ثالثاً: الخرافة التوراتية..
تتمسك الصهيونية السياسية "بالاستثناء" والتفرقة، تعزيزاً للفكرة القائلة بان اليهود لا يستطيعون العيش بأمان في الشتات (دياسبورا) ولكن في دولة منفصلة فقط. كما لو ان الدولة، وحتى الممالك، مهما بلغت من القوة، لم يجتحها احد، ولم يلحق بها الخراب، ولم يتناهب الغزاة اهلها. ثم ليس صحيحاً ان الصهيونية السياسية - في مشروعاتها او في انجازها للدولة - قد انقذت اليهود، بل انه تم انقاذ اليهود من النازية بفضل انتصارات ستالينغراد والعلمين. ولولا هذه الضربات الموفقة للاندفاع الهتلري الى الشرق، لباتت فلسطين - وضمنها الصهيونية او بدونها - رهينة الارهاب النازي. ان السبب البعيد لهذا التزييف التاريخي الذي قام به الصهاينة هو سبب سياسي. فالمقصود من تلك "الاستثنائية" هو انتزاع دولة اسرائيل من المجموعة الدولية واعتماد علاقات مع بقية الدول، لا تكون طبيعية وقائمة على التفاهم المتبادل، والمصالح المشتركة، والغايات السلمية الخلاقة، بل علاقات استثنائية يتحكم بها الشعور بالذنب الى حد يكفي عنده التلويح بمحرقة "الهولوكوست" ليصبح كل شيء مسموحاً به للتضحية المختلفة من غيرها، بما في ذلك تسديد التعويض عن جرائم الامس.. ولهذا رفعت اخيراً "المساعدات الخارجية" المقدمة من الولايات المتحدة الامريكية وحدها، الى اكثر من (750) دولاراً سنوياً، للفرد الواحد في اسرائيل، اي اكثر من ضعف المدخول القومي السنوي للفرد الواحد في افريقيا. وماذا يكون الحل لو جعل الهنود الحمر الامريكيون "باقي البشر" يعوضونهم عن مذابح الابادة التي تعرضوا لها، او لو طالب سود افريقيا "بالدين" بالمترتب على البشرية لقاء استعبادها مئة مليون ضحية منهم؟ ونتيجة ذلك التمسك من جانب الصهيونية السياسية بالترويج لوهم الاستثناء والتميز، كانت عزلة تامة. ترى صورتها في عزلة اسرائيل داخل منظمة الأمم المتحدة، حيث لم تكن لتتحدى كل شيء لولا الدعم غير المشروط وغير المحدود من الولايات المتحدة الامريكية.. ولكن، اذا توقف الدعم الخارجي ذات يوم (كما حدث في الماضي مع الصليبيين، بشأن الاسلحة والاموال) فان الارتباط المالي والعسكري للدولة الصهيونية سيكون له من التأثير ما يكشف عن اسوأ كارثة تكون اعدتها الصهيونية السياسية لليهود جميعاً. وللتستر على هذه الحقيقة الرهيبة، يعمد الزعماء الاسرائيليون الى استخدام كل الوسائل لتصوير انفسهم وكأنهم كل يوم على حافة الزوال (في محرقة هولوكوست جديدة!!). وفي سبيل ذلك، فهم بحاجة الى اذكاء السامية في الخارج والى التهويل "بالتهديد العربي" في الشرق الاوسط. بينما امتدت مذابحهم، من دير ياسين الى صبرا وشاتيلا. وهكذا، فان الزعماء الصهيونيين الاسرائيليين، سواء نسبوا انفسهم الى اليسار ام الى اليمين، او كانوا اعضاء في الحزب العمالي ام في "الليكود"، او كانوا ناطقين باسم الجيش او باسم الحاخامية، يتذرعون دوماً وابداً بذرائع توراتية لتبرير كل مطالبة بأرض لانه يكفلها لهم "حق الهي" بامتلاك فلسطين. ويجري كل هذا، كما لو ان بالامكان ابراز صك هبة مهور من الله، من شأنه اثبات حق نزع الملكية من كل شاغل لتلك الارض. هذا المفهوم "للوعد" وكذلك وسائل تحقيقه (كما يستقيها زعماء الصهيونية السياسية من كتاب يوشع، ومن الانتصارات التي حققتها بأمر الرب وعونه، في استئصاله شأفة الشعوب السابقة) وبالاضافة الى مسائل "الشعب المختار" و"اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات"، كل هذا يشكل الاساس الايديولوجي للصهيونية السياسية. وقد دأب الاستعماريون في كل الزمان وبين جميع الشعوب، على تدبير "تبرير" لكل ما يقومون به من استيلاء على الاراضي واغتصابها والتحكم بها، وكانت حجتهم، دوماً هي التفوق الثقافي الذي يخول الغازي حق القيام "بمهمة حضارية" يضطلع بها بنو جنسه ازاء الآخرين. كما كان التحجج بالدين ونشره مساعداً قيماً في عملية الغزو الاستعماري، وعلى الاخص، في احكام سيطرة مجموعة اجتماعية على مجتمع آخر. وعندما يكون الشعب "مختاراً من الرب" موظفاً لدى المطلق، يمكن ان يبيح لنفسه كل شيء. فالفرنسيون هم اليد التي يحركها الله، وهم الصليبيون. واسبانيا الملوك شديدو التمسك بالكاثوليكية، هي بلد محاكم التفتيش وابادة هنود امريكا الحمر. و"روسيا المقدسة" هي مرتبكة المذابح بحق اليهود (البوغروم)… و(الله معنا) كان شعار المانية بسمارك، قبل ان تصبح المانية هتلر ومعتقلات "اوشفتز".
وكان الكاردينال سبلمان يخاطب الامريكيين المرسيلن الى فييتنام بقوله: "انتم جنود المسيح"؟! وفي عام 1972، كان (فورستر) رئيس وزراء جنوب افريقيا، الشهير بتمييزه العنصري المتوحش، ينادي: "لا ننسى اننا شعب الله، المرصود لأداء رسالة". وفي مأثورات الدين اليهودي: "الاختيار" هو اصلاً "اختيار بواسطة العذاب" وهو بحث روحي رفيع، يعود الى المسؤولية والتضحية لدى من تلقى امانة الرسالة الالهية. ولكننا نذكر مرة اخرى بان انتقادنا موجه كلياً الى الصهيونية السياسية التي تستغل موضوع الاختيار - بما فيه الاختيار بالعذاب - (كما سبق ايضاحه عند الحديث عن الاستغلال السياسي للهولوكوست) باستعلاء استعماري، يتمثل دائماً في دأب الاستعمار على التبرير، نظراً لادعائه تحمل المسؤولية والتضحيات المؤلمة، وهذا ما كان (روديارد كبلنغ) مثلاً يعنيه "بعبء الرجل الابيض".
وتعتبر فكرة "الشعب المختار" صبيانية، من الناحية التاريخية. لان جميع الشعوب قد عبرت في الكتابات الصادرة، عن تحسسها لتميز خاص بها، يصور الواحد منها بانه هو "المختار" فلماذا يؤخذ بكتابات شعب، ولا يؤخذ بغيرها؟
وكذلك فكرة "الشعب المختار" - ايضاً - فهي اجرامية، من الناحية السياسية، اذ تكرس مشروعية الاعتداء، والتوسع، والتسلط.
كذلك لا يمكن تحمل فكرة "الشعب المختار" من الناحية اللاهوتية، اذ ان افتراض وجود "مختارين" يستتبعه وجود "مقصيي".
وكل سياسة تدعي قيامها على الوهم، تقود اذن الى انكار الآخرين ورفضها. وليست العزلة ديناً، لان الانسان المنعزل، المكتفي بنفسه، لا اله له على الاطلاق. والاستعمار الصهيوني لا يشذ عن هذه القاعدة، فلقد رأينا كيف يجزم الصهاينة بإنكار اي وجود للشعب الفلسطيني (غولدا مائير) وبطرده ومطاردته، من دير ياسين ومن بيروت (بيغن) في انتظار ما يتبع. وما يشد الانتباه، في ظاهرة توجيه الاهتمام الاسرائيلي الى بعض نصوص التوراة، تشكيل الصهيونية السياسية في الاصل رداً على احتجاج ديني يهودي من جانب الحاخامات عام 1897، اذ يرى في استعادة ارض فلسطين بواسطة المال والسلاح، خيانة لأسمى قيم اليهودية وانبلها. وعندما بدأ "تيودور هرتزل" حملته عام 1880، استبعد اقتراح عقد مؤتمر في ميونيخ، نتيجة لمعارضة الحاخامين الالمان، القائلين بان "محاولة تأسيس دولة قومية يهودية في فلسطين، هي مخالفة لوعود اليهودية بالخلاص" . وكان (البرت اينئشتاين) قد قال في الثلاثينات: "برأيي ان التوصل الى اتفاق مع العرب على اساس حياة مسالمة مشتركة، هو اكثر حكمة من انشاء دولة يهودية. فما اعهده في جوهر الديانة اليهودية يصطدم بفكرة دولة يهودية ذات حدود وجيوش ومشروع سلطة زمنية مهما كانت متواضعة. كما اخشى الاضرار العميقة التي ستلحق باليهودية نتيجة تغلغل القومية ضيقة الافق، في صفوفنا. فنحن لسنا ابداً يهود عصر المكابيين. وعودتنا من جديد الى تشكيل امة بحسب المعنى السياسي للكلمة، انما تعني النكوص عن روحانية طائفتنا. التي ندين بها لعبقرية انبيائنا" .
ان الاكثرية الساحقة من الاسرائيليين في الوقت الحاضر لا تشارك لا في العقيدة اليهودية ولا في طقوسها.
كما ان مختلف "الاحزاب الدينية" - التي تؤدي دوراً حاسماً في دولة اسرائيل - لا تضم سوى اقلية ضئيلة جداً من المواطنين. ولهذه المفارقة البينة تفسير يورده (ناثان ونستوك) في كتابه عن الضرر الذي الحقته الصهيوني بإسرائيل فيقول: "اذا كان التعميم الحاخامي ينتصر في اسرائيل، فذلك لان التدين الصهيوني لا يستطيع التماسك دون سند من الديانة الموسوية. والغاء مفاهيم "الشعب المختار" و"ارض الميعاد" يقوض اركان الصهيونية. وهذا يفسر السبب في استقاء الاحزاب الدينية قوتها من التواطؤ مع الصهاينة الغنوصيين - اللاأدريين رغم ما في هذا من مفارقة منطقية. كما ان التماسك الداخلي للتركيب الصهيوني في اسرائيل، قد فرض على ساستها تقوية سلطة رجال الدين.. فبإيعاز من بيغن، كان الحزب الاجتماعي الديمقراطي (ماباي) هو الذي وضع دروس الدين الالزامية وفقاً لمناهج التعليم، وليس الاحزاب الدينية" النتيجة الرئيسية لهذه الاستحالة في الفصل بين الكنيس والدولة، تمثلت في ان دولة اسرائيل لا تزال دون دستور، رغم مرور 44 سنة على انشائها. وذلك "من اجل تجنب المجابهة مع احزاب القسس، التي تطالب بجعل التوراة القانون الاساسي للدولة. وهذا الطابع الطائفي التمييزي ينسحب على المبدأ الاساسي للدولة الصهيونية. مبدأ تحديد "اليهودي" الذي يستطيع وحده الافادة من شرعة (العودة).
قانون "العودة" هذا (5710-1950) يشترط ما يلي:
اولاً: لكل يهودي الحق في الهجرة الى اسرائيل.
ثانياً: استجابة لمطالب هذا القانون، يعتبر يهودياً كل شخص مولود من ام يهودية او متحول الى الديانة اليهودية، ولا يتبع اية ديانة اخرى" اذن لا معيار آخر سوى المعيار العنصري (انتقال الدم من الأم) او الديني (التحول) الذي لا يعتد به الا اذا تم التهود على يد حاخام تقليدي (اي غير مجدد). وايديولوجية التبرير الخاص بالصهيونية، تتذرع بالوعد الوارد في سفر التكوين (15-18): "في هذا اليوم، عقد المولى تحالفاً مع ابراهيم بموجب هذه الكلمات: لذريتك سأعطي هذه البلاد، من نهر مصر حتى النهر الكبير، نهر الفرات". وقد سبق لنا التذكير بانه لا يوجد خارج "العهد القديم" انه اشارة او وثيقة تعود الى هذه الحكاية القديمة عن اسرائيل. مما يستوجب التساؤل: اتستطيع انه مجموعة بشرية مهما كانت ان تفرض على بقية الشعوب القبول بمجرد ايمان تلك المجموعة بتقاليدها الموروثة كقاعدة لوجودها؟ هذا فضلاً عن ان جميع شعوب الشرق الاوسط (من بلاد ما بين النهرين الى مصر، مروراً بللاد الحثيين) قد عرفت نفس الوعود المعطاة لابراهيم من ارض وذرية. فلماذا لا يتذرع السوريون - كحق تاريخي والهي عائد اليهم - بالوعود التي اعطتها الآلهة "آرينا" (موطدة حدود البلاد) "لأجدادهم" الحثيين (الذين دامت مملكتهم قرابة الالف عام من القرن الثامن عشر الى القرن الثامن ق.م، خلافاً لمملكة داود وسليمان)؟ ولو فعل السوريون مثل ذلك، لاعتبرنا مزاعمهم تلك مضحكة حقاً. فلم نتخذ موقفاً آخر ازاء نصوص مماثلة عائدة لحضارة مجاورة، اللهم الا اذا كنا نعتقد - حقاً او باطلاً - بأننا ورثتها؟! من البداية، يجب اذن ان نعتبر هذه القراءة للتوراة قراءة قبلية اي قراءة ترى سلفاً ان مأثورات قبيلتنا هي وحدها الصحيحة شرعاً، ومأثورات القبائل الاخرى، حتى المجاورة منها، غير موجودة اصلاً. ان قراءة كهذه للتوراة، مقتطعة من اطار المضمون الكلي لأديان الشرق الاوسط، هي قراءة انتقائية، نظراً لاختيارها فقرات معينة، تبرر تصرفاً حالياً، ونظراً لاستبعادها بلداً م لانها تدينه. صحيح ان في "العهد القديم" قصصاً تبرر - اذا ما اعتبرت نموذجية - مذابح (اورادور) و(دير ياسين) وشراسة الاحتلال والابادة. الا ان كتاب يوشع الذي غالباً ما تستند اليه الحاخامية العسكرية الاسرائيلية في الدعوة الى الحرب المقدسة، ويعممه التعليم المدرسي يلح على الابادة المقدسة لسكان البلاد المغلوبة، بتمرير رقاب الجميع على حد السيف "الرجال منهم والنساء، والاطفال والشيوخ" (يوشع 6/21) عند حديثه عن اريحا وغيرها من المدن. ويقص علينا كتاب "الاعداد" (31-9/18) مآثر "بني اسرائيل" المنتصرين على اهل مدين.
والذين "قتلوا جميع الرجال - كما امر الرب موسى - واسروا النساء، وحرقوا كل المدن". وحينما عادوا الى موسى "غضب موسى منهم وقال: ماذا؟ لقد ابقيتم جميع النساء على قيد الحياة؟ حسناً، هيا اقتلوا الان كل الصبيان، وكل النساء اللاتي جمعهن بالرجال حضن الزوجية. اما الفتيات فاستبقوهن لأنفسكم" (15-18).
هذه الروايات هي من صنع اللاهوتيين الذين ارادوا الافصاح عن ايمانهم برب لا يقهر، رغم هزيمة شعبه. بينما كان الاشوريون يرون في انتصارهم انتصاراً لإلههم، آشور، على "يهوه" المهزوم. لذا، شدد لاهوتيو عصر المنفى على القول بان السبب في هزيمة شعبهم لا يعود الى ضعف الههم "يهوه" بل الى معاقبة "يهوه" لهذا الشعب الخائن له. ان تكاثر حكايات المذابح والابادات المقدسة يشكل انتقاداً للطريقة التي كان الملوك يقودون بواسطتها الحروب ويستفيدون منها. ففي مفهوم "الحرب المقدسة"، لا يجوز جني الفوائد من الانتصار. وهذا اعتقاد وتطبيق مألوفان في ذلك العهد، في ذلك الجزء من العالم. "اللعنة" التي تستتبع استئصال المغلوبين وقطعان ماشيتهم ايضاً، فهي الحنث باليمين المتمثل في التخلي عن كل غنيمة تتوفر بعد نصرالله، فلا يباع المهزومون كعبيد، ولا يستولى على ماشيتهم، بل يدمر كل شيء… وهذه هي الابادة المقدسة!! وكمثل واحد، بين العديد من الامثلة، على ذلك التلفيق للأساطير التاريخية، يبرز "احتلال اريحا" وما نسج حوله من خرافات كأبلغ مثال في هذا المجال. بعد ما اثبت علم الآثار ان "اريحا قد دمرت في القرن الرابع عشر ق.م. اي انها كانت جرداء قاحلة في عهد يوشع" ومع ذلك، تستخدم هذه الترميمات التاريخية في المدارس الاسرائيلية، لتنمية بذور التعصب في نفوس الناشئة.. فقد اجرى العالم النفساني (تاماران) - الاستاذ في جامعة تل ابيب - الاختبار التالي: وزع على اكثر من الف طالب في فصول دراسية تتراوح ما بين الصفين الرابع والثامن (حيث يدخل كتاب يوشيع في المنهاج) قصة مذبحة اريحا كما رواها يوشيع.
وطرح السؤال التالي "لنفترض ان الجيش الاسرائيلي يحتل قرية عربية اثناء الحرب، افيجب عليه ان يذيق سكانها نفس المصير الذي رصده يوشع لسكان اريحا؟" - وتراوحت الاجابات بـ"نعم" بين 66 و 95 بالمائة، حسب انتماء الطالب للمدرسة او للكيبوتز او للمدينة . وكان لنشر نتائج هذا الاستفتاء، الذي كشف عن الوجه الحقيقي لذلك المجتمع، ثمن باهظ، اداه الاستاذ "تاماران" عندما وجد نفسه مطروداً من الجامعة!. وهذا هو غسيل للادمغة في المدارس، يتم بدعم من الحاخامية والجيش. واثناء الغزو الاخير للبنان، لم تكف هيئة التوجيه العسكري عن الدعوة الى الحرب المقدسة التي اعطى خلاصة مراميها حاخام (برتبة ضابط) بالقول:
" علينا ان لا ننسى المصادر التوراتية التي تبرر هذه الحرب وتواجدنا هنا. اننا ننجز واجبنا الديني اليهودي (ميتزفا) بتواجدنا هنا.. وفقاً لما هو منصوص عليه من ان الواجب الديني (ميتزفا) يقضي بإخضاع الارض ودحر العدو" .
اذاً اننا امام قراءة انتقائية من التوراة، لا نقدية، ولا تاريخية، لا نتناول سوى ما يمكن ان يضفي الشرعية على الغزو وعلى اساليبه الوحشية. وان في "العهد القديم" مرويات اخرى تتسم بروحانية مغايرة تماماً.
قبل كل شيء، وفي ما يتعلق بالوعد او الميعاد، تتضاءل نظرة ابراهيم الى نفسه كمالك لارض كنعان، الى حد مغالاته في مجاملة "افرون" الحثي في حيرون الخليل، ليشتري منه حقلاً في "المكفيلة" لقاء قبر يدفن فيه زوجته سارة (سفر التكوين 3-20) مثل آخر على تلك الازدواجية في المرويات:
قيل في كتاب القضاة (1-8) ان ابناء يهودا، بعد موت يوشع، استولوا على اورشليم القدس وابادوا سكانها.
ثم قيل عكس ذلك في نفس الكتاب (1-21). اما بالنسبة لليبوسيين، الذي كانوا يسكنون اورشليم مع ابناء بنيامين منهم ما يملكون، واقام اليبوسيون في اورشليم مع ابناء بنيامين حتى يومنا هذا. كذلك نرى في ثاني كتاب لصموئيل، عدم اكتراث داوود للأرض بانها "موعودة" الى حد شرائه - من ملك اليبوسيين، في هذه الرواية، هو "آرينا" حقلاً لبناء الهيكل فوقه لقاء 50 شيكلاً من الفضة (24/4). ويحكي الكتاب الاول من الحوليات كيف ان داوود اشترى تلك القطعة من الارض (21/18-25) وان ملك اليبوسيين هذا هو "ارنان" وان الثمن كان (600) شيكل، فان مثل هذا التناقض لا يعتد به لان ما يهمنا بهذا الصدد، هو ان داوود لا يتصرف كمالك، ولا يسعى ابداً لطرد السكان الاصليين، بل انه، على العكس، يتفاوض بمنتهى الكياسة واللطف - كإبراهيم من قبل -. والامر نفسه بالنسبة للأساليب.. فكتاب القضاة يورد عن الدخول الى ارض كنعان رواية مناقضة لما يرويه كتاب يوشع، الذي يشير الى ان القبائل المتحدة تحت لواء دولة واحدة، وقيادة واحدة، كانت اثناء مرورها تقتل السكان. بينما يشير كتاب القضاة الى الدخول الى كنعان بدأ بتسلل بطيء مسالم على الاغلب، وعنيف احياناً ولكن دون مجابهات كبيرة مع سكان المدن الكنعانية، المزودة بعربات قتال يصعب منالها على القبائل الرحل، التي تعمل كل منها لحسابها الخاص. ونشيد انتصار "ديبورا" - الوارد في الفصل الخامس من كتاب القضاة - هو احد اقدم نصوص العهد القديم، وشبه بالالحان الحربية لدى المصريين في عهد تحوتمس الثالث ورمسيس الثالث. ومقطع نادر في رواية مآثر النصر، اذ لا تهيمن عليه عقلية الحرب المقدسة، والابادة المقدسة، كما تهيمن على رواية يوشف، فيه دعوة متكررة بعيدة عن الاستئثار، ورفض الاندماج، والغاء وجود الاخرين وتحطيمهم، تنادي "احبوا الاجنبي. لانكم كنتم في بلاد مصر اجانب" كما ان فيه مناهضة لكل تمييز: "سيطبق نفس القانون على المواطن وعلى الاجنبي المقيم بينكن". فالتحرير لا يعني ابداً الحلو محل الطغاة السابقين.