اعترافات المؤرخين “الاسرائيليين”
“اسرائيل” قامت باكبر عملية تطهير عرقي

 

سلمان ابوستة
وجهات نظر
العدد الثاني والعشرون ـ نوفمبر 2000م


مقدمة:

حمل العرب، والفلسطينيين خاصة، جرحا غائرا في صدورهم وهو نكبة فلسطين عام 1948، لن يشفى ولن تبرأ كل اثاره حتى لو ازيلت اثار هذه الجريمة غير المسبوقة في التاريخ الحديث. لقد ادت النكبة الى سقوط عروش واغتيال زعماء وتغيير انظمة. وعندما طردت القوات “الاسرائيلية” اهالي 530 مدينة وقرية من ديارهم عام النكبة، خرج حوالي مليون لأجئ الى اماكن اللجوء فيما تبقى من فلسطين والدولة العربية المجاورة، وحملوا معهم ذكريات موجعة عن فقدان الوطن والذبح والتشريد. واصبحت هذه التجربة الانسانية مادة لادبيات اللاجئين ثم ادبيات الثورة، ثم اصبحت مخزنا للذاكرة الجماعية للفلسطينيين، تدعمها السير الذاتية والقصص والاشعار، دعك من كتب التاريخ والجغرافيا والاجتماع التي تعيد تركيب المجتمع الفلسطيني في الشتات بكامل صفاته ولكن في مكان جغرافي آخر، وتعيد تركيب الوطن الذي حرموا  منه بكل ما يحمله الشوق والخيال والحسرة والاصرار على العودة من تضاريس والوان.

وفي نفس الوقت، اقام اليهود، الذين اصبحوا يسمون “اسرائيليين”، ستارا حديديا حول الوطن الضائع، تجسيدا لمقولة جابوتنسكي بأنه لا يمكن لـ”اسرائيل” ان تعيش الا اذا طردت العرب واقامت حول نفسها ستارا حديديا من القوة.

لم يعرف العرب بعد النكبة ماذا يدور خلف هذا الستار، بسبب العزل الكامل الذي فرضه كل ظرف على نفسه. عاش اليهود خلف هذا الستار الواقي محتمين بقوة عسكرية صدت العرب، وبلغة ميتة بدأت تعود الى الحياة لا يعرفها العرب، فاصبحت اشبه بشفرة سرية يتكلمها افراد العدو بينما يعرف هذا العدو لغة العرب، وباسلوب حياة غريب على العرب، وحتى على الأوروبيين، على شكل حياة جماعية شيوعية المبدأ تمجد الجندي/ المزارع الذي يحارب في الليل ويزرع في النهار.

ولم يعرف العرب، عن جهل او تجاهل، ماذا حدث للوطن الضائع، ماذا حدث لمئات القرى والمدن، ماذا حدث لتلك البيوت التي هجرت تحت القصف وترويع المذابح، وبها الصور على الحائط، الطعام لا يزال ساخنا في المطبخ، الفراش المبعثر، الزهور التي تركت دون ان تسقى، القطة او الكلب الذي بقى دون صاحبه، ماذا حدث للمساحات الشاسعة من الاراضي المزروعة، للمحصول الذي نضج ولم يحصده صاحبه، لبساتين البرتقال والزيتون الذي ينتظر القطاف، لالاف الماشية والاغنام التي تركت هائمة دون ماء تشرب او طعام تأكل.

خرج الناس وفي قلوبهم "نكبة" النفس، وتركوا خلفهم "نكبة" المكان، حياة ومجتمعا وتاريخا انتزعت منه الجغرافيا وبقيت في مكان آخر.

 

بعد نصف قرن، ياتينا هذا الكتاب: "المكان المقدس" يشرح فيه ميرون بنفنيستى، كيف تم تدمير "المكان المقدس" الفلسطيني ليقام على اشلائه مكان “اسرائيلي” يستجدون له ثوبا من القداسة، واسعا مهلهلا كثير الثقوب لا يخفى معالم الخطيئة الاولى التي صنعت مكانهم هذا.

يجب ان نعترف ان ميرون بنفنيستى يكتب عن المكان بعاطفة جياشة نحوه، وبصراحة غير معهودة عن الجرائم “الاسرائيلية” في حق الفلسطينيين. اكاد احيانا اتخيل ان المؤلف فلسطيني، لولا ان الصهيونية تطفو من وقت لاخر على السطح عندما يتوقف عن وصف الفظائع وينكر الحقوق عند حاجز لا يعبره الا بتبرير او تفسير. ولا غرو، فالكاتب لا ينسى طفولته عندما كان ابوه، الصهيوني العتيد، يأخذه للطواف في كل انحاء فلسطين ليعرفه على "بلادنا" وعندما كان ابوه يكتب كتبا لتدريس الناشئة الصهيونية عن "ارض “اسرائيل”". ربما كان لديه عاطفة عن المكان وهو اليهودي السفاردي الذي عاش اجداده بين العرب في الاندلس ازهى عصورهم، هذه العصور انجبت فيلسوفهم الفذ موسى بن ميمون (ميموندس) الذي لم يجد له مأوى. عندما طرد الكاثوليك الاسبان سكان البلاد من عرب ويهود، الا في القاهرة ليموت فيها، مفضلا اياها عن صفد الفلسطينية ذات المدارس الدينية اليهودية، يقول المؤلف انه تعلم حب البلاد منذ صغره، ويوحي كتابه بأنه لا يتفق مع كل المبادئ الشمولية الصهيونية التي تعلمها صغيرا، ولكن بقي له من هذه المبادئ ما يكفيه لان يعيش في “اسرائيل” على ارض فلسطينية، ان لم يكن فعلا فمجازا، ولان يرفض عودة صاحب الارض، الذي يعطف عليه في كتابه، الى "المكان المقدس" الذي يملكه هذا اللاجئ المحروم من العودة، ويسكنه الان اغراب عن هذا المكان وعن طبيعة الحياة  التي سادته قرونا عديدة.

عمل المؤلف في جهاز الاحتلال “الاسرائيلي” الذي سيطر على الضفة الغربية، وقام باول جرد علمي يسجل مظاهر الحياة فيها ن سكان واقتصاد وتعليم، وكان نائبا لرئيس بلدية القدس، التي تفخر بضم القدس العربية لها وانشاء مساكن وخدمات لاكثر من 150 الف مستوطن يهودي بينما لا تخجل من انها لم تقدم شيئا على الاطلاق لسكانها الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم 200.000.

هو اذن يعرف اين يقع الخطأ والصواب، ويقف الى جانب الخطأ “الاسرائيلي” ويمتنع عن الدفاع عن الصواب الفلسطيني. هو واحد من هؤلاء المؤرخين “الاسرائيليين” الجدد ـ هل نقول المعترفين الجدد ـ الذين يجهرون لاول مرة بما كان يردده الفلسطينيون منذ خمسة عقود ولا مجيب. لماذا يقولونه الان؟ هل يشعرون بان قوة الباطل تغلبت عل ضعف الحق؟ ربما. لكنهم يذكرون الحقائق كسرد تاريخي مجرد، في فضاء عقيم، ويتراجعون عن استخلاص العبرة منها والمسؤولية عنها والدعوة الى اصلاح خطيئة “اسرائيل” الاولى. نستثنى من هؤلاء المؤرخين. ايلان بابى، ونورمان فنكلشتين الى حد ما، اللذين يصفان الجريمة ويصفان مرتكبها ويدينانه.

يبدأ الكتاب بسرد وقائع النزوح منذ قرار الامم المتحدة بالتوصية بتقسيم فلسطين الى دولتين: دولة يهودية على 54% من مساحة فلسطين، لمن يملكون 5% فقط منها، ونصف سكانها عرب، ودولة عربية على مساحة 46% لمن يملكون 95% منها ولا يوجد بين سكانها يهود. هذا الظلم الفادح قابله العرب بالاحتجاجات والمظاهرات، وقابله اليهود الذين كانوا يستعدون لهذا اليوم من زمن، بنسف البيوت العربية في ابوكبير ودير ايوب، واقترفوا اول مذبحة في الخصاص واجلوا اهالي قرية عزون. كل هذا في اول شهر بعد التقسيم ولم ينقض عام 1947 بعد.

يقول المؤلف ان هذا كان بداية نشوء "مبدأ الذي استعملته “اسرائيل” لترويع الاهالي وتدمير القرى، خصوصا في الخمسينيات عندما اقترف مجرم الحرب آريل شارون مذابح قبية والبريج والعزازمة. لم يكن هذا المبدأ نتيجة عارضة للصراع، كما يذكر المؤلف، لان نظرية الصهيونية كانت، ومازالت، تقوم على اساس الاستيلاء على الارض وقتل السكان او طردهم او التخلص منهم باية طريقة. وحيث ان عدد العرب كبير وامكانياتهم الاستراتيجية كبيرة، ترى “اسرائيل” انه يجب الا تتاح لهم فرصة الاستفادة من هذه المميزات او تقوية روحهم المعنوية بامكانية استعمالها. ولذلك تضرب “اسرائيل” اماكن صغيرة بقوة كبيرة في وقت ومكان تختاره لتعطى المثل على قوتها التي لا تقهر.

 

في نهاية مارس 1948، قبل ان يبدأ الغزو “الاسرائيلي”، تمكن اليهود من طرد 50.000 لاجئ من ديارهم واقترفوا مذبحة في سعسع قتل فيها ستون شخصا. بعد ذلك مباشرة، في اوائل ابريل 1948 نفض بن غوريون الغبار عن خطته لغزو فلسطين التي اعدها قبل 4 سنوات، ومرت بأربعة تعديلا آخرها خطة "دالت"، واصدر اوامره لجيش قوامه 65.000 جندي صهيوني مدرب، ضباطه خاضوا غمار الحرب العالمية الثانية، بتدمير المجتمع العربي في فلسطين، باهله ومؤسساته وقراه ومدنه، وباختصار ازالة كل آثار المكان الانسانية والعمرانية، لا يبقى لليهود فيها الا قاع صفصف ليس فيها ديار او نافخ نار.

تقضى الخطة دالت، التي نشرها بالعربية المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، ويشرحها المؤلف، بتدمير القرى وطرد السكان الى خارج "الدولة" (لم تكن دولة “اسرائيل” قد اعلنت بعد)، والقضاء على اية مقاومة مسلحة والابقاء على قوات في القرى المحتلة (لمنع عودة اهلها). حددت الخطة بالتفصيل القرى التي ستحتل في كل منطقة ومراكز الشرطة والمؤسسات العامة والمواصلات وغيرها.

ومن يقف امام هذا كله؟ الجيش البريطاني، الذي يلزمه صك الانتداب بحماية الاهالي ورعايتهم الى ان تقوم دولتهم في كل فلسطين، حزم حقائبه وبدأ في الانسحاب من فلسطين لكي ينتهي منه في 15/5/1948. لم يتحرك هذا الجيش لحماية الاهالي حتى عندما استغاث به الاهالي اثناء مذبحة ديرياسين التي حدثت على بعد 5 كم من مكتب المندوب السامي البريطاني.

كان الاستعداد لتدمير فلسطين شاملا لادق التفاصيل يسرد المؤلف قصة "ملف القرى" الذي اعده الصهاينة لكل قرية على مدى عدة سنين سابقة. لقد سجلت في هذا الملف خصائص كل قرية: مساحة ارضها واقتصادها وماذا تزرع، واسماء المختار (العمدة) واقاربه واصدقاؤه واعداؤه، ومكان مضافته وتشويش المحصول وبئر الماء. وكان ذلك يتم خلال ما يبدو انه زيارة بريئة للمستعمرين الذي يرتدون الزي العربي ويتحدثون اللغة العربية. يدخل هؤلاء الى القرية للزيارة او الضيافة او لشرب الماء، ويسجلون كل صغيرة وكبيرة. (لا تزال فرقة المستعمرين تعمل حتى اليوم، ويسمونها فرقة الموت، اذ يتغلغل وتهتف وتغتال قادتهم).

كان بن غوريون ينتظر، وخطته جاهزة منذ 4 سنوات، الى ان يتأكد ان خروج بريطانيا من فلسطين مؤكد، ويتفرغ لمواجهة شعب اعزل، يدافع عنه 2500 مناضل شعبي موزعين على عدة مئات من القرى والمدن دون سلاح فعال او قيادة موحدة، وانضم اليهم فيما بعد 5000 متطوع سوري ومصري وآخرون من العرب دخلوا قبل افول شمس الانتداب بقليل.

هذا هو الوقت الذي ينتظره بن غوريون ليضرب ضربته ويفوز بالغنيمة قبل ان تدخل القوات العربية النظامية التي منعها الانجليز من الدخول اثناء الانتداب.

يبذل المؤلف، مثل غيره من “الاسرائيليين” ومنهم بنى موريس المشهور، جهدا كبيرا لاثبات ان "تدمير القرى" و" طرد السكان" ليس عملية تطهير عرقي منظمة في هذه الفترة على الاقل، وانما هي من عوارض الحرب. لكن المؤلف يسلم بان طرد الفلسطينيين كان عملية تطهير عرقي فيما بعد، ويحمل هذه المسؤولية الى دولة “اسرائيل” بعد اعلانها، ورفعها عن نفس القادة والجيش قبل اعلان الدولة. وهذه فذلكة تاريخية. والدراسات الجدية، حتى تلك التي اعتمدت على موريس، اثبتت ان 89% من القرى هجرت بسبب عمل عسكري مباشر وان 10% هجرت بسبب الحرب النفسية. وتبرير المؤلف جهد ضائع لانه بفرض ان تبريره فيه شيء من الصحة، لماذا لا يعود اصحاب البيوت الى بيوتهم، ولماذا يقتل اللاجئ العائد الى بيته بصفته متسللا ولماذا تدمر القرى الفلسطينية، ولماذا توسع الاحتلال ليشمل الارض العربية في الضفة وسيناء ولبنان وسوريا؟ حرب فلسطين 1948 لم تنته حتى اليوم، ولن تنتهي الا بانتهاء الصهيونية.

كان امام بن غوريون 36 يوما قبل انتهاء الانتداب وخروج الانكليز (الذين لم يقفوا في طريقه على اية حال) ودخول القوات العربية التي سيدخل معها حربا نظامية، نظريا على الاقل. كان عليه في هذه الفترة الاستيلاء على كل الاراضي العربية الواقعة بين المستعمرات لتوسيع الرقعة اليهودية وتواصلها وعليه فتح ممر بين تل ابيب والقدس (التي كانت منطقة دولية حسب مشروع التقسيم) وتدمير كل القرى في هذه المناطق وطرد جميع الاهالي من ديارهم، لجعلها خالية من العرب (عبارة تذكر بمقولة النازيين لجعل المانيا خالية من اليهود)، ولاعاقة تقدم القوات العربية فعليا ومعنويا بمنظر هذه القوافل الانسانية من اللاجئين تتقدم نحو القوات العربية التي جاءت لانقاذها.

نجح بن غوريون في تنفيذ خطته نجاحا باهرا رغم تعثره في الاستيلاء على كامل مدينة القدس وهذه كانت خارج مشروع التقسيم. ودمر كثيرا من القرى العربية (بعد المعركة)، وتوج انتصاره بمذبحة ديرياسين عندما عرض الناجون من المذبحة بملابسهم الرثة وحالهم البائسة في شاحنات تطوف بشوارع القدس الغربية ليتفرج عليهم اليهود ويشتموهم ويحقروهم ويبصقوا عليهم، في مشهد من افظع مشاهد بربرية العصور الوسطى.

شاهد المؤلف نفسه هذا الموكب البربري، وكان فتى يافعا ولم يثر هذا المشهد في نفسه من تعليق الا وصفه بأنه "منظر مقرف" ويسارع الى ذكر احساس الغضب والعار الذي تمكن من غالبية سكان القدس اليهود الذين اصدروا بيانات استنكار. ونسى انه ذكر في السطر السابق انه شاهد هذا "المنظر المقرف" مع "آلاف من سكان القدس اليهود". ولا ندري ان كانت هذه الآلاف هي نفسها التي اصدرت بيانات استنكار.

حصيلة هذه الايام الستة والثلاثين من الغزو اليهودي، ولا نقول الحرب لان هذه فيها طرفان، كانت احتلال 213 قرية وطرد 410.000 من سكانها (ارقام المؤلف اقل من الحقيقة خلال الكتاب كله كما هو متوقع، فهو يذكر 207 قرى و380.000 لاجئ فقط) ومضاعفة الارض التي سيطر عليها اليهود 3 مرات (من 1500 كيلو متر مربع الى 5000)، وبذلك اعلنت دولة “اسرائيل” على 13% من فلسطين.

لقد حسمت المعركة لصالح “اسرائيل” في هذا الوقت المبكر وطردت اكثر من نصف اللاجئين قبل دخول القوات العربية المنقذة. هل كانت “اسرائيل” تخاف على وجودها من قوة العرب الهائلة؟ كلا، يخبرنا المؤلف، انه حتى في مارس، بدأ اليهود في الاستيطان في القرى التي طرد اهلها. بدأوا اولا بحصد المحاصيل التي خلفها اللاجئون وراءهم ومنعوا من العودة اليها بقتل كل من يعود الى بيته، ثم حرقوا كل المحاصيل التي لم يتمكنوا في حصادها. قبل الحرب بكثير في بداية 1948، كانت اللجان الصهيونية قد وضعت خطة لاستيطان 1.5 مليون يهودي استعدادا لتدمير فلسطين واحلال اليهود محل الاهالي الفلسطينيين. ولتسهيل ذلك اعطى بن غوريون اوامره لاحتلال القرى في مجموعات وليس فرادى لكي تتكون "قطاعات محررة" يتم فيها الاستيطان على ارض الاملاك العامة واملاك اللاجئين المطرودين.

لقد كان بن غوريون واعيا لحساب التاريخ المكتوب، ويعلم تماما ان عملية التطهير العرقي وطرد السكان والمذابح وصمة في التاريخ الانساني، وليس اليهودي فقط. ويذكر المؤلف حوادث عديدة، لم يسجل فيها بن غوريون اوامر مكتوبة بل كان يجهر في السجلات بعكس ما ينوى، وكان يعطى الامر الحقيقي باشارة من يده او نظرة من عينيه او السكوت، ولم ينسب لنفسه عملا اجراميا (لعله كان يحسب حساب محاكم جرائم الحرب التي عقدت في نورمبرغ قبل سنتين). فكان يحيل عمليات الطرد واجلاء السكان وكافة عمليات التطهير العرقي في اوامر غير مباشرة الى ضباط الجيش، ويحيل عمليات الاستيلاء على الاراضي العربية واستيطانها الى لجان من الصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية "لعمل اللازم" باشارة من يده، اصدر امره الى رابين باجلاء اهالي اللد والرملة بعد احتلالهما. وهكذا خرجت قافلة انسانية من ستين الفا في عز الصيف اللاهب010، في رمضان / يوليو 1948 ومن يتوقف لشرب ماء يطلق عليه الرصاص، تساقط المتاع على جانبي الطريق ثم تساقط الاطفال ثم الشيوخ. هذه الجريمة البشعة بقيت ولا تزال محفورة في صدور الآلاف، وتركت اثرا لا يمحى في حياة الكثيرين منهم الشهيد خليل الوزير، والدكتور جورج حبش، والفنان اسماعيل شموط والروائي رجائي بصيلة، ولكنها لا تستحق سطرا واحدا في كتاب المؤلف.

في فبراير 1948، قبل شهرين من بداية الغزو “الاسرائيلي”، قال بن غوريون لقادة الصندوق القومي اليهودي الذي يستولي على الاراضي: "الحرب ستعطينا الارض. انسوا مقولة هذه لنا وهذه ليست لنا (ارض عربية). هذه كلها تعبيرات السلام. في الحرب تسقط هذه المعاني وفي النقب لن تشتري ارضا، سنحتلها، لا تنسوا اننا سنكون في حالة حرب" (ص 120). كان بن غوريون يخطط لحرب شاملة، ليست مقصورة على القوات العسكرية، ولا تفرق بين المحارب والاعزل، حرب تدور حول كل بيت وكل قطعة ارض ولك كيلو متر من الطريق كما يقول. كانت حربه عسكرية اقتصادية ومدنية، يقتل فيها الاطفال والنساء والشيوخ، وتسمم ابارها وترمى فيها جراثيم التيفود، ويقتلع اناس من ديارهم ويتشردون. لم يتردد في اقتراف أي عمل يؤدي الى تدمير المجتمع الفلسطيني تدميرا كاملا كشرط ضروري لانشاء دولة “اسرائيل” على انقاضه واستيطان المهاجرين في بيوت اللاجئين وعلى ارضهم.

لم يكن في هذا الواقع الدموي أي صفة من صفات تلك الاساطير والدعايات التي رددها الغرب نقلا عن اليهود، واشهرها داود الصغير المسالم المكافح بكل قواه الضئيلة ليبقى على قيد الحياة في بيته الصغير امام جحافل قوات جوليات العربية التي ستاتي لسحق هذا المخلوق. كان بن غوريون يمارس كل انواع التطهير العرقي في نفس الوقت ومن نفس المكتب الذي تصله فيه برقيات وتقارير مكاتب “اسرائيل” في الخارج عن الدعاية الصهيونية التي تشنها في الغرب. دون ان يهتز له جفن من هذه المفارقة.

 

يصف المؤلف في سرد تفصيلي يخلو من المبالغة والتعاطف في آن، كيف ان القوات اليهودية اجلت اهالي 60 قرية في الجليل الشرقي، قبل نهاية مايو، لتربط المستعمرات اليهودية بنهر الاردن وبحيرة طبرية، ولتكون جموع اللاجئين المطرودة سدا في وجه القوات السورية والعراقية التي ستتقدم نحو فلسطين.

وفي قرية صفصاف جمع اليهود الاهالي واختاروا 70 من شبابها صفوهم على حائط وقتلوهم بالرشاشات. وتكرر الامر في سعسع والصالحة غيرها. وعلى مرأى من اهالي صفد، دمر اليهود بيوت قرية عين الزيتون المجاورة وذبحوا اهلها، لتتحطم روحهم المعنوية. وعندما سقطت صفد في 9 مايو سقطت حولها قرى كثيرة وطرد اهلها، بمن فيهم هؤلاء الذين وقعوا معهم اتفاقية بالمسالمة (مثل قرى الجاعونة وقيطية والخصاص) وبدأوا على الفور بحصاد 15 الف دونم (الدونم 1000 متر مربع) من الاراضي العربية، وبدأ اليهود باستيطان القرى في 10 يونيو والحرب لا تزال قائمة.

وتكرر الامر بنفس الاسلوب وفي نفس الوقت ولنفس الغرض في القرى المحيطة بطبرية ومرج ابن عامر والجليل الغربي، وكلها مناطق ذات وجود يهودي في مستعمرات متفرقة غير مترابطة. والغرض كان ولا يزال توسيع الرقعة اليهودية طرد السكان العرب منها. كان الجنود “الاسرائيليون” يتقدمون وخلفهم بخطوات رجال الاستيطان الذين كانوا احيانا يوجهونهم نحو الاراضي المرغوبة. طلب بعضهم من الجيش تدمير قرية البطيمات لان ارضهم امتداد لارض يهودية وطلبوا تدمير قرية اندور لان اراضيهم مناسبة لتوسعهم. دمروا كل القرى بين ام خالد (نتانيا) وزمارين (زخرون يعقوب) لزيادة الاتساع الجغرافي، وارتكبوا عدة فظائع في ام زريق وقيسارية وزرنوفة، ولم يفرقوا بين من حاربهم ومن استسلم لهم حتى الذين كانت بينهم علاقات جيرة جيدة. عندما قيل انه ليس لليهود عهد، لم يكن هذا من فراغ، فهو امر يتكرر تجديده في كل آن.

وتبقى قصة قريتي طيرة حيفا والطنطورة مثلا في الوحشية “الاسرائيلية”. نجد المؤلف هنا نسي ذكر الاولى ويسرد وصفا مبتورا فاترا للثانية، بعد سقوط طيرة حيفا، اعتقل “الاسرائيليون” الشباب وقتلوهم في مجموعات بحيث تدفن المجموعة التالية من سبقها وتقتل بدورها، واخذوا الباقي الى معسكرات سخرة، وشحنوا النساء والشيخ في سيارات لرميهم على خطوط القوات العربية. وهناك، وكان الوقت مساء يوم رمضان، طلبوا ماء للشرب، فاجلسوهم على اكوام حصيد القمح الناشف، وصبوا عليهم بنزينا واحرقوهم، وبينما كان هؤلاء الضحايا يصرخون ويستغيثون ولا يدرون اين يتجهون في الظلام كان “الاسرائيليون” يضحكون. قتل 55 شخصا في هذه الفاجعة. اما الطنطورة فقد قاومت حتى الصباح، واخذ اليهود يجمعون النساء والاطفال ليشاهدوا جثث اهلهم، ثم اخذوا الشباب، وقتلوهم في مجموعات كل مجموعة من 40 شخصا، يقتلون وتدفنهم المجموعة الثانية بنفس الاسلوب الذي كرروه في كل المذابح حتى بلغ عدد الشهداء اكثر من 200. وقد تداولت الاخبار في بداية 1999 قصة مذبحة الطنطورة لان باحثا اسرائيليا "تيدي كاتس" كتب عنها مع ان محمد نمر الخطيب نشر في كتابه عام 1951 كامل التفاصيل ونقلها عن شاهد عيان كان احد الناجين من المذبحة. ولكن لم يهتم احد بالخبر الذي رواه عربي.

تعرض الجليل الى 25 مذبحة من اصل 35 مذبحة امكن تسجيلها. ذلك لان الجليل كان عربيا في اقتراح التقسيم وارضه خصبة وسكانه رفضوا النزوح. لا تكاد قرية تكون قد سلمت من مذبحة صغيرة او كبيرة، في سعسع وجش ومجد الكروم وعيلبون والبعنة ودير الاسد وغيرها كثير. وفي الجنوب حيث لا يوجد الا القليل من اليهود (نصف في المائة من السكان) متناثرين في اماكن متباعدة، قرر بن غوريون الاستيلاء على الجنوب باكمله، الذي دافع عنه المناضلون الى ان دخل الجيش المصري، فاحتل اليهود 12 قرية في الربيع قبل دخول القوات المصرية، و34 قرية في الصيف عدد سكانها 61.000 حسب المؤلف (والصحيح 150 قرية عدد سكانها 193.000). بهذا الاحتلال اضيفت الى مساحة “اسرائيل” 15 الف كيلو متر مربع، أي تسعة اضعاف الارض اليهودية، معظمها بعد توقيع اتفاقية الهدنة مع مصر.

واقترف “الاسرائيليون” مذابح في بئر السبع وبرير وغيرهما، لكن ابشع مذبحة في تاريخ فلسطين كانت في قرية الدوايمة. يقول مختار القرية ان عدد الضحايا وصل الى 500، قتلوا بالرصاص والحرق في المسجد، وقتل الاطفال بالضرب على رؤوسهم بالشواكيش.

كل هذا مسجل في صدور الناجين وفي الكتابات الفلسطينية، وظهر اخيرا في ملفات الامم المتحدة والصليب الاحمر (الاخيرة فتحت ملفاتها بعد 50 سنة). والان تظهر هذه القصص في كتب المؤرخين الجدد مثل بني موريس، ويذكر المؤلف بعض هذه الفظائع بالم واسف لكنه لا يرقى الى درجة الادانة او المطالبة بالجزاء كما يفعلون مع امثالهم من مجرمي الحرب الالمان.

ودائما تمارس “اسرائيل” مسرحية المظاهر الحضارية، ففي معظم الحالات، تتكون لجان تحقيق في هذه المجازر، ولا تجد ادلة كافية او تعاقب بعض المسؤولين بعقوبة تافهة. كتب العقيد هندرسون احد مراقبي الهدنة التابعين للامم في نوفمبر 1948: "ان هذه الفظائع كثيرة وليس لدينا الوقت والجهاز لمتابعتها". وقال انه عندما يطلب المراقبون استدعاء ضابط مسؤول عن مجزرة لا يعثر عليه “الاسرائيليون”.

وبالطبع يشارك بن غوريون في هذه المسرحية بادانة "الاعمال المشينة" ويرتل ابياتا من قصائد الشاعر المشهور ناثان الترمان الذي استنكر هذه المجازر. وهذا الاداء الرخيص لم يمنع ان كل هذه الجرائم كانت معروفة لكبار المسؤولين في الحكومة ولقاء الجيش بالطبع وحتى للشعب (ص 153). بل انها تمت باوامر منهم، كما بين موريس بعد مراجعته لكتابه الاول.

 

وتعرج الطريق بين الجبال

وبدا لي بهاء الجليل في اروع صورة

في ابتسامته القرمزية

وخضرته الناعمة

لم اره من قبل مثل ذلك

كان مفعما بالحياة

قطعان الماشية تصعد الجبال

وتهبط الوديان، اجراسها تدق

والرعاة خلفها

يغنون ويصيحون كشخوص

من الماضي السحيق

والان ساد صمت رهيب على هذه الجبال، تنبعث خيوطه من قرية خالية

قرية خالية! ما افظع هذا! حياة تجمدت

تحولت الى همسات في الريح

الى طابون انطفأت ناره

الى مرآة مكسورة

الى كومة من التين المجفف في الشمس

الى كلب نحيل يمشي وحيدا في الطرقات الخالية...

وفجأة انبعث من داخلي شعور عميق الجذور

الشعور بالنصر

الشعور بالسيطرة

الشعور بالانتقام

لقد رايت هذه البيوت الخالية خير مكان لاستقبال اخوتي

اليهود الذين تشردوا من جيل الى جيل.

 

هذه الكلمات الشاعرية التي تحولت فجأة الى شعور بالانتقام ونشوة النصر، كتبها يوسف فايتز في مذكراته بعد ان اخذ يجول في القرى المهجورة التي طرد اهلها بالسلاح في جنح الظلام. لقد تحول الشاعر الى جلاد، وهو الذي امتاز بين قادة الصهاينة بأنه اول واهم منفذ لعملية التطهير العرقي في اكبر عملية منظمة في اقرن العشرين. فايتز هو مسؤول الاراضي في الصندوق القومي اليهودي، وأول رئيس للجنة الترانسفير (الترحيل).

كانت اول مظاهر"النصر" تدافع اليهود الجنوني لنهب البيوت العربية، وهو الامر الذي كانوا يتكتمون عليه الا في كتاباتهم الاولى بالعبرية. يقول الكاتب المشهور موشي سملانسكي: "لقد اخذتهم حمى النهب: افرادا وجماعات، رجالا ونساء واطفالا، وانقضوا كالجوارح على الضحية، يحملون كل شيء: الابواب والشبابيك والملابس والبلاط.. الخ".

يقول المؤلف: دخلوا البيوت الجميلة وحملوا منها ما يستطيعون من اثاث ومتاع وادوات منزلية، وفكوا ما يمكن فكه حتى الانابيب والمضخات في بيارات (بساتين) البرتقال، وساقوا الماشية امامهم. على ان اكبر غنيمة لهم هي مدينتي اللد والرملة بعد اجلاء سكانها، حمل منها الجيش “الاسرائيلي” حمولة 1800 شاحنة، وانضم الى موكب الناهبين قائد الكتيبة الخامسة بكل قواته اذ حول مساره الى الرملة للمشاركة في النهب. وذهب بن غوريون نفسه ليرصد هذه الثروات كما جاء في مذكراته في 20 يوليو. وفي القدس وزعت عشرات البيوت الحجرية الميلة على قادة حزب الماباي وكبار قادة الجيش (يعلن اليوم عن بيع هذه البيوت في الصحف “الاسرائيلية”: "بيت عربي جميل" بملايين الدولارات). وكما ذكر سيجيف، جاء في تقرير اولي للحارس على املاك العدو: "سجلنا 45.000 بيت، و8000 محل تجاري و50 مصنعا، لكن معظم موظفي دائرتي هم من اللصوص الذين يسرقون هذه البيوت". وما لم يستطيعوا حمله، حطموه او احرقوه. كان هذا مصير مئات الدونمات من محصول القمح، وذلك لمنع اللاجئين من العودة وكجزء من الحرب الشاملة التي تحرم العدو من الغذاء.

حتى برتقال يافا المشهور عبر القرون لم يسلم من يد التدمير. بعد ان سرق اليهود الانابيب والمضخات، لم يعد بالامكان سقاية الشجر، خصوصا ان العمال العرب اصبحوا لاجئين، واليهود مشغولين بجمع الغنائم. وهكذا اهملت بساتين البرتقال العربية في يافا التي تبلغ مساحتها 150.000 دونم. وبعد ان استقرت الامور لم تستطع “اسرائيل” احياء اكثر من خمس هذه المساحة.

واشجار الزيتون التاريخية، رمز السلام وتاريخ فلسطين، مورد زيت الزيتون، عماد الغذاء والصحة، اجتثت على مساحات عشرات الآلاف من الدونمات (ص 165) في اكبر جريمة تاريخية بيئية، وزرع مكانها محاصيل يفضلها اليهود ويعرفون كيف يزرعونها. هذه هي الحقيقة وراء اسطورة "تحويل الصحراء الى جنة".

 

وعندما بدأ تدمير القرى قبل نهاية الانتداب كان على يد النهابين واللصوص، وغالبيتهم من سكان المستعمرات القريبة والجيران، اليهود في المدن الذين يعرفن مسبقا اين توجد الغنائم. ثم اصبح سياسة عسكرية بعد الانتداب. لكن بن غوريون تراجع عن الامر العلني خوفا من الشجب الدولي الذي يعتبر تدمير القرى من جرائم الحرب. فاصدر قرارا بمنع التدمير الا لاسباب عسكرية وامنية، وترك تفسير ذلك للجيش دون مراجعته. ونعرف بالطبع نهاية القصة.

كان تدمير القرى واحدا من ثلاث طرق استعملتها “اسرائيل” كوسيلة لمنع عودة اللاجئين، كأنما تدمير البيت يمنع صاحب البيت ان يبني بيتا جديدا على ارضه لو عاد. وكانت الطريقة الثانية سياسية. بعد خروج الانكليز وانتصار “اسرائيل” في الجولة الاولى على العرب وشعورها بالقوة، اصبح منع عودة اللاجئين هدفا سياسيا معلنا منذ يونيو 1948، اتخذته “اسرائيل” في مراسلاتها الدبلوماسية، خصوصا عندما رأى الوسيط الدولي برنادوت بنفسه هول مأساة اللاجئين واصر على عودتهم. اما الطريقة الثالثة التي اتبعتها “اسرائيل” فهي الاسراع باحضار مهاجرين يهود من البلاد العربية وتوطينهم في القرى العربية (والادعاء فيما بعد ان هذا استبدال شرعي للسكان).

يصف المؤلف هذا الاستيطان بصراحة غير معهودة. نقل هؤلاء المهاجرون من مخيم الوصول (فيما يسمى بالمعبرة) الى القرى العربية الخالية باعتبارها اقرب الى طريقة معيشتهم في البلاد العربية. لقد قرر القادة الاشكناز العنصريون ان هؤلاء المهاجرين من اليهود العرب يناسبهم هذا المكان فهم "متخلفون، ليس لديهم تعليم على الاطلاق، وليس لهم ادراك ذهني، ومن المؤكد انهم اقل مستوى حتى من العرب الذين طردناهم". بدأ موظفو الاستيطان بتدريبهم على الزراعة وكيف يحملون الفأس والمنجل وكيف يسقون النبات، واعطوهم منحة مالية ليتدبروا امورهم، وتركوهم في القرية العربية، جلس هؤلاء في حلقات "يلبسون معاطف ثقيلة ويتبادلون كلمات قليلة وتبدو عليهم مظاهر التعاسة". لم تكن لديهم ثقة في الاشكناز ولا في الآخرين. لم يناموا الليل. رأوا ما بقي من متاع اهل البيت العرب ومظاهر حياتهم السابقة، وتملكه الفزع خوفا من ان صاحب البيت سيهجم عليهم في منتصف الليل. قالوا لهم ان المتسللين (اصحاب البيت العائدين) قد يذبحونكم في الليل، وها نحن نذهب الى قراهم في الضفة (قبية) وفي غزة (البريج) ونذبحهم هناك قبل ان ياتوكم.

(الان بعد 50 سنة، انتقم اليهود الشرقيون (المزراحيم) من اسيادهم السابقين بان انتخبوا القصاب (الجزار) رئيسا لدولة “اسرائيل”).

لكن مصاعبهم لم تنته. اذ كان الاشكناز سكان المستعمرات اليهودية القديمة اول من نهب البيوت العربية واستولى على احسن الاراضي الزراعية حولهم، حتى قبل ان توزع الحكومة هذه الاراضي عليهم. والان يريد هؤلاء الاشكناز ان يعمل المهاجرون الشرقيون عمالا زراعيين لديهم، لانهم لا يصلحون لشيء آخر.

وعندما حاول المهاجرون الذين استوطنوا قرية عاقر بناء مساكن لهم بالطوب الاسمنتي على ارض مجاورة للقرية، هب المستوطنون في مستعمرة جفعات برينر معترضين على هذا التبذير في تلك الارض الزراعية الخصبة التي تصلح لهم فقط، وما هؤلاء المهاجرين الا عمال عندهم. وقام شبابهم بتكسير الطوب وبضرب المهاجرين.

وبالمقابل، لم يسمح للاهالي العرب الذين بقوا تحت حكم “اسرائيل” بالعودة الى بيوتهم نفسها، فصنع هؤلاء لانفسهم مأوى تحت الاشجار وبين الصخور على قرب من بيوتهم، يراقبونها من بعد. وكلما نقلوهم الى مكان، عادوا الى حدود القرية املا في العودة. وكما تملكت المهاجرين خيالات الرعب من عودة اصحاب البيت وهم فيه، تملكت هؤلاء الذين يراقبون بيوتهم من التلال المجاورة، خيالات من نوع آخر. تصوروا ان الشياطين والعفاريت ستسخط هؤلاء المهاجرين، وخيل لهم انهم يرون في ظلام الليل عيونا للشياطين تنتقل بين المنازل، وانهم يرون رأى العين ان اصحاب البيت سيعودون الى بيوتهم لا محالة بعد الخلاص من هذه الشياطين.

 

اما الارض الزراعية فقد استولت عليها المستعمرات القريبة منها، قبل ان تبدأ الحكومة في اقامة سلسلة مزيفة من القوانين التي تحلل ذلك. ضمت “اسرائيل” كل اراضي "الغائبين"، وهم السكان العرب الذين طردوا ولم يتواجدوا في قراهم في تاريخ معين والذين منعوا من العودة الى ديارهم فاصبحوا لاجئين. وامتدت التسمية الى الباقين في “اسرائيل” حتى لو تواجدوا يوم الاحصاء في قرية مجاورة او لو غابوا يوم الاحصاء ولو ليوم واحد. هؤلاء يسمونهم "الغائبين الحاضرين"، وصودرت اراضيهم ايضا رغم انهم يحملون الجنسية “الاسرائيلية”، وعددهم اليوم 250.000 أي خمس الفلسطينيين في “اسرائيل”.

ويتم الاستيلاء على الارض بطرق اخرى منها قانون الارض غير المفتلحة، الذي يقضي بالاستيلاء على أي ارض لم يفلحها صاحبها لمدة 3 سنوات. لكن كيف يفلحها صاحبها وهو مطرود منها وممنوع من العودة، ولو عاد لاعتبر متسللا تطلق عليه النار على الفور؟ ولو طمعت الحكومة في ارض وتواجد صاحبها فيها، اعلنتها منطقة "مقفلة" لاسباب عسكرية وامنية، وهذا معناه ان صاحبها ممنوع من دخولها. وبعد فترة تستولي عليها الدولة باعتبارها ارضا غير مفتلحة حسب القانون.

هذا النهب الصريح المبرر بسلسلة من القوانين المخادعة ادى الى مصادرة ما يزيد على 17.000.000 دونم ( 17 الف كيلو متر مربع) منها 4.5 مليون دونم في وسط وشمال فلسطين و12.5 ملين في اللواء الجنوبي. هذا عدا حوالي 1.5 مليون دونم هي ارض الفلسطينيين الباقين (صودر الان ثلثاها)، فيكون مجموع الارض الفلسطينية 92% من مساحة “اسرائيل”، تديرها الان "دائرة “اسرائيل” للاراضي" وتؤجرها لليهود، ويمنع تأجيرها او تطويرها او الاقامة فيها لاي شخص او جهة غير يهودية.

كان الكيبوتز عماد الفكر الصهيوني يمثل سكانه حتى اليوم نخبة المجتمع “الاسرائيلي” في الجيش والكنيست. لذلك خصصت لهم اجود الاراضي، وهم الذين يستغلون معظم الاراضي الفلسطينية. الا ان اسطورة اليهودي المزارع تبخرت، ورغم جودة الاراضي، وتخصيص ثلاثة ارباع المياه في “اسرائيل” لهم بسعر اقل من التكلفة، ورغم المعونات المالية واسقاط الديون المتراكمة عليهم، لم ينجحوا في انتاج اكثر من 1.8% من الناتج القومي. ولذلك عمدت “اسرائيل” الى بيع اراضي اللاجئين المؤجرة لهم لاقامة عمارات سكنية يشتريها أي يهودي في العالم. وقد اثارت الثورة المفاجئة التي هبطت عليهم حفيظة سكان المدن. وهذا البيع والتصرف بالاملاك الواقعة تحت الحراسة مخالف للقانون الدولي بالطبع، بجانب كونه علامة على الافلاس الايديولوجي للصهيونية.

 

اما المستوطنون فقد وجدوا انه من المريح لهم العيش في حالة من فقدان الذاكرة الجماعي بتجاهل وجود الضحية. وذلك بازالة الآثار المعنوية، وليس المادية فقط، لكل مظاهر الحياة التي عاشها ضحاياهم، لكي تكون عملية التطهير العرقي كاملة. لانه لو وجدت الضحية لوجد المجرم. لذلك اصبح أي تذكير بوجود الضحية من المحرمات. ووصلوا في ذلك الى درجة كبيرة من خداع النفس. مثلا، تملك عائلة الماضي الغنية في قرية اجزم قصرا بني في القرن السابع عشر، حوله المستوطنون الى متحف ثم اصبح مسكنا لعائلة يهودية هامة واصبحت المدرسة كنيسا يهوديا، والمقبرة متنزها عاما. ثم ادعى اليهود ان هذا القصر الفلسطيني هو بقايا قلعة صليبية، واسبغوا هذه الصفة وغيرها على معالم عمرانية اخرى، لانكار انه بالامكان ان يكون هذا المبنى الجميل عمارة فلسطينية طرد صاحبها منها. ويذكر المؤلف ان 40 مسجدا من اصل 140 (العدد الحقيقي حوالي 1500) بقيت دون هدم، لكنها تركت مهملة ومنع ترميمها. ولكنه لم يذكر ان بعضها تحول الى متحف مهمل مثل مسجد بئر السبع الذي رفضوا السماح للمسلمين بالصلاة فيه وتحول البعض الاخر الى مطعم وبار، او اسطبل للخيول مثل جامع الكوفخة.

والقرى العربية ذات الآثار التاريخية تم ترميمها وازالة الآثار العربية فيها واختراع تاريخ “اسرائيلي” مجيد لها، اذا كان ذلك مناسبا، والا فتطمس تلك الآثار وتدمر القرية. حدث هذا في قيسارية وكوكب الهوا. اما قرية عين حوض الجميلة فقد تحولت الى قرية للفنانين، مثلها مثل الحي القديم في يافا، واهل القرية الذين بقوا  في “اسرائيل” منعوا من الاقامة فيها، فانشأوا مساكن لهم قرب قريتهم يراقبونها عن بعد، واعتبرت مساكنهم قرية "غير معترف بها" أي لا تظهر على الخرائط ولا تصلها المياه والكهرباء وخدمات التعليم والصحة.

وفي حمى تدمير العمارة الفلسطينية وبناء علب خرسانية قبيحة لاستقبال المهاجرين على انقاضها، دمرت “اسرائيل” جزءا لا يعوض من تاريخ فلسطين. يقول الزوجان عالما الآثار دوثان، انهما اكتشفا بالصدفة تدمير تل مُرّة قرب اسدود، اثناء انشاء طريق نحو الميناء. وتل مرة هذا يحتوي على اثار لا نظير لها للبالشتيين (الفلسطينيين القدماء الذين استوطنوا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد). وحدث مثل هذا التدمير في كثير من المستوطنات، عند حفر الاساسات او حرث الحقول على عمق كبير. وكما يقول دوثان، لقد تحطمت كثير من الآثار وضاعت سجلات تاريخية للابد، الا ما تمكن اللصوص من اقتنائه، ومن اهمهم موشي ديان، الذي حصل لنفسه دون اذن او تسجيل، على مجموعات تكفي لمتحف صغير.

ولم يقتصر التدمير على قطع اثرية، بل ازيلت من الوجود 418 قرية عربية التي امكن معاينتها من اصل 531 قرية، دمر الثلثان منها تدميرا كاملا والثلث الباقي دمر بدرجة اقل وتعيش فيه بعض العائلات اليهودية. وبعض القرى التي ازيلت كانت منارة مضيئة في التاريخ الفلسطيني بتراثها العريق المتمثل في اسمائها القديمة مثل: عمواس ويالو وبيت نوبا واكارون وسيفورس واليثروبوليس وكريثتيس وشافير وبيت داجون وجمزو وجابيل وازتياه ونبلات وايتام وجبعة. هذا هو الوجه البربري للصهيونية!

"اختلاق التاريخ “الاسرائيلي” وتغييب التاريخ الفلسطيني" الذي وصفه كيث ويتلام في كتابه الشهير، لم يقتصر على التاريخ القديم. يصف المؤلف في فصل ممتع كيف تكونت لجنة من الخبراء اشرف عليها بن غوريون نفسه في مطلع انشاء الدولة لكي تزيل من الخرائط كافة الاسماء العربية والاسلامية وتخترع لها اسماء عبرية، لكي تعطي الاماكن المحتلة شهادة ميلاد شرعية، تنفي عنها صفة اللقطاء. كان هذا صعبا جدا لانه حتى الاسماء المذكورة في التوراة كنعانية نقلت اليها كما كانت معروفة في ذلك الحين. استمرت اللجنة في عملها حوالي 8 سنوات ( ولا زالت موجودة لتسميات جديدة) لتطمس الاسماء التي وجدتها في خرائط فلسطين البريطانية. ومع ذلك، كانت حصيلة عملها ان اختارت 333 اسما (من اصل 533) اما محرفة من العربية او وضعت لها اسماء عبرية مشابهة صوتيا للاسماء العربية ـ كل هذا النحت والتزويق والتزوير لاعطاء صبغة عبرية لارض لم تكن، لا في زمان او مكان لهما شان في تاريخ فلسطين الطويل، ارضا عبرية. ووصل الامر الى حد مضحك، فتحول وادي ردادى الى ناحال روديد، وابوجرال الى جورال، وابو روثة الى روث، وبيت دجن الى بيت داجون، وفرادية الى فارود، ودلاته الى دالتون، وزرعين الى يزرائيل، وكسلا الى كسالون ويبنه الى يافنه. كان هذا جهدا يائسا لطمس تاريخ عريق امتد 4 آلاف عام، وكان جهدا كبيرا ايضا لانه عندما بدأت اللجنة عملها في ازالة وتغيير الاسماء كما ظهرت في الجريدة الرسمية لحكومة الانتداب لم يكن اكثر من 5% من الاسماء عبريا، والباقي عربيا، رغم الاستيطان اليهودي لمدة 30 عاما تحت المظلة البريطانية.

 

يصف الكتاب، عن غير قصد طبعا، الحوادث التي تبين دون شك لان تدمير فلسطين بناسها وعمرانها وتاريخها كان شرطا اساسيا في الخطة الصهيونية لانشاء دولة “اسرائيل” فاجلاء الاهالي عن ديارهم، في اكبر عملية تطهير عرقي منظمة في التاريخ الحديث، كان خطة سارية وان كانت غير معلنة قبل نهاية الانتداب البريطاني، نفذتها العصابات الصهيونية التي اصبحت تسمى فيما بعد جيش "الدفاع" “الاسرائيلي”. كانت هذه اول مرحلة، وبعدها بدأت الثانية في 8 يونيو، عندما قررت الحكومة المؤقتة لـ”اسرائيل” ان تتخذ قرارا سياسيا بمنع عودة اللاجئين، ابلغت به الدول الاجنبية والامم المتحدة، بحجة ان العائدين الى ديارهم سيكونوا طابورا خامسا يهدد سلامة “اسرائيل”، والمرحلة الثالثة عندما اسرعت "بتطفيش" اليهود من العراق والمغرب واليمن، ليسكنوا في القرى الفلسطينية ـ رغم ان هؤلاء لاقوا من سوء المعاملة ما لو عرفوه لم يهاجروا من ديارهم ابدا.

كان بن غوريون يعلم حق العلم ان السلام ضار بـ “اسرائيل”، فهو يريد تأمين غنائم الحرب، ولو وافق على السلام لخسر الارض وعاد اللاجئون (ص 151). لذلك افشل جميع محاولات الصلح في لوزان (1949 ـ 1951) وخطط لحرب العدوان الثلاثي عام، 1956 ليحول خطة الهدنة الى حدود دائمة مقبولة.

اذن لولا اجلاء الفلسطينيين وتدمير قراهم واحلال مهاجرين يهود مكانهم لبقي اهالي 531 مدينة وقرية في ديارهم وهم الان لاجئون عددهم الان خمسة ملايين، ولبقي 92% من “اسرائيل” (لو قامت) ارضا فلسطينية، ولبقي الفلسطينيون ثلثي السكان واليهود الثلث. وهؤلاء اليهود معظمهم مهاجرون، شرعيون غير شرعيين دخلوا البلاد خلال عهد الانتداب، ووجدوا امامهم نسل 56 الف يهودي فقط كانوا في فلسطين عندما دنس اللنبي ارض فلسطين بجيشه ودنس بلفور تاريخ فلسطين بوعده.

واذ نكتب هذا اليوم، ونرى على شاشة التلفزيون جريمة اغتيال الطفل محمد جمال الدرة اذ يحتمي بوالده من الوحشية الصهيونية، ندرك ان حرب فلسطين لم تنته بعد، وان الصهيونية لا تزال ماضية في مشروعها لتدمير ما تبقى من فلسطين بشرا وعمرانا وتاريخا وجغرافية. لكن الانتفاضة الفلسطينية، التي وجدت صداها في الهبة العربية والاسلامية والعالمية في صورة لم يتصورها احد، اثبتت ان هذا الشعب حي لن يموت، وان حقه في وطنه لن يضيع، وان عودته الى "المكان المقدس" لا ريب فيها مهما طال الزمن، وبازالة رجس المحتل يعود المكان مقدسا فعلا.