ثانياً - خرافة العنصرية العرقية:
والوهم التاريخي الاخر، الذي تقوم عليه الصهيونية يتمثل في الاعتقاد بصلة العرق، وهي دافع الحنين الى العودة. وان الاختلاف في الانساب انما يرمي الى حمل الناس على الاعتقاد بان يهود العالم الحاليين هم جميعاً من ذرية واحدة وعرق واحد صدر، بأمر من الله، عن ابراهيم ومريديه برمته في ارض كنعان "الموعودة" ليهاجر بعدها، الى مصر حيث ينقذ الرب من العبودية، بفضل اعجوبة "الخروج" بقيادة موسى، حوالى القرن الثالث عشر، ثم يفتح "ارض الميعاد" بقيادة "يوشع" عن طريق تنفيذ امر الرب باستئصال شأفة السكان الاصليين. ويؤسس مملكة داود، ثم يهزم ويهيم على وجهه في الارض. وعندما سمح احشيروش، عام 539 ق.م. بعودة المنفيين، قام اثنان من الموثوق بهم في بلاط فارس هما: الكاهن الاكبر "نحميا" والكاتب "اسدراس" - من اجل الحفاظ على نقاء العرق والدين، ولتجنب اي اندماج لليهود في الشعوب التي يعيشون وسطها - قام الاثنان بإصدار قوانين مشددة تحظر زواج اليهود من نساء غير يهوديات، ودققا في تدوين القانون المنزل سابقاً على موسى، واقاما سلطة كهذية مطلقة. وكانت هذه القوانين صارمة جداً، وهي قوانين تمييز عنصري… فقد قال اسدراس (10/11) "انفصلوا عن اهالي البلاد والنساء الاجنبيات" وكانت عمليات الطلاق نافذة خلال ثلاثة اشهر "في اليوم الاول من اول شهر انتهى الامر بالنسبة لجميع الرجال الذين كانوا متزوجين من نساء اجنبيات" (10/17-1). وقد بين "نحميا" (13/3) انهم "لما سمعوا بنبأ هذا القانون ابعدوا عن اسرائيل كل رجل مختلط الدماء" ويضيف "نحميا" قائلاً: - "رأيت يهوداً كانوا قد تزوجوا من نساء اشدوديات، وعمونيات ومؤابيات وكان نصف اولادهم يتكلم اللغة الاشدودية، ولا احد منهم يبدو قادراً على النطق باليهودية، بل بلغة شعب او شعوب اخرى فوجهت اليهم اللوم، ولعنتهم كما ضربت بعضاً منهم وشددتهم من شعرهم، ثم استحلفتهم باسم الرب "لا تعطوا بناتكم لأبنائهم، ولا تأخذوا من بناتهم لأبنائكم او لكم (13/23/-5) "كنت اطهرهم من كل اجنبي، واعيد تطبيق الانظمة المعلقة بالكهنة واللاوية (سدنة المعابد 13/30). وهكذا تابعت اليهودية، المصانة من اي رافد خارجي في البدء تابعت مسيرتها برعاية كبار الكهنة. في هذه الرواية "الرسمية" للتاريخ اليهودي سوف نرى، عند تحليل ما قامت الصهيونية المعاصرة من قرارات انتقائية واسطورية وقبلية للتوراة، ان المأثورات المزركشة، الزاخرة بالمديح، والمستخرجة من اجل غايات سياسية محددة، هي ما يشغل الجزء الاكبر من تلك الرواية. وعاش التاريخ في الـ "دياسبورا" (اي مع اليهود المشتتين في بقاع الدنيا) حيث عاشت الجماعات اليهودية، التي يصورها الصهيونيون دائماً على انها مضطهدة في كل مكان، وهناك حافظت على املها بالخلاص الاخير عبر "العودة" الى "ارض الميعاد" المفقودة مؤقتاً، وشكلت، بالتالي بين الأمم "شعباً الهياً" مكلفاً برسالة الهية تبشر بارادة الله، عن طريق آلام هذا الشعب وايمانه الراسخ مما يعني ان التاريخ البشري كله يدور حول مصير هذا الشعب المختار. وسنرى، فيما بعد كيف "علمنت" الصهيونية السياسية المعاصرة هذه الصورة لتبرير القوة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يعودوا يعتنقون الديانة الاسرائيلية وهم كثيرون جداً داخل اسرائيل وخارجها. وقبل ان نتناول التبرير الديني الاساسي الذي ترتكز عليه الايديولوجية الصهيونية في استخدامها "للوعد" الذي يمنح "حقاً الهياً" بأرض فلسطين و"لاختيار" الشعب اليهودي يتيح له باسم هذا "الحق الالهي" ان يدوس بقدميه كل الحقوق الانسانية التي اكتسبها اولئك الذين عاشوا وعملوا آلاف السنين في فلسطين.. وقبل ان نتناول ذلك، نشير الى وهمين اضافيين هما: "العرق اليهودي، والحنين القديم الى العودة". اما مفهوم "العرق" او العنصر، فهو من بدع القرن 19 الاوروبي الرامية الى تبرير هيمنة الغرب الاستعمارية، وقد مر بطريقة اعتباطية: من التمييز بين المجموعات اللغوية، الى فكرة الاختلاف البيولوجي وعلى الاخص الطبقية بين سلالات البشر الكبرى. وقبل تطور هذا الوهم الخطير - وخاصة عبر التفاسير الجامحة لكتاب الكونت "دي غوبينو" الصادر عام 1853 بعنوان (مقالة في عدم المساواة بين الاجناس البشرية).
- كانت الفكرة الاقرب الى الامتياز العرقي هي المفهوم القبلي للدم المشترك، وهذا المفهوم بنظر جميع الحضارات يبرره امتداد وهمي جد مشترك او بطل تحمل القبيلة اسمه، او انساب اسطورية تتواجد امثالها لدى الهنود الحمر في امريكا، وفي ملحمة "الانياذا" لفرجيلوس، وفي "العهد القديم".. لكن الامر لا يتعلق بمدلول العرق كما فهمته اوروبا في القرن التاسع عشر باعتباره محصوراً في بعض كبريات المجموعات البشرية، بل بذلك المحصور بذرية متصل النسب في وحدات قبلية صغيرة، او في بعض الطبقات الاجتماعية، وعلى سبيل المثال، نجد ان لغة القرن السادس عشر الفرنسية تدعو الطبقة الملكية "بالعرق" الملكي بينما كان هناك في القرن الثامن عشر تفريق بين طبقة النبلاء ذات "الاصل العريق" وبين الطبقة حديثة الاكتساب للقبها "النبيل" وغير متصل لنسب. ولم يتم الا في القرن الثامن عشر - ومع الفكر الفرنسي "بوفون" اذ وضع تصور للنموذج البشري الاصيل.. وهو المتمثل في الجنس الابيض الذي يتدنى تكوينه ويتناقص قدره كلما ابتعد عن المناطق معتدلة المناخ، ثم وباسم مذهب مركزي للنشوء والارتقاء البشريين ذي محور اوروبي بالطبع، اعتبر "بدائياً" كل من هو غير غربي، وهي حجة اساسية "لتبرير" الفتوحات الاستعمارية بمهمة الانسان الابيض في نشر "التقدم" ويعزز المصطلح الحالي لتحديد الدول "النامية" هذه الرؤية الطبقية التي ترى ان المسيرة النموذجية للبشرية انما هي مسيرة الغرب وبالتالي فان "نمو" اي شعب يقاس بمدى الاقتراب من ذلك النموذج المثالي او الابتعاد عنه!!. وقد استنكر "ليفي شتراوس" في كتابه (العرق والدين) هذه العنصرية بشدة مبيناً نقصها، اذ هي تستبعد حوار الثقافات، وقال "النقيصة الوحيدة التي يمكن ان تضر بمجموعة بشرية وتمنعها من تحقيق ذاتها كما يجب هي توحدها وعزلتها" (ص 37). واستخدمت نظرية العرق المزيفة باستمرار كمبرر للتسلط والعنف وابلغ مثال على هذا هو ما قدمته النازية، فهتلر يتهم اليهود "بانهم يريدون بالافساد الناتج عن التهجين، القضاء على الجنس اليهودي الابيض الذي يحتقرونه". ويضيف قائلاً: "بان اليهودي يسمم دماء الاخرين، بينما هو يصون دمه!."
واللافت للنظر هنا هو هذا التقليد للضحية، فمشروع قوانين (نورمبرغ) الدموية يذكر في مقدمته باستيحائه الاحكام من اول مقررات في التاريخ كان (اسدراس) و(نحميا) قد اتخذاها من اجل صيانة نقاء الجنس. ولا يتعلق الامر بالتاريخ القديم او بعلم الآثار اذ انه بموجب السنة الحاخامية يحدد دستور دولة اسرائيل الحالية هوية "اليهودي". وجاء في "صموئيل" (10/3)، "هيا اذن امضِ لضرب (أبمالك) وعليك حرمانه من كل ما يعود اليه. لن تدعه ابداً. ستوقع الموت بالجميع، الرجال والنساء والاولاد والاطفال، البقر والاغنام، الجمال والحمير". هذا التبرير التوراتي للمذبحة، وذاك الاقرار لمشروعية الاعتداءات وضم الاراضي من جانب الدولة الصهيونية القائمة حالياً في اسرائيل، والمعتبرة كوريث شرعي وامتداد مكمل لاسرائيل التوراتية، يسهلان قبول ما لا يمكن قبوله لدى يهود الشتات (دياسبورا) ولدى كثير من المسيحيين الذين يتقبلون دون مناقشة بعض التعاليم الكاثوليكية وتعاليم "مدرسة الاحد" البروتستنتية المساندة دون قصد للميتولوجيا الصهيونية، علماً بان الشروحات التي تناولت هذه الميتولوجيا قد بينت تهافتها منذ قرن من الزمان، وعلى الاخص في السنوات الاخيرة.. وهنا تعطي الاسطورة الدليل على فعالية استخدامها، فها هو الحاخام اليعازر ولدمان يكتب في جريدة (ناكوده) مقالة بعنوان "قوة انجاز العمل " يعزز فيها سياسة ارييل شارون وبيغن بضمانة "لاهوتية" ضرورية للمشروعات الملحة الجامحة، وبدعم من الروايات التوراتية، يبين ان اسرائيل قد دللت باحتلالها للبنان على تمكنها من اقامة "نظام جديد" في الشرق الاوسط وما يليه، مما يعتبر "بداية الخلاص" بالنسبة للعالم اجمع، وهو لا يكتفي بتمجيد الاعتماد على "العرق" بل يقول بان "الحاجز الفاصل بين الشعب المختار وبين بقية الأمم قام لأجل استمرار مهمته كشعب الهي". ان التاريخ وكذلك علم الاحياء لا يوفران اي ركيزة موضوعية لمفهوم العرق المميز ويجعل اليهود عنصراً منعزلاً عن باقي البشر، ويعني اختلاق اسطورة، او وهم هو مشترك بين الصهاينة ومعادي السامية.. وهكذا ترتكز اللاسامية والصهيونية على نفس الفرضية وتقودان الى نفس النتائج. اما الفرضية المشتركة فهي الاعتقاد بوجود كيان يهودي غير قابل للاندماج ببقية الشعوب، اصطفاء كان ام استعباداً. وهذا يقود الى الاستنتاج بوجوب اصطفاء اليهود من بين الأمم، بغية تجميعهم في معزل دولي (غيتو) ومثل هذا كان مبتغى اللاساميين على الدوام. والحقيقة انه لم يكن "للعنصر اليهودي" من وجود اصلاً. وفيما عدا هذيان هتلر والصهيونيين، كان "اليهود" خلال جميع مراحل التاريخ احد مركبات الفئات السكانية التي لم تشكل بدورها اصولاً عرقية. ان البدو الرحل او الرعاة المتجهين نحو الاستقرار، ممن دخلوا ارض كنعان كانوا آراميين، اتوا من شمالي الفرات، ومن شرقي الاردن، ومن شبه الجزيرة العربية، اي انهم - بحكم لغتهم لا بحكم دمهم - كانوا "ساميين" كما هو اليوم العرب والاسرائيليون، ويشهد على ما في اللغتين، العبرية والعربية من تقارب. و"العابرون" (العبريون) الآتون من مصر وقت "الخروج" كانوا فئة اجتماعية من الهامشيين، والعارضين لا عنصراً متميزاً. اما القبائل التي تسللت الى ارض كنعان بسلام او بحرب، فقد تمازجت بالسكان المحليين، ثقافياً وبالزواج، وتشهد على ذلك قوانين اسدراس ونحميا العنصرية الصادرة بعد عدة قرون. ثم ان مملكة داود وسليمان كانت متعددة الجنسيات، حفيت بالاجانب ونزعاتهم الدينية. وعندما سمح احشيروش للمنفيين في بابل "بالعودة" بقي معظمهم في بلاد ما بين النهرين، حيث شكلوا جذوراً اسرية. واخيراً، حينما طرد الرومان الاسرائيليين المتمردين سنة 70 م - وفي (باركوشبا) فيما بعد - نجح المنفيون في تحويل بعض السكان الذي آووهم الى اليهودية. وكان جوزيف ريناخ قد كتب في (جريدة الجدال) يوم 30/3/1919 قوله بأن "يهود فلسطين لا يشكلون سوى اقلية لا تذكر واليهود، كالنصارى والمسلمين، عمدوا بحماسة وايمان الى ادخال الشعوب في دينهم، بل انهم، قبل العهد المسيحي ادخلوا في ديانة موسى الموحدة لله، ساميين آخرين (كالعرب) ويونانيين ومصريين ورومانيين، بأعداد كبيرة وبعد ذلك نشط التبشير اليهودي في آسيا وافريقيا الشمالية وايطاليا واسبانيا وبلاد الغال. وكان الرومان والغاليون المتحولون الى اليهودية هم بلا شك الاكثرية في الجماعات اليهودية المشار اليها في حوليات "غريغوار دي تور" كذلك كان بين اليهود الذين طردهم الملك الكاثوليكي فردينايد من اسبانيا كثير من الاسبان المتحولين الى اليهودية، وقد انتشروا في ايطاليا وفرنسا والشرق وازمير. والاكثرية الساحقة من اليهود الروس والبولونيين والكاليكيين ينحدرون من "الخزر" وهم شعب تتري في جنوبي روسيا، تحول برمته الى اليهودية في عهد شارلمان. لذا، فمن يتحدث عن عرق يهودي، اما ان يكون جاهلاً، او ذا نية خبيثة. ذلك لان اليهود لم يكونوا سوى قبيلة بين العديد من القبائل العربية او السامية التي استقرت في غربي آسيا".
ويستخلص "جوزيف ريناخ" من كل ما سبق نتيجة واضحة هي: - "بما انه لا يوجد اذن عنصر يهودي ولا امة يهودية، بل مجرد ديانة يهودية، فالصهيونية هي بالتالي حماقة، وثلاثية الخطأ، تاريخياً، واثرياً وعرقياً!.." واكد هذا مكسيم رودنسون بدقة علمية فقال: "من المرجح، كما يبين علم الانسان الى يبينه، انه يجري في عروق السكان المعروفين بعرب فلسطين (ومعظمهم معربون) قدر من دم العبرانيين القدامى اكثر مما يجري في عروق اغلبية يهود الخارج، ممن لم يمنع انغلاقهم الديني من امتصاص متحولين الى اليهودية من مختلف الاصول العرقية. وكانت الدعوة الى اليهودية قد نشطت نشاطاً واسعاً طوال قرون متعاقبة، وتتابعت خلال فترات زمنية طويلة، ويكفي للتدليل التاريخي على ذلك، ان ننوه بقيام دولة يهودية في جنوبي الجزيرة العربية على اساس عربي جنوبي مهود وقيام دولة الخزر اليهودية التركية في جنوب شرقي روسيا بين القرنين الثامن والعاشر على اساس تركي اوفينوغري، مع مسحة سلافية. ثم ان اليهود في الصين هم صينيون اصلاً، وفي الحبشة وحولها هم زنوج سود اصلاً ولوناً..الخ.. ويكفي من الناحية الانتروبولوجية، تفحص وجوه متعددي الاجناس من الذين يحضرون اي اجتماع يهودي، لتقدير اهمية الاسهامات الاجنبية في الكيانات القومية" واوضح مقولة لازالة الخداع التاريخ هذا، هي التي اوردها "توماس كيرنان" في كتابه "العرب" (بوسطن 1975) اذ قال: "كان الصهاينة اوروبيين وليس هناك البتة من رابط حيوي او عضوي بشري بين اجداد يهود اوروبا وبين القبائل العبرانية القديمة". وانهاء لموضوع "الحقوق التاريخية" المزعومة نود التذكير بمواقف ثلاثة جوهرية في مسيرة اقامة دولة اسرائيل:
8 - وعد بلفور الذي تضمنته رسالة موجهة الى البارون دي روتشيلد في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917. بان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وعلى ان يفهم جلياً انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق او الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى". وسرعان ما وعى بلفور مخاطر وعده، فكتب يوم 19/2/1919 الى "لويد جورج" ما يلي: "النقطة الضعيفة في موقفنا، هي اننا فيما يتعلق بفلسطين، قد رفضنا مبدأ تقرير المصير ذاتياً، فلو كان السكان الحاليون قد استشيروا، لكان قرارهم حتماً ضد الاستيطان اليهودي". وهذا ما كان قد اكده تقرير لجنة "كنغ كرين" التي ارسلها الرئيس الامريكي عام 1919 لتقصي الحقائق حول "افكار ورغبات مجمل السكان". ويقول التقرير بالنسبة لفلسطين:
- "لقدامى السكان هنا، من مسلمين ومسيحيين على السواء، نفس الموقف المعارض لاي نزوح يهودي جماعي، ومضاد لاي مسعى نحو بسط سيادة يهودية عليهم. وهنا نتساءل عما اذا كان هناك من بريطاني او امريكي بين الرسميين، يمكن ان يعتقد بامكانية تحقيق البرنامج الصهيوني، الا ان يكون هذا مدعوماً بجيش كبير". ونبذت اللجنة البرنامج الصهيوني الموسع مقترحة الابقاء على الوحدة السورية الفلسطينية تحت انتداب بريطاني او امريكي، مع ضمان موطن قومي يهودي محدود. وقد وفق "ارثر كوستلر" في وصف العملية التي جرت، عندما قال في كتابه "الوعد والوفاء" (ص4):
- "امة وعدت اخرى علناً بأرض امة ثالثة!" ومع هذا الوعد بدأت سلسلة الاكاذيب التي تحكمت بمسيرة دولة اسرائيل وقادتها، ولم يكف الانتهاك المستمر للاشارة الواردة في وعد بلفور الى احترام حقوق "الطوائف غير اليهودية" بل كانت فكرة "الوطن القومي اليهودي" - كما حدده "الكتاب الابيض" البريطاني عام 1922 بانه مركز اشعاع للثقافة والديانة اليهوديتين ستاراً حاجباً لنشاط القادة الصهيونيين في إنشاء دولة صهيونية. وكان اللورد كرزون قد كتب منذ 26/6/1919: "اذا كان وايزمن يقول لك شيئاً فتظن انه يعني "وطناً قومياً يهودياً" لكن تفكيره يذهب الى شيء مختلف كل الاختلاف، فهو يتطلع الى دولة يهودية وسكان عرب يخضعون لحكم اليهود، انه يسعى الى تحقيق ذلك خفية، وبمضمانة بريطانية". وازدواجية الصهيونية السياسية حقيقة راهنة، اذ بينما يؤكد المجلس الوطني اليهودي في مذكرته الى ونستون تشرشل، في آذار (مارس) 1921 بانه "لا يمكن الشك في انه عازم على رفض حقوق شعب آخر". تعلن غولداً مائير، عكس ذلك في الكنيست يوم 22/6/1969 بقولها: "اريد دولة يهودية ذات اكثرية يهودية مستقرة.. وهذا هو تصوري الدائم للصهيونية".
2 - قرار تقسم فلسطين، الذي اتخذته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947، في هذا الوقت، كان اليهود يشكلون 32% من السكان ويمتلكون 5.6 % من الاراضي، واذا بالدولة الصهيونية تتلقى 56 % من البلاد مع اخصب الاراضي فيها!. وسبق التصويت على خطة التقسيم هذه مناورات دنيئة، اشار اليها في 18/12/1947 لورنس سميث، عضو الكونغرس الامريكي، امام نواب الكونغرس فقال:
"لنسترجع ما حدث في جمعية الأمم المتحدة اثناء الاجتماع الذي سبق التصويت على التقسيم. كان القرار يتطلب ثلث الاصوات لإقراره. وقد اعيد التصويت مرتين.. واثناء ذلك الوقت، مورست على مندوبي ثلاث دول صغيرة ضغوط شديدة بما ادت الى ان تكون اصوات هايتي، وليبيريا، والفيليبين، هي الحاسمة اذ بها استكملت اكثرية الثلثين، علماً بان هذه البلاد كانت تعارض التقسيم سابقاً لكن مندوبينا ومسؤولينا، وبعض مواطنينا الامريكيين مارسوا ضغوطاً عليهم وهي تشكل عملاً ذميماً جديراً بالعقاب" .
وفي عدد 9/2/1948 من جريدة (شيكاغو ديلي) القى "دروبيرسون" الضوء على امور كثيرة، منها التالي: - "هارفي فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبيريا، مارس ضغطاً على الحكومة الليبيرية".
كذلك مارس ترومان ضغطاً لا مثيل له على ادارة الدولة وقد ذكر وكيل الدولة سمنز ويلز، انه "كان على الموظفين الامريكيين، بموجب امر صادر مباشرة من البيت الابيض، ان يمارسوا ضغوطاً مباشرة او غير مباشرة لتأمين الاكثرية اللازمة للتصويت النهائي اما "جيمس فورستال" وزير الدفاع يومئذٍ فأكد "ان الطرق المستخدمة لممارسة الضغوط وارغام الدول الاخرى داخل هيئة الأمم المتحدة، تقارب الفضيحة ..".
8 - اثناء الفترة الفاصلة بين قرار التقسيم الصادر في 29/11/1947 وبين النهاية الفعلية للانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/1948 استولى الجيش الصهيوني على اراض عائدة للمنطقة المخصصة للعرب، مثل يافا وعكا. فمن يستطيع، في احوال كهذه، ان يلوم الفلسطينيين والبلاد العربية المجاورة على عدم القبول بالظلم الصارخ المتمثل بالامر الواقع وعلى عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية؟ لكن الارض وحدها لم تكف الدولة الصهيونية بل توجب ايضاً تفريغها من سكانها لتحويلها - لا الى مستعمرة تقليدية لاستغلال اليد العاملة المحلية - بل الى مستعمرة توطين يحل بها المهاجرون محل السكان الاصليين. لبلوغ هذا الهدف، عمدت الدولة الصهيونية الى ممارسة ارهاب منظم اشرفت عليه، اي الى مذابح بين السكان الفلسطينيين.
وابلغ مثل على ذلك ما حل بدير ياسين، ففي التاسع من نيسان (ابريل) 1948 وبأسلوب شبيه بما فعل النازيون في بلدة (اورادور)، اقدمت عصابة الارغون، بقيادة مناحيم بيغن ، على قتل سكان تلك القرية وعددهم 254 نسمة. وكان بيغن قد ذكر في كتابه (العصيان، حكاية الارغون) صفحة 162 من الطبعة الانجليزية - انه لولا "الانتصار" في دير ياسين لما كانت دولة اسرائيل بينما كانت الهاغاناه تحقق انتصارات في جبهات اخرى، كان العرب يفرون هلعين وهم يصيحون، دير ياسين. وفي 15 ايار (مايو) 1948 فقط ابلغ الامين العام لجامعة الدول العربية السكرتير العام لهيئة الأمم المتحدة، باضطرار الدول العربية الى التدخل من اجل سلامة السكان الفلسطينيين. وفي عام 1949 بعد الحروب الاسرائيلية العربية الاولى بات ثمانون بالمائة من فلسطين بيد الصهاينة وطرد منها 770 الف نسمة. وعينت الأمم المتحدة وسيطاً هو الكونت فولك برنادوت، الذي ذكر في تقريره ما يلي: - ان ما يصدم ابسط المبادىء الاخلاقية هو ان يمنع هؤلاء الضحايا الابرياء للأزمة من العودة الى موطنهم، بينما يتدفق المهاجرون اليهود الى فلسطين مهددين بالحلول محل اللاجئين العرب المقتلعين من جذورهم الممتدة الى عدة اجيال في هذه الارض". ثم وصف "ما يمارسه الصهاينة من سلب على اوسع نطاق، ومن تخريب بانه تم للقرى دون دواع عسكرية ظاهرة". وقدم الى هذا التقرير (هيئة الأمم المتحدة، الوثيقة 1/648 - ص14) واودع في 16/9/1948. وفي 17/9/1948 تم اغتيال الكونت برنادوت ومساعده الفرنسي العقيد سيرو في الجزء الذي احتله الصهاينة من القدس. اما السخط الذي اثاره هذا الحادث في العالم اجمع، اوقفت الحكومة الاسرائيلية رئيس عصابة (شترن) ناتان فريدمان يلين، الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات، ثم عفي عنه، وانتخب نائباً في الكنيست سنة 1950 الا ان باروخ نادل، احد قادة عصابة شترن في سنة 1948 اسند لنفسه في تموز (يوليو) 1971 شرف اصدار الامر بالاغتيال . وبقدر تمكن الحكام الصهاينة لدولة اسرائيل من الاستخفاف بالأمم المتحدة كانت اكثرية تلك الأمم المتحدة متواطئة وضالعة في الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
في عام 1947، وقبل انتهاء الانتداب كان الغربيون هم المتحكمين بهيئة الأمم المتحدة التي انتهكت شرعتها بنفسها حينما حرمت العرب - الذين يشكلون آنئذٍ ثلثي عدد سكان فلسطين - من حق تقرير مصيرهم بنفسم. وحتى من وجهة النظر القضائية البسيطة، هناك عدد من المسائل التي تفرض نفسها على البحث - التصديق على قرار التقسيم جرى في الجمعية العمومية وليس في مجلس الامن لذا يعتبر توصية لا قراراً تنفيذياً.
لم يكن الفلسطينيون وحدهم الرافضين لهذا التقسيم، فقد اعلنت عصبة الارغون (التابعة لمناحيم بيغن) حينذاك ان ذاك التقسيم هو غير شرعي، ولن يتم الاعتراف به اطلاقاً، ودعت اليهود "ليس فقط الى طرد العرب، بل كذلك الى الاستيلاء على فلسطين كلها" بل ان بن غوريون نفسه كتب يقول "حتى يوم رحيل البريطانيين لم يقتحم العرب اي مستوطنة يهودية، مهما كانت بعيدة، بينما استولت الهاغاناه - بعد عدة هجمات عنيفة - على العديد من المواقع العربية وحررت طبريا وحيفا ويافا وصفد" . وهكذا فان الارض التي منحتها متنظمة الامم المتحدة للصهيونيين بنسبة 57 بالمائة امتدت لتصبح حوالى ثمانين بالمائة من فلسطين!. وخلاصة الامر ان من الخطأ القول بان "نشوء" دولة اسرائيل قد تم على يد منظمة الامم المتحدة، بل ان نشوءها قد قام على سلسلة من "الوقائع التي تمت، عبر عنف الهاغاناه، والارغون، ومجموعة شترن. وهكذا اسدل الستار على تمثيلية "الحقوق التاريخية" بخاتمة من الاضاليل والدماء. اذ لا يمكن ان يكون الامر غير ذلك..، لان مفهوم "الحقوق التاريخية" بحد ذاته، حينما يدعي امكان تطبيقه على فترات طويلة من الزمن سيؤدي الى الاستحالة والى فوضى الحروب. ولو عمم هذا النوع الصهيوني من المطالبات القائمة على "حقوق تاريخية" كهذه لسيقت كرتنا الارضية كلها الى الفوضى، فلماذا لا يطالب الايطاليون "بحقوق تاريخية" لهم في فرنسا، حيث استغرق حكم الرومان - منذ يوليوس قيصر - زمناً يفوق كثيرا حكم ملوك اسرائيل لفلسطين؟ ولماذا لا يطالب السويديون بنورماندي، وانجلترا، وصقلية باسم "اجدادهم" النورزان؟ وماذا سيحل بأفريقيا لو طالب فاتحوها القدامى باعادة تكوين الممالك، وباستعادة الهيمنة؟ حتى عند اقتصار الامر على اوروبا، لنتصور ان الدول الاوروبية راحت تدعي اليوم "بحقوق تاريخية" على الارضي التي سبق لها ان حكمتها او شكلت اكثرية سكانها في عصر من العصور، حتى لو لم تتعدَ العودة زمن ابرام اتفاقيات (وستفالي) عام 1648 - وهو زمن فاصل في حياة اوروبا، انحلت فيه رابطة المسيحية وتمت ولادة الامم والقوميات فسوف تغرق اوروبا بالدم والنار بسبب الادعاءات المتضاربة التي ترفعها كل دولة، وتمتد الحرائق حينئذٍ من السويد الى ايطاليا والى النمسا فالألزاس والبلقان. وكيف سيكون الحال لو كانت العودة الى سقوط المملكة الرومانية قبل 15 قرناً؟ وقت ان نشأت جميع الامم، وحدود دولها، عن المصادمات الحربية وموازين القوى وسياسة "الامر الواقع" التي صنع منها التاريخ.
ولقد كانت ملاحظة (بليز باسكال) بعيدة المرمى بهذا الصدد: - عندما عجز الانسان عن جعل الصحيح هو الاقوى، تصرف بطريقة تجعل الاقوى صحيحاً. والمثال الاخير على هذا اللامعقول، يمكن تناوله من امريكا، فقد قال العالم باللاهوت "البير دي بوري" من جامعة نيوشاتيل: - قام استعمار امريكا على انتزاع ملكية القبائل الهندية بشكل مخزٍ، بيد انه يستحيل اليوم الاستناد الى ذلك الحدث من اجل انكار شرعية الولايات التي اقيمت في تلك القارة" . ومع ذلك "فالحقوق التاريخية" للهنود الحمر هي اكثر واقعية من تلك التي يدعيها الصهاينة. لان اولئك الهنود لم يكونوا فقط اول من سكن في امريكا بل انهم شاغلوها الوحيدون، منذ قرون وقرون. وعندما اقبل عليهم الاسبان والبرتغال والانجليز، وغيرهم من بقية الاوروبيين، أخذوا يمعنون فيهم تقتيلاً ويجردونهم من اراضيهم، فاذا كان لهم اليوم حق غير قابل للتقادم، في المطالبة بإمكانية العيش، فلن يقر احد شرعية اعتبارهم، لأنفسهم، السادة الوحيدين للقارة الامريكية المخولين، وبالتالي طرد او اضطهاد جميع المنحدرين من اصول اوروبية. فهل يعني هذا انه في كل مرحلة من مراحل التاريخ، لا بد من الاستسلام والانقياد (ككلبٍ مبقور في تيار ماء!!) لأعمال القوة ولسياسة الامر الواقع؟ فطيلة قرن ونصف من الزمن (بين 1746 و1914) لم يؤدِ الاضطهاد الخارجي الى الموت التاريخي لهذه البلاد. واليوم تمر نفس الاحوال بالشعب الفلسطيني الذي انتزعت منه ارضه، منذ اكثر من ثلث قرن، وكان يعيش ويعمل فيها منذ اجيال واجيال. ليطرد منها اخيراً، ويكون غريباً في دياره، وغريباً خارجها!! ان مقاومته لا تنطلق من مطالبة "بحق تاريخي" مبهم او بعيد، وانما من رفض حيوي لا يقهر، لعنف مستمر ويطال جذور الحياة نفسها. ولا وجه للشبه بين ذلك وبين الخرافة التي لفقتها الصهيونية السياسية جامعة من كل واد عصا - ثلاثة آلاف سنة وبين العديد من الغزوات تشكلت مملكة عابرة (لم تدم فعلاً اكثر من 73 سنة) لم يتكن متجانسة السكان، بل هي لم تسع الى ان تكون كذلك وقد ادت تقلبات الزمان الى انهيار هذه الدولة التي مرت بنفس مصير جميع الممالك المتسلطة، اما الغزاة الذين استنكفوا عن الاندماج في المحيط الذي يعيشون فيه طردوا تماماً كالصليبيين الذين اجتاحوا فلسطين في القرن الحادي عشر، وتعمدوا البقاء فيها كجسم غريب، فارضين هم ايضاً انفسهم كدولة اسرائيل الحالية، وسيطرتهم بقوة السلاح وتمويل الغرب. وبعد قرنين من الاحتلال (بين 1096 و1291م) حافلين بحروب متلاحقة ضد السكان الاصليين، تم طردهم جميعاً وغادر آخر فرد منهم عكا عام 1291. ومن الناحية التاريخية، لا يملك الدعائيون المتعصبون للصهيونية السياسية ولو قدراً من "الحقوق التاريخية" في فلسطين اكثر مما كان يملكه الصليبيون. وتخفي خرافة الحنين المتوارث جيلاً بعد جيل الى "العودة" وراءها الحقيقة الاستعمارية للدولة الصهيونية في القرن العشرين. كما ان الروحانيين اليهود الذين نادوا بالعودة الى فلسطين، ظلوا منعزلين مثل يهودا هاليفي (1085-1141م) الفيلسوف والشاعر اليهودي في زمن كان اليهود يتمتعون فيه بوضع متميز في اسبانيا المسلمة فقد كان هذا الشاعر الصوفي الكبير يرى في كل يهودي نبياً. ويؤكد بان "الحدس الالهي" الذي هو هبة خاصة بهم لا ينفتح الا في بلاد اسرائيل". ونداؤه هذا - الذي يستند اليه الصهاينة السياسيون اليوم دون مشاركة لصاحبه في ايمانه - لم يلقَ تجاوباً في حينه كما لم يتبع خطاه احد بعد ان توجه الى القدس، ومات عند ابوابها. كذلك الحال في القرن الثالث عشر بالنسبة للفيلسوف المتصوف "نشمنيد" الذي توجه للعيش في القدس. دون ان يجد احداً يتبعه لذا فان الاضطهاد كان هو الدافع الى الهجرات الكبرى الى فلسطين، وليس "الحنين" الى وطن… وهذا الحنين لم يكن الحاخامون المبشرون بالخلاص المنتظر ليشجعوا عليه ابداً. واليهود الذين سبق ان طردهم الصليبيون من القدس عاد "الملوك الكاثوليك" فطردوهم من اسبانيا عام 1492م عدا من تحول عن دينه امام ارهاب محاكم التفتيش الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية.
وحينئذٍ لجأ العدد الاكبر منهم الى انحاء متفرقة من اوروبا، بينما توجه العدد القليل الى فلسطين، حيث كان متصوفو صفد يقرنون رؤياهم الشاملة للمحبة الالهية ووحدة العالم بتأويل اسطوري لتاريخ اسرائيل. ولسوف تستغل الصهيونية السياسية التشابك الدائم بين التسامي النبوي في اليهودية وبين الاسطورة التاريخية التي تستند اليها الصهيونية السياسية. فجعل هؤلاء المتصوفون من صفد مركز اشعاع روحي ليهودية متوسعة، لم تستثر - رغم ذلك - هجرة جماعية، وحينما فر "دون جوزيف ناسي" دوق ناكسوس، من طغيان محاكم التفتيش البرتغالية عام 1570م، وحصل من صديقيه المسلمين سليمان وسليم الثاني على الاذن باعادة تعمير طبريا من اجل اخوته في الدين، لم تثر محاولة النهوض السياسي هذه اي اهتمام لدى الطوائف اليهودية، وما لبثت ان اهملت. وعلى الصعيد الروحي فقد انفصلت اخيراً - مع "باروخ سبينوزا" ارفع المأثورات اليهودية الشاملة عن الاساطير التاريخية والعرقية المركزية الصهيونية ومقولتها بـ"الشعب المختار" المتميز وما تثيره من تعصب وعنصرية. اما كارل ماركس - بمجمل ابداعه الذي يعتبر امتداداً لدعوة كبار الانبياء وسبينوزا الى الخلاص الشامل - فلا يقدم في كتابه (المسألة اليهودية" (184م) تصوراً لانعتاق خاص باليهود، منفصل عن التحرر الانساني الشامل. ازاء نظام يختص اليهود فيه بمهمة مقتصرة عليهم. ذلك لان منشأ الصهيونية السياسية ليختلف تماماً عن بواعث الصوفية اليهودية. حيث سعت الاولى الى ايجاد حل استعماري بحت لمشكلة اضطهاد اليهود في اوروبا. ومما دفع الى التفكير في ايجاد ملاذ يوفر السلامة والامان لليهود المضطهدين: هو طرد اليهود من اسبانيا عام 1492، بأمر من "الملوك الكاثوليكيين" بعد سقوط آخر الممالك الاسلامية في غرناطة، ثم قتل القوزاق (بقيادة بغدان شملنسكي) لثلاثمائة الف يهودي في بولونيا عام 1648، مذابح اليهود المتلاحقة التي نظمها قياصرة روسيا منذ عام 1882، ومن ثم قضية "دريفوس" في فرنسا (بين 1894و1906) التي تبين مدى الفظاعة التي يمكن ان ترتكبها طبقة برجوازية فاسدة، وطغمة عسكرية عديمة الشرف، وصحافة وكنيسة دنيئتان، لاستخدام القومية كوسيلة للحفاظ على امتيازاتها باي ثمن. واخيراً النازية التي هي ايضاً جعلت من محاربة اليهود حجة لتحويل الانظار عن تطلعاتها الاساسية الى السيطرة على العالم، بدحر الحركة العمالية الثورية، عدوهما الرئيسي. اما تيودور هرتزل (كتابه "الدولة اليهودية" الذي نشر في فيينا عام 1896) فلم يكن يهودياً تقياً على الاطلاق، ولم يفكر ابداً في "عودة" روحية الى بلاد صهيون، بل كان مدفوعاً باهتمام صادق لتجنيب اليهود الاضطهاد. وقد ايقظت فيه قضية (دريفوس) في فرنسا هذه النزعة لقد تصور ان الحل الامثل هو في ايجاد ارض يمكن فوقها انشاء "دولة يهودية" ذات سيادة. وفي سياق سياسة العصر الاستعمارية وخلافاً للصهيونية الروحانية التي اعتنقها "عشاق صهيون" وعلى رأسهم الكاتب اليهودي الروسي آشر غنزبرغ، الحالمون بإقامة مركز روحاني لاشعاع الثقافة والعقيدة اليهوديتين، ولاستقطاب طموحات جميع الطوائف اليهودية في العالم دون تشكيل سلطة سياسية او اقتصادية، فقد اعد تيودور هرتزل مشروعاً آخر، مغايراً لكل ذلك. اذ اعلن عام 1897 في مؤتمر (بال) في سويسرا عن قيام صهيونية ليست هي بروحانية ابداً بل سياسية، واستوحى خطته من طبيعة تكوين شركات الاستعمار البريطانية، واضعاً نصب عينيه، سيسل رودس (الذي سميت روديسيا باسمه) اكثر الاستعماريين البريطانيين نموذجية فقد كتب الى سيسل رودس في 11/1/1902 ما يلي: "رجاء ارسل لي كلمة تشير الى انك قد تفحصت برنامجي، وانك تقره، لعلك تتساءل لماذا كان توجهي اليك يا سيد رودس، ذلك لان برنامجي برنامج استعماري". تلك هي نقطة انطلاق الصهيونية السياسية فهرتزل يسعى الحصول من قوة غريبة شريعة استعمارية تضمن له مغامرته. وكان هرتزل محقاً حينما قال في مدينة (بال): "اسست الدولة اليهودية" لان جميع السمات المميزة لدولة اسرائيل فيما بعد، تتطابق كلياً مع المبادىء الاستعمارية، القائمة عليها تلك الدولة. ولم توجه الصهيونية السياسية في بدايتها خصيصاً الى فلسطين، اذ كان المقصود، حسب لغة العصر الاستعماري، هو العثور فقط على "مساحة خالية" - اي على موطن - تحت سلطة غربية، انى يمكن عدم الاخذ بالحسبان للسكان الاصليين. وهكذا حاول هرتزل "الحصول على الحق في احتكار اراضي في موزمبيق والكونغو البلجيكي يضاف اليه، من بين مؤسسي الصهيونية السياسية، كل من: ماكس نوردو، المعروف "بالافريقي" وحاييم وايزمن الملقب "بالاوغندي" كما قامت مشاريع توطين اخرى في: الارجنتين عام 1897 قبرص (1901-1902) سيناء (1902)، واخيراً في اوغندة (1903-1904) المعروضة على هرتزل من قبل بريطانيا. لكن المنظمة الصهيونية العالمية لم تحسم الامر باختيار فلسطين الا عام 1905، اي بعد انقضاء سنة واحدة على موت هرتزل. وفلسطين الواقعة عند ملتقى القارات، كانت احد الامكنة المتاحة امام هرتزل وارضاً قابلة للتفاوض بشأنها مع الاستعماريين في وقت تتواجد فيه تحركات استعمارية متنافسة في منطقة الشرق الادنى من المانيا وروسيا وانجلترا.. وحينذاك طرح غليوم الثاني مشروع خط سكة حديد (برلين، استنبول، بغداد) فيما كانت روسيا تطمح بالمضائق لتأمين عبورها عبر السويس، وعلى حقول نفط الخليج، فراهن هرتزل على كل المطامع الاستعمارية دفعة واحدة، وذكر في كتابه (الدولة اليهودية): "لسوف نشكل لأوروبا جزءاً من سور يقيها من آسيا، ونصبح حرساً متقدماً لحماية الحضارة من هجمات البرابرة" . ودولة اسرائيل - حسب تقديرات هرتزل - لا تستطيع البقاء في الشرق الادنى غير مندمجة في كيان الا بشرط ان تكون فيه - بطريقة ما - معتمدة من جانب استعمار غربي جماعي. ولا يتردد هرتزل، ومؤسسو الصهيونية السياسية، في مخاطبة كل جانب - ولو كان هذا اسوأ "المعادين للسامية" - بما يناسبه من حديث. فقد كتب هرتزل في يومياته (اعتباراً من 1895): سأقول للألمان دعونا نرحل!.. فنحن مختلفون عنكم. انهم لا يدعوننا نندمج بالسكان. وعلى اية حال، فلسنا قادرين على مثل ذلك". اورد الكاتب الصهيوني (أ.شوراقي) في تأريخه لحياة هرتزل يوم 4/3/1896 ما يلي: - "في هذه الايام، اقرب الانصار الي هو اللاسامي من بطرسبورغ، ايفان سيموني" . وعند اشارته لمستقبل الشعب اليهودي فانه يحدده بالقول: "ان اللاساميين" كانوا محقين ولكن يجب الا نكون غيورين منهم نحن ايضاً سنكون سعداء" .
وفي روسيا، خاطب (ويت) وزير المالية القيصر، هرتزل بصلافة قائلاً: "كان من عادتي ان اقول للأمبراطور السابق السكندر الثالث لو كان بالامكان اغراق ستة او سبعة ملايين يهودي في البحر الاسود، لكنت راضياً عن ذلك كل الرضا". ومع ذلك تابع هرتزل حديثه اليه قائلاً بانه ينتظر بعض التشجيع من الحكومة الروسية فأجابه (ويت): "ولكن اليهود يستحقون قبل التشجيع على الهجرة مثلاً لو يتلقون ركلات من الاقدام !!" ويعترف هرتزل بقوله:
"على اتباع طريقة اللاساميين عندما اجاهر بأننا نشكل شعباً.. فريداً ". اما في انجلترا، وفي اجواء وعد بلفور الممنوح عام 1917 فقد بعث (حاييم وايزمان) بهذه الملاحظة الى وزارة الحربية "اننا بعرضنا الحل الذي توصلنا اليه انما نسلم مصيرنا القومي والصهيوني لوزارتي الخارجية والحربية الملكيتين، على امل النظر الى المشكلة على ضوء المصالح الملكية ومبادىء المحميات بالتفاهم ". ولإبراز مدى التآخي والتوأمة بين العنصرية واللاسامية لا بأس من التذكير هنا بان بلفور نفسه كان متعصباً ضد السامية ففي عام 1905 كان من بين الذين قادوا الحملة النشيطة لتأييد (قانون الاجانب) اي لمنع دخول اليهود الروس المضطهدين الى الاراضي البريطانية. ولم يكن يقصد من وراء وعده المشهور (الذي عارضه اشد معارضة، الوزير اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء وقتذاك (اللورد مونتاغو) غير التخلص من فئات اليهود بتوجيههم الى فلسطين اذ لم يكن راضياً عن تواجدهم في بريطانيا. وما حصل بعد ذلك من مجابهة مع الانجليز، انما كان اشبه بما حدث في جنوبي افريقيا ضد الدولة الأم. دون تشابه بالصراع ضد الاستعمار، فحينما ثار العرب الفلسطينيون بين عامي 1936 و1939، على التسلط البريطاني والاستعمار اليهودي معاً، قمع الجيش البريطاني بمساعدة الميليشيات الصهيونية، تلك الحركة الصادقة في مكافحتها للاستعمار.
لان الصهيونية السياسية المجردة من جميع زخارف الاسطورة التاريخية التي تزعم انها قامت على اساسها، لا تعدو ان تكون في جوهرها ظاهرة استعمارية، اما وجه اختلافها الوحيد مع الاستعمار التقليدي (من الطراز الانجليزي او الفرنسي مثلا)، فهو في ان المقصود هنا ليس استغلال السكان الاصليين كيد عاملة رخيصة او كوسق لتصريف منتجات الدولة المستعمرة، بل اقامة مستعمرة للاستيطان هدفها ليس فقط استغلال "ابن البلد" بل الحلول محله، بتجريده من ارضه وطرده منها بغية الاستيلاء على عمله، واضطراره الى الرحيل او البقاء اعزل سياسياً، بتطبيق التمييز العنصري ضده، وهذا ما يطابق مدلول شعارات الصهيونية السياسية في اسرائيل: ارض يهودية، عمل يهودي، دولة يهودية!! وتعويضاً عن فقدان اي اساس للمطالبة "بالحقوق التاريخية" يستخدم الصهاينة المذبحة التي ارتكبها هتلر بحق اليهود اسوأ استخدام في حجة اخرى تستند هي على الاقل الى حقيقة تاريخية. من المعقول جداً لدى الصهاينة الذين لا يحاولون تبرير عقائديتهم بالاساطير، اهتمامهم المشروع بايجاد ملاذ لضحايا الاضطهاد، بيد انه لا يعقل حل هذه المسألة بازالة مظلمة عبر ارتكاب جرائم اخرى، اي طرد شعب والاستيلاء على اراضيه، لا دخل له بالجريمة الهتلرية ضد اليهود. واذا كانت اعمال الاضطهاد والقتل، التي كان يهود من ضحاياها في عهد الحكم النازي، تتطلب تكفيراً، فلا يعني ذلك فرض التكفير على من لا يد له في الجريمة. يظن البعض - والصهاينة السياسيون بالذات - ان الحل الوحيد لقضية سلامة اليهود هو انشاء دولة يهودية. وهذا غير واقعي على الاطلاق، فاية دولة عبر التاريخ كله كانت بمعزل عن الدمار؟ كذلك حال "الممالك" الاستعمارية والمنشأة - كالدولة الصهيونية ضد ارادة السكان الاصليين - فان اياً منها مهما بلغت قوتها العسكرية لم يستمر بقاؤها. ثم ان تجربة العملية الاستعمارية بشأن اقامة دولة صهيونية في فلسطين، مدفوعة - بطبيعة تكوينها العنصري - الى اتباع سياسة توسعية لتأمين "المجال الحيوي" (اي توفير مكان لهجرات غير محدودة) هذه التجربة اظهرت خلال نصف قرن ضرورة استمرار حالة الحرب المقرونة بتزايد القلق على المستقبل. حتى ان اشد الامكنة في العالم تهديداً لسلامة اليهود اليوم هو، دولة اسرائيل اليهودية.. والاكثرية الساحقة من يهود العالم (80%) تعي ذلك تماماً ولهذا فهي فضلت البقاء في اوطانها الاصلية. ورغم مرور نصف قرن على التجربة، فان عدد اليهود الذين يغادرون اسرائيل هذه الايام هو اكبر بكثير من عدد القادمين للاستقرار فيها. ولكن، حتى ولو وافقنا على ان انشاء دولة يهودية هو الحل الوحيد او الممكن فما كان لأحد ان يعترض، على تقديم قطعة ارض المانية للناجين اليهود من المذابح النازية، على سبيل التكفير او التعويض، على ان تقام على تلك الارض دولة مستقلة تماماً، تدعمها اموال الاوروبيين المذنبين او المتواطئين!. ذلك ان مذابح اليهود انما تخص التاريخ الاوروبي. وتحمل العار النازي اما الزعم بالتكفير عنه على حساب العرب - البعيدين عنه ايما بعد - انما هو مبادرة استعمارية خالصة، وهناك من يحاول تبريرها بالقول بتواصل تاريخي بين اسرائيل التوراتية وبين دولة اسرائيل الحالية. وهو تواصل قمنا بتبيان طبيعته الوهمية. هنا يكمن الغموض المزدوج في صميم الحجة الغربية (حجة حرق اليهود بيد الالمان) التي يجري التذرع بها لتبرير مشروعية قيام دولة اسرائيل فوق ارض مسروقة من العرب! حرق اليهود - او "الهولوكوست" - يشير اليه (جيرشوم شولم) في كتابه (فكرة الخلاص في اليهودية) فيقول: "الهولوكوست واسرائيل وجهان لنفس الحدث التاريخي". اما (ابراهام هيشل) فيقول في كتابه (اسرائيل صدى الخلود): "دولة اسرائيل هي جواب الله على احداث اوشفتز". وهذه "المحرقة" التي يجري باسمها تبرير مشروعية وجود دولة اسرائيل، بل وكل مفاسد سياسة زعمائها، قد راج استخدام جريرتها الى حد يتطلب وقفة تفكير وتأميل. قبل كل شيء، فان لكلمة (هولوكوست) نفسها صبغة دينية، فهي تعني التضحية الدينية المتمثل في تقديم القرابين، او الاضحيات الى احد الالهة، وهذا المصطلح بعيد عن تصوير ما حدث في المانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لان جريمة هتلر ضد اليهود لا تتسم باي طابع ديني، فهي قضية سياسية متصل بجملة قضايا بعيدة المدى. لكن المقصود من ابراز "الهولوكوست" هو عزل اليهود عن بقية ضحايا هتلر في حرب ضروس قضت على اكثر من ستين مليوناً من الرجال والنساء ومن المدنيين بشكل خاص، ابيد ثلاثة ملايين بولوني غير يهودي واكثر من ستة ملايين سلافي غير محارب. فهل من مصلحة اليهود انفسهم ان الانفصال عن مجموع الذين عانوا من الفاشية الهتلرية وكافحوها؟ اذن لماذا يكون للموت طابع "مقدس" بالنسبة لواحدة من فصائل البشرية؟! ثم ان هذا التخصيص يحجب ايضاً حقيقة الهجمة الهتلرية، لانه من غير الممكن التعريف بالنازية عن طريق احد مظاهرها العنصرية المناهضة لليهود!! وحيث ان نفس معسكر الاعتقال قد جمعني بصديقي برنار ليكاش، مؤسس "الرابطة العالمية المناهضة للعنصرية واللاسامية" فأذكر ان دوافعنا كمناضلين من اجل الحرية، كانت متماثلة، ونحن في المحنة والمعركة اخوان وحدتنا هذه الاخوة ولا اذكر ادنى حديث مشترك فيما بيننا جرى فيه اي تنويه بانه يهودي وبأني لست كذلك.
وقد سعد جميع اصدقائنا رفاق المعتقل، حينما ساعده عمدة مدينة نيويورك "لاغرديا" على استرجاع حريته. كما استشعرنا جميعاً بنفس الالم الاخوي حنيما علمنا، بعد بضع سنوات بنبأ موته. ان اطلاق التسمية "هولوكوست" (اي محرقة القرابين) على مذبحة اليهود لا يرمي فقط الى عزل اليهود عن بقية ضحايا الهتلرية (الستين مليون قتيل) والى حجب حقيقة العدوان الهتلري، بل الى حمل الناس على الاعتقاد بان هذه المذبحة ذات المسحة "الروحانية" تعود فقط الى التاريخ اليهودي باعتبارها فترة خاطفة من اضطهاد ازلي ناتج عن اصطفاء الهي ابدي. بل تقصد هذه التسمية الى اقتطاع تلك الجريمة من التاريخ الاوروبي، اي الى حمل الدنيا على تناسي جرائم الامبريالية النازية - ضد اليهود وغيرهم - وهي امتداد لجرائم الامبريالية الغربية جمعاء، بدءاً بإبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر الامريكيين ومروراً بتقتيل اكثر من مائة مليون زنجي في افريقيا، لنصل اخيراً الى اختطاف عشرة ملايين من المستعبدين الى القارة الامريكية. اذاً فالابادة الجماعية التي قام بها هتلر ضد اليهود ليست هي الاولى بين جرائم الامبريالية، ولا تلك التي خلفت اكبر عدد من الضحايا كما ان تقديس ما حل باليهود دون غيرهم، ليمتازوا بالهولوكوست يعني التستر على على الاسباب العميقة الكامنة وراء تلك الابادات الجماعية، والحيلولة دون اشتراك اليهود مع بقية ضحايا تلك الجرائم، في مكافحة جذورها، واستبعاد اسرائيل من التاريخ العالمي، واقتطاعها بوجه خاص من العالم الثالث. عندما اعلن "ارييل شارون" في خطاب موجه الى مندوبين يهود اجانب في لقاء تم في (غوش اتسيون): "لنا الحق في ان نطلب كل شيء من العالم كله فنحن كيهود لا ندين بشيء لاحد بل ان الاخرين هم المدينون لنا". اجاب (بعاز افرون) مستنكراً هذا التفريق بين اليهود و"الاخرين" اي بقية سكان العالم قائلاً: "الاخرون هؤلاء، اي باقي العالم، سوف يردون علينا بقولهم، انها مسألة لا تتعلق الا بكم وبالاوروبيين، ففي الصين وفي الهند وفي اليابان، وفي افريقيا، وفي العديد من مناطق امريكا اللاتينية - اي حيث يعيش ثلاثة ارباع سكان الكرة الارضية - قليل من الناس سمع بكم اذ لم يجر اضطهادكم، او قتلكم، ليكون لكم اي حق. وبصراحة، فحينما تظاهرتم بذلك، كان هدفكم الاشتراك مع البيض والاستعماريين في استغلال السود والاسيويين والهنود الحمر. واذا اردتم تصفية الحسابات في تلك الاجزاء من العالم، فستكتشفون ديوناً مستحقة عليكم. والافضل عندئذٍ هو التوجه الى امكنة اخرى حيث ينبغي عليكم ان تصفوا حساباتكم مع الاوروبيين دون غيرهم فامضوا اذن لمناقشة الذين تقاسمونهم الثقافة ودعوا "العرب" وشأنهم. وبالمناسبة هناك شيء آخر، ما الذي تفعل بنادقكم الرشاشة "عوزي" و"جليل" بين ايدي القوات القمعية في السفادور؟" ويستطرد (بعاز افرون ) قائلاً: "اما الاوروبيون فيستطيعون الرد عليكم: لا تنسوا ان ملايين الروس والبريطانيين والفرنسيين قد لقوا حتفهم في صراعهم ضد المانيا النازية وفي تغلبهم عليها، كانت نجاتكم، واذا كانوا قد شهدوا مقتل جيرانهم، فانهم لم يعثروا لكم على اثر". وعلى العكس من ذلك، وبدلاً من التفرقة بين اليهود وبين غير اليهود - كما كان دأب هتلر - لو اعتبر قتل النازيين لليهود الاوروبيين جزءاً من كل، اي جانباً من المشروع الهتلري الموجه ضد جميع الذين يدافعون عن كرامة كل انسان، عبر محاربتهم للنازية، لارتقى موقف اليهود الى ارفع المراتب التاريخية.