الفصل الاول: أسطور "الحقوق التاريخية"

الاسطورة التاريخية:
"هذه الارض هي الموطن التاريخي لليهود!…" هذا ما جاء في مذكرة المنظمة الصهيونية العالمية الى مؤتمر السلام في جنيف عام 1919. وكان اعلان قيام دولة اسرائيل في 14 مايو (ايار) 1948، قد اكد بانه "بموجب الحق الطبيعي والتاريخي للشعب اليهودي" قد انشئت هذه الدولة في فلسطين. وهذا المفهوم "للحقوق التاريخية" يرتبط دائماً، عبر الدعاية الصهيونية، بمفهوم "الوعد" بالأرض الذي يعطي للاسرائيليين: "حقاً الهياً" صريحاً في امتلاك فلسطين والسيطرة عليها. مع ذلك سنتناول المسألتين كلاً على حدة ذلك لان… التفريق بينهما سهل، نظراً لانه ليس هناك خارج نصوص التوراة، اية اشارة لروايات العهد القديم قبل القرن العاشر (قبل الميلاد)، لا في مدونات شعوب الشرق الاوسط، ولا في الحفريات الاثرية. بل ان عالماً، كالأب "ديفو"، حرص على انقاذ عراقة العهد القديم التاريخية، فقد اعترف، كغيره من الناس، بانه ليس هناك، خارج التوراة، "اية اشارة واضحة للعبريين واقامتهم بمصر، وخروجهم منها.. ولا حتى غزو ارض كنعان". ومن المشكوك فيه اكتشاف نصوص جديدة تبدد هذا الصمت. اما "الوعد" بأرض فلسطين - في صورته الراهنة - فلم يظهر الا في كتابات المنتفعين به. وكان مفسرون آخرون، طوال قرن من الزمان قد توصلوا ايضاً الى استنتاجات اكثر حسماً كما نلاحظ لاحقاً بصدد اسطورة "الوعد" في التوراة، لدى الكثيرين من امثال: فون راد. ونوث، وطومبسون، وفان سيتر، والبير دي بوري، وغيرهم… واول ما يلاحظ دونما تسليم او تفحص ناقد، لصحة الاجزاء التاريخية من العهد القديم، ان تاريخ العبريين - بدلاً من تشكيلة "محوراً" للتاريخ، كما تزعم نظرة الاستثناء التي تنادي بها الصهيونية السياسية وتساندها بعض التعاليم المسيحية - لا يبدو، في اي وقت من الاوقات، متميزاً عن تاريخ ممالك بلاد ما بين النهرين، والحثيين، والمصريين. وعند استعراضنا للمرحلة التاريخية التي تنوه اليها الوثائق المدونة، نتبين ما يلي: - العصر البرونزي القديم، في الالف الثالث ق.م، حيث ثبت، وعلى الاخص بعد اكتشاف الواح "ايبلا" عام 1976، وجود سابق في ارض كنعان لحضارة مدينة كبرى لدى الشعوب الناطقة بلغة العرب السامية: كالآرامية، ولغة كنعان التي يدعونها بـ"العبرية".

- ثم المرحلة الممتدة ما بين 2200 و 1900 ق.م. والمتميزة بتسلل البدو الرحل.

- والسيطرة المصرية، اعتباراً من منتصف القرن السادس عشر ق.م. حينما جعل فراعنة الاسرة الثامنة عشرة من فلسطين "ثغراً مصرياً".

وهذه المنطقة الواقعة في قلب الهلال الخصيب، والممتد من النيل الى الفرات عبرت فيها وتمازجت مجموعات بشرية من كل نوع ودين… الى ان دخلها بدو او رعاة في سبيلهم الى الاستقرار، بحثاً عن المراعي، قادمين من بلاد ما بين النهرين او من شرقي الاردن، ليصلوا الى ارض كنعان في بداية الالف الثاني، في العصر البرونزي القديم، وليجدوا بين سكانها الاصليين اولئك الكنعانيين الذين اشادوا حضارة مدنية، وكشفوا، في نهاية الالف الثاني، عن معدن الحديد والكتابة الابجدية. وخلافاً للصورة التوراتية التقليدية، فان "العبرانيين" لم يشكلوا عنصراً متميزاً قبل دخول البدو ارض كنعان.. بل تشكلت تجمعاتهم من وحدات عرقية مختلفة، كانت جزءاً من هجرات بدوية واسعة (من الاموريين، او الآراميين، حسب قول الاب ديفو). وبين اولئك البدو الرحل استقر في ارض كنعان، فيما تابع الاخرون سيرهم الى ارض مصر.

هؤلاء البدو - ومنهم الذين عرفوا فيما بعد العبرانيين - اخذوا عن الكنعانيين لغتهم وكتابتهم، ومعتقداتهم… حتى حوالى (1400) ق.م. حينما سعوا الى مراع جديدة في مصر، مقتنين على الارجح اثر الغزاة الهيكسوس. وعندما طرد الهيكسوس من مصر، تأزم موقف الذين جاؤوا بحمايتهم وتمتعوا بالتالي بوضع مميز.. اذ اعتبروا اعواناً للعدو، وتم اخضاعهم لاحوال معيشية ازدادت قسوتها مع الايام. وهؤلاء الاخصام الهامشيون، الذين لم يكونوا يشكلون عرقاً معيناً، بل مجموعة من معارضي الفراعنة، عرفت باسم "عابيرو" (ومنه اشتق بلا شك اسم "العبريين" حسب رأي الاب ديفو) لم يروا بداً من الفرار من مصر ولا بد ان "خروج" هؤلاء الاتباع الساخطين كان مألوفاً وتافهاً الى حد ان الحوليات المصرية قد اغفلت كلياً ذكر هذا "الحدث الجاري" ولو في تقرير لأحد حراس الحدود (بينما تتوفر تقارير كهذه عن حالات "مرور" عديدة منذ القرن 19 ق.م.) ان عدد "المصادر" الوحيدة المتوفرة بين ايدينا خارج نصوص "العهد القديم" لا يتعدى عدد اصابع اليد الواحدة: فأقدم اشارة الى اسم "اسرائيل" هي المدونة على مسلة (حوالى 1225 ق.م.) تمجد انتصارات الفرعون (مرنبتا). وتذكر، دون تفاصيل اخرى، انه استولى على المدن الفلسطينية وهدم اسرائيل ايضاً: - "اسرائيل دمرت، ولم يعد لساكنيها من وجود!..". (كما يقول الاب ديفو في كتابه: "التاريخ القديم لاسرائيل" - الجزء الاول ص 366 - "لا يمكن ان يشمل "كل اسرائيل" ذات الاثنتي عشر قبيلة، التي لم تكن قد قامت بعد. بل انه يتعلق حتماً بجماعة محددة العدد"). كذلك هناك (400) لوح فخاري، تتابع اكتشافها منذ عام 1887 في تل العمارنة، العاصمة التي انشأها الفرعون امينوفيس الرابع (اخناتون: بين 1375 و1385 ق.م.) وتقدم لنا سجلاً لمراسلات الفرعون مع تابعيه من امراء فلسطين وسورية… وهي تخلو من اي ذكر لاسرائيل، رغم انها تحفل بمعلومات هامة عن دول المدن في ارض كنعان، وعن التنافس القائم فيما بينها. ومن الاثار التافهة، التي خلفتها اسرائيل في تاريخ الشعوب الاخرى نخرج باستنتاجين اثنين على الاقل: اولهما انه يستحيل اعطاء اسرائيل "حقاً تاريخياً" يعود، بالاحرى، لاول شاغلي ارض فلسطين… بينما نعلم بان القبائل، حينما وصلت الى فلسطين مع الموجة الآرامية، قد وجدت فيها "سكاناً اصليين" كنعانيين: كالحثيين حول "حبرون-الخليل" التي اسسوها، والعمونيين (حول عمان)، واهل مؤاب، شرقي البحر الميت، والادوميين في الجنوب الشرقي. في نفس هذه الفترة الزمنية جاء "الفلستينيون" من بحر ايجه، ليستقروا ما بين جبل الكرمل والحراء. اذن فأولئك المعروفون اليوم "بالفلسطينيين" ليسوا من سلالة العرب وحدها. بل ان العرب الذين جاؤوا الى فلسطين باعداد قليلة نسبياً في القرن السابع الميلادي، وادخلوا في الاسلام القسم الاعظم من السكان المحليين (بمن فيهم الاسرائيليون)، قد اختلطوا بهؤلاء عن طريق الزواج، واكسبوهم لغتهم العربية. وبعد ظهور العرب في فلسطين في القرن السابع، ظاهرة ثقافية اكثر منها عرقية. فالفلسطينيون "ينحدرون من الكنعانيين اي المواطنين الاصليين الذين يعيشون هناك منذ خمسة آلاف سنة على الاقل (منذ بداية التاريخ)، ومن الفلستينيين (الذين اعطوا للبلاد اسمهم: فلسطين) وكذلك ينحدرون من الفرس، واليونانيين، والرومان، والعرب، والاتراك، الذين احتلوا البلاد وحكموها بعد البابليين والحثيين والمصريين. "اذن فالشاغلون الاوائل" هم اولئك "الفلسطينيون" الذين يقيمون في بلادهم منذ فجر التاريخ.

والملاحظة الثانية المستنتجة من هذا التاريخ لفلسطين هي ان العبرانيين "عابيرو".. حينما اتوا من مصر في القرن 13 ق.م. واستقروا في فلسطين متسللين او غزاة (وسنعود الى ذلك عند الحديث عن روايات التوراة) ليسوا اكثر من غزاة بين آخرين امثالهم (كالبابليين، والحثيين، والمصريين، والفرس، واليونانيين، والرومان، والعرب، والاتراك، والانجليز). والحديث عن شعب اسرائيلي مكون من اتحاد قبائل ذات اصول عرقية متعددة لم يصبح ممكناً الا بعد الاستقرار في ارض كنعان حوالى القرن 13 ق.م. وتزايد المراجع المؤيدة لتلك الاحداث، بينما لا يوجد اية وثيقة غير توراتية، تشير الى التاريخ الاسبق. (وابلغ مثال على ذلك ان اسم "داوود نفسه وتاريخه، غير واردين في اي مصدر خارج التوراة، لا في النصوص ولا في حفريات الآثار، كذلك لم يتم وضع اي نص توراتي قبل عهد الملك سليمان (في القرن العاشر ق.م.).. علماً بان الكتابات الاولى في هذا الصدد قد استوحت موضوعاتها من اهتمامات العصر السياسية (كمدح نظام ملكي او انتقاده، والتدليل على مشروعية ملكية ارض او غزوها، الخ..) انطلاقاً من مأثورات شفهية، كحكايات شعوب الشمال (ساغه)، وقصائد هوميروس، واساطير الملك آرثر، والبطولات التي يتغنى بها شعراء وسحرة افارقة، واقاصيص الرواة العرب.. حيث ترد - كمال قال الاب ديفو - "احاديث عن اصول بعض الكلمات، او حكايات شعبية في شرح اسم موقع او فرع من قبيلة او نسب لأحد الجدود. ولى نوادر وطرائف قصصية، ينبني حق القبيلة في استخدام ارض او التمتع بامتياز ما. وانتساب واضع النادرة الى فئة معينة، يلعب دوراً كبيراً في توجيه كتابته". ومن تحليل النصوص التوراتية (التي لا نملك غيرها) يستنتج ما يلي: حوالى السنة الالف (ق.م) ترأس احد افراد قبيلة "يهودا" شأنه شأن "قائد المرتزقة" في اوروبا خلال القرن 16 ب.م) عصبة من المرتزقة الفلستينيين والكريتيين (من جزيرة كريت).. مستفيداً بمهارة من توازن القوى بين قوتي العصر العظميين: البابليين والمصريين.. ونجح في اقامة مملكة، وفي الاستقرار بمعية حرسه الخاص المكون من الكريتيين والفلستينيين، في اورشليم.. حيث استمر سكانها القدامى، من اليبوسيين، بالعيش فيها. وكان رئيس هذه الزمة: داود، الذي عهد الى فلستيني، هو: ايتائي غات "بقيادة ثلث جيشه، وكان يتلقى في شرقي الاردن واثناء تمرد ابشالوم مؤن الامير العموني: شوبي.. دون ان يسعى على الاطلاق الى "تهويد" الكنعانيين. بل انه، على العكس من ذلك، قد انشأ دولة متعددة الجنسيات تتألف من شعوب ذات ديانات واصول مختلفة. وكانت جدته "روث" مؤابية، وعند وقوعه في مصاعب، كان يعهد الى اهله بحراسة ملك مؤاب. وقد رزق من امرأة حثية، بابنه سليمان، الذي خلفه على العرش، وحافظ على تعدد الجنسيات في دولته، بل انه قد توسع فيها  وبعد موت الملك سليمان، انقسمت مملكة داود الى: اسرائيل شمالاً ، ويهودا جنوباً. وفي سنة 721 ق.م.، اجتاح الاشوريون اسرائيل. ثم استولى احشيروش، ملك الفرس على بابل، فسمح بعودة المنفيين (لكن عدداً كبيراً منهم فضل البقاء في بابل). وبعدئذٍ، عاش العبرانيون تحت حكم الفرس، واليونانيين، والرومان - على التوالي - حتى فترة حركات التمرد ضد المحتل، ومنها ثورة المكابيين، في القرن الثاني (ق.م.) ضد (انطوخيوس ابيغانوس) السلوقي الاسكندر، فتمكن المكابيون بعد صراع دام عشرين سنة، من تشكيل اسرة "الازمونيين" التي حكمت الى ان انحلت بسبب منازعات داخلية. ثم استولى (بومبيوس" عام 63 ق.م.، على فلسطين التي اصبحت مملكة تابعة في عهد هيرودوت، ثم ولاية رومانية ثم نشبت ثورتان ضد المحتل الروماني لكنهما اخفقتا: الاولى عام (70 ب.م. والثانية عام (132) ب.م. وبعد القضاء على هذه الاخيرة في (باركوشيا). دمر الهيكل. وتشتت الشعب اليهودي على سواحل البحر الابيض المتوسط ولم يعد للطائفة الاسرائيلية اي وجود في فلسطين. وهكذا، فان الحاج اليهودي "بنيامين" الذي اتى من طليطلة عام 1170 لزيارة اورشليم القدس، لم يجد سوى 1440 يهودياً في فلسطين كلها. وفي عام 1275، لم يلتقِ "ناحوم جيروندي" الا بعائلتين يهوديتين في اورشليم القدس. وعندما استولى الصليبيون، على القدس عام 1099، فقد احرقوا اليهود في معبدهم، فيما اذن صلاح الدين الايوبي، الذي كان يستعيد القدس عام 1187، اذن لليهود بالعودة الى المدينة المقدسة!!

ولم يعد اليهود الى فلسطين الا على اثر حملات اضطهاد وملاحقة، وليس بدافع الحنين الى "وطن الاجداد" ففي القرن الخامس عشر الميلادي، كان اول العائدين يهود اسبانيا.. اولئك الذين لم يشعروا بحاجة الى الهجرة طوال ثمانية قرون من التعايش مع العرب، ولكنهم اضطروا الى الفرار من جور محاكم التفتيش والملوك المتشددين والمغالين بـ"كاثوليكيتهم"!.. لم يأتِ منهم الى فلسطين سوى عدد قليل جداً بينما التجأت الاكثرية الساحقة الى فرنسا، وهولندا، وايطاليا، ومصر، وقبرص، والبلقان. وفي عام 1845 لم يكن في فلسطين سوى (12) الف يهودي من اصل مجموع السكان البالغ 350 الفاً، وفي عام 1880: (25) الفاً من اصل (500) الف وقد اتت حملات الاضطهاد في روسيا عام 1882، بموجة جديدة تبعتها موجات من يهود بولونيا ورومانيا. ومع نمو الصهيونية السياسية، انطلاقاً من كتاب "تيودور هرتزل" حول (الدولة اليهودية) الصادر عام 1896، قامت دوافع جديدة للحركة الصهيونية، وهنا لا بد من وضع النقاط على الحروف بالنسبة لمسألة "الحقوق التاريخية".

اذاً لا بد للعبرانيين من ان يكونوا هم الشاغلين الاوائل لفلسطين، الا انهم كانوا في الحقيقة بين كثيرين غيرهم من شعوب "الهلال الخصيب". ولا يستطيعون بحال من الاحوال، المطالبة بوضع استثنائي لهم في سياق هذا التاريخ الطويل. الا ان الصهيونية تخضع احداث الماضي للتلاعب والتحريف المنظمين، حينما لا تستبقي في الكتب المدرسية الاسرائيلية وفي مضامين الدعاية الخارجية، ما هو ذو دلالة في تاريخ فلسطين، سوى الفترات العابرة والنادية التي قيض للعبرانيين فيها ان يقوموا ببعض الادوار:

1 -  احتلال القبائل في عهد (يوشع) لأرض كنعان.

وقد حدث ذلك في القرن 13 ق.م. وفقاً لنصوص التوراة في القرن العاشر. وهذا التوغل ما لبث ان تحول الى "حرب مقدسة" والى غزو لاستئصال شأفة الاعداء. والقائمون بهذا التحويل انما هم لاهوتيو القرن السادس، في اعادتهم لكتابة التاريخ طبقاً لأغراض سياسية محددة.. (كما سنرى فيما بعد، عند البحث في التكنولوجيا الدينية للصهيونية، المكملة لمينولوجيتها التاريخية).

3 -  سنوات حكم داود وسليمان، ومجموعها 73 سنة.
4 -  النفي الى بابل.. ثم العودة منها.
5 -  واخيراً، ثورات عام 1963 وعام 135 ضد الرومان…

اما بقية التواريخ فلا اثر لها، كما لو ان شيئاً لم يحدث فوق هذه الارض منذ الالف الثالث حتى مجيء العبرانيين، الفي سنة وكذلك الامر بعد الفي سنة اخرى بدءاً من (باركوشبا) عام 135م. وحتى انشاء دولة اسرائيل، عام 1948!! هكذا ابتدعت اذن اول اسطورة تاريخية باختيار كيفي لبعض وقائع من تاريخ يمتد خمسة آلاف سنة: كهجرة قامت بها القبائل العبرانية وهذه حصلت مراراً. او كمملكة، بين الكثير من الممالك، تولاها داوود، وكتمرد شبيه بالعديد منه من جانب المكابين وسكان "باركوشبا". وعليه فان تاريخ فلسطين، الذي يتم تدريسه الان في مدارس اسرائيل، هو نتاج عمل مزيفين. لكن "التاريخ المقدس" الذي تدرسه التعاليم الكاثوليكية او "مدرسة الاحد" البروتستنتية، انما يساند الدعاية الصهيونية السياسية، دون قصد منه، باعتماده قراءة معينة من التوراة حول الشرق القديم ويهيء الملايين من مسيحيي العالم لتصديق ادعاءات الميتولوجيا القاتلة للشعب الفلسطيني وللسلام العالمي. ذلك لان هذه الميتولوجيا توفر للصهيونية السياسية اسساً تقوم عليها دعائم مطالبتها بالاراضي، وضمها لاراضي الغير، وقيامها بالعدوان. ويستكمل الصهاينة هذه الاضاليل بوهمين تاريخيين آخرين:

أ- بتحويلهم فلسطين الى صحراء تاريخية، (عدا فترات جغرافية: "ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض" وفقاً لمقولة مشهورة للكاتب "اسرائيل زنغويل" .

 ب - وطمساً للاستمرارية التاريخية للأرض الفلسطينية، ابتدعت الصهيونية (تماماً كالمعادين للسامية) توصلاً عنصرياً ومميزاً للشعب اليهودي مستعينة بانساب مختلفة، ورفض الاندماج، من اجل تبرير "العودة الى ارض الجدود" كما ان اليهود الحاليين هم الاحفاد والورثة الطبيعيون لاسرائيليي الازمنة التوراتية.. ويحققون اخيراً ما طمحت وتطمح اليه الجماعات "اليهودية" منذ مئات السنين… فلنتناول اذن بالتحليل هذين الوهمين التاريخيين:

 اولاً - وهم "الصحراء":
عند صياغة الصهيونية السياسية انطلاقاً من كتاب "تيودور هرتزل" (الدولة اليهودية 1896)، اغفل تماماً وجود شعب في فلسطين. بل ان هذا الوجود غير مشار اليه: لا في كتاب هرتزل، ولا في الاجتماعات التأسيسية للحركة الصهيونية العالمية. فعدم وجود هذا الشعب هو احدى المسلمات الاساسية للصهيونية: مسلمة جذرية، تفرعت منها جميع الجرائم اللاحقة.. وهاهي غولدا مائير تصرح لجريدة "صاندي تايمس" بتاريخ 15 يونيو (حزيران) 1969 قائلة:

"لا وجود للفلسطينيين. وواقع الامر لا يبدو بانه كان ثمة شعب فلسطيني في فلسطين، يعتبر نفسه شعباً فلسطينياً.. وكما لو اننا جئنا لطرده والاستيلاء على بلاده.. الواقع انه لم يكن موجوداً اصلاً!!." وبما انهم غير موجودين اصلاً، فهم يقاومون، والواجب يقضي بإقصاء هؤلاء "الغائبين - الحاضرين" او تقتيلهم، بنفس طريقة تعامل المهاجرين الى امريكا مع الهنود الحمر".. وعندما سأل "اينشتاين" وايزمان الذي كان حينئذٍ احد قادة المنظمة الصهيونية العالمية: عم سيحل بالعرب اذا ما اعطيت فلسطين لليهود؟.. اجاب (وايزمن): - "اي عرب تعني؟؟ انهم لا يعدون شيئاً!!". وقد سبق للبرفسور "بنزيون دينور" الذي كان اول وزير للتربية الوطنية بدولة اسرائيل، وصديقاً حميماً لمؤسس دولة اسرائيل ديفيد بن غوريون عام 1954، ان كتب في مقدمة كتاب (تاريخ الهاغانا)، الصادر عن المنظمة الصهيونية العالمية: - لا مكان في بلادنا الا لليهود واننا قائلون للعرب: ابتعدوا!!.. فاذا لم يوافقوا او انهم قاومونا فسندفعهم عنا بالقوة!..". كذلك كتب "جوزيف ويتز". المدير السابق لدائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، عشية حرب حزيران عام 1967. يقول:

- بصراحة، يتضح تماماً انه لا مكان في هذه البلاد للشعبين معاً. والحل الوحيد هو تكريس ارض اسرائيل القديمة، المتمثلة على الاقل في اسرائيل الغربية (غربي الاردن) دون تواجد للعرب.. والمخرج الوحيد هو في نقل العرب الى مكان آخر في البلاد المجاورة"  لكن الحقيقة غير ذلك: فبعد وعد بلفور عام 1917 وبعد عشرين عاماً من الصهيونية السياسية والدعاية من اجل "العودة" وبعد الموجات الاولى من المهاجرين الفارين من حملات ذبح اليهود في روسيا وبولونيا ورومانيا، اثبت الاحصاء الانجليزي للسكان في 31/12/1922، وجود (757000) نسمة في فلسطين، بينهم: (663) الفاً من العرب (590 الفاً من العرب المسلمين، و73 الفاً من العرب المسيحيين).. و83 الفاً من اليهود (اي: 88% من العرب، مقابل 11% من اليهود). ومن المناسب ان نذكر بان تلك "الصحراء" المزعومة كانت تصدر آنئذٍ الحبوب والحمضيات!!.. وفي عام 1891، زار فلسطين (آشير غرينبرغ) احد الصهاينة الاوائل، الذي كان يكتب بتوقيع ابن الشعب (احد عام)  وعاد بالانطباع اسرائيل) بانها اليوم شبه قاحلة.. صحراء لأزرع فيها وبان من يشاء حيازة قطعة ارض فيها، يستطيع المجيء الى هنا لاستملاك ما ترغب فيه نفسه. لكن الواقع هو غير ذلك… فعلى امتداد البلاد كلها، يصعب العثور على حقل غير مزروع، اما الاماكن غير المزروعة فهي عبارة عن سهوب رملية وجبال صخرية، حيث يتعذر استنبات غير الاشجار المثمرة، وذلك بعد جهود مضنية وعمليات واسعة من التنظيف والاستصلاح" وحقيقة الامر، قبل مجيء الصهاينة، ان البدو (او بالاحرى زارعي الحبوب) قد صدروا ثلاثين الف طن من القمح.. وان مساحة بساتين البرتقال والحمضيات باتت سبعة اضعاف بين 1921 و 1947 وانتاج الخضروات تضاعف عشر مرات بين 1922 و 1938 وهكذا دواليك…

واذا اخذنا موضوع الحمضيات مثلاً، نجد ان تقرير "بيل" المقدم الى البرلمان البريطاني من وكيل المستعمرات، في يوليو (تموز) 1937، والمستند الى سرعة اتساع بساتين البرتقال في فلسطين، وفيه يقدر انه، نظراً لحاجة الاستهلاك العالمي خلال السنوات العشر القادمة الى ثلاثين مليون صندوق من البرتقال الشتوي، فان جداول البلدان المنتجة والمصدرة لهذه الفاكهة ستكون كما يلي:
- فلسطين:                      15 مليون صندوق.
- الولايات المتحدة:            7 ملايين صندوق.
- إسبانيا:                       5 ملايين صندوق.
- البلاد الاخرى (كقبرص ومصر والجزائر وغيرها) : 3 ملايين صندوق.

كل هذه المعطيات والارقام الواردة يقوم عليها، "تقرير بيل" فصل 8 و19 / ص 214. واذا اخذنا بعين الاعتبار الى مراحل تقدم الزراعة في جميع بلدان العالم خلال السنوات الخمسين الاخيرة، (كما سيتم بيانه عند الحديث عن تمويل دولة اسرائيل) وبخاصة "المساعدات" المالية المذهلة المتدفقة على هذه الدولة من الخارج، يتضح لنا بجلاء تام عدم حدوث ادنى "معجزة اسرائيلية" في هذا الميدان. اما توهم وجود "فراغ" تاريخي وجغرافي فسيكون الفرضية التي ترتكز عليها سياسة اسرائيل الصهيونية من اجل "تبرير" عمليات الطرد والسلب والقتل والتدمير والاضطهاد.. وهذا ما سنتطرق اليه لاحقاً.