبار هذه الاخيرة ظاهرة استعمارية صرفة، متخفية بزي عقائدي مزيف، تشكل - كما وصمها في مهدها معظم الحاخامين والمتعلقين السابقين بالعقيدة اليهودية والمشتركين بمؤتمر (بال)  عام 1897 - خيانة للديانة اليهودية المفرغة من مدلولها الروحي كله، والمستخدمة لتبرير سياسة قومية وعنصرية.

ان عنصرية الصهيونية السياسية نظام شديد التماسك، تستمد منه دولة اسرائيل تشريعها وتطبيقها لكل قوانينها.

وقد سبق لهذه العنصرية ان كانت المبدأ المكون لمشروع "تيودور هرتزل" كما كشف عنه كتابه "الدولة اليهودية" وكذلك "يومياته". فمنذ الثورة الفرنسية، وفي فرنسا اولاً، ثم في مختلف بلاد اوروبا خلال القرن التاسع عشر، كان موقف التمييز العنصري، البالي واللاانساني، ازاء الطوائف اليهودية، يتراجع طرداً مع تقدم الديمقراطية اذ ان معظم هذه الطوائف المندمجة بالدول التي تتبعها سلمت امورها لدولها، حيث ساهمت فعلياً بتوجيه سياساتها واقتصادياتها وثقافاتها. وتميز نتاج البارزين من تلك الطوائف بشموليتها العالمية التي سبق ان رفعت من شأن فكر سبينوزا. فمن كارل ماركس، الى مارتن بوبر، ومن هايني الى كافكا، ومن موسيقي مثل مندلسون الى فيزيائي مثل اينشتاين، كانت الرسالة المنقولة موجهة الى الانسانية جمعاء…

جاء مشروع هرتزل ليخط له اتجاهاً معاكساً لتلك السنة الحميدة. ذلك ان هرتزل بعد تأثره العميق بقضية (دريفوس)  هب بضراوة، ليهاجم "الاندماج" واستعان بالافكار الاساسية السامية، في دفاعه عن الفكرة القائلة بان اليهود غير قابلين للاندماج في غيرهم، لذا، يتوجب عليهم الانعزال من اجل تشكيل دولة منفصلة، ليس ديانة، او مساهمة ثقافية.

وتحقيقاً لاهدافه، لم يكن هرتزل ليتردد في استخدام لهجة خاصة تناسب كلا من مفاوضيه على حدة، لاقناعه بما يمثله اليهود من مخاطر تستوجب تسهيل رحيلهم .

ففي لندن مثلاً اكد هرتزل بان لحل الصهاينة للمشكلة اليهودية "ابعاد خطر اندلاع ثورة تبدأ مع اليهود، ولا احد يعلم اين تنتهي". وهذا ما قاله هرتزل لوزير خارجية المانيا فون بولو، ولغليوم الثاني، ولوزير داخلية روسيا بليف، وللقيصر نقولا الثاني، ولابرز مناهضي السامية (الوزير الروسي "بليف" وهو المسؤول عن مذابح اليهود في كتشنييف في نيسان 1903. وكانت افظع المذابح هي "البوغروم" المنظمة في روسيا).

هذه الرسالة وجدها هرتزل "مرضية" فحث (بليف) على ابلاغ السلطان العثماني بمضمونها، لكي يدع اليهود يدخلون فلسطين. ثم نشر على الناس مراسلاته هذه، بالرغم من تحفظات اصدقائه، في المؤتمر الصهيوني عام 903. وقبل ان ينشر كتابه عام 1895، هم احد معارضيه بقتله، صارخاً به "انك تلحق افدح الضرر باليهود" فلم يتردد هرتزل في الاجابة بالقول "لقد بدأت احظى على الحق في ان اكون اكبر الدعاة لمناهضة السامية".

وانطلاقاً من وعيه التام لتوافق خطوات مشروعه الصهيوني ومعاداة السامية، فقد كان يقول "لسوف يصبح اللاساميون اعز اصدقائنا، وستكون البلاد السامية حليفتنا".

والواقع ان هرتزل قد تبنى افكار اللاساميين، فهو قبل كسبه، روتشيلد الانجليزي، مناصراً للصهيونية عام 1902، كان يمارس عملية ابتزاز حقيقية بالتهديد والوعيد، ازاء كبار رجال المال اليهود. حينما كان يرسم في "جريدته" او يومياته، خطة حملة تدور مثلاً حول "آل روتشيلد، نموذج موضوعي لما يمثله هذا الاخطبوط من تهديد للعالم".

كذلك، وفي سبيل تعميم الفكرة القائلة بان اليهود غرباء في البلاد التي يعيشون فيها، رداً على اعتراض الحاخامين الذين تقلقهم الشكوك في شرعية اتباع اليهود للنهج القومي، كتب هرتزل: "ان بطل الوطنية الاكبر في بريطانيا هو كبير حاخامي لندن آدلر، الالماني. ودروس الوطنية الروسية، كان يعطيها حاخام برلين الدكتور ميبوم وهو هنغاري. ومؤخراً، انضم حاخام بروكسل الى المعارضة البلجيكية واسمه (بلوخ) لا يدل على انه فلمنكي او فالوني. ان اشد الناس عداء للسامية لن يسعهم كتابة غير ذلك".

بيد ان تيودور هرتزل، كان على اتم المعرفة بان اللاسامية ضرورية للصهيونية السياسية، بغية حمل اليهود على الفرار الى اسرائيل. وسنرى، فيما بعد، كيف ان فكرة هرتزل هذه بقيت احدى ثوابت الصهيونية السياسية حتى يومنا هذا. فمنذ ان نزعت الصفة العقائدية عن اليهودية، واصبحت قومية، زال الاعتماد على الدوافع الدينية نحو "عودة الى ارض صهيون" (وقد رأينا ضعف دورها التاريخي) ويجب، المناداة "بقومية متجاوزة للوطن" تظهر اليهود كغرباء وسط الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها (مما يقدم افضل غذاء للاسامية) ومن ثم، الاعتماد على حملات الاضطهاد لتنشيط الهجرة، وهذا يفسر لماذا لم يكن هرتزل يخشى اطلاق الحرية لمناهضة السامية فضلاً عن تشجيعها!

وتوفرت الظروف لذلك.. فها هو البارون يوهان فون شلومسكي، رئيس البرلمان النمساوي، يكتب لهرتزل قائلاً:
- "اذا كانت المرامي والغايات من وراء دعايتك هي تحريض اللاسامية، فلسوف تصل الى مبتغاك. وانا على قناعة تامة بتنامي اللاسامية تقف خلفها دعاية كهذه وبأنك تقود اليهود الى مجزرة"…

وعند موت هرتزل، احجم منفذو وصيته عن نشر النص الحرفي ليومياته كلها. الا انها نشرت كاملة في المانيا، عام 1922 و1923، في ثلاثة مجلدات مشؤومة. وعند ظهورها، قال الكاتب النمساوي جوزيف صموئيل بلوخ، الذي عرف هرتزل عن كثب: "ان رسائله الى روتشيلد والبارون هرش، ومزاعمه بان اليهود متمردون وثائرون متخفون في كل بلد يقومون فيه، تكفي لتحطيم الشعب اليهودي. ولقد منح هرتزل اعداء اليهود اسس حل المشكلة اليهودية. وشق لهم الطريق الواجب اتباعه في سعيهم المستقبلي. ان "يومياته" لأمر رهيب!".

مات هرتزل في تموز (يوليو) 1904. وفي تشرين الاول من السنة نفسها، نشرت "المجلة اليهودية الفصلية" نتائج استفتاء مدروس اجراه العالم الانجليزي (لوسيان وولف) حول اللاسامية والصهيونية.

وجاء في خلاصته "ان علامات ضمور اللاسامية آخذة في الازدياد، وهذا على الرغم مما تمثله قضية الاندماج من صعوبات". وتضيف الخلاصة ان من شأن الدعاية الصهيونية ان تبعث الحياة في الحركة اللاسامية آخذة في الازدياد، وهذا على الرغم مما تمثله قضية الاندماج من صعوبات". وتضيف الخلاصة ان من شأن الدعاية الصهيونية ان تبعث الحياة في الحركة اللاسامية، التي، كانت، لولاها، ستتابع تضاؤلها". وتخلص الى القول "ان خطر الصهيونية المميز، يكمن في انها الحليف الطبيعي والدائم للاسامية واقوى مبرراتها".

ومنذ انشاء دولة اسرائيل، عام 1948، لم تعد عنصرية الصهيونية السياسية تكتفي بالعمل على حساب يهود العالم اجمع، بل تجاوزت ذلك لتشمل الشعب الفلسطيني، الذي تنفي الصهيونية وجوده اصلاً.

ومع هذا السؤال، فتح فصل جديد للمشكلة المثارة من جانب الصهيونية السياسية: كيف تنشأ اغلبية يهودية في بلد مأهول بمواطنين اصليين عرب فلسطينيين؟

لقد جاءت الصهيونية السياسية بالحل الوحيد المستمد من برنامجها الاستعماري، اي اقامة مستوطنات عن طريق طرد الفلسطينيين، واستقدام مهاجرين يهود:
 7 )  وعن طرد الفلسطينيين، والاستيلاء على ارضهم، فقد كان عملاً مقصوداً ومنظماً، فقد كتب يوسف ويتز، مدير الصندوق القومي لليهود، المكلف باستملاك الاراضي في فلسطين، كتب في عام 1940 ما يلي:

- يجب ان يكون من الواضح لنا بانه لا يمكن وجود مكان لشعبين في هذه البلاد، فاذا تركها العرب، فانها تكفينا.. ليس هناك من وسيلة اخرى لاخراجهم جميعاً. يجب توضيح الامر امام روزفلت وغيره من رؤساء الدول الصديقة، بان ارض اسرائيل لن تكون صغيرة حينما يخرج منها جميع العرب، ويدفع بالحدود قليلاً نحو الليطاني شمالاً، ونحو مرتفعات الجولان، شرقا" .

ذلك هو البرنامج الموضوع قبل انشاء دولة اسرائيل. اما تحقيقه، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فيستجيب تماماً للتعريف الذي اعطاه، "اسرائيل شاحاك، الاستاذ في الجامعة العبرية بالقدس، والرئيس السابق للرابطة الاسرائيلية لحقوق الانسان في نوفمبر 1981، اذ قال: "في الاصل، اسس دولة اسرائيل اناس يرون بان لا حقوق هناك لغير الغربيين. ولم يكن لهم رأي في الحقوق التي نالها هؤلاء. كما ان لمعظمهم مفهوماً خطيراً للنصوص التوراتية، دعاهم الى القول "اننا لم نفعل اكثر من استعادة الارض التي سبق ان اخذناها عنوة من الكنعانيين". وهنا يستطرد الاستاذ اسرائيل شاحاك، قائلاً: "وهذا بالذات موقف عنصري اساساً، يختلط فيه الشعور الحاد بتفوق الغرب مع العنصرية الصهيونية. وقد تفاقمت هذه النزعة، منذ عام 1974، مع تصاعد ايدلوجيا اسطورية، وبفضل تزايد الدعم الامريكي لاسرائيل هو بشكل لا مثيل له من قبل"  ومن المدهش سماع الدعاوة الصهيونية تعلق بان دولة اسرائيل هي "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط" اضف الى ذلك الزعم المخادع بان فيها يتوفر جو من الحرية يصل الى حد تمكن المعارضة من الافصاح عن آرائها بصراحة في الصحافة وفي الشارع على حد سواء…

اذا كان صحيحاً ان مقاومين بواسل للعنصرية في دولة اسرائيل كالاستاذ ويوري افنيري، والجنرال بيليه، والاستاذ لبويتيز وغيرهم - وعددهم قليل مع الاسف، في مجال محاسبة المبادىء الجاري تطبيقها" يتوصلون بعد كفاح بطولي الى نشر آرائهم وشهاداتهم، رغم التهديد والوعيد، فيجب الا ننسى ابداً ان الاغضاء عن حريتهم تلك لا يتوفر الا داخل "المؤسسة" اليهودية، لكن هذه "الديمقراطية الاسرائيلية" تنطوي على تمييز عنصري في اساسها كما هو قائم في جميع البلاد الاستعماري، حيث كان الجنس "الابيض" هو الحاكم.

ويمكن مقارنة هذه "الديمقراطية الاسرائيلية" العجيبة، بالديمقراطية الامريكية التي كانت تنادي في "اعلان الاستقلال" بالمساواة بين جميع البشر، بينما تتابع طوال قرون من الزمان استعبادها للسود (المشار اليهم "بالمؤسسة الخاصة" حياء وخجلاً) وتصيدها للهنود الحمر الذين كانوا يقتلون ويطاردون، في سبيل الاستئثار بأراضيهم. والدولة في اسرائيل ديمقراطية الا بالنسبة "لزنوجها" و"هنودها الحمر" الذين تدعوهم ايضاً، بحياء "بالسكان غير اليهود" اي الفلسطينيين سواء كانوا مسلمين ام مسيحيين.

وسنكتفي هنا بتعداد اكثر المظاهر بروزاً في سياسة التمييز العنصري تلك، في الاحوال الشخصية والشؤون العقارية…

- الاحوال الشخصية:
في كتاب وضعه بمنتهى الدقة، صهيوني متحمس، هو كلود كلاين الاستاذ في الجامعة العبرية بالقدس، ومدير معهد الحقوق المقارنة فيها، كشف مهم لكثير من الامور وخاصة، في عنوانه (الطابع اليهودي لدولة اسرائيل)  في هذا الكتاب معالم عنصرية هذه الدولة، ولكن بفضل دقة الوثائق الواردة نورد بعضاً من هذه المعالم:

اولاً - "تعتنق الدولة العقيدة الصهيونية بصفة رسمية" (ص 22 من الكتاب) ويبين البروفسور كلاين ذلك مؤكداً بان هناك ثلاثة ثوانين تعطي "للمنظات الصهيونية" وضعاً خاصاً داخل الدولة، القانون الاول (1952 - 5713) ويتعلق "بالمنظمة الصهيونية العالمية) و"الوكالة اليهودية" ويشدد الكاتب على ان ذلك لا يشكل رابطاً حقوقياً بين اليهود القاطنين خارج اسرائيل وبين الدولة. فالرابط القانوني لا يمكن ان ينشأ الا من فعل ارادي، يعبر عنه مثلاً، الاستقرار في اسرائيل (ص 21 من الكتاب).

ومن الواضح، ولحسن الحظ، ان الدولة الاسرائيلية لم تدع حقاً في مقاضاة اي يهودي في العالم، بصفته الشخصية، لكن كاتبنا القانوني المراوغ كان اكثر تحفظاً حول كون "المنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية" كمؤسسات - مرتبطتين عضوياً وقضائياً بدولة اسرائيل، رغم امتداد نشاطهما الى جميع بلاد العالم.

لو ان كنيسة كاثوليكية، او حزباً شيوعياً، جاهرا بوجود ارتباطات قضائية او تنظيمية كهذه مع الفاتيكان او مع الدولة السوفياتية، لأعلنا بالتأكيد، بانهما غير قانونين، وانهما "من عملاء قوة اجنبية"، وما كان ليؤذن لهما بجمع اموال لحساب دولتهما، حتى في اختلاف الاهداف السياسية. وباختصار، ان "الوضع الخاص" الذي يتمثل في قيام ترابط قضائي وتنظيمي بين تلك المؤسسات وبين دولة اسرائيل، يثير مشكلة قانونية وسياسية. وعدم البحث في شرعية تلك الروابط حتى الآن، يعتبر، بحد ذاته، ميزة فريدة واستثناء غريباً.

اما القانونان الآخران، فيتعلقان بـ(كيرن كايميت) اي الصندوق القومي اليهودي، والقانون الصادر في 23/11/1953، و"كيرين هايسود" اي صندوق التعمير، والقانون الصادر في 10/1/1956. ويشير البروفسور كلاين اليهما بقوله "لقد اتاح هذان القانونان تحول هذه المجتمعات التي باتت تتمتع بعدد من الامتيازات". ودون سرد هذه الامتيازات، يكتفي بايراد ملاحظة مجردة حول "ان الاراضي المستملكة بواسطة الصندوق القومي اليهودي، تعلن كأراضٍ اسرائيلية"  وحول صدور قانون اساسي بشأن عدم قابلية التصرف بهذه الاراضي، وهو قانون من بين اربعة قوانين اساسية يقولون بانها (نواة دستور لم يصدر رغم مرور 35 عاماً على قيام اسرائيل). المحزن ان هذا القانون العالمي، المعروف بالدقة الشديدة، لا يفضي باي تعليق حول "عدم جواز التصرف" هذا، بل انه لا يعطي تفسيراً لمضمون، الارض "المستنفذة" بواسطة الصندوق القومي اليهودي هي ارض اصبحت "يهودية" فلا يمكن بيعها ابداً الى غير يهودي ولا يمكن تشغيل غير يهودي فيها" . وعليه كيف يمكن انكار هيمنة التمييز العنصري على هذا القانون الاساسي؟

لندع الآن قراءتنا المفيدة لكتاب البروفسور كلاين واستطاع حديثه عن "قانون العودة" الذي يتوج كل منجزات الصهيونية. ونستمع الى بن غوريون وهو يعلن على الملأ، لدى افتتاح جلسة الكنيست التي انتهت بقرار ذلك القانون بتاريخ 5/7/1950:
- "ان دولة اسرائيل ليست دولة يهودية لمجرد تشكيل اليهود لاكثرية سكانها. انها، بالاحرى دولة الليهود حيثما يكونون، ولكل يهودي راغب فيها". في تحليله لنتائج هذا القانون يتساءل (كلاين) قائلاً:

"الشعب اليهودي يزيد كثيراً عن سكان دولة اسرائيل، وهؤلاء ليسوا جميعاً من اليهود، لان بينهم اقلية غير يهودية لا يستهان بها، جلهم عرب ودروز . والمسألة المطروحة هي معرفة ما اذا كان قانون العودة لا يعتبر مميزاً عنصرياً، ما دام يسهل هجرة جزء من السكان (ذوي تبعية دينية وعرقية معينة)؟" (ص 33).

ويتساءل الكاتب، بشكل خاص، عما اذا كانت الاتفاقية الدولية حول نبذ كل اشكال التمييز العنصري (الصادرة في 21/12/1965 عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة) لا تسري على قانون العودة.

 وبطريقة جدلية، نترك الحكم عليها للقارىء. ثم يستنتج القانوني البارز، ما يلي:
"في ميدان التمييز العنصري او عدمه، يجب الا يوجه اي اجراء ضد جماعة معينة، وقد اتخذ قانون العودة لصالح يهود يودون الاستقرار في اسرائيل وهو غير موجه ضد اي جماعة او جنسية، لذا، فلا مجال لاعتباره تمييزاً" (ص 35).

وسنستعرض الموقف الناشىء عن قانون العودة هذا امام القارىء المندهش من ذلك التعليل المنطقي الاقرب الى المزاح، ما دام يرى ان جميع المواطنين متساوون، لكن البعض منهم اكثر تساوياً من الآخرين، سنستعرض الموقف الناشىء عن قانون العودة هذا.

وبالنسبة للذين لا يستفيدون من هذا القانون، فقد خصص قانون الجنسية (1952-5712) المتعلق بقانون العودة (في مادته الثالثة) "بكل شخص كان فلسطينياً قبل تأسيس الدولة المباشرة، ولا يتحول الى اسرائيلي وفقاً للمادة الثانية" (المادة المتعلقة باليهود). والمعنيون بهذا التلميح (والذين اعتبروا كغير حاصلين على اي جنسية من قبل، اي كمشردين بالوراثة!!) عليهم "اثبات" اقامتهم في هذه الاراضي مع تحديد زمن تلك الاقامة (والاثبات الوثائقي غالباً ما يكون مستحيلاً، لان الاوراق الثبوتية فقدت في ثنايا الحروب، والاضطرابات التي رافقت قيام الدولة الصهيونية) بغير ذلك، ليس امام الراغب في ان يصبح مواطناً، سوى "التجنس والتطبيع" الذي يتطلب، مثلاً بعض المعرفة باللغة العبرية. بعد ذلك، يمنح وزير الداخلية الجنسية الاسرائيلية لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، تبعاً للضرورات.

الخلاصة، انه - بموجب القانون الاسرائيلي - يصبح اليهودي القادم من الخارج مواطناً اسرائيلياً حالما تطأ قدمه ارض مطار تل ابيب بينما يجوز اعتبار الفلسطيني، المولود في فلسطين من ابوين فلسطينيين "متشرداً" دون ان يكون في الامر اي تمييز عنصري ضد الفلسطينيين. بل مجرد اجراء لصالح اليهود؟!

ويمارس "التمييز" المتعلق بالمواطنة، ايضاً عند حق الاقامة والزواج. فهناك مدن بكاملها كالناصرة والكرمل (شمال شرقي حيفا) مقامة فوق اراض مملوكة للصندوق القومي القومي اليهودي، تتواجد "خارج حدود القطاع المخصص لغير اليهود".

وفي لقاء مع موشي برشمور سكرتير مجلس عمال الكرمل، نشرته جريدة هآرتس يوم 18/2/1972، قال موشي: "لا نريد ان يسكن ويشتغل هنا سوى اليهود". وعندما قيل له بان ثمة عرباً يعملون هنا اجاب: "لا بأس، ولكن في مشروعات يهودية، واشغال يدوية، فقط". واضاف مساعده (رحال ثيروش) قائلاً: "لو سمحنا لهم بالعيش هنا، فسيحولون دون تحقيق الغرض من بناء الكرمل، وهو تهويد الجيل". اليس في هذا منع لاقامة غير اليهود؟ سيجيب الاستاذ كلاين بان ليس في ذلك اي تمييز عنصري ضد الفلسطينيين، بل

مجرد اجراء لصالح اليهود!؟…

ونستطيع ايراد المزيد من الامثلة على "التمييز" السائد في دولة اسرائيل، والتي تبرر تماماً القرار رقم (2279) الصادر في 10/11/1975 عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وهو ان "الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري".

ويضاف التشويه اللاهوتي والتدليس الديني الذي اختصت به هذه الصهيونية السياسية الى هذه العنصرية، المميزة للصهيونية السياسية ولكل حركة استعمار، بالنسبة لكل ما يتعلق بشؤون الاحوال الشخصية في دولة اسرائيل، مثلاً فان التسلط الكهنوتي يعزز العنصرية بأكسابها "اساساً" دينياً. واكبر دليل على ذلك تشريعات الزواج.

فالقانون المعروف بـ"قانون تحديد اختصاص المحاكم الحاخامية" (5713-1953)، ينص على ما يلي:

- المادة الاولى: "كل ما يتعلق بزواج اليهود في اسرائيل وطلاقهم، مواطنين كانوا ام مقيمين، هو من اختصاص المحاكم الحاخامية دون غيرها".

- المادة الثانية: "تتم معاملات زواج اليهود وطلاقهم في اسرائيل، طبقاً لشريعة التوراة".

لا زواج مدنياً اذن في اسرائيل بالنسبة لليهود. وفي ما يلي نورد مثالاً على النتائج المترتبة على تلك السلطة المطلقة التي يتمتع بها الحاخامون في هذا المجال: اليهودي الذي يدعى كوهين، لا يحق له الاقتران بامرأة مطلقة (لان الكوهينيين من ذرية هارون، اخ موسى، كانوا يقومون بالطقوس الكهنوتية في الهيكل). ولا بد لتجاوز هذا المنع، من اجراءات معقدة وقرار من المحكمة العليا. مثال آخر هو "الحلتزة" اي الارملة التي ترزق بعقب، لا تستطيع الزواج، الا اذا وافق اخو زوجها على الاقتران بها، او على "تحريرها".

النتيجة الثانية:
- دلول هذا القانون واضح على الصعيد العملي. هناك استحالة قانونية في اتمام الزواج في اسرائيل بين شخص يهودي وآخر غير يهودي" (ابرز كلاين هذه الفقرة ص 123).

 - هنا ترتبط العنصرية والهيمنة الدينية في اوثق رباط حول نقطة اساسية، هي التعريف "باليهودي": من هو "اليهودي"؟

 ينص القانون، في دولة اسرائيل، (تعليمات 10/11/1960) على ما يلي:

"تسجل كلمة يهودي، امام خانة (الدين) وخانة (الجنس) في سجلات الاحوال الشخصية، لكل من:
- ولد من ام يهودية، ولا يعتنق ديانة اخرى.
- من تحول الى اليهودية طبقاً للحالة.
تنشأ عن هذا التحديد مصاعب عديدة، يستعرضها الاستاذ كلاين بصراحة، وقبل كل شيء، "اليهودية ديانة لا تشجع التحول اليها" (ص 49) والواقع، ان التحولات اليها نادرة جداً على الاقل في ايامنا هذه..

يقول كلاين (ص 48) بان المسائل الدينية والعرقية هي متشابهة بنظر اليهودي. ومع ذلك، فالمشكلة تظل دون حل "لان التعريف باليهودي عن طريق امه، لا يفي بالحاجة، ولفهم ذلك، يكفي التنويه بوجوب دفع المشكلة الى نطاق الام. وهكذا دواليك" (49).

وتجسيداً للموضوع، نعود الى سابق قولنا بان الملك سليمان لن يكون يهودياً، طبقاً للقانون الجاري تطبيقه حالياً في دولة اسرائيل، لان امه كانت حثية. كذلك الحال بالنسبة للملك شاؤول، لان امه كانت كنعانية. لكن ملاحظة الاستاذ كلاين، وهي منطقية، تبين لنا ان الملك داوود ايضاً قد لا يعتبر يهودياً، لان ام جدته روث كانت مؤابية. فاذا كان نسبه منحدراً من النساء، فليس هو بيهودي، واذا كان تحدره من الرجال، كان زواجه باطلاً حسب المفهوم الاسرائيلي الراهن! وليس في الامر مزاح. يقول كلاين: "في الواقع، ليس هناك من حل لهذه المشكلة التي قد تثير المصاعب ذات يوم حتى في المحاكم. لكنها حتى اليوم لم تزعج رجال القانون في اسرائيل" (ص 49) الا انها تنغص الحياة اليومية. فعندما يكتشف ان جدة احد الاسرائيليين لم تكن يهودية، يحق للادارة الحكومية ان تغير تسجيله من يهودي الى غير يهودي، مما سيحظر عليه الزواج من يهودي في اسرائيل، الا في حال اشتهار يهوديته. واثناء نظر المحكمة العليا، عام 1970 في قضية "شيلت" الضابط في البحرية الاسرائيلية والمتزوج من امرأة اسكتلندية غير يهودية، دعت "غولدامائير" زوجة "شيلت" علناً مع غيرها من النساء ذوات الحالات المماثلة، الى الاشتراك في احتفال لتهويدهن.

ولا يتبدى طابع الصهيونية الاستعماري والعنصري في معاملات الاحوال الشخصية فقط بل وفي عمليات اغتصاب الاراضي.

- المسألة العقارية:
فكما ان الصهيونية قد انكرت ورفضت دائماً وجود الفلسطينيين، ابتدعت اسطورة "الارض التي لا يقطنها شعب، لشعب لا يملك ارضاً" الارض الصحراوية التي يمكن ان يستنبتها هذا الشعب ويجعلها ارضاً غناء.

الا انه لم تقم اية "معجزة" اسرائيلية. بل يمكن استغراب السرعة الخاطفة التي تم بها طرد السكان واحلال آخرين مكانهم. وكذلك سرعة الاغتصاب الذي اتاح تغيير الايدي المالكية للأرض فلا "معجزة" اذن في خطة منهجية لنزع الملكية، موضوعة قبل قيام دولة اسرائيل بوقت طويل، كأداة اساسية بيد السياسة الاستعمارية للصهيونية السياسية.

في 12 يونيو (حزيران) 1895، كتب "تيودور هرتزل" في (يومياته):
- "علينا التمهل في اتمام نزع الملكيات الخاصة في الاراضي العائدة الينا. سنحاول تسهيل خروج السكان المحرومين من الموارد، بإغرائهم بالعمل في الخارج مع منعهم من العمل داخل بلادنا. اما ملاك الارض فسينضمون الينا. واما اجراءات نزع الملكيات وابعاد الفقراء، فيجب اتمامها بكتمان وتأن وحذرين".

وطبق برنامج نزع الملكية هذا بحذافيره، عدا ما يتعلق "بالكتمان" منذ ان آلت وسائل القوة اللازمة لتنفيذ مشروعات الاغتصاب بالعنف الى ايدي الصهاينة.

من وجهة النظر هذه، يستحسن التمييز بين مرحلتين من مراحل الاستعمار الصهيوني.

المرحلة الاولى: تتسم بطابع الاستعمار التقليدي، اذ كان المقصود، اثناءها استغلال اليد العاملة المحلية. وهكذا كانت طريقة البارون ادوار روتشيلد الذي كان يستغل اليد العاملة الرخيصة الاجر في كرومه بالجزائر، كما وسع مجال نشاطه الى فلسطين، حيث راح يستغل في كرومه عرباً آخرين، غير الجزائريين.

وحوالى سنة 1905، حدث تحول في مجرى الامور، بعد وصول موجة جديدة من المهاجرين من روسيا غداة سحث ثورة 1905 وبدلاً من متابعة الكفاح ههنا الى جانب الثوريين الروس الآخرين. استجلب الفارون من الثورة المهزومة الى فلسطين "اشتراكية صهيونية" غريبة. فقد انشأوا التعاونيات الحرفية، و"الكيبوتست" الفلاحية، مبعدين عنها الفلاحين الفلسطينيين، في سبيل تكوين اقتصاد يستند الى طبقة عمالية زراعية يهودية. وهكذا كان الانتقال من الاستعمار التقليدي (ذي الطراز الانكليزي او الفرنسي) الى مستعمرات تعمير تتطلب، وفقاً لمنطقة الصهيونية السياسية، تدفق مهاجرين وتحجز لهم الاراضي والاشغال. ومنذ ذلك الحين، بات الهدف هو احلال شعب آخر محل الشعب الفلسطيني، وبالتالي الاستيلاء على الارض.

ولا ننسى ان الصهاينة لم يكونوا يمتلكون، يوم ان اصدر بلفور وعده لهم، سوى 2,5 % من ارض فلسطين بينما اصبحوا يملكون 93 % في عام 1982.

وكان الدكتور روبين، خبير الوكالة في شرون الزراعة والاقتصاد، قد اعلن المبادىء التالية، عام 1930:

- "الارض هي المادة الاساسية اللازمة لتثبيت جذورنا في فلسطين. وبما انه ليس في فلسطين من اراض زراعية دون عمال، فلا بد لنا من حياة الارض وتعميرها، بغية استبعاد الفلاحين الذين كانوا يحرثون الارض وبالتالي: الملاكين والمستأجرين" .

وكانت الطرق المتبعة في نزع ملكية المواطنين الاصليين لأرضهم، من اشرس الطرق الاستعمارية، مع اضافات عنصرية صارخة، في مثال الحالة الصهيونية.

اما نقطة انطلاق العملية الكبرى، فهي في انشاء "الصندوق القومي اليهودي" (عام 1901) الذي يتميز عن غيره من وسائل الاستعمار، باعتماده المبدأ المبتكر التالي: "لا يجوز بيع، او تأجير الارض التي يحوز عليها، الى غير اليهود"؟!!

ونلاحظ هنا بان السياسة الزراعية التي يتبعها زعماء اسرائيل، انما تعتمد على نهب منظم للطبقة الفلاحية العربية.

كما ان التنظيم العقاري لعام 1943، حول نزع الملكية للصالح العام، موروث عن الانتداب البريطاني. ورغم شرعية هذا التنظيم، فقد حاد عن اهدافه حينما صار تطبيقه خاضعاً للتمييز العنصري. كما حدث في عام 1962، عند انتزاع ملكية (550) هكتاراً من اراضي (دير الارض) و(نابل) و(بعنه) "للصالح العام" المتمثل في انشاء مدينة الكرمل، المخصصة لليهود دون غيرهم!.

وهناك اجراء آخر، هو استخدام "قوانين الطوارىء" التي كان الانجليز قد اصدروها عام 1945 ضد اليهود العرب على السواء. منها القانون 124، الذي يعطي الحق للحاكم العسكري - بحجة "الامن" هذه المرة - في تعليق جميع حقوق المواطنين، بما فيها حرية الانتقال، ويكفي ان يعلن الجيش اية منطقة على انها ممنوعة، "لدواعي امن الدولة" حتى يصبح متعذراً على العربي ان يتوجه الى ارضه دون ترخيص بذلك من الحاكم العسكري. فاذا رفض اعطاءه هذا الترخيص، تعتبر الارض بورا، ويحق عندئذٍ، لوزارة الزراعة ان تضح يدها على الاراضي البائرة بغية تأمين زراعتها.

وعندما اصدر الانجليز عام 1945، هذا التشريع الاستعماري البالغ الوحشية من اجل مكافحة الارهاب اليهودي، احتج المحامي "برنار (دوف) جوزيف" على نظام التهديد هذا قائلاً: "هل سنكون جميعاً تحت رحمة الارهاب الرسمي؟ اذ ليس من مواطن بمنأى عن السجن مدى الحياة دون محاكمة ولا حدود لسلطة الادارة في نفي اي شخص في اي وقت. لا حاجة لارتكاب مخالفة ما، ما دام يكفي اتخاذ القرار في اي مكتب حكومي!.."

الا ان نفس هذا الـ"برنار (دوف) جوزيف" راح يطبق نفس تلك القوانين ضد العرب، حينما صار وزيراً للعدل في اسرائيل!!

وكان (ج. شابيرا) قد ندد ايضاً بتلك القوانين، خلال اجتماع الاحتجاج عليها في تل ابيب يوم 7/2/1964 (حبر كليت، فبراير 1946 ص 57 و 64) وقال "ان النظام المستتب بواسطة هذا التشريع لا مثيل له في البلاد المتحضرة، حتى المانيا النازية لم تعرف مثل هذه القوانين".

لكن (شابيرا) نفسه، عند توليه منصب النائب العام في دولة اسرائيل، ثم منصب وزير العدل، طبق نفس القوانين ضد العرب. ذلك ان حالة الطوارىء لم تلغ ابداً في دولة اسرائيل منذ 1948، تبريراً للاستمرار بالعمل بتلك القوانين.

وفي عدد 25/1/1972 من جريدة "دافار" كتب "شمعون بيريز" ما يلي:

- "ان استخدام القانون 125، الذي يقوم عليه الحكم العسكري، هو امتداد مباشر للكفاح من اجل الاستيطان والهجرة اليهوديين".

- وتنظيم زراعة الاراضي البور، الصادر عام 1984، والمعدل بطريقة اقصر اذ، دون التذرع "بالصالح العام" او "بالامن العسكري"، يستطيع وزير الزراعة مصادرة كل ارض متروكة.

علماً بان النزوح الجماعي للسكان العرب بسبب الارهاب - من نوع احداث دير ياسين عام 1948، وكفرقاسم عام 1956، والمذابح المنظمة (بوغروم) بواسطة "الوحدة 101" التي انشأها موشي دايان، وقادها "أرييل شارون" لفترة طويلة، هذا النزوح "حرر" اراضي شاسعة، اعطيت لمحتليها اليهود، بعد ان خلت من مالكيها وشغيلتها العرب.

واستكمل جهاز نزع ملكية الفلاحين، بنظام 30/6/1984، والقرار المعجل الصادر في 15/11/1984 بشأن املاك "الغائبين" والقانون المتعلق باراضي "الغائبين" (14/3/1950) وقانون حيازة الاراضي (13/3/1953) بالاضافة الى ترسانة من الاجراءات الرامية الى اضفاء الرعية على السرقة، بإجبار العرب على ترك ارضهم لكي تقوم عليها مستوطنات يهودية، كما بين ذلك ناتان ونستوك، في كتابه "الصهيونية ضد اسرائيل" (منشورات ماسبيرو، باريس 1969 - ص 373 - وما بعدها) ومن اجل محو وجود اهل الزراعة الفلسطينيين - حتى من الذاكرة! - وتأكيد اكذوبة "البلد الصحراوي" تم تدمير القرى العربية بمنازلها واسيجتها، بل وبمدافنها وقبورها ايضاً. وقد وضع الاستاذ "اسرائيل شاحاك" في عام 1975، قائمة بأسماء (385) قرية عربية، دمرت وسويت الارض بواسطة "البلدوزر" من اصل (475) قرية كانت موجودة عام 1984.

واقامة المستوطنات مستمرة في اسرائيل، وهي في تزايد من1 1979 في الضفة الغربية. اضافة الى تسليح المستوطنين، تمشياً مع اعرق التقاليد الاستعمارية. والنتيجة الكلية هي التالية:

- بعد طرد مليون ونصف المليون فلسطيني، اصبحت "الارض اليهودية" - على حد تعبير جماعة الصندوق القومي اليهودي - والتي لم تكن تتجاوز 6,5 % في عام 1974 اصبحت اليوم تمثل 93 % من فلسطين (منها 75 % للدولة و 14 % للصندوق القومي).

وبما ان هذا هو حال السياسة الاستعمارية والعنصرية، التي تتبعها الصهيونية السياسية فيما يتعلق بالاحوال الشخصية وشؤون الارض فانه ليسهل تفهم مدلول "الحكم الذاتي" لدى الزعماء الاسرائيليين، من وجهة نظر مناحيم بيغن. وواقع الامر هو متابعة الاستعمار الصهيوني لخططه في ضم الاراضي. ثم انه من غير المعروف، مع اي جهة يمكن للساسة الاسرائيليين ان يتفاوضوا. هل مع منظمة التحرير الفلسطينية؟ - لكنهم يرفضونها رفضاً قاطعاً. ام مع من يختارهم السكان؟ وقد اقالوهم جميعاً!.

وفيما يلي الترتيبات الرئيسية الموضوعة سلفاً لكاريكاتور الحكم الذاتي المذكور:

- في 3/5/1979 طرح بيغن على لجنة الوزراء الاحد عشر، مشروعه بشأن الحكم الذاتي الاداري، وفي 17/5/1979 وافقت اللجنة عليه لتقره الحكومة يوم 21/5/1979. هذا المشروع الذي صدقت عليه الحكومة، هو عبارة عن تعداد للمبادىء التي تكرس سياسة الكيان الصهيوني في الحاق الارض والتوسع.

فهو يؤكد ان اسرائيل ستطالب بحقها المزعوم في بسط سيادتها على الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد انقضاء فترة الانتقال المحددة بخمس سنوات للحكم الذاتي الاداري. وهذا المبدأ يلقي الضوء على ما يليه..

- المستوطنون والسكان اليهود يخضعون للتشريعات الاسرائيلية وللإدارة الاسرائيلية.

- "الحق" في استمرار انشاء المستوطنات في المناطق الخاضعة لنظام الحكم الذاتي يظل مرعي الاجراء.

- الاراضي الاميرية والاراضي البور  تكون تحت تصرف شاغلها.

- ستكون الدولة الصهيونية مسؤولة عن تخطيط الموارد المائية، وستكتفي باستشارة المجلس الاداري..

قواتها المسلحة وستنتشر في اماكن محددة من المناطق الخاضعة لنظام الحكم الذاتي. وتتكفل قواتها الامنية بالأمن الداخلي" في الاراضي المحتلة. وفيما يتعلق بالمجلس الاداري، ينص مشروع الحكومة على ان الحكومة العسكرية تفوض للإدارة الذاتية سلطاتها، وتجري مفاوضات حول عدد المنتخبين لعضوية المجلس الاداري، وحول عدد المحافظات التابعة لذلك المجلس. وهناك فقرة ملحقة، تذكر بان القادة الصهيونيين لن يسمحوا ابداً بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

هذا المشروع المعروف بـ مشروع المبادىءن من اجل حكم ذاتي اداري متكامل للسكان العرب في يهودا والسامرة وغزة، ومن اجل تواجد مستوطنين يهود في هذه المناطق، قررت الحكومة الاسرائيلية بالاجماع صلاحيته لان يكون ورقة عمل الوفد الاسرائيلي الى مفاوضات الحكم الذاتي، ولكنه، ولأسباب تكتيكيةن لن يقدم حالياً الى مصر اثناء المفاوضات.

وقد كشفت جريدة (هآرتس) اليومية، عن توصيات لجنة (بن اليسار) من اجل تطبيق مشروع مبادىء هذا، وهي توصيات جاءت لتكمل مثيلتها المقدمة في 9 فبراير، وتبين ان قيوداً جديدة سوف تفرض على سلطة الحكم الذاتي.

هذه القيود تبدأ بالإجراءات الواجب اتباعها في انتخابات المجلس الادارية، حيث يمنع انتخاب كل شخص ادين لمعارضته للاحتلال، ويتوجب على المرشحين ان يتقدموا عبر قوائم فردية، دون تعيين للدائرة التي يمثلها كل منهم.

وعلى الصعيد الاقتصادي لا يجوز لادارة الحكم الذاتي اصدار العملة، ولا إنشاء بنك مركزي، ولا استيفاء ضرائب غير مباشرة. كما انه لا يحق لها الاشراف لا على الاستيراد والتصدير ولا على تداول النقد.

اما على صعيد الامن الداخلي، فان حبس المعتقلين السياسيين يتم في سجون تخضع للاحكام الاسرائيلية، ويحق للحكومة الاسرائيلية الاعتراض على اي عفو عن السجناء.

كذلك سيزداد اغتصاب الاراضي، لان هناك (727) الف دونم من الارض - ومساحة الدونم الواحد تقارب الف متر مربع - سوف يتم تسويرها، بحجة استعمالها كميادين مناورات ومعسكرات للجيش. هذا بالاضافة الى الاراضي اللازمة للطرق الجديدة.ز ففي الضفة الغربية ستبنى عشر طرق سريعة، وطريق سريعة في قطاع غزة. فضلاً عن الطرق العريضة التي يجب ان تحيط بالمدن الرئيسية، علماً بان الاشراف على شبكة المواصلات البرية مناط بوزارة النقل الاسرائيلية.

ثم ان سلطات الاحتلال ستزود قطاع غزة بالماء، وتحتفظ بحق التخطيط لاستغلال الموارد المائية في الضفة الغربية.

وتوصية اخرى ذات مغزى من لجنة (بن اليسار):
- يستطيع المستوطنون تشكيل قوة شرطة محلية، وحمل السلاح في كل تنقلاتهم.
وقد قدمت جريدة "ميتافارقي" جنوب افريقيا (داي ترنسفلر) الخبيرة بشؤون التمييز العنصري، خلاصة لتلك الاجراءات المطلوبة، جاء فيها:
- ما الفرق بين الطريقة التي يسعى الشعب الاسرائيلي جاهداً الى ان يستبقي هويته بين السكان غير اليهود، وبين طريقة المتأفريقين في محاولتهم البقاء على ما هم عليه؟ . الاسرائيليون يستندون الى التوراة في شرح سبب عدم رغبتهم في الاختلاط ببقية الشعوب. كذلك يفعل المتأفرقون.

ويقول رئيس وزرائهم (فيرفور)

- اليهود اخذوا ارض اسرائيل من العرب، الذين كانوا يعيشون فيها طوال الف سنة. واني لأقرهم على هذا، ولكنهم، مثلنا، يشكلون بلداً للتمييز العنصري.  

بعد ان رأينا الطرق التي سلكتها الصهيونية السياسية لطرد العرب، لنرى الان "محاولاتها" الرامية الى استجلاب اليهود الى اسرائيل.

نقول بانها "محاولات" لان عمليتها قد فشلت، اذ ليس في اسرائيل اليوم سوى 18 % من يهود العالم. وعدد الخارجين منها يفوق عدد الداخلين حسبما هوحاصل حالياً، وذلك لسبب بيّن: فالصيونية السياسية كانت قد وعدت بتوفير السلامة لليهود في اسرائيل. الا ان هذه الحجة لم تكن مقنعة ابداً، بل هي اليوم اقل اقناعاً، اذ بعد تتابع الحروب، وعجز الساسة الاسرائيليين التام - بسبب عقيدتهم الصهيونية - عن مخالطة شعوب الشرق الاوسط سلمياً، لم يعد هناك اليوم بلد في العالم اجمع، غير اسرائيل، تهدد فيه سلامة اليهود، نتيجة سياسة اسرائيل. (ومشاركة جنوب افريقيا) الرامية (في عصر الانعتاق من الاستعمار) الى استبقاء ابشع اشكال الاستعمار!.

وخلافاً للأسطورة التي روجتها الصهيونية السياسية، فان الدافع الديني، واقل منه الدافع القومي، لم يكن له دور يذكر في العودة الى فلسطين. وليبس هذا نتيجة عدم اكتراث، بل لاسباب دينية محضة، تتعلق بأسس اليهودية نفسها في ارقى تعاليمها.. فاذا كان صحيحاً تعايش تيارين نابعين من التوراة ومن المأثورات الحاخامية، وهما: النفحة الروحانية الكونية المتمثلة في تبشير الرسل بالخلاص الكوني المنتظر، والنزعة القومية الضيقة - كما تتبدى على الاخص في كتاب (يوشع) حول المذابح والابادة المقدسة، او لدى عزرا ونحميا، في كتب التمييز العنصري والحكم الديني بخدمة التعصب المتطرف - فان الصهيونية تمثل براءة" احادية النظرة، انتقائية نافخة في ابواق القومية، على حساب سمو اليهودية.

وان "تيودور هرتزل"، ابا الصهيونية السياسية، نفسه كان ملحداً، لا يهتم بالنصوص التوراتية الا في نطاق امكان تبريرها لسياسته العنيفة. بل ان مؤتمر فيلادلفيا (بين 3 و9/11/1869) ادان فكرتها المبدئية، حتى قبل يعبر تيودور هرتزل عن نظريتها المتبعة. كما توصل هذا المؤتمر الحاخامي الى قرار يؤكد وجود تعارض جذري بين مبادىء اليهودية الشمولية، وبين القومية الصهيونية.

لكن هذا لم يكن يعني انتقاء اي دلالة للقدس لديهم، فقول اشعيا "العام القادم في اورشليم".. والمزمور 136 "اذا نسيتك يا اورشليم"، هما في صميم العقيدة اليهودية. بيد انهم يرفضون وضع هذه العقيدة في خدمة سياسة معينة، وتخطي الشمولية الكونية الى القومية. انهم يجعلون اورشليم القدس - وكما فعل ارميا واشعيا - مركز الوعد بالخلاص المنتظر، الذي سبق المسيحية في التوجه الى جميع الشعوب، وفي تبليغ البشر بالعودة "الحقيقية"، لا بعودة طائفة معينة من ارض معينة، بل بعودة الارض بأسرها، وبمن عليها من البشر، الى الخلاق الازلين الى مملكة الله كما تتبدى في ايات (اشعيا) الراقية؟!..

وترتبط بأورشليم القدس، اسمى احداث ديانات الوحي الثلاث الكبرى: ولها تضحية ابراهيم، وهو تجسيد للايمان يتجاوز العقل والاخلاق نسبياً، مشترك بين الهيودية والمسيحية والمسيحية والاسلام. ثم هناك موت يسوع لمسيح وبعثه. ومعراج النبي محمد في السماء انطلاقاً من المكان نفسه الذي جعل القرآن موئلاً لتضحية ابراهيم، ويجله المسلميون كما يجله اليهود والنصارى. ولما كانت القدس اولى القبلتين، فيتوجه اليها المسلمون في صلواتهم قبل توججهم نحو مكة، المرتبطة ايضاً بسنة ابراهيم.. لقد كان للقدس لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين، اذن، مدلول "المركز الرفيع" الذي تتبوأه عقيدتهم، وتتوجه اليه صلواتهم جميعاً.. انها، بنظر ديانات الوحي الثلاث، رمز تجمع البشر جميعاً حول ايمان مشترك، تتوجه تضحية ابراهيم. وهذا هو سبب اجلال المسلمين لها وسماحهم بحج الناس اليها دون تمييز، طوال القرون الاحد عشر التي تولوا خلالها حراستها وخدمتها. لقد كان اول اجراء قام به صلاح الدين بعد تحريره القدس، هو اعادة فتح ابوابها لليهود والنصارى كافة، بينما كان الصليبيون قد قتلوا فيها، او طردوا منها اليهود والمسيحيين الارثوذكس والمسلمين!..

لقد كان الصليبيون يشكلون "صهيونية مسيحية" كما تشكل الصهيونية السياسية اليوم "صليبية يهودية".. وفي الحالتين فهما تشكلان فساداً في الروحانية، وضلالاً في العقيدة.

ووما له مغزى ملفت للنظر ان تكون اكثر النصوص التوراتية انتشاراً في مدارس دولة اسرائيل، هي تلك التي تتحدث عن غزو (يوشع) لارض كنعان، وعن مملكة داوود، اي عن المظاهر العسكرية والسياسية في تاريخ فلسطين، لا عن تضحية ابراهيم، او كلام الرسل؟!..

والقدس كمركز روحي للانسانية جمعاء، انما تكون دعوتها للحج، لا للغزو والحروب، وحتى بعد ابعاد قسم من اهلها الى بابل، حينما انتصر احشيروش الفارسي على نبوخذ نصر، آخر ملوك بابل عام 583 ق.م. وسمح للمنفيين بالعودة الى القدس، وبقي عدد كبير منهم في بلاد ما بين النهرين يغمره الرضا بزراعة ارضها، مثلما كان (ارميا) (29/5-7) - يدعوهم الى القيام به.. وكسبوا, فوق ذلك، قسماً من سكان البلاد الى عبادتهم، حتى نالوا الحق في تشكيل نوع من الدولة داخل الدولة، بقيادة احدهم، من بين "رؤساء المنفيين" (رش غلوتا) لممارسة طريقتهم الخاصة في الحياة وفقاً لقوانينهم. في مركز الاشعاع الروحي هذا، قام "التلمود" كشرح لتعاليم موسى ثم ادى طوال قرون من الزمان دوراً رئيسياً بين جميع الطوائف اليهودية في العالم.

ونشأت مراكز روحية اخرى لليهودية في اماكن متفرقة، دون ان يكون الاضطهاد سبباً في تفرقها.. فحينما عاد الملك بطليموس الى مصر، بعد فتحه يهودا عام 320 ق.م، تبعه يهود فلسطينيون ليلتحقوا بمن سبق لهم الفرار الى ضفاف النيل من الغزو الآشوري لهم، قبل قرنين او ثلاثة. ولم يعودوا، بعد ذلك، الى فلسطين.. حتى باتت الطائفة اليهودية في الاسكندرية، عام 250 ق.م اكبر طوائف اليهود في العالم. ونشر يهودها - المتشربون للثقافة الاغريقية - عقيدتهم وسط الاسكندرية المقدسة، كالتوراة، والرسل. ونشأ من هذا الحوار بين الثقافتين اكبر اعمال الفيلسوف اليهودي "فيلون". وبذل اليهود جهوداً كبيرة عبر العالم في التبشير بدينهم، حتى مجيء المسيحية ورضيت شعوب من مختلف الاجناس بيهوه رباً وحيداً لها، سواء كانت من الهند او الصين او اليمن او جزيرة القرم او روما او بلاد الغال.

وتوقف التبشير اليهودي، عقب انتشار المسيحية واعتراف الامبراطورية الرومانية بها وتحولها بالتالي الى الاضطهاد وفصد رقاب اليهود، طوال قرون متعاقبة بسيف الاتهام لهم - عنتاً وغباءً - بأنهم "قتلة الرب" المسيح، واثارتها بذلك لا سامية مسيحية حادة.

اما اشعاع اليهودية الروحي، فلم يرتبط ابداً بعودة ما الى فلسطين.. ففي عام 1492، وبعد عصر ذهبي من التعايش الاسلامي واليهودي في اسبانيا، حينما عمد الملوك شديدو التعصب لكاثوليكيتهم الى ملاحقة اليهود وطردهم، والاختيار بين التحول عن دينهم او القتل. اضطر اغلبهم المضطرين الى الفرار الى فرنسا وايطاليا ومصر والبلقان وتركيا. ولم يتوجه سوى عدد ضئيل، يقدر ببضع مئات من اليهود الاتقياء، الى القدس، والخليل، وصفد، وطبريا، للانضمام الى مجموعة صغيرة كان قد كونها الحاخام "موشي بن نعمان" القادم من برشلونة في القرن الثالث عشر. وفي عام 1835، ووفقاً لما ذكر "نيفل مندل"  لم تكن الطائفة اليهودية في فلسطين لتعد اكثر من عشرة آلاف نسمة.

ولم تشتد الهجرة الا بعد ولادة الصهيونية السياسية على يد تيودور هرتزل، وذلك لأسباب غير دينية، بل سياسية، كتلاحق الاضطهاد في اوروبا (في روسيا ورومانيا وبولونيا، ثم المانيا) وقامت الصهيونية السياسية على سلسلة من الاكاذيب، كالزعم بان اليهود غير قابلين للاندماج بغيرهم (وهو زعم مشترك بينهم وبين اللاساميين)، واعتبار اللاسامية خالدة لا تقهر (بينما هي قد تقهقرت كثيراً في اوروبا الغربية وامريكا، بعد الثورة الفرنسية)، ورفض مشاركة المظلومين غير اليهود في محاربة ظالميهم ومضطهديهم..

واخيراً، الكفاح من اجل انقاذ العقيدة والثقافة اليهوديتين والخلاص الكوني المنتظر. وقد استتبع ذلك المطالبة بدولة يهودية (من تخطيط هرتزل) مستوحاة من قومية القرن التاسع عشر الاوروبية (ومن المانيا بشكل خاص) وفي - ارض خاصة، مستملكة بالتواطؤ مع كبريات الدول الاستعمارية، وباتباع اساليبها، لكي يهرع الى تلك الارض في فلسطين جميع يهود العالم، كما كان يحلم هرتزل وبن غوريون!!

ومنذ ذلك الحين، جاءت قومية سياسية انعزالية متعصبة، لتحل محل الاعتقاد الديني بانتظار خلاص الكون على يد مسيح قادم.

 وقد فضحت السلطات اليهودية الدينية ذلك الانقلاب التاريخي، او بالاحرى الانحراف التاريخي لليهودية، منذ البداية.. ففي عام 1885، وحينما كان تيودور هرتزل لا يزال يروج للصهيونية السياسية، قبل نشر كتابه عن "الدولة اليهودية" ثم في مؤتمر بتسبورغ الاعلان عن "المبادىء الثمانية لاستصلاح اليهودية" وقد صدر عن الاغلبية الساحقة من الحاخامين الامريكيين، جاء فيه قولهم:

- "لا نعتبر انفسنا امة بل مجرد طائفة دينية، وبالتالي، فنحن لا ننتظر عودة الى فلسطين، ولا احياءً لشعائر الفداء لدى ابناء هارون، او لاي قانون يتعلق بدولة يهودية".

- هذا الاعتراض على الصهيونية السياسية لم يصدر فقط عن الحاخامين، بل كذلك عن ابرز الشخصيات اليهودية في العالم كأينشتاين، والفيلسوف مارتن بوبر، والبروفسور جودا ماغنس، اول رئيس للجامعة العربية في القدس.

باستثناء الاعتبارات الدينية لدى اولئك الذين كانوا يرون في الصهيونية السياسية خيانة للدين اليهودي. واداة سياسية تستخدم هذا الدين لاغراضها. فان دوافع هذه المعارضة تتلخص في سببين:

الاول - ان اقامة دولة يهودية في فلسطين ستؤدي حتماً الى نشوب ازمة مع السكان المقيمين والعاملين في تلك الارض منذ قرون طويلة. وقد عبر عن ذلك "جودا ماغنس" نفسه حينما قال عام 1924، وكأنه يستشرف المستقبل: "اكثر ما يقلقني هو غياب اي اقتراح بناء حول الطريقة التي يمكن بواسطتها حل الازمة دون نشوب حرب بين الشعبين. صحيح ان لليهود الحق في مطالبة العالم بالعدالة، ومن جهتي انا، لست مستعداً لايقاع الظلم بالعرب من اجل استيفاء حق اليهود في العدل. اني لأرى من الظلم ان يخضع العرب لقانون اليهود، دون رضاهم. واذا كنت لا اؤيد قيام دولة يهودية، فذلك للسبب الذي ذكرته. آبى لا اريد حرباً مع العالم العربي .

ولكون "جودا ماغنيس" من اوائل الصهاينة فقد قال:  
- " هل سيتحول اليهود هنا (في فلسطين) في مساعيهم الحثيثة الرامية الى انشاء جهاز سياسي لهم، كما صار اليه بعض الشعوب القديمة؟ يبدو اننا فكرنا في كل شيء ما عدا العرب.."
الثاني - تعرض الصهيونية يهود العالم للخطر، لاثارتها الشك في ازدواج تبعيتهم ومواطنيتهم، منذ، اجتماع 92 حاخاماً يهودياً في يونيو 1942 بمدينة (اتلانتيك ستي) الامريكية وتشكيلهم "لمجلس اليهودية الامريكي" 31/8/1941 للاحتجاج على مشروع انشاء دولة يهودية، واصدارهم لبيان يحدد الاسباب التي دفعتهم الى اتخاذ موقفهم المعارض، جاء فيه ما يلي:
- "لقد حان الوقت للوقوف في وجه تكييف اليهود الامريكيين ليتجاوبوا مع علم يهودي، وجيش يهودي، ودولة في فلسطين وتبعية مزدوجة في امريكا وهذا ما لا نستطيع قبوله اننا على ضوء مفهومنا الشمولي لتاريخ المصير اليهودي، ونظراً لاهتمامنا بوضع اليهود وسلامتهم في بقية اجزاء العالم، لن نستطيع القبول بالتوجه السياسي المهيمن على البرنامج الصهيوني الراهن، او ان نسانده. وفي اعتقادنا ان القومية اليهودية ترمي الى بث الاضطراب في نفوس اخواننا حول مواقعهم ووظائفهم في المجتمع، والى تحويل اهتمامهم عن دورهم التاريخي، الا وهو العيش ضمن طائفة يهودية في كل مكان يتواجدون فيه"  ، وقد اقترح "مجلس اليهودية الامريكي" حلاً واقعياً محسوساً لمشكلة الاشخاص المبعدين (كما وصفوا فيما بعد) فقال:
- اننا نطلب من الأمم المتحدة ان تؤمن، في اقرب وقت، اعادة جميع الشعوب المقتلعة من اوطانهم بواسطة المحور، وان توفر ملاذاً للاجئين، اياً كانت معتقداتهم، او افكارهم السياسية، او اصولهم القومية، ولا نطلب لاخوتنا من اليهود سوى المساواة في الحقوق والواجبات مع مواطنيهم في كل دولة. اننا ضد اقامة دولة يهودية في فلسطين او في اي مكان آخر، لانها صادرة عن فلسفة انهزامية، لا توفر حلاً عملياً للمشكلة اليهودية.

ان فلسطين تشكل جزءاً من ميراث اسرائيل الديني، كما تشكل جزءاً من تراث الديانتين الاخريين. واملنا ان تقوم في فلسطين حكومة ديمقراطية مستقلة. يتم فيها تمثيل اليهود والنصارى والمسلمين بالعدل. واننا نحث جميع يهود العالم على مساندة تطلعاتنا الى حياة اليهود ومقدراتهم، من اجل صيانة اسمى تقاليد عقيدتنا. وفي رأينا ان هذه الحقائق توفر اساساً لاي ربط تخطيط لمستقبل زاخر بالامل، يقترحه الرجال الاحرار".

في ذلك الوقت، وكما جاء في "الكتاب السنوي اليهودي الامريكي" لعام 1943، كان اعضاء الحركة اليهودية 59 الفاً (اي اقل من واحد بالمائة من مجموع يهود الولايات المتحدة الامريكية) والملفت للنظر هو ان حركة الهجرة الى فلسطين ظلت ضعيفة جداً، رغم دعاية الصهيونية السياسية.. ففي نهاية القرن التاسع عشر، كان هناك خمسون الف يهودي في فلسطين وبعد عامين من صدور وعد بلفور، عام 1917، لم يكن هناك سوى 65 الفاً (اي 7 % من مجموع سكان فلسطين) وخلال اثني عشر عاماً - اي بين 1920 و1923 - دخل (118,378) يهودياً الى فلسطين باختيارهم الطوعي (اي اقل من واحد بالمائة من مجمل اليهود في العالم) وحتى ما بعد الفظائع الهتلرية، بقي عدد اليهود الذين اختاروا العيش في اسرائيل ضعيفاً جداً. وقد دلل بن غوريون على هذا الفشل، اثناء استقباله، يوم 31/8/1949، لمجموعة من الامريكيين في اسرائيل حينما قال: " على الرغم من اننا حققنا حلمنا في تكوين دولة يهودية، فنحن لا نزال في البداية، اذ ليس في اسرائيل اليوم سوى 900 الف يهودي، بينما تتواجد اغلبية الشعب اليهودي في الخارج. والواجب يقضي باستقدام جميع اليهود الى اسرائيل".

وفي ديسمبر 1953، اتهم بن غوريون الزعماء الاسرائيليين بانهم لن يكونوا القدوة لغيرهم  ولوح الزعماء الاسرائيليون وعملاؤهم في الخارج، دون جدوى، بتهديد اللاسامية التي هم بأمس الحاجة اليها لبلوغ اهدافهم. وكتب الدكتور (اسرائيل غولدشتاين) يقول: "ما الذي ينتظره اليهود الامريكيون؟ اينتظرون هتلراً آخر يطردهم بالقوة من بيوتهم؟ او يتصورون انه لن تصيبهم المصائب التي اضطرت يهود البلاد الاخرى الى الهجرة"؟ .

وبعد مرور ثلث قرن على هذا، لا يتردد عملاء حميمون لاسرائيل عن سلوك نفس المهزلة.. فحتى ما بعد وقوع مجازر صبرا وشاتيلا باشراف الجيش الاسرائيلي، نجد "المجلة اليهودية" السويسرية تبرر تضامنها مع ارهاب دولة القدس، بقولها: "منذ ان وجدت اسرائيل، صرنا نعيش حياتنا مرفوعي الرأس، وهذا امر علينا ان لا ننساه ابداً" وتصديق هذا العبير الانشائي يفرض الاعتقاد بان حالة اليهود في سويسرا، قبل عام 1948، كانت يائسة. وان اللاسامية ضرورية للصهيونية من اجل بلوغ اهدافها.. وقد سبق لتيودور هرتزل ان كتب ما يلي: "اليهود شعب وحيد، لا يستطيع الاندماج ببقية الشعوب. لكنهم يتآلفون مع اي مجتمع يعيشون فيه بسلام لمدة طويلة. وهذا ما لن يكون في مصلحتنا ابداً".

ولتنشيط الهجرة، ليس مستبعداً - بل يستحسن - اصطناع احداث مناهضة للسامية، لتلفيق السيناريو المثير.

والواقع ان دوافع الهجرة الى فلسطين كانت ملفقة ومفتعلة، منذ البداية. وفيما يلي: ثلاثة امثلة على الطرق المتبعة:
- قبل كل شيء طريقة استقدام اليمنيين الذين شكلوا اكبر طائفة من المهاجرين الشرقيين قبل عام 1948. وحقيقة الامر هي في احلالهم محل العمال العرب، وبنفس الاجور المنخفضة، وفي المهمات المنفرة، كعمال في الزراعة، ومبتدئين في الصناعة، وخادمات في المنازل.

وهناك تقرير للدكتور طون، من الوكالة اليهوية، يوضح هذه المسألة بقوله: اليهود الشرقيون، دون غيرهم، هم الذين يمكن ان يعملوا كالعرب. وبنفس اجور العرب، مع مساهمتهم في تحقيق الهدف الصهيوني الرامي الى استتباب "العمل العبري" واستبعاد اليد العاملة الفلسطينية. ثم يخلص الى القول "لو استطعنا التوصل الى جعل العائلات اليمنية تستقر بشكل دائم في المستوطنات، فسنكون قد حققنا امرأ آخر، الا وهو ان تشغل النساء والفتيات اليمنيات كخادمات، بدلاً من النساء والفتيات العربيات العاملات في الوقت الحاضر في خدمة كل عائلة من المستوطنين تقريباً، مقابل اجور باهظة تتراوح بين 20 و25 فرنكاً فرنسياً في الشهر" .

وفي عام 1910، ارسل الى اليمن واعظ مزيف، هو الصهيوني "الاشتراكي" (فرشفسكي) الملقب زوراً بالحاخام (يفني ايلي) مبشراً يهود اليمن بمجيء المسيح المخلص الذي سيقيم مملكة اسرائيل الثالثة.. وعند استيراد المهاجرين اليمنيين عام 1948، الى اسرئيل، في العملية المعروفة "بالبساط السحري الطائر" كان هؤلاء ينشدون في الطائرات المقلة لهم "داوود داوود (يقصدون بن غوريون ملك اسرائيل".

هذه العملية تمت على مرحلتين:
- الاولى: بين ديسمبر 1948 ومارس 1949.
- الثانية: بين يوليو 1949 وسبتمبر 1950.
- المثل الثاني: مسألة "المرحلين" او المشردين تمت كذلك في عام 1948. في ذلك الوقت لم يكن في المنطقة الامريكية سوى مائة الف او 114 الف يهودي "مرحل". ورغم الدعاية القوية الواسعة التي قامت بها الوكالة اليهودية فان تقرير كلوسنر - الذي يشير امام المؤتمر اليهودي الامريكي، المنعقد في 2/5/1984، بان "اليهود في مجموعهم، غير راغبين كثيراً في الذهاب الى فلسطين" - وقد صرح بهذا دون مداورة وقال: اني مقتنع بإجبار هؤلاء الناس على الذهاب الى فلسطين". وتحقيقاً لهذه الخطة، يصبح من الضروري ان تقلب الطائفة اليهودية سياستها، فبدلاً من احاطة المرحلين والمشردين بأحوال معيشية مريحة، ينبغي تعكير صفوهم بقدر المستطاع، حتى يمكن، فيما بعد، دعوة الهاغانا (الجيش الاسرائيلي) الى الضغط على اليهود (من اجل حملهم على الانخراط في صفوفه).
- لم يكن الشاغل الاساسي للزعماء الصهاينة هو مد يد العون للاجئين اليهود، بل سوقهم الى فلسطين.. ففي رسالة الى المجلس التنفيذي الصهيوني، بتاريخ 17/12/1938، ابدى بن غوريون "خشيته" من ان ينجح اليهود المضطهدون المشردون في اللجوء الى بلاد الغرب، قائلاً: "اذا ترتب على يهود الغرب ان يختاروا بين استنفاذ يهود معسكرات الاعتقال، ومساعدة متحف وطني في فلسطين، تغلبت عليهم مشاعر الرحمة، وتوجهت كل عزيمة اليهود نحو انقاذ اليهود من مختلف البلاد، لتشطب الصهيونية من الاذهان" .

اما الحكومات الغربية، التي بادرت الى ذرف دموع التماسيح حزناً على "الناجين من محرقة هتلر" (الهولوكست) فانها لم تتردد في تحديد عدد الداخلين منهم الى بلادها. وهكذا، فمن اصل مليونين ونصف المليون من ضحايا النازية اليهود، الفارين الى الخارج بين سنة 1935 و1943، لم يستقر في فلسطين سوى 8,5% منهم. واستقبلت الولايات المتحدة الامريكية 182 الفاً (اي اقل من 75 %) فقط (اي اقل من 2 %) اما الاكثرية العظمى منهم (اي 75 %) فقد وجدت ملاذاً لها في الاتحاد السوفياتي  (1,930,000)..

 ويقول الحاخام كاونسر: "يجب التيقن من اننا نتعامل مع جماعة المرضى الذين لن نسألهم الرأي، بل نملي عليهم ما ينبغي فعله. ولن يلبثوا حتى يكونوا ممتنين لنا بعد بضع سنوات" .

 - المثل الثالث: نجده لدى اليهود الاسرائيليين، الذين تشكلت نواتهم الاولى قبل (2500) سنة بين المنفيين الذي عاد بهم نبوخذ نصر الى بابل، بعد سقوط مملكة يهودا. فالطائفة اليهودية - التي كانت تعد (110) آلاف نسمة في العراق عام 1948 - فلها جذور بعيدة الغور في حياة البلاد. حتى ان حاخام العراق، خضوري ساسون، كان قد صرح:

 - "تمتع اليهود العرب بنفس الحقوق والامتيازات منذ الف سنة. ولا يعتبر اليهود انفسهم عنصراً منفصلاً عن جسم هذه الامة".

 عندئذٍ اي عام 1950، اندلعت الاعمال الارهابية الاسرائيلية في بغداد، فلمواجهة تردد اليهود العراقيين في تسجيل اسمائهم بين المهاجرين الى اسرائيل، لم تتردد اجهزة المخابرات السرية الاسرائيلية عن قذفهم بالقنابل، لحملهم على الاقتناع بانهم معرضون للاخطار ان هم اختاروا البقاء. وقد اسفر الهجوم على كنيس (شم توف) عن قتل ثلاثة اشخاص وجرح العشرات .

 وهكذا بدا "الخروج" المعروف بـ"عملية علي بابا" وبإمكاننا عرض المزيد من الامثلة. وعلى الاخص، فيما يتعلق بالابتزاز الفعلي للمنال، والذي قامت به الصهيونية السياسية في امريكا اللاتينية.

 ففي المكسيك، عامل الصهاينة طائفتهم اليهودية وكأنها مستعمرة اسرائيلية. اذ اعلن "صندوق مكسيكو المتحد" في عام 1948، بان الذين يرفضون المساهمة، او تكون مدفوعاتهم غير كافية، سوف يحاكمون بشدة، وسيشهر بهم امام المئات من الناس. وقد وصفت جريدة "دي ستيم" الصادرة في العاصمة المكسيكية عدد 9/6/1948 اولى تلك "المحاكمات". الاجراء نفسه واتبع في بلاد اخرى من امريكا اللاتينية.. ففي (مونتفيديو) رفض المتمردون من يهود اورغواي، عام 1949 تسديد ضربة 2 % عن ثروتهم للزعماء الصهاينة، فعوقبوا بمنعهم من دخول الكنيس، ومن التقدم لاحد الحاخامين في قضايا الزواج او الوفاة او الختان  وعلى هذا النسق. جرت الامور في الارجنتين، والبرازيل، وبيرو .

 قد فشلت الصهيونية في محاولاتها الرامية الى الاتيان بجميع يهود العالم الى فلسطين (وهذا من حسن حظ البلاد التي كانت ستحرم من مشاركة مواطنيها اليهود، وبلاد الشرق الاوسط، حيث من شأن نزوح يهوي جماعي من هذا القبيل، ان يسجع الدولة الصهيونية على الاعتداء باستمرار على جيرانها العرب، من اجل مزيد من "المجال الحيوي")… لكن ادعاء دولة اسرائيل الوصاية على جميع اليهود المتواجدين خارج اسرائيل (اي الشتات الدياسبورا) ظل قائما. وحين كان بن غوريون على رأس الوزارة الاسرائيلية كان ينادي "بضرورة التزام جميع الهيئات الصهيونية في مختلف دول العالم، بمساعدة الدولة اليهودية في جميع الاحوال، ودون اي شرط حتى ولو كان تصرف كهذا يتعارض مع اتجاه السلطات في بلادها" .

 وقد نظر المؤتمر الصهيوني الدولي الى هذا التوجيه "كتعاون غير مشروط مع الدولة وحكومة اسرائيل" واوضح المعارضون ان اعطاء دور كهذا "للحركة الصهيونية العالمية" يحرج موقف اليهود المتواجدين خارج اسرائيل حيث يخشى ان يتهموا وبحق بازدواج الولاء والتبعية" .

 واثناء غزو لبنان اصدر "نسيم غون" رئيس الجمعية السويسرية للعمل من اجل اسرائيل، رسالة دورية مؤرخة في 10/6/1982، يحث فيها على جمع المال لدولة اسرائيل، ويقول:

- "الجيش الاسرائيلي يهتم بالجبهة العسكرية. اما الجبهة الثانية، جبهة اقتصاد البلادن فهي بين ايديكم، فساندوها اذن بكل الامكانات المتوفرة لديكم، لتثبتوا مرة اخرى ان الشعب اليهودي كتلة متراصة لا تتجزأ".

وهو الموقف نفسه من الدعم المسبق غير المشروط، لدى "آلان دي روتشيلد" الذي صرح في مقابلة مع جريدة "فرانس سوار" 27/11/1982، باسم (المجلس الممثل للمؤسسات اليهودية في فرنسا) تعليقاً على انباء المذابح المرتكبة في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت فقال:

-  "لقد حول اتجاه الاحداث بعد مهاجمة الطائفة والشعب اليهوديين وتشويه سمعتهما بتحميلهما مرة اخرى جريرة كونهما يهوداً، وغض الطرف تماماً عن المنفذين الحقيقيين، اي اللبنانيين".

مما يطابق تماماً مقولة بيغن "غير يهود قد فتكوا بغير يهود" فقد تناسيا التنبيه الى ان هؤلاء المجرمبين انما كانوا "المنفذين" المسلحين من قبل دولة اسرائيل، العاملين بإيعاز من (شارون) الذي فتح لهم المخيمات المحاصرة بقواته، واضاء لهم ميدان الفظائع المرتكبة بمشهد من عساكره. ومع ذلك، يرى بيغن وروتشيلد في التنديد بهذه الجرائم، "لا سامية" مناهضة "للطائفة اليهودية"..