"اسرائيل" تسرق 50 الف متر مكعب من مياه لبنان سنويا

 

الاتحاد الاماراتية 12/1999


ـ منذ انطلقت المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي في واشنطن بعد توقف دام اربع سنوات ، والجانب اللبناني يعد العدة للانضمام الى هذه المفاوضات في الجولة الثالثة .

فالديبلوماسية اللبنانية استنفرت كل عناصرها واعدت الملفات للدخول الى "حلبة" التفاوض ، وكلها ملفات ضخمة متكدسة في وثائق واوراق عمر بعضها ربما نصف قرن من الزمن واكثر ، وان كانت المصادر الحكومية المعنية بملف المفاوضات اوضحت انها لن تتجاوز السبعة ملفات ، فان المصادر المراقبة ترى ان اهم هذه الملفات هو ملف المياه الذي سيفتح على مصراعيه ويمكن ان يشكل نقطة تجاذب ساخنة في المفاوضات .

فملف المياه مطروح اسرائيليا منذ ما قبل قيام " الدولة العبرية " وتحديدا كما تضمنه مشروع مؤسس دولة "اسرائيل" حاييم هرتزوغ في العام 1913، في المؤتمر اليهودي العالمي ، وفيه تأكيد على اطماع "اسرائيل" بمياه المنطقة العربية ، ولاسيما مياه لبنان وسورية والاردن وصولا الى دجلة والفرات والنيل ايضا .

وحتى الامس القريب كان لبنان يعتبر ان موضوع المياه خارج اطار اي تسوية ، الى ان تبلغ تقارير تفيد بان "اسرائيل" عملت على سرقة كميات كبيرة من المياه اللبنانية ، وجرتها بواسطة انابيب الى داخل المستوطنات الشمالية في الجليل الاعلى ، غير ان "اسرائيل" نفت ذلك ولبنان بالتالي لا يملك اي اثباتات على سرقة المياه من نهري الحاصباني والوزاني ، لانهما يمران عبر الاراضي الاردنية وينطبق عليهما القانون الدولي بالنسبة الى تقاسم المياه الدولية .

وفيما تبرر "اسرائيل" الاستيلاء على المياه العربية بانها مياه مهدورة ، وهي بحاجة ماسة اليها ، يقول لبنان بان الدولة العبرية حفرت ابارا ارتوازية في سهل الخيام ، وعملت على جر مياهها سرا الى داخل الاراضي الاسرائيلية الشمالية بواسطة شبكة انابيب وتستخدمها في الري ، وكمياه للشفة في المستوطنات وتقدر كمية المياه المسروقة بحوالي 50 الف متر مكعب في السنة .

 

ـــ مشكلة المياه من الجذور :

يقول الباحث الفلسطيني سلمان ابوسته في احدى دراساته عن المياه ، انه يوم كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وسورية تحت الانتداب الفرنسي نجحت السيطرة الصهيونية على الحكومة البريطانية في الاستحواذ على اكبر قدر من مصادر المياه في المنطقة ، وبعد حوالي السنة او اكثر تم توقيع اتفاق الحدود بين ممثلي فرنسا وبريطانيا في 23 يوليو 1923 لكن هذا التخطيط القسري من دون استشارة اهالي المنطقة ، ادى الى مشاكل كثيرة ، فقد شطر الاتفاق اراضي 22 قرية في قضاء صفد فاصبحت الارض في جانب والقرى في جانب آخر ، وتم فصل الناس من دون مبرر على طرفي الخط ، مثلما حدث لقرى علما الشعب ورامية وعديسة والمطلة في جنوب لبنان .

وهذا الواقع الذي اوجده الانتداب ادى الى توقيع اتفاق جديد بين فلسطين وسورية ولبنان في 2 فبراير 1926 ، حمل توقعي المندوب السامي في فلسطين والمندوبين الساميين في سوريا ولبنان ، يقضي بحماية حقوق السكان على جانبي الحدود ، في استخدام مياه الانهار والبحيرات للري والشرب والملاحة والصيد ، وعبور الحدود من دون جوازات، ونقل محاصيلهم من دون جمارك ، بصرف النظر عما اذا كانوا تابعين لهذه الدولة او تلك ، وفي حال الخلاف يلجأ الطرفان الى لجنة خاصة من الحكومات الثلاث ، ويحال اي نزاع الى محكمة العدل الدولية .

وظل الاتفاق ساري المفعول حتى 20 يوليو 1949 اذ رسم خط حدودي جديد هـــو " خط الهدنة" ومن خلاله بقيت سوريا على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا ، وحول بحيرة الحولة في الاراضي الفلسطينية ، في الوقت الذي اصرت الدولة العبرية على انسحاب سوريا الكامل باعتبار ان المنطقة جزء من الدولة الجديدة بموجب قرار التقسيم .

وكانت "اسرائيل" بدأت تجفيف مياه بحيرة الحولة مطلع العام 1951 ، وحولت مياهها الى مشروع القناة القطرية التي تنقل المياه الى النقب ، وارسلت الحفارات الى شرق النهر ، فاصدر مجلس الامن قرارا بوقف اعمال تحويل المياه ، ثم بدأت مفاوضات على المياه في العام 1953 لتوزيعها بالتساوي بين دول المنطقة ، لكن "اسرائيل" بدأت في الوقت نفسه بمشروع آخر شمال غربي بحيرة طبريا لنقل المياه الى النقب ، وفي اعقاب حرب العام 1967 تمكنت "اسرائيل" من بسط سيطرتها على المياه العربية في الجولان ونهر الاردن ، وجنوب لبنان ، وطالبت بحصة في مياه نهر الليطاني ، غير ان لبنان رفض بقوة مطلبها ، وانشأ بحيرة على هذا النهر تعرف باسم بحيرة القرعون في البقاع الاوسط .

وخطط فريق لبناني لاستغلال مياه جميع الانهار اللبنانية من خلال اقامة مشاريع ري واستصلاح الاراضي ، برئاسة المهندس ابراهيم عبدالعال الذي عرف المشروع باسمه ، وهو الذي خطط ونفذ الجزء المهم من " سد القرعون" حيث اقيمت البحيرة ، وعندما شعرت "اسرائيل" بان هذا الرجل اي عبد العال يمكن ان يحرمها من امكانية استغلال مياه لبنان ، ليس الليطاني بحسب انما الزهراني والوزاني الحاصباني ، خططت وعملت على اغتياله ، وهناك اتهامات صريحة وواضحة تشير الى مسؤولية " الموساد" الاسرائيلي في اغتيال المهندس عبدالعال عندما كان في باريس .

ووفق تقارير غير رسمية ضمها لبنان الى ملف المياه ، هناك  اتهامات ضد "اسرائيل" تفيد بان الدولة العبرية عملت في نقاط معينة يمر فيها نهر الليطاني لاسيما الى الجنوب من قلعة الشقيف ، على اقامة مضخات عملاقة تعمل على سحب مياه النهر الى انابيب اقيمت تحت الا رض بطريقة سرية ، وتصب هذه المياه في المستوطنات الشمالية الاسرائيلية ، وقد اقيمت هذه المضخات في مناطق يمنع التجول فيها او الوصول اليها من قبل اي مواطن او مراقب دولي .

يذكر ان الحكومة الاسرائيلية كانت ضمنت كتابها العام 1996 حول مستقبل التعاون في الشرق الاوسط 49 مشروعا يتعلق بالمياه ، وكيفية استغلال مصادرها وابرز ما ورد في هذه المشروعات :

انشاء محطة تزلج في جبل الشيخ (حرمون) ، انشاء بحيرات ومصحات وموتيلات في منطقة الحدود الجبلية ، تنظيم رحلات سياحية تبدأ من القدس في اتجاه الناصرة ومن ثم بحيرة طبريا فقيصرية فيلبس فجبل حرمون ومن ثم صور وصيدا وبعدها تتم العودة الى القدس . ويذكر تقرير معهد الدراسات الاسرائيلية (جافي) ان حدود " "اسرائيل"" مع لبنان تختلف اليوم عما كانت عليه يوم وضعت بالتعاون بين بريطانيا وفرنسا ، واوضح التقرير بان " "اسرائيل"" تحاول بالقضم التدريجي تعديل حدودها مع لبنان ، او اعادة رسمها على الاقل وفق حاجاتها المائية .

ولكل هذه المحاذير سيحاول لبنان من خلال طرح موقفه المتشدد ازاء ملف المياه ان يثبت انه بحاجة ماسة الى مياهه وليست هناك اي موارد مياه فائضة تذهب هدرا خلافا لما تزعم الدولة العبرية لذلك قد يكون ملف المياه من اصعب الملفات التي ستطرح على طاولة المفاوضات ، وهي قد تشكل اكثر من حرب مستقبلية ، لاسيما وان المناخ الطبيعي يؤشر الى تحول مخيف في الطبيعة التي بدأت تتحول شيئا فشيئا الى التصحر ، ولذلك فان المياه هي مصدر رئيسي ومهم للاستمرار في الحياة .