مخططات "التنظيم" ''الإسرائيلية'':
الأداة الكامنة لدمج الأراضي الفلسطينية المحتلة في "إسرائيل"
علي الجرباوي
(أستاذ العلوم السياسية المشارك - جامعة بير زيت)
رامي عبد الهادي
(مدير مركز الهندسة والتخطيط - رام الله)
دراسات فلسطينية، العدد: 2، 1990
المقدمة
عندما وقعت الحرب، في أعقاب قرار التقسيم سنة 1947، إستطاعت الحركة الصهيونية إقامة دولة ''إسرائيل'' بالإستيلاء على ما يقارب 80 % من مساحة فلسطين، وطرد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من مواطنهم. وفي الفترة بين سنة 1948 وسنة 1967، عملت الحركـة الصهيونيـة على تدعيم بنيان الدولة الوليدة، وتوطيد بنيتها اليهودية، وتهيئتها للقيام بحملة توسعية مستقبلية. وكان ضمن الأهداف الصهيونية في تلك الحقبة، خنق ما تبقّى من وجود فلسطيني داخل ''إسرائيل''، فتم استصدار ما يلزم من قوانين عنصرية ضد الأقلية الفلسطينية من جهة، وتوظيف المؤسسات الحكومية لتنفيذ سياسة مبرمجة ضدها (1) . وكانت سياسة التخطيط ''الإسرائيلية'' إحدى أهم الوسائل التي استُخدمت لا لحصر نمو التجمعات السكانية الفلسطينية داخل ''إسرائيل'' فحسب، وإنما لتفتيتها أيضاً. (2)
وأتاحت حرب 1967 للحركة الصهيونية الفرصة لتنفيذ جزء آخر من مخططها الأصلي، فكان أن احتلت بقية فلسطين، إضافة الى الجولان وسيناء، وحاولت طرد ما أمكن من المواطنين العرب من هذه المناطق واستيعابها ''إسرائيلياً''. لكن، بما أن الكثافة السكانية الفلسطينية في الضفة والقطاع بقيت مرتفعة بعد استنفاد جميع محاولات الطرد الجماعي للفلسطينيين منها، فإن ''إسرائيل'' لم تتمكن من ضم هذه المناطق رسمياً إليها (باستثناء منطقة القدس)، لأن ذلك كان سينسف مبـدأ "النقاء العِرقي" الذي تعمل الحركة الصهيونية جاهدة لتحقيقه. وبما أن الحركة الصهيونية لم تكن أيضاً على استعداد للتخلي عن المناطق التي احتلتها سنة 1967، وتقع ضمن مخططها الأصلي للدولة اليهودية، فقد كـان عليهـا اللجوء الى العمل بوسائل أخرى لتحقيق استيعاب الضفة والقطاع ''إسرائيليـاً''. وانطلقـت الحركة الصهيونية، هذه المرة أيضاً، من سياسة فرض الأمر الواقع التي تضمن ضم الأرض فعلياً الى ''إسرائيل''، وتحويل أهلها الفلسطينيين الى مجرد سكان من دون أدنى حقوق المواطنة التي منحـت كاملـة، طبعاً، للمستوطنين اليهود (3) (تم ضم الجولان رسمياً الى ''إسرائيل'' لمحدودية سكانه العرب). ولتحقيق سياسة فرض الأمر الواقع، شجعت الحكومات ''الإسرائيلية'' المتعاقبة وموّلت، الى جانب جهات يهودية رسمية وغير رسمية، الإستيطان اليهودي للضفة والقطاع. وانبرى العديد من الهيئات والأشخاص لتقديم مشاريع خطط إستيطانية لتهويد هذه المناطق المحتلة. (4)
وكان لا بد، لإحكام طوق سياسة فرض الأمر الواقع، من أن تقوم السلطة ''الإسرائيلية'' المحتلة، كما فعلت سابقاً مع الفلسطينيين داخل ''إسرائيل'' في الفترة الواقعة بين سنـة 1948 وسنة 1967، باتّباع سياسة خنق منهجية للفلسطينيين في الضفة والقطاع، وذلك بقصد التضييق والتعجيز للتسريع في عملية التفريغ النازف للأراضي المحتلة من أهلها. وضمن هذه السياسة، قامت ''إسرائيل'' بإصدار أوامر عسكرية عديدة ومتنوعة مكّنتها من إحكام سيطرتها على جوانب عديدة من حياة الفلسطينيـين فـي المناطق المحتلة من جهة، وفرض استيلائها على مساحات شاسعة من أراضيها من جهة أخرى (5) . ولضمان استكمال عملية الخنق المنهجي للفلسطينيين في ظل الإحتلال، إعتمدت السلطة المحتلة على تنفيذ سياسة تخطيط وتنظيم مُحكمة لتجريدهم من المزيد من الأراضي، وتحديد استخدامهم للفضلة المتبقية منها بين أيديهم.
يهدف هذا البحث الى وصف السياسات التخطيطية وإجـراءات وممارسـات سلطـة التنظيم ''الإسرائيلية'' في الضفة الفلسطينية منذ احتلالها سنة 1967، وتقويم دور هذه السلطة فـي عملية استعمار الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهويدها.
في الجزء الأول من البحث، نتطرق الى الجوانب القانونية لعملية التخطيط بما في ذلك إلقاء الضوء على التغييرات والتعديلات التي أدخلتها السلطة المحتلة بواسطة أوامرها العسكريـة على القوانين والإجراءات التي كانت سارية وقت الإحتلال.
أما الجزء الثاني، فيصف خطط التنظيم الإقليمية في الضفة الفلسطينية المحتلة، ويسعـى لتحليل أهدافها وعلاقتها بسياسة الإستيطان اليهودي، ويوضح طرائق ووسائل تنفيذها.
وفي الجزء الثالث، يتم التعرض لتأثيرات فترة الإنتفاضة في عملية تنفيذ سياسات ومخططات التنظيم ''الإسرائيلي'' المختلفة، مع إيراد مثال لتوضيح الآثار والإنعكاسات السلبية على فلسطينيي الضفة المحتلة من جراء هذا التنفيذ.
سياسة التخطيط "الإسرائيلية" والتلاعب بقانون التنظيم:
هدفت السياسة ''الإسرائيلية'' في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بصورة أساسية، الى إحكام السيطرة على الأرض واستيعابها ''إسرائيلياً'' من ناحية، وتطويق الفلسطينيين وحصر نموّهم وخنق سبل التنمية أمامهم للتسريع في عملية تهجيرهم من البلدة من ناحية أخرى. وانطلاقاً من هـذه السياسـة، قامـت الحكومات ''الإسرائيلية'' المتعاقبة بتوظيف مختلف الوسائل منذ بداية الإحتلال لوضع اليد مباشرة على أكبر رقعة ممكنة من أراضي الضفة والقطاع المحتلين. أما بقية الأراضي التي لم يتم التمكن من اغتصابها المباشر حتى الآن، فأُخضعت لتقييدات منهجية وفقاً لسياسة تخطيط مبرمجـة تنفذهـا سلطـة التنظيم ''الإسرائيلية''، وتهدف الى الحد قدر المستطاع من إمكانات تطوير هذه الأراضي فلسطينيـاً، وتكبيل قدرة الفلسطينيين على التطور عليها. (6)
تشكّل "إعتبارات الأمن" أهم وسيلة للإغتصاب المباشر للأراضي الفلسطينية من أصحابها، إذ تتم مصادرتها وإغلاقها على اعتبار أنها "مناطق عسكرية". أما وسائل الإستيلاء الأخرى، فتتضمن اعتبار الأرض ضمن "ملكية الدولة"، أو تصنيفها أرض "بور متروكة"، أو مصادرتها بحجة "المنفعـة العامة". وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للإستيلاء، كانت الأراضي الفلسطينية المصادرة غالباً ما تؤول، في نهاية المطاف، مواقع لبناء المستعمرات ''الإسرائيلية''. ويجدر التنويه، في هذا السياق، بأن نسبة الأراضي التي تم الإستيلاء عليها بعملية "الشراء" ما زالت محدودة جداً قياساً بالحجم الإجمالي للأراضي المصادرة، مع العلم بأن انتقال الملكية بالشراء تم في معظمه بواسطة صفقات مريبـة، كـان أساسهـا المراوغة والتزويرات. وفي أية حال، أدت وسائل الإغتصاب المباشر المختلفة الى إحكام السيطرة ''الإسرائيلية'' على أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية وثلث مساحة قطاع غزة بحلول مطلع سنة 1987. (7)
أما بالنسبة الى الأراضي المتبقية، والتي لم يتم اغتصابها المباشر بعد، فقد شكّل إحداث تغييرات في البنية القانونية التي تحكم عملية تنظيم استعمالات الأراضي، وتصديق المخططات الهيكلية للمدن والقرى الفلسطينية، وإصدار تراخيص البناء، المدخل الأساسي لخنق إمكانات النمو الفلسطيني. وكانت الوسيلة "القانونية" الملائمة لفتح هذا المدخل، إصدار أوامر عسكرية ملائمة، واستغلال الفجوات التطبيقية التي كانت قائمة بين القانون والممارسة في الأراضي المحتلة قبل وقوع الإحتلال، لتنفيذ سياسات عملية تحقق لـ''إسرائيل'' الهدف الإستراتيجي المنشود.
لم تتميز الضفة الغربية قبل وقوع الإحتلال ''الإسرائيلي'' بنشاط تخطيط وتنظيم عصري وعلمي مبرمج، فعلى الرغم من تطور البنية القانونية لعملية التخطيط والتنظيم من قانون تنظيم المدن الفلسطيني رقم 28 لعام 1936، والصادر عن السلطة البريطانية الإنتدابية، الى القانون الأردني لتنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 31 لعام 1955، ثم الى القانون الأردني لتنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 79 لعام 1966، فإن الوضع الحقيقي على أرض الواقع كان لا يزال ينبع، في جلّه، من أنظمـة القانـون البريطاني الإنتدابي وأحكامه وتعليماته.
قُسّمت فلسطين، بمقتضى قانون التنظيم البريطاني الإنتدابي، الى ستة ألوية. وبموجبه قـام "هنـري كاندل"، المستشار البريطاني في شؤون التنظيم، بإعداد مخططات إقليمية، تضمنت تحديد أنظمة البناء في مناطق الأراضي المختلفة. وقد وُضعت هذه المخططات موضع التنفيذ بعد المصادقة عليها تباعاً بين سنة 1942 وسنة 1945. (8)
لم يتم إعداد مخططات إقليمية جديدة تنسخ المخططات الإنتدابية في منطقة الضفة الغربية (للواءي القدس ونابلس) خلال فترة الحكم الأردني، حتى بعد أن صدر قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 31 لعام 1955. أما بالنسبة الى المخططات الهيكلية للمدن، فقد استمر في إعدادها حتى سنة 1967 وفقاً لأحكام القانونين الأردني والبريطاني معاً، إذ بقيت مجموعة أنظمة وتعليمات إنتدابية سارية المفعول بعد صدور قانون التنظيم الأردني لعام 1955. ويجب ملاحظة أن المخططات الهيكلية التي تم إعدادها لعدد من مدن الضفة الغربية، في أثناء فترة الحكم الأردني، لم تكن ناجمة عن تخطيط عصري يأخذ فـي الحسبان التطورات الديموغرافية والإجتماعية والإقتصادية المستقبلية للسكان (9) . بل على العكس، كانت هذه المخططات تقليدية ومحدودة في توجهاتها التخطيطية المستقبلية، الأمر الذي لم يفسح المجال أمام المدن لتوسيع حدودها بما يضمن تخصيص مساحات ملائمة لتوقعات نموّها المستقبلي. أما بالنسبة الـى قرى الضفة الغربية، فلم يتم إعداد مخططات هيكلية حتى سنة 1967، سوى لقرية واحدة كانت تعدّ العدة لاستيفاء متطلبات الإنتقال الى مكانة مدينة، وهي قرية الطيبة في لواء "رام الله".
بناءاً على ما تقدّم، كان البناء يتم في مدن الضفة الغربية خلال الحقبة الأردنية بموجب التراخيص الممنوحة من قِبل لجان التنظيم المحلية (المجالس البلدية) داخل الحدود التنظيمية المرسومة في المخططات الهيكلية، أو ضمن حدود البلدية لتلك المدن التي افتقرت الى مخطط هيكلي مصدّق. وفي القرى، كانت تراخيص البناء تُمنح بموجب المخططات الإقليمية المصدّقة في فترة الإنتداب، والـتي كانـت الحدود التنظيمية للقرى فيها لا تزيد، في الغالب، على جذر القرية. أما التوسع العمراني خارج الحدود التنظيمية للمدن والقرى، خلال الحقبة الأردنية، فكان يتم إما عن طريق تساهل دوائر التنظيم الأردنية في شروط منح تراخيص البناء على الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن والقرى، وإما عن طريـق البنـاء من دون الحصول على تراخيص مسبّقة، إعتماداً أيضاً على تساهل السلطات الأردنية تجاه مسألة البناء غير المرخص. فقد كانت السلطات حينئذ تعي غياب مخططات التنظيم الإقليمية والهيكلية التي تتجاوب مع الحاجة الحقيقية الى نمو السكان وتطور أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية، ولم تكن تحمّلهم تبعية هذا الغياب السلبية.
وهكذا، عندما وقع الإحتلال ''الإسرائيلي'' للأراضي العربية سنة 1967، كانت الضفة الغربية "مكشوفة" من ناحية تنظيم المدن والقرى والأبنية، إذ لم يؤد إصدار قانون التنظيم الأردني الجديد رقم 79 لعام 1966 الى إحداث تغييرات جوهرية في الوضع القائم سابقاً. وكان في قدرة ''إسرائيـل'' أن تبدأ فوراً بتعديل القانون لخدمة أغراضها، واستغلال الثغرات وكوامن الضعف فـي نواحي التنظيم التطبيقية الموجودة، مداخل للتضييق على الفلسطينيين وحصر وجودهم.
تضمّن قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية الأردني رقم 79 لعام 1966، وهـو القانـون الذي تفترض الأحكام الدولية وقواعد القانون الدولي المتضمنة باتفاقية "لاهاي" لعام 1907 ومعاهدة جنيف لعام 1949، الإستمرار في تطبيقه في الضفة الغربية بعد احتلالها، تقسيم مسؤولية التخطيط العام في المنطقة وفقاً لمستويات تنظيم مراتبية، محلية ولوائية ومركزية، وتحديد تشكيلة وصلاحيات لجان ودوائر التنظيم في كل من هذه المستويات، وتوضيح علاقة بعضها ببعض (10) . واحتوى القانون أحكاماً تضمن مشاركة مندوبي هيئات ومؤسسات متعددة في عمل لجان التنظيم على مختلف مستوياتها (11) . كما حدد الأسس التي يجب اتباعها في إعداد مخططات التنظيم الهيكلية والتفصيلية على المستويين الإقليمي والمحلي، والشروط والإجراءات اللازمة لمنح رخص البناء في مناطق التنظيم المختلفة. ويلاحظ المراجع لبنود هذا القانون وأحكامه، أنه يعطي صلاحيات واسعة للجان التنظيم المحلية في البلديـات والمجالـس القروية لإصدار رخص البناء داخل حدود التنظيم المحلي. (12)
ومن أجل إضفاء "الشرعية القانونية" على تنفيذ المخططات التهويدية في الضفة المحتلة، قامت السلطة ''الإسرائيلية'' المحتلة سنة 1971 بـ"تعديل" نسف بصورة فعلية قانون التنظيم الأردني رقم 79 لعام 1966. ففي الثالث والعشرين من آذار/ مارس 1971، أصدر القائد ''الإسرائيلي'' لمنطقة الضفة الغربية الأمر العسكري رقم 418 ليصبح الركيزة "القانونية" لعملية التنظيم الشاملة في المنطقة. وبموجب هذا الأمر، تم تخويل المسؤول المعيّن من قِبل القائد العسكري للضفة الغربية، جميع الصلاحيات المخوّلة للوزير الذي يترأس كامل جهاز التنظيم وفقاً للقانون الأردني آنف الذكر. وبمقتضى التخويل أصبح "المسؤول" ''الإسرائيلي'' يتمتع بصلاحيات واسعة، تشمل متابعة تنظيم استعمال جميع الأراضي بما يكفل تحقيق "المصلحة العامة"، ومراقبة لجان التنظيم المختلفة، والإشراف على عملها، وإعلان مناطق تنظيم وتوسيعها وإلغائها بتوصية من مجلس التنظيم الأعلى. (13)
كذلك، منح القائد ''الإسرائيلي'' نفسه في الأمر العسكري رقم 418 صلاحية تعيين مجلس التنظيم الأعلى، وهو أعلى سلطة تنظيم وفقاً للقانون الأردني. وبينما يتشكّل المجلس، بمقتضى قانـون التنظيم الأردني رقم 79 لعام 1966، من الوزير (رئيس مجلس الوزراء لشؤون أمانة العاصمة، ووزير الشؤون البلدية والقروية لباقي مناطق المملكة) رئيساً، وعضوية ثمانية أعضاء يمثّلون هيئات ومؤسسات مختلفة (14) ، فإن المجلس في ظل السلطة المحتلة أصبح يتشكّل من ضباط عسكريين ''إسرائيليين'' فقط، وقد فتح هذا التشكيل، بما ينطوي عليه من انضباطية العسكر، المجال أمام "المسؤول" الذي يتولى رئاسة المجلس للسيطرة الشاملة على جهاز التنظيم بأسره (15) ، فصلاحية هذا المجلس كما حددها القانون الأردني شاملة، وتتضمن إعلان مناطق تنظيم المدن، وإقرار مخططات التنظيم الإقليمية والهيكلية، وإصدار أوامر تعديل أو إلغاء تراخيص البناء وتعمير الأراضي، والنظر في الإستئنافات المقدمة ضد قرارات لجان الألوية. (16)
وبالإضافة الى تغيير تركيبة مجلس التنظيم الأعلى، فإن الأمر العسكري رقم 418، والتعديلات التي أُدخلت عليه بأوامر عسكرية لاحقة، وسّعت من صلاحيات المجلـس (17) . فقـد أصبـح ضمن صلاحياته تعديل أو تعطيل كل تصميم أو رخصة للفترة التي يجدها ملائمة، وتقلّد أية صلاحية، وإصدار أية رخصة مخوّلة بإصدارها لجنة من لجان التنظيم اللوائية أو المحلية، وإعفاء أي شخـص مـن واجب الحصول على رخصة يتطلبها القانون (18) . وكان مما زاد في سيطرة المجلس الفعلية على عملية التنظيم، تشديد الأمر العسكري رقم 418 على ضرورة اتباع المركزية في عمل جهاز التنظيم. وبمقتضى هذا التوجه، تم توسيع صلاحيات دائرة التنظيم المركزية التي تمثّل الذراع التنفيذية لمجلس التنظيم الأعلى، بينما تم إلغاء اللجان اللوائية التي تضمّنها القانون الأردني، على أساس أن الضفة المحتلة تشكّل لواءاً تنظيمياً واحداً فقط. وبدلاً من هذه اللجان التي تتمتع باعتبارية قانونية ذاتية كفلهـا قانـون التنظيم الأردني رقم 79 لعام 1966، أقر الأمر العسكري رقم 418 لمجلس التنظيم الأعلى أن يؤلف لجاناً منبثقة منه عند الحاجة، تعمل بتوجيهاته وتمتثل لتعليماته. واستكمالاً لتوسيـع صلاحيـات المستـوى المركزي للتنظيم، وإلغاء المستوى اللوائي، تم الإحتفاظ بالمستوى المحلي عن طريق تأليف ست لجان محلية مسلوبة الصلاحيات لتقوم بتنفيذ قرارات دائرة التنظيم المركزية (19) . (أنظر اللوحة رقم 1)

وباختصار، يمكن القول إن الأمر العسكري رقم 418 لم يصدر لـ"يعدّل" قانون التنظيم الأردني رقم 79 لعام 1966، وإنما جاء في الواقع لينقضه ويستبدله. وبواسطة أحكام هذا الأمر، الذي أصبح "القانون" الفعلي الساري، والتعديلات التي أُدخلت عليه تباعاً، تمكنت السلطة المحتلة من التضييق على الفلسطينيين وكبح النمو الفلسطيني في الضفة المحتلة من جانب، وتهيئة الأوضاع الملائمة لدفع عملية التهويد والإستيطان فيها من جانب آخر. فبمقتضى هذا الأمر العسكري، تم وضع مجمل عملية التنظيم - بما تشتمل عليه من تحديد استعمالات الأراضي، وإقرار المخططات الإقليمية والهيكلية، وإصدار تراخيص البناء في الضفة المحتلة - في أيدي ضباط عسكريين هدفهم الأساسي وشغلهم الشاغل تنفيذ سياسة التخطيط ''الإسرائيلية'' القائمة على استيعاب ودمج الضفة المحتلة ''إسرائيلياً''، وتفريغها من مواطنيها الفلسطينيين.
"التنظيم": أداة التنفيذ المبرمج لسياسة التخطيط "الإسرائيلي":
إرتبطت سياسة اعتماد ''إسرائيل'' المبرمج على عملية التنظيم في الحد من النمو الفلسطيني فـي الضفة المحتلة، إرتباطاً وثيقاً بالتغيرات في الموقف ''الإسرائيلي'' الرسمي تجاه مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة وعملية الإستيطان فيها. فخلال العقد الأول من احتلال سنة 1967، والذي شهـد استمـرار الهيمنة المطلقة لحزب العمل على مجرى الحياة السياسية ''الإسرائيلية''، إرتسمـت الخطـوط العريضة للسياسة ''الإسرائيلية'' تجاه الضفة الغربية (وقطاع غزة) بمشروع "يغآل آلون"، الذي عرضه بشكلـه النهائي سنة 1970. وعلى الرغم من أنه لم يتم قط إقرار هذا المشروع رسميـاً مـن قِبـل الحكومة ''الإسرائيلية''، فإنه بقي الموجه الرئيسي لموقف حزب العمل من التسوية السياسية، ولسياسات حكوماته المتعاقبة تجاه الأراضي المحتلة حتى سنة 1977.
ينطلق مشروع "آلون" من قبول مبدأ التسوية الإقليمية للصراع العربي - ''الإسرائيلي''، بحيث يتم في إطار معاهدة سلام شاملة إعادة أجزاء داخلية من الضفة الغربية (كما الحال مع قطاع غزة) تتميز بكثافتها السكانية العالية الى السيادة الأردنية المقيدة. ويقوم المشروع أيضاً على اعتبار أن مقتضيات الأمن ''الإسرائيلي'' تتطلب أن يكون نهر الأردن الخط الحدودي الفاصل مع الأردن. وبموجب ذلك، يفترض المشروع ضرورة إقامة شريط حدودي في منطقة غور الضفة المحتلة، وهي منطقة قليلة الكثافة السكانية قياساً بالمرتفعات الداخلية، ويشترط تكثيف الإستيطان اليهودي فيه، ليشكّل "عـازلاً أمنياً للحدود الشرقية".
وبناءاً على الرؤية السياسية المتضمنة في مشروع "آلون"، تم تحديد أولويـة الإستيطـان المبرمـج والمدعوم حكومياً داخل الضفة المحتلة في منطقة الأغوار (إضافة الى حزام استيطان كثيف حول مدينة القدس). وتم، إنطلاقاً من ذلك، إنشاء ما مجموعه 34 مستعمرة فيها حتى سنة 1983. ونظراً الى عدم إيلاء حزب العمل في حينه اهتماماً إستراتيجياً خاصاً لمنطقة "داخل" الضفة ذات الكثافـة السكانيـة العالية، لم يتم في البداية توظيف عملية التنظيم للحد من النمو الفلسطيني فيها بشكل مكثف ومبرمج. فحتى سنة 1972، حين أُنشئت دائرة التنظيم المركزية، بقيت رخص البناء تُمنح مـن قِبـل الحاكم العسكري لكل منطقة من مناطق الضفة. بعد ذلك، أخذت الدائرة الجديدة مسؤولية منح رخص البناء بشكل مركزي. وكانت عملية الحصول على رخصة بناء داخل المدن والقرى سهلة خلال السبعينات قياساً بحجم التعقيدات التي بدأت تفرض مع مطلع الثمانينات، حين شرع في إعداد مخططات إقليمية جديدة، وظيفتها إيقاف امتداد النمو الفلسطيني، وتكثيف عملية الإستيطان ''الإسرائيلي'' داخل الضفة المحتلة.
منذ منتصف السبعينات، بدأت النظرة ''الإسرائيلية'' الى الضفة المحتلة بالتحول تدريجاً. فمن ناحية، قامت حركة "غوش إيمونيم" اليمينية، إبتداءاً من سنة 1974، بحملة عملية واسعـة لفـرض نظرتها العقائدية على استراتيجية الإستيطان في الأراضي العربية المحتلة. وتتمحور هذه النظرة حـول اعتبار "يهودا والسامرة" جزءاً لا يتجزأ من ''أرض إسرائيل''. ومن هذا المنطلق، بدأت الحركة بمحاولة فرض أمر واقع إستيطاني في عمق الضفة المحتلة، حول التجمعات السكانية الفلسطينية وداخلها، وفقاً للخطة الإستيطانية التي قدّمتها سنة 1978، والقاضية بتوطين مليون مستوطن يهودي في مختلف أرجاء الضفة خلال عشرة أعوام(20). (أنظر اللوحة رقم 2)

من ناحية ثانية، بدأت تظهر منذ أواسط السبعينات نزعة إستيطان "إقتصادية" في أوسـاط أبناء الطبقة ''الإسرائيلية'' الوسطى من سكان تل أبيب والقدس. فغلاء إيجارات الشقق، وارتفـاع أسعـار البيوت في هاتين المدينتين، علاوة على نمط الحياة السريع وضوضائها، دفعت بالعديد من أصحاب المهن والأزواج الشابة الى التوجه لاستيطان محاور الضفة المحتلـة القريبـة منهمـا. وبـدأت المستعمـرات ''الإسرائيلية'' في هذه المحاور تغري أمثال هؤلاء المستوطنين بمعادلة إقتصادية جذابة، تقوم على أساس ضمان رخاء العيش بزهيد الثمن، مع عدم التضحية بالبقاء على مقربة من مكان العمل والترفيه (21) . وقام حزب العمل سنة 1976 بالتجاوب مع نزعة الإستيطان "الإقتصادية" بإعداد خطـة إستيطانيـة تكفل الإحتفاظ بأجزاء الضفة القريبة من تل أبيب والقدس بعد أن يتم التوصل الى تسويـة سياسيـة إقليمية. (أنظر اللوحة رقم 3)

ومن ناحية ثالثة، أدى الإنقلاب السياسي الذي شهدته ''إسرائيل'' بوصول الليكود الى سدّة الحكم سنة 1977، الى تعزيز التوجه ''الإسرائيلي'' الإستيعابي للأراضي المحتلة. فالليكود يؤمن بأن حرب 1967 كانت بالنسبة الى ''إسرائيل'' "حرباً تحريرية" تم خلالها "إستعادة" أجزاء من ''أرض إسرائيل التاريخية''. ومن هذا المنطلق، يتحدد موقف الليكود القاضي بعدم إمكان حتى التفكـير فـي التخلي عن حق السيادة ''الإسرائيلية'' على أي قسم من هذه الأجزاء "المحررة". بل بالعكس، يجد الليكود أن الواجب الصهيوني الأصيل يحتّم ضرورة استيعاب هذه الأجزاء، وتكثيف استيطانها يهودياً، وتفريغها من أكبر عدد من مواطنيها الفلسطينيين.
مع نهاية عقد السبعينات، أدى تفاعل التطورات الثلاثة آنفة الذكر بعضها مع بعض، وما تركه ذلك من أثر فعلي في نمو حركة الإستيطان، وتغلغل المستعمرات ''الإسرائيلية'' في الضفة والقطاع، الى إحداث تغير جذري في النظرة ''الإسرائيلية'' العامة تجاه مستقبل الأراضي المحتلة، وبالتحديد مستقبـل الضفة المحتلة. ففي ذلك الوقت، زادت بصورة رئيسية قوة الرأي الداعي الى ضرورة الإحتفاظ بالضفة تحت السيادة ''الإسرائيلية''، والى ضرورة تغيير طبيعتها الديموغرافية عن طريـق الإستيطـان اليهـودي الكثيف في أرجائها كافة. ومع توسع الإستيطان وتشكيل المجالس الإقليمية للمستعمرات، أصبح من الأهداف الأساسية لـ''إسرائيل'' حصر النمو الفلسطيني وتقليص موارد عيش الفلسطينيين من جهة، وفتح المجال واسعاً أمام نمو المستعمرات وإدماجها بمختلف الوسائل في شبكة الحياة ''الإسرائيلية'' من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، بدأ ''الإسرائيليون'' باستغلال مكثف لسلطة التنظيم في الضفة الغربية من أجل فرض القيود والتكبيلات على الفلسطينيين، بواسطة تحديد استعمالات الأراضي، ومحاولة إقرار مخططات تنظيم إقليمية وهيكلية ''إسرائيلية''، والتحكم في إصدار تراخيص البنـاء، وإنـزال أقصى العقوبات بمن يُعتبر "مخالفاً للقانون".
مخططات التنظيم الإقليمية:
شرعت السلطة ''الإسرائيلية'' المحتلة، منذ أواخر السبعينات، في إعداد مخططات إقليمية لمناطـق الضفة الغربية تتلاءم والمنطلقات الجديدة للسياسة ''الإسرائيلية''، لتحل مكان المخططات التي أعدّها البريطاني "كاندل" سنة 1942. وفي سنة 1982، تم نشر أول هذه المخططات تحت اسـم "مشروع تنظيم إقليمي جزئي رقم 1/82: تعديل رقم 1/82 لمشروع التنظيم الإقليمي لمنطقـة القـدس رقـم RJ / 5 لعام 1942". وتضمن هذا المخطط، الذي أصبح يُعرف منذئذ بـ"مشروع منطقـة المركز"، مشروعاً ''إسرائيلياً'' لهيكلية منطقة مركز الضفة المحتلة، وهـي منطقـة تشمـل مساحـة مقدارها 446.279 دونماً (لا يتضمن هذا الرقم نحو 70 ألف دونم صودرت سنة 1967 لتوسيع حدود بلدية القدس)، وتضم 49 مدينة وقرية فلسطينية و 7 مخيمات لاجئين (22) . (أنظر اللوحة رقم 4)

هدف ''الإسرائيليون'' بإعلان المخطط الإقليمي لمنطقة المركز الى تحقيـق عـدة أهـداف جملة واحدة (23) : أولاً، عزل شمال الضفة المحتلة عن جنوبها، مما يقطع أوصالها ويهدم تكاملها، بدق إسفين إستيطاني يهودي كثيف في وسطها، يحقق ربط منطقة الأغوار بالساحل. ثانياً، توسيع منطقة القدس في إطار مخطط "القدس الكبرى" عن طريق إحاطتها بحزام إستيطاني عريض وكثيف بغية ترسيخ فرض الأمر الواقع القائم لتحقيق استيعابها فعلياً في ''إسرائيل''، وضمان استمرار ضمها حتى في حالة التوصل الـى تسوية سياسية قائمة على حل إقليمي للصراع. ثالثاً، تسهيل توسيع رقعة الإستيطان اليهودي من خلال تقييد التصرف العربي في مساحات كبيرة من الأراضي تضاف مستقبلاً الى ما تم مصادرته من قِبل السلطة المحتلة. ورابعاً، خنق إمكانات النمو والتطور العربيين في مختلف المجالات الحيوية، وحصر الفلسطينيين في بقع مضغوطة وغير قابلة للتوسع، الأمر الذي يهدف الى التضييق عليهم وحملهم على الهجرة من بلدهم. ومن المثير للإنتباه أن المخطط يقوم على أساس تقدير عدد السكـان الفلسطينييـن المشمولين ضمنه عند سنة 2002 بنحو 272.000 نسمة، بينما وصل العدد الفعلي لهم عنـد نشر المشروع سنة 1982 الى 275.000 نسمة.
على أساس الأهداف المذكورة أعلاه، تقوم سلطة التنظيم ''الإسرائيلية''، من خلال مخططها الإقليمي، بتحديد استعمالات الأراضي المشمولة ضمنه على النحو التالي:
المنطقـة |
المساحة بالدونمات |
النسبة المئوية |
المناطق الحمر (المخصصة للإسكان العربي) |
58.941 |
13 % |
المناطق الصفر (المخصصة للإستيطان اليهودي) |
76.608 |
17% |
المناطق الخضر (محميات طبيعية) |
28.820 |
7% |
الطـرق (وتشمل منطقة المطار) |
263.570 |
59% |
المناطق الزراعية |
18.340 |
4% |
المجمـوع |
446.279 |
100% |
يتضح من التقسيم المتضمن في الجدول، أن مساحة الأراضي المخصصة للتطور العمراني العربي محددة بنسبة 13 % من مجموع الأراضي المشمولة في المخطط. ويجب الإنتباه الى أن هذه النسبة تضم مساحة المدن والقرى والمخيمات القائمة ضمن المخطط، الأمر الذي يعني أن مساحات الأراضي الفارغة والمخصصة كمناطق تطوير عمراني مستقبلي يسمح للفلسطينيين بالبناء عليها، محدودة جداً. وفي الواقع، إكتفى المخطط بتحديد هذه المناطق ضمن الحدود البلدية للمدن والمسطّحات المقلّصة للقرى الواقعة ضمنه، مما ترك العديد من الأبنية القائمة فعلياً خارج حدود المنطقة المسموح للفلسطينيين بالبناء عليها، تسهيلاً لإمكان هدمها مستقبلاً. وتتجلى بذلك السياسة ''الإسرائيلية'' الهادفة الى تجميع الفلسطينيين وحصرهم داخل تجمعات سكانية ذات كثافة عالية، وذلك لضمان منع امتدادهم الأفقي خارج الحدود المقلّصة لمدنهم وقراهم. (24)
لم يقف المخطط الإقليمي لمنطقة المركز عند حد منع الإمتداد الأفقي الفلسطيني فقط، بل تعدّاه الى تشجيع تهجير الفلسطينيين عن طريق الحد أيضاً من إمكان البناء داخل المنطقة المخصصة ضمنه لـ"التطوير العربي"، والتي من المفترض أصلاً أن يُسمح للفلسطينيين بالبناء ضمنها. فقد وضع المخطط قواعد جديدة لإصدار رخص البناء، قلّص بواسطتها إمكان حصول المواطنين عليها. ومن هذه القواعد، فرض شرط إثبات ملكية طالب الرخصة الفعلية للأرض المزمع إقامة البناء عليها (25) ، وضرورة الحصول على تصديق رسمي لخريطة مفصّلة بالبناء تتضمن مواصفات الإرتداد والإرتفاع المحددة، إضافة الى الموافقة على الشكل المعماري للبناء، وعلى تصميم الأرض المحيطة به وتسويتها وغرسهـا (26) . كما تتضمن الشروط إمكان تقييد أو منع البناء في المناطق التي تعتبرها سلطة التنظيـم ضروريـة لـ"منع الضوضاء" أو لـ"الحفاظ على الطبيعة" (27) . وتظهر دراسة القائمة الكاملة للمواصفات والشروط الواردة في المخطط بشأن الحصول على رخصة بناء، أن الهدف ''الإسرائيلي'' الكامن وراءها هو تعجيز الفلسطينيين عند مجرد التفكير في الحصول على رخصة بناء، وتعطيل عملية إصدار الرخص بعد تقديم الطلبات قدر الإمكان.
أما خارج المنطقة المخصصة لـ"التطوير العربي"، فقد تم حظر البناء على الفلسطينيين حظراً تاماً. وفي المقابل، خصّت المستعمرات ''الإسرائيلية'' بنسبة 17 % من مساحة المخطط (76.600 دونم)، ومنحت مجالسها المحلية سلطة تنظيم مطلقة داخل حدودها التنظيمية. وتضمّن المخطـط أيضاً إقراراً لشبكة طرق رئيسية تصل المستعمرات بعضها ببعض، وتربطها جميعاً بالقدس ومنطقـة الساحـل (تل أبيب). أما المناطق الزراعية (59 %) والمحميات الطبيعية (7 %)، فتبقى بعد إغلاقها أمام إمكان التوسع العربي مصادر كامنة للتوسع الإستيطاني اليهودي المستقبلي. وعلى هذا الأساس تعمل سياسة التخطيط ''الإسرائيلية'' بأساليب "قانونية" على تجريد الفلسطينيين من أراضيهم، وتهميش وجودهم داخل وطنهم.
وعلى الرغم من أنه لم يتم نشر مخططات إقليمية جديدة حتى الآن لمنطقتي شمال الضفة وجنوبها، كالمخطط الإقليمي لمنطقة المركز، فإن ذلك لم يَحُلْ دون تعرض المواطنين الفلسطينيين في هاتين المنطقتين لعملية التضييق نفسها التي يتعرض فلسطينيو وسط الضفة المحتلة لها. فبدلاً من تقييدات المخطط المنشور لمنطقة وسط الضفة، يتعرض فلسطينيو شمال الضفة وجنوبها لتقييدات مخططين "فـي قيـد الإعداد"، فالسلطة المحتلة، كما تشير الدلائل المتوفرة كافة، بدأت في الوقت الذي شرعت في إعداد مخطط إقليمي لوسط الضفة، بإعداد مخططين آخرين لمنطقتي شمال الضفة وجنوبها. ومع أن السلطة لم تعلن رسمياً هذين المخططين، في الوقت الذي أعلنت مخطط وسط الضفة، ربما للتقليل قدر الإمكان من حـدة واتساع المعارضة الفلسطينية لمشروع التخطيط برمته، إلا أنها "وظفت" غيابهما أيضاً لتحقيق مآربها. فعوضاً من استمرار وضع التنظيم في المنطقتين على الأسس السارية نفسها (مخططات "كاندل")، تقوم السلطة المحتلة باستغلال عدم إعلان هذين المخططين ذريعة للتعطيل والتضييق على المواطنين الفلسطينيين، وذلك بحجة إمكان تعارض ما يتقدمون به من مشاريع وطلبات لدائرة التنظيم مع تفاصيل وأحكام المخططين عندما يحين وقت نشرهما. وهكذا، كما يتعرض جزء من الفلسطينيين في إحدى مناطق الضفة المحتلـة لعقاب مخطط إقليمي إحتلالي، يتعرض آخرون في مناطق أخرى منها للقدر نفسه من العقـاب بسبـب عدم "وجود" مثل هذا المخطط.
مخططات التنظيم الهيكلية:
لم تواجه السلطة المحتلة، في مسعاها لتحقيق أهداف تخطيطها الإستيعابي للضفة المحتلة "عوائق" كبيرة من قِبل مدن الضفة. فبالإضافة الى محدودية عدد هذه المدن وتفرّق بعضها عن بعض، وتبعثرها في مختلف مناطق الضفة، يوجد لمعظمها مخططات هيكلية معدّة إما في عهد الإنتداب، وإما خلال الحقبة الأردنية، ومصدّقة وفقاً لمخططات "كاندل" الإقليمية. وبما أن المساحة التنظيمية للمخططات الموجـودة كانـت محدودة أصلاً، إستطاعت السلطة المحتلة أن "تضبط" التوسع العمراني للمدن من خلال فـرض التزام العمل بمقتضى هذه المخططات، والتحكم في إمكان إعداد مخططات هيكلية جديـدة لتوسيـع حدود التنظيم المحلي.
لكن قرى الضفة، بعددها الكبير وانتشارها الكثيف، شكّلت مبعث قلق للسلطة ''الإسرائيليـة''، وخصوصاً أنه لم يتوفر لجهاز التنظيم مخططات هيكلية قديمة لها، كي يتم التشبث بها وتوظيفهـا لخنق إمكانات التطور العمراني في الريف الفلسطيني. فجميع قرى الضفة، باستثناء قرية واحدة هي الطيبة، كانت عند وقوع الإحتلال من دون مخططات هيكلية، وكان البناء فيها يتم وفقاً لأحكـام المخططات الإقليمية التي أعدّها "كاندل"، والتي كانت تسمح بالبناء في المناطق الزراعية خارج حدود جذر القرى بشروط سهلة.
وجدت السلطة ''الإسرائيلية'' أن تحقيق أهداف تخطيطها الإستيعابي للضفة المحتلة يستند الى القيام بخطوات تحكم سيطرتها على النمو والتوسع العمراني في الريف الفلسطيني. ولذلك، كانت دائرة التنظيم المركزية، في الوقت الذي نشرت المخطط الإقليمي لمنطقة المركز، قد أوكلت الى مكتب المهندس ''الإسرائيلي'' "شمشوني" مهمة إعداد مخططات هيكلية لـ180 قرية عربية في وسط الضفة وجنوبها. وجرى العمل على إعداد هذه المخططات وفقاً للشروط والأحكام التي تضمّنها المخطط الإقليمي لمنطقـة المركز، والمخطط الإقليمي للطرق الذي نُشر سنة 1983، وعلى أساس العمل قدر المستطاع على حصر الحدود التنظيمية للقرى بمناطقها ذات البناء الكثيف فقط. وطبعاً، لم يتم أخذ المواصفات الدولية المتعارف عليها لعملية التخطيط التنموي لهذه التجمعات في أي اعتبار.
بعد انتهاء "شمشوني" من إعداد مخططات قرى وسط الضفة وجنوبها، سنة 1983، تم التعاقد معه ثانية سنة 1984 ليقوم، وعلى الأسس نفسها، بإعداد مخططات هيكلية لـ103 قرى في منطقة شمال الضفة. وعندما أتم "شمشوني" مهمته سنة 1985 وأعلنت جميع المخططات، ثارت معارضة فلسطينية عارمة عليها. وقام عدد من القرى بمحاولة التصدي لمخططات "شمشوني" من خلال المبادرة الى إعداد مخططات هيكلية مقابلة للمخططات التي أعدّها، بحيث تستجيب للمتطلبات الحقيقية لنمو هذه القرى وتطورها المستقبلي. وكان من نتائج هذه المحاولة، عدم تمكن دائرة التنظيم المركزية من إيداع أي من مخططات "شمشوني" للتصديق النهائي عليها، حتى بداية اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية أواخر سنة 1987. وهكذا، بقيت قرى الضفة من ناحية فعلية على وضعها السابق، إلا أن إجراءات الحصول على تراخيص بناء أصبحت، بعد إعداد مخططات "شمشوني"، أكثر صعوبة وتعقيداً مما كانت عليه سابقاً. وفي الواقع، أصبحت دائرة التنظيم المركزية تطبّق فعلياً أحكام مخططات "شمشوني" غير المصدّقة على الطلبات المقدمة للحصول على رخص بناء في القرى الفلسطينية.
المشروع الإقليمي للطرق رقم 50:
لإكمال هجمة "التنظيم" ''الإسرائيلية'' في الضفة المحتلة، وإحكام الطوق على الفلسطينيين، قامت دائرة التنظيم المركزية سنة 1983 بإعداد "مشروع هيكلي جزئي إقليمي للطرق رقم 50"، من أجل استحداث شبكة طرق جديدة في الضفة تتلاءم ومقتضيات التخطيط ''الإسرائيلي''. وجاء في شرح أهداف المشروع ما يلي: "وصف شبكة الطرق الطبيعية القائمة والمفصّلة (المقترحة) في "يهودا والسامرة" بشكل عام مع ذكر خطوط الطرق وتصنيفها وطريقة اندماجها بشبكة واحدة"، و"تصميم وتوجيه التنظيم والتطوير على الصعيدين الإقليمي واللوائي بكل ما يتعلق بطرق المواصلات الرئيسية ولتحقيق المبادئ والغايات النابعة عن رؤيا شاملة للتنظيم بمنطقة "يهودا والسامرة"" (28) . وقد جاء المشروع الإقليمي للطرق لينسخ الأمر العسكري رقم 810 الذي صدر سنة 1979، والذي "عدّل" القانون الأردني للطرق رقم 29 لعام 1951 (29) . ويتضمن مخطط هذا المشروع تحديد أنواع الطرق التي ستضمّها الشبكة عند انتهاء إقامتها في الضفة المحتلة، مع تحديد أطوالها وعرض قطاعاتها المنظمة وعرض خطوط البناء على جوانبها. ويمكن تلخيص معطيات هذا المخطط بما يلي:
نوع الطريق |
عرض الطريق بالأمتار |
الإبتعاد عن خط وسط الطريق عند البناء من كل جانب بالأمتار |
طول الطريق (كلم) |
المساحة (كلم2) |
الطريق السريع |
120 |
150 |
93.5 |
28 |
الطريق الرئيسي |
100 |
120 |
517.5 |
124.1 |
الطريق الإقليمي |
60 |
100 |
636 |
127.2 |
طرق محلية رئيسية |
40 |
70 |
727 |
87.6 |
المجموع |
|
|
1873.5 |
367 |
وبتحليل خريطة شبكة الطرق المقترحة في المخطط (أنظر لوحة رقم 5)، تتضح مجموعة الأهداف الكامنة في المشروع. فأولاً، يهدف مخطط الطرق رقم 50 الى استكمال هدف مخطط التنظيم الإقليمي لمنطقة المركز بتقطيع أوصال الضفة المحتلة، وعزل التجمعات السكانية الفلسطينية ضمن "كانتونات" يفصل بعضها عن بعض شبكة من الشوارع العازلة والمستعمرات ''الإسرائيلية''. ويتم بواسطة ذلك تحديد جميع إمكانات التطور العربي في بنية معزولة ومنفصلة بالكامل عن تطور بنية الإستيطان اليهودي المخططة للضفة المحتلة. ثانياً، يقوم المخطط بالعمل على دمج الضفة فعلياً في ''إسرائيل''، عن طريق إيجاد شبكة طرق رئيسية تقطع الضفة عرضياً وتصل المستعمرات فيها بقلب ''إسرائيل''. أما التجمعات السكانية الفلسطينية، فتبقى متصلة بشبكة طرق فرعية ومفصولة نسبياً عن الشبكة الرئيسية المستحدثة. وبإيجاد هذه الإزدواجية في شبكة طرق الضفة، يحاول المخطط أن يخنق البنية التحتية الفلسطينية، ويقيم عوضاً منها، وبالتدريج، بنية مكمّلة للبنية التحتية في ''إسرائيل''. ولهذا، يُعتبر المخطط الإقليمي "الجزئي" للطرق رقم 50 جزءاً لا يتجزأ من المخطط القطري رقم 3 المصدّق من قِبل الحكومة ''الإسرائيلية'' سنة 1976، والشامل لكل ''إسرائيل'' (30) . ثالثاً، يؤدي المخطط الى استيلاء السلطة المحتلة استيلاء غير مباشر على المزيد من الأراضي الفلسطينية، إضافة الى مجمل الأراضي التي يتم الإستيلاء عليها بطرائق المصادرة المباشرة. فمخطط الطرق سيستنفد من الفلسطينيين ما مجموعه 367 ألف دونم. وإذا ما تم حسم مساحة الطرق الموجودة حالياً في الضفة والمنوي دمجها في الشبكة المستحدثة، فإن المخطط سيستهلك استهلاكاً فعلياً 280 ألف دونم، لن يسمح للفلسطينيين باستغلالها بأية طريقة من الطرائق (تجدر الإشارة الى أن نحو 1300 كلم من طرق شبكة المخطط ستكون على طرق قائمة حالياً في الضفة. لكن، بما أن هذه الطرق القائمة ليست بمقاييس المخطط، فإن أراضي كثيرة ستُقتطع لتوسيعها). رابعاً، سيؤدي تنفيذ المخطط المذكور الى المزيد من خسارة الأرض الزراعية في الضفة، الأمر الذي سينتج منه حرمان العديد من الفلسطينيين من مصدر رزقهم، ويدفع بهم في نهاية المطاف الى الهجرة. فعلى سبيل المثال، تم احتساب الخسائر التي ستنجم في هذا المجال عن إقامة طريق رقم 57 في المخطط المذكور (طولكرم - عنبتا، طلوزة - غور الفارعة)، فتبيّن أن بين ما سيتم إتلافه 1586 دونماً من الأراضي الزراعية المغروسة بالحمضيات واللوز والزيتون، إضافة الى تدمير مشروع ري الفارعة الذي يروي 16 ألف دونم، ويوفر المياه للسكان والمواشي في تلك المنطقة. (31)

بعد إعلان "المخطط الهيكلي الإقليمي لمنطقة المركز"، وإيداع "المشروع الهيكلي الإقليمي الجزئي للطرق" للإعتراض، شن الفلسطينيون حملة منظمة وفعالة ضدهما. وتضمنت الحملة، بين سنة 1982، تأليف لجنة متابعة لتقديم الإعتراضات، وعقد المؤتمرات الصحافية، ومتابعة الأمر قضائياً في المحكمة العليا ''الإسرائيلية''، وإعداد ملف للجمعية العامة للأمم المتحدة لإحالة القضية على محكمة العدل الدولية في لاهاي (32) . وتم خلال الحملة التي شنتها المؤسسات والهيئات الوطنية، تقديم آلاف الإعتراضات الفردية على مشروع المخطط المزمع للطرق.
وتحت وطأة الحملة الفلسطينية المضادة للمخططين في حينه، أحجمت السلطة المحتلة عن استكمال العملية القانونية للمصادقة على "المخطط الهيكلي الإقليمي لمنطقة المركز"، ولم تقم حتى بإيداعه - كما حدث للمخططات الهيكلية التي أعدّها "شمشوني" - للإعتراض وفقاً لما ينص القانون عليه. وبالنسبة الى "المشروع الهيكلي الإقليمي الجزئي للطرق"، فقد تم تجميده ظاهرياً ومرحلياً، ولم تقم سلطة الإحتلال باستكمال العملية القانونية التي تفرض عليها النظر في جميع الإعتراضات المقدمة عليه. غير أن من الضروري الإشارة الى أن سلطة الإحتلال لم تقم بإلغاء مخططيها، بل بقيت تتوثب للتصديق عليهما وتمريرهما عندما تحين الفرصة المؤاتية بانشغال أو إشغال الأوساط الفلسطينية والدولية بقضية جديدة. وفي أثناء انتظارها، شرعت هذه السلطة في تنفيذ جزئي وتحضيري - لكن مبرمج - للمخططين، كتنفيذ أجزاء من شبكة الطرق وتقييد تراخيص البناء العربية في المناطق "المغلقة" وفقاً لهما.
ترخيص الأبنية:
منح قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية الأردني رقم 79 لعام 1966 جهاز التنظيم صلاحية منع البناء في المناطق التي تخرج عن تلك المخصصة له وفقاً للمخططات الإقليمية والهيكلية السارية. وخوّل القانون لجان التنظيم المحلية، كلا في منطقتها، صلاحية إقرار إصدار رخص البناء وفقاً لأحكامه وتعليماته، بينما أعطى اللجان اللوائية والمركزية صلاحية النظر في الإعتراضات والإستئنافات المقدمة على قرارات اللجان المحلية (33) . لكن السلطة ''الإسرائيلية'' عمدت، بمقتضى الأمر العسكـري رقم 418، الى إلغاء تقسيم صلاحيات إصدار رخص البناء بين مستويات جهاز التنظيم الثلاثة، وقامت من ناحية فعلية بتجميعها في المستوى المركزي المتمثل في مجلس التنظيم الأعلى ودائرة التنظيم المركزية.
بعد وقوع الإحتلال ''الإسرائيلي'' سنة 1967، إستمرت عملية إصدار رخص البناء حتى سنة 1971، كما ذكر سابقاً، بموجب القانون الأردني واستناداً الى مخططات "كاندل" الإقليمية، مشروطة بالحصول على موافقة الحاكم العسكري لذلك منطقة من مناطق الضفة المحتلة. وبعـد صـدور الأمر العسكري رقم 418 بشأن قانون المدن والقرى والأبنية سنة 1971، والذي ركز الصلاحيات في مجلس التنظيم الأعلى، وإنشاء دائرة التنظيم المركزية لتكون الذراع التنفيذية للمجلس سنة 1972، أصبح الحصول على رخصة بناء مرهوناً بأحكام الأمر العسكري رقم 418، بشأن قانون المدن والقرى والأبنية سنة 1971، والذي ركز الصلاحيات في مجلس التنظيم الأعلى، وإنشاء دائرة التنظيم المركزية لتكون الذراع التنفيذية للمجلس سنة 1972، أصبح الحصول على رخصة بناء مرهوناً بأحكام الأمر العسكري رقم 418، ومرتبطاً برأي مدير دائرة التنظيم المركزية. وبقيت عملية استصدار رخص البناء سهلة نسبياً حتى سنة 1979، حين تم رفد دائرة التنظيم المركزية بعدد جديد من المفتشين على الأبنية، وبدئ بتكثيف التفتيش وزيادة القيود على منح رخص البناء تمشياً مع ازدياد حدة سياسات ''إسرائيل'' الإستيطانية للضفة المحتلة.
هذا، وقد قام "شلومو موسكوفيتش"، في أعقاب تعيينه مديراً لدائرة التنظيم المركزية سنة 1981، بتجميد عملية الترخيص تجميداً شبه كامل حتى نهايـة سنة 1982. وبعد أن تعالت الأصوات الإحتجاجية من المواطنين الفلسطينيين استؤنفت عملية الترخيص، لكن بعد أن أضيف إليها إجراءات تعقيدية جعلت عملية الحصول على رخصة مرهقة عملياً، ومكلفة مادياً، وطويلة زمنياً. فقد أصبحت الموافقة النهائية على رخصة البناء تتطلب موافقة عدة دوائر، منها الحكم العسكري، والآثار، وأملاك الغائبين، والصحة، قبل بتّها من قِبل دائرة التنظيم المركزية التي بدأت في تلك الفترة التطبيـق الفعلي للأحكام والتقييدات الواردة في المخطط الإقليمي لمنطقة المركز، ومخططات "شمشوني" الهيكلية، والمخطط الإقليمي للطرق رقم 50 (أنظر اللوحة رقم 6). وفي سبيل إحكام القيود على مجمل عملية إصدار رخص البناء، ألفت السلطة المحتلة سنة 1984 "لجنة معلومات"، بعضوية ثلاثة مسؤولين يهود وعربي واحد، مهمتها "التنقيب" - عند البحث في طلبات الرخصة المقدمة - عن جميع الجوانب والأسباب التي تحول دون إصدارها(34). ونتيجة الممارسة السلبية لهذه اللجنة، أصبحت تُعرف في الأوساط الفلسطينية باسم "لجنة الرفض"(35). وفعلاً، أدت سياسة الخنق والتضييق ''الإسرائيلية''، في نهاية المطاف، الى تجميد عملية الترخيص نهائياً. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1986، "إكتشفت" السلطة المحتلـة قضيـة فساد ورشوة في دائرة التنظيم والمساحة. وبدلاً من معاقبة المسؤولين ''الإسرائيليين'' في الدائرتين، تم حرمان المواطنين الفلسطينيين من رخص البناء بحجة إجراء تحقيق شامل في القضية.

ولإحكام الطوق على إمكان التوسع الأفقي للعمران العربي في الضفة المحتلة (وقطاع غزة)، رفدت السلطة ''الإسرائيلية'' سياستها التضييقية في مجال ترخيص الأبنية بعملية مستمرة ومبرمجة لهـدم المباني "المخالفة للترخيص" و"غير المرخصة" (36) . بالنسبة الى النوع الأول من المباني، فيقع داخل مناطق تنظيم المدن والحدود التنظيمية للقرى، وأقيم استناداً الى وجود رخصة بناء، لكن تم من ناحية فعلية تجاوز شروط وأحكام الترخيص عند البناء. وفي معظم الحالات، يقع الفلسطينيون فـي التجـاوز المخالف للقانون، نظراً الى ما يواجههم من تعقيدات وصعوبات جمة عند محاولتهم استصدار تراخيـص بتوسيـع مبانيهم.
أما المباني "غير المرخصة" فهي من نوعين أساسيين: الأول تقليدي، ويشمل المباني التي أقيمت خلال الحقبة الأردنية وفترة الإحتلال ''الإسرائيلي'' خارج حدود التنظيم المرسومة للتجمعات السكانية فـي الضفة المحتلة بناءاً على مخططات "كاندل" الإقليمية. فبما أن هذه المخططات أصبحت مع مرور الوقت قديمة، ولم تعد تستجيب لحاجات السكان العصرية ومتطلباتهم التنموية، وبما أنها لم تواكب بتحديث أو بإعداد مخططات هيكلية جديدة للقرى وعدد من المدن، فقد بدأ المواطنون الفلسطينيون البنـاء خارج حدودها. وفي الكثير من الأحيان، كان البناء يتم بعد الحصول على ترخيص من اللجان المحلية خلال الحقبة الأردنية. أما النوع الثاني فهو للمباني التي أصبحت تُعتبر من قِبل السلطة المحتلة "غير مرخصة" بناءاً على استثنائها لوقوعها خارج الحدود التنظيمية للمخطط الإقليمي لمنطقة المركـز، أو لمخططات القرى الهيكلية التي أعدّها "شمشوني"، أو لتعارضها مع مخطط الطرق الإقليمي رقم 50. وبنـاءاً على دراسة أُجريت في هذا الموضوع، تبيّن أن نحو 23 % من المباني التي أقيمت بعد وقوع الإحتلال ''الإسرائيلي'' خارج نطاق المخططات الهيكلية للمدن، تُعتبر من قِبل جهاز التنظيم ''الإسرائيلية'' أبنية "غير مرخصة". (37)
ومع أن عملية هدم المباني لأسباب تتعلق بالتنظيم (إضافة الى النسف "لاعتبارات أمنية")، إبتدأت في الأراضي العربية المحتلة منذ وقوع الإحتلال ''الإسرائيلي'' سنة 1967، إلا أن العدد الإجمالي للمباني الفلسطينية التي هدمت في الضفة المحتلة، بناءاً على قرارات دائرة التنظيم المركزية، غير موثق بدقة حتى مطلع سنة 1987 (38) . فالمعلومات المتناثرة المتوفرة بين أيدينا تشير الى أن حجم الهدم السنوي للمباني، بحجة "مخالفة الترخيص" أو "عدم الترخيص"، كان يصل حتى سنة 1983 الى بضعة بيوت فقط. لكن عملية الهدم بدأت تأخذ بعداً مبرمجاً وحاد الخطورة منذ سنة 1984، حين تم استحداث لجنـة فرعية منبثقة من مجلس التنظيم الأعلى تُعرف باسم "لجنة التفتيش" (أو بالأحرى "لجنة الهدم") لتتولـى مهمة توجيه ومتابعة عمل قسم التفتيش على المباني، وتفعيل تنفيذ قرارات الهدم الصادرة عنه. وبنـاءاً على سياسة التشديد التي تبنّتها "لجنة التفتيش"، إرتفع معدّل الهدم السنوي حتى نهاية سنة 1986 ليصل الى 50 مبنى. وفي سنة 1987، قفز عدد المباني التي تم تنفيذ هدمها الى 109 من المباني.
إجراءات "التنظيم" ''الإسرائيلية'' منذ اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية:
شكّلت الإنتفاضة الفلسطينية، منذ اندلاعها أواخر سنة 1987، ضغطاً على ''إسرائيـل'' يمثّل الأعظم منذ قيامها سنة 1948. فبعكس المواجهات ''الإسرائيلية'' - العربية السابة، والتي نجحت ''إسرائيل'' خلالها الى درجة كبيرة في تبرير عدوانها على العرب أمام العالم الغربي، وإبراز نفسهـا أنها الطرف "المعتدى عليه والمضطر الى الدفاع عن وجوده"، جاءت الإنتفاضة بزخمها وأحداثها لتعرّي مثل هذه الإدعاءات، وتُظهر ''إسرائيل'' على طبيعتها العدوانية والتوسعية أمام الرأي العام العالمي برمته. فالإنتفاضة، وهي حرب مواجهة غير متكافئة بين المواطنين الفلسطينيين العزّل في الأراضي المحتلة وبين ''إسرائيل'' المتخمة بالعسكر والمدججة بالأسلحة، عرّفت العالم، بشكل لا يقبل التأويـل، بالطـرف "المعتدى عليه" في حقيقة الأمر، وبيّنت فداحة مسلسل الإعتداءات ''الإسرائيلية'' المتلاحقة لاستلاب الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، والإستيلاء الكامل على وطنه، وتهجيره منه، وأظهرت مدى فظاعة الوسائل والإجراءات ''الإسرائيلية'' المتّبعة في تحقيق ذلك. كما بيّنت الإنتفاضة، في المقابل، مدى تشبث الشعب الفلسطيني بحقوقه الشرعية في وطنه وقدرته على التحمل في سبيلها، على الرغم من كـل ما تعرّض له من استلاب وتشريد واحتلال، وعظم قوة رفضه لاستمرار التشريـد والإحتـلال، وعمق تصميمه على تحقيق الحرية والإستقلال الوطني.
أدت كثافة اهتمام الإعلام الدولي، وخصوصاً الغربي، بنقل وقائع الإنتفاضة في المرحلة الأولى لاندلاعها، وتحليل أسبابها ودوافعها، ووصف مظاهرها وعنف الإجراءات ''الإسرائيلية'' في مواجهتها، وإعادة "النبش" في كوامن وحيثيات القضية الفلسطينية والصراع العربي - ''الإسرائيلي'' مجدداً، الـى تنامي شعور ''إسرائيل'' بالعزلة، و"عدم الأمان". فبالإضافة الى ما حملته الإنتفاضة معها من تغيرات عملية جوهرية في مدى حدة العلاقة التنافرية بين السلطة الإحتلالية والقابعين في ظل الإحتلال، أدى صداها الإعلامي على الصعيد الدولي الى بداية "خلخلة" جملة "معايير"، حاولت ''إسرائيل'' جاهدة خلال السنوات السابقة تثبيتها في الذهنية الغربية لضمان استمرار الحصول على الدعم الغربي غير المشروط أو المحدود. فبفعل الإنتفاضة، وما رافقها من مبادرة فلسطينية - عربية في شأن السلام، حدث اختراق فلسطيني - عربي، ولو محدود، للرأي العام الغربي، وخصوصاً الأميركي. وبـدأت تحوم فـي الأوساط الغربية "تساؤلات"، وتتبلور مواقف، في شأن تعنت ''إسرائيل'' تجاه عملية السلام، وممارساتها التعسفية في الأراضي المحتلة، ورفضها الإعتراف بالحقوق الشرعية للشعـب الفلسطيـني، واستمـرار استلابها للأراضي المحتلة على الرغم من وضوح الرفض الفلسطيني التام فيها للإحتلال.
خافت الأوساط السياسية المتشددة في ''إسرائيل'' من مؤشرات "التغيير" في أوساط الـرأي العام الغربي، إذ وجدت فيها بداية تحوّل استراتيجي في مصادر دعم ''إسرائيل'' التقليديـة. فللـرأي العام تأثيراته في صانعي القرار السياسي في الغرب. ولا بد للتغيير في اتجاهـات هـذا الـرأي إزاء المسألـة الفلسطينية من أن يترجم نفسه، عاجلاً أو آجلاً، الى سياسات عملية تؤثر في إمكان استمرار ''إسرائيل'' في الإحتفاظ بالأراضي المحتلة ونكران الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. واستقرأت هذه الأوساط أن تراكمات استمرار ضغط الإنتفاضة الداخلي على المجتمع ''الإسرائيلي''، وأثرها الإعلامي الخارجي في الساحة الدولية، سيقودان في نهاية المطاف الى تحريك عملية التسوية السياسية في اتجاه حل إقليمي للقضية الفلسطينية والصراع العربي - ''الإسرائيلي''.
إنبرت ''إسرائيل''، وبالتحديد الأوساط السياسية المتشددة فيها، للدفاع عن "مكتسباتها" في وجه تنامي الضغوط الداخلية والخارجية عليها. وتم اتّباع استراتيجية تستند الى القيام بخطوات عملية للقضاء على مصدر الضغوط الممارسة على ''إسرائيل'' من جهة، والتسريع في عملية فرض الأمر الواقع الكفيل باستكمال استيعاب ''إسرائيل'' للأراضي المحتلة من جهة أخرى. فالتسريـع فـي استكمـال عملية الإستيعاب اكتسب خلال الإنتفاضة أهمية قصوى في نظر المتشددين ''الإسرائيليين''، إذ اعتبروه أفضل الوسائل العملية ملاءمة لـ"تحصين" ''إسرائيل'' في وجه الضغوط الممارسة عليها، وأنجع طريقة لتفويت الفرصة المتنامية أمام إمكان التوصل لتسوية سياسية محورها حل إقليمي للصراع الدائر في المنطقة.
وقد ركزت ''إسرائيل'' في استراتيجية مواجهتها على تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: الأول، تمحور حول القضاء على الإنتفاضة بأسرع وقت ممكن، والحد من تبعاتها السلبية علـى ''إسرائيـل'' قدر الإمكان، واستغلال الوضع السياسي الناجم عنها لتمرير حل سياسي للصراع يتلاءم والمخططات الإستراتيجية ''الإسرائيلية''. ولتحقيق هذا الهدف، إستنفرت ''إسرائيل'' منذ اندلاع الإنتفاضة مجمل إمكانات قوّتها ونفوذها، ووجّهتها في اتجاهين متوازيين: أحدهما داخلي، إستخدمت السلطة المحتلة فيه كل وسائل القمع والتنكيل ضد فلسطينيي الأراضي المحتلة على مدار العامين الماضيين لخنق الحركة الجماهيرية العارمة للإنتفاضة والقضاء على نواتها المحركة. والثاني خارجي، وظفـت ''إسرائيـل'' فيه إمكاناتها الديبلوماسية والإعلامية لتطويق النتائج الإيجابية التي حققتها الإنتفاضة على صعيد الرأي العام العالمي، وخصوصاً الغربي. وفي هذا السياق، حاولت ''إسرائيل'' إظهار نفسها بمظهر الباحث عن السلام، فطرحت خطة "شامير" الحكومية لتخفيف الضغوط الدولية عليها، وكسب الوقت للتركيز على محاولة القضاء على الإنتفاضة بالوسائل العسكرية القمعية. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، الى أن السقف الأعلى لما يمكن أن تحققه خطة "شامير" لا يتجاوب مطلقاً مع المطالب الفلسطينيـة - العربية الدنيا.
لم تستطع ''إسرائيل'' على صعيد هدفها الأول سوى تسجيل "نجاحات" جزئية، تمثّلت في قدرتها الفائقة على رفع درجة معاناة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الإحتلال، و"جرجرة" مسلسل التسوية السياسية في طريق يتلاءم وتحقيق مخططاتها الصهيونية الإستراتيجية. أما أحداث ومجريات الإنتفاضة على أرض الواقع، فقد بقيت مستمرة على الرغم من كل الوسائل ''الإسرائيلية'' المستخدمة ضدها.
وفي ظل الفشل ''الإسرائيلي'' في قمع عسكري سريع وحاسم للإنتفاضة، وجّهـت ''إسرائيـل'' جهودها أيضاً نحو استغلال الوضعين المحلي والدولي لتحقيق الهدفين الأخريين؛ فتحت ضغـط الإنهماك الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة في المواجهة اليومية لمسلسل القمع المتصاعد، وسلسلة القيود المتزايدة التي تفرضها السلطة المحتلة على المواطنين في محاولة يائسة للحد من استمرار الإنتفاضة، وتحت ستار انشغال العالم الخارجي بمتابعة الأحداث وملاحقة التقارير اليومية للإنتفاضة، بما تتضمنه من قضايا وجوانب فلسطينية مؤلمة تفرض طغيان حضورها الإعلامي، قررت ''إسرائيل'' أن هذا الوقت الحرج يوفر لها أفضل غطاء لتكثيف تنفيذ مخططها الصهيوني الإستيعابي للأراضي المحتلة.
من هذا المنطلق، جهدت ''إسرائيل'' منذ اندلاع الإنتفاضة لتحقيق الهدف الثاني المتمثّل في هدم البنى التحتية والمؤسساتية في الأراضي المحتلة (إضافة الى إنهاك الإقتصاد الوطني الفلسطينـي) لتسهيـل استيعابها ''إسرائيلياً'' وحرمان الفلسطينيين من إمكان تطوير استقلالهم الوطني فعلياً. ولضمان تحقيق هذا الهدف، إتّبعت السلطة المحتلة سياسة منهجية لإغلاق السواد الأعظم من المؤسسات المستقلـة وشبه المستقلة الفاعلة في الأراضي المحتلة، من جامعات وجمعيات ونقابات ونوادٍ ومكتبات عامة، والتي تشكّل العمود الفقري للبنية المؤسساتية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. كما حظّرت السلطة المحتلة نشاط حركات طالبية وسياسية، واعتبرتها خارج القانون، وشددت الحظر على عقد الإجتماعات السياسية. وبالنسبة الى الأجهزة الحكومية المرتبطة بالحكم العسكري، كجهازي التعليم والصحة على سبيل المثال، فقد قلّصت السلطة المحتلة حجم ميزانياتها عقاباً، بحجـة استمـرار الإنتفاضـة وامتناع الفلسطينيين من دفع الضرائب، فأصبحت هذه الأجهزة بفعل التقليصات هياكل متداعية. وإذا أضفنا الى ذلك أن البلديات عاجزة، في وضعها الحالي، عن تقديم خدمات أساسية معقولة لسكانهـا، ناهيـك بتوقف قديم لمشاريعها التطويرية، نجد أن الوضع الإجمالي للبنية المؤسساتية في الأراضـي المحتلـة ينذر بالخطر، ويؤثر سلباً في مجمل البنية التحتية الفلسطينية فيها. ولا بـد مـن الإشـارة الى أن التضييق ''الإسرائيلي'' على إدخال الأموال للأراضي المحتلة من الخارج، بحجة أنها تأتي لدعم استمرار انتفاضة، يصبّ أيضاً في مجال تحقيق هذا الهدف ''الإسرائيلي'' الذي تنوي السلطة المحتلـة مـن خلالـه إنهاك الفلسطينيين، وهدم المقوّمات الأساسية الموجودة لدولتهم المستقبلية.
أما الهدف الثالث الذي سعت ''إسرائيل'' جاهدة لتحقيقه، في خضم الإنشغال العام بأحداث الإنتفاضة ومجرياتها، فهو استكمال عملية تمرير مخططات التنظيم الصهيوني للضفة المحتلة (وقطاع غزة)، وذلك لضمان إلحاقها الفعلي بـ''إسرائيل''، وتثبيت أمر واقع ''إسرائيلي'' فيها يصعب في المستقبل تجاوزه. فبالنسبة الى شبكة الطرق في الضفة المحتلة، تم خلال الإنتفاضة تكثيف تنفيذ المخطط الإقليمي للطرق رقم 50 من خلال شق طرق جديدة بين المستعمرات، وتوسيع الطرق القائمـة التـي يُكثـر المستوطنون وقوات الجيش من استخدامها. ويتضح، في هذا المجال، تكثيف عمليات الإنشاء والصيانة للطرق التي تخدم ''الإسرائيليين''، مع الإهمال الواضح لبقية الطرق التي تصل التجمعـات السكانيـة الفلسطينيين بعضها ببعض، على الرغم من أنها بحاجة ماسة الى التحسين. فالهدف ''الإسرائيلي''، كما ذكرنا آنفاً، وهو تدمير بنية شبكة الطرق الفلسطينية في الضفة المحتلة، وتقطيع أوصالهـا بتحويلهـا الى طرق فرعية معزولة، وإحلال شبكة طرق ''إسرائيلية'' مكانها لتصبح جزءاً لا يتجزأ من شبكة الطرق الإسرائيلية العامة. ويجب الإنتباه الى أن شبكة الطرق المتوخى إقامتها، بناءاً على المخطـط الإقليمي للطرق رقم 50، تعزل القرى والمدن الفلسطينية عن مسار الطرق العامة، مما يؤثر سلباً في بنية هذه التجمعات السكانية، ويهدم اقتصادها، ويقوّض إمكانات تطورها المستقبلية.
قامت السلطة المحتلة خلال سنتي 1988و 1989، وتحت ستار ضرورة الإسراع في تحاشي مرور الجيش والمستوطنين ''الإسرائيليين'' بالمدن والقرى الفلسطينية تجنباً للرشق بالحجارة، بتكثيـف العمل على إنهاء أربع طرق من شبكة المخطط الإقليمي للطرق رقم 50: الطريق الأولى جزء إستكمالي فـي المخطط الذي يربط مستعمرة "مخماس" شرق الضفة المحتلة بمجموعة مستعمرات "مكابيم" - "متتياهو" في المنطقة الحدودية الغربية لها، مروراً بمستعمرتي "غفعات زئيف" و"نفي يعقوف". ويتخطى الجزء الواقع تحت التنفيذ حالياً قريتي بيت عور الفوقا وبيت عور التحتا (أنظر اللوحة رقم 7/1). الطريق الثانية تفصل مستعمرة "ألفي منشيه" عن طريق عزون - قلقيلية بتحويلة رئيسية تربطها مباشـرة بشريـان الطريق الرئيسي الذي يصل المستعمرات حول نابلس بـ''إسرائيل'' (أنظر اللوحة رقم 7/ب). أما الطريق الثالثة، فهي التي تحوّل مسار طريق الخليل - القدس ليربط بين مستعمرة "إليعيزر" شمالي قرية بيت أُمّر ومستعمرة "جيلو" جنوبي القدس، مروراً بمستعمرة "نفي دانيال"، ومتخطية المرور عبر قرية الخضر. والطريق الرابعة هي التي تصل مستعمرة إيلي بطريق نابلس - رام الله، وتمرّ بأراضي قرية اللبن الشرقية، إستعداداً لتحويل مسار الطريق الرئيسي ليمرّ بمستعمرة "شيلو"، مبتعداً به عن قريـتي اللبن الشرقية وسنجل. (39)

كما قامت السلطة المحتلة أيضاً، خلال فترة الإنتفاضة، بالعمل المكثف على توسيع وتحسين بنية أجزاء من الطرق القائمة حالياً في الضفة المحتلة، لكونها ستُدمج في شبكة الطرق ''الإسرائيلية'' المقترحة وفقاً للمخطط الإقليمي للطرق رقم 50. فقد أجرت السلطة المحتلة مجموعة من "التطويـرات" على الطريق المسمى "عابر السامرة" من مفرق قرية مسحة الى قريتي بديا وحارس، لخدمة مستعمرة "أريئيل" ومنطقتها الصناعية، والطريق الذي يصل مستعمرة "دوليف" بالطيرة، مروراً بقرية عين قينيا في منطقة رام الله، وطريق طوباس - تياسير - المالح لخدمة المستعمرات الموجودة في منطقة غور الأردن الشمالي، وطريق صور باهر - بيت ساحور - الفريديس، الذي يخدم مستعمرة "تكواع"، وطريق بيرزيت - النبي صالح، الذي يخدم مستعمرة "حلميش"، وطريق صانور - الزبابدة، الذي يقع عليه معسكـر للجيش ''الإسرائيلي''، وطريق كفر الديك - دير بلوط، الذي يمرّ بمستعمرتي "بوعيز" و"إدمن".
واستكمالاً للعمل على تنفيذ أجزاء من مخطط الطرق الإقليمي رقم 50، قام مجلس التنظيم الأعلى بالتصديق، أواسط سنة 1989، على شق تحويلتين رئيسيتين في المخطط: الأولى لربط طريق رام الله - نابلس بمستعمرة "شيلو"، إستكمالاً للتحويلة التي تمرّر الطريق من مستعمرة إيلي؛ والثانية لتحويل طريق طولكرم - نابلس عن المرور بمدينة عنبتا ومخيم نور شمس. كما بدأ هذا المجلس، أواخر سنـة 1989، باستكمال العملية "القانونية" للتصديق على المخطط الإقليمي للطرق رقم 50، والتي كانت قد توقفت نتيجة الحملة الواسعة التي شنّها الفلسطينيون ضد المخطط في الفترة الواقعة بين سنة 1983 وسنة 1985. ففي الثلث الأخير من سنة 1989، أرسلت دائرة التنظيم المركزية إشعارات رسمية الى جميع مَن كان قد تقدّم باعتراضات على المخطط، وذلك لإبلاغهم أن الوقت حان للنظر فيها. ومن أجل إنهاك المعترضين وزيادة الصعوبات في وجه اعتراضاتهم، فرضت السلطة المحتلة عليهم ضرورة إبراز مجموعة من الوثائق والخرائط التي تثبت ملكيتهم لما يعترضون بشأنه. ومن البديهي أن يُعتبر إرسال هذه الإشعارات دلالة واضحة على أن السلطة جادة في مسعاها الحالي لاستكمال تنفيذ مخطط الطرق ''الإسرائيلي'' في الضفة المحتلة. (40)
فيما يتعلق باستكمال عملية تمرير المخططات الإقليمية للضفة المحتلة، بما يتفق والمطامع الصهيونية في استيعابها، وتهويدها، وتقليص الوجود الفلسطيني فيها قدر الإمكان، قامت السلطة المحتلة منذ اندلاع الإنتفاضة بإجراءين على غاية من الخطورة: الأول، تكثيف دائرة التنظيم الإسرائيلية لعملية هدم المباني بحجة "عدم الترخيص" أو "مخالفة الترخيص"، بما يتلاءم مع مخططاتها الإقليمية، ويتفق مع ما أعدّته من المخططات الهيكلية للمدن والقرى الفلسطينية بقصد حصرها وخنق سبل توسيعها وتطورها. ففي سنة 1988 قامت السلطة المحتلة، بإيعاز من دائرة التنظيم المركزية، بهدم 252 مبنى في الضفة المحتلة. وزادت عملية الهدم سنة 1989، فوصل عدد المباني المهدومة الى 311 مبنى. أما عدد المباني المهدومة خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير من سنة 1990، فوصل الـى 43 مبنى (41) . ويمثّل المعدّل السنوي لعدد المباني المهدومة بحجة مخالفة أوامر "التنظيم" خلال فترة الإنتفاضة، زيـادة بمقدار 250 % - 300 % على معدّلها خلال الأعوام الثلاثة السابقة لاندلاع الإنتفاضة.
وإضافة الى الزيادة في عدد المباني المهدومة، فإن نمط عملية الهدم يختلف خلال فترة الإنتفاضة عن سابقتها؛ فبينما كانت العملية تتركز قبل اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية في المواقع التي تم تخصيصها أو تخطيطها للمستعمرات أو للطرق الإقليمية المزمع فتحها في الضفة المحتلة، أصبحت هذه العملية واسعة الإنتشار مناطقياً، ووصلت نتيجة استعمالها - كعقاب للفلسطينيين على الإنتفاضة - الى داخل القرى الفلسطينية. فعلى مدار سنتي 1988 و 1989، دخلت دائرة التنظيم المركزية طرفاً رئيسياً في الحرب ''الإسرائيلية'' ضد الإنتفاضة، إذ وجّهت عمليات الهدم التي تقوم بها تنفيذاً لمخططات "التنظيم" الإستيعابية للضفة المحتلة الى المناطق الفلسطينية الساخنة إنتفاضياً. وأصبح النمط السائد أن يدخل مسؤولو التفتيش والتنظيم ''الإسرائيليون''، بحماية قوات جيش الإحتلال، القرى الفلسطينية النشيطة في تنفيذ فعاليات الإنتفاضة، ليقوموا بإصدار الإخطارات، وتنفيذ عمليات الهدم، في ظل فرض منع التجوال على المواطنين الفلسطينيين. وقد اتّبع هذا النمط في العديد من القرى الفلسطينية، مثل: بيتا، وسيلة، الحارثية، صور باهر وبيت فوريك، والتي دخلها الجيش بعد وقوع العديد من المصادمات مع أهلها للقيام بنسف المنازل بتهم أمنية، ورافقته مجموعات التفتيش والتنظيم للهدم بحجة "عدم الترخيص" أو "مخالفة الترخيص".
أما الإجراء الثاني، فكان استغلال جهاز التنظيم ''الإسرائيلي'' لوضع الإنهماك الفلسطيني والدولي العام في أحداث الإنتفاضة، من أجل الشروع في عملية تصديق جماعية لعدد من المخططات الهيكلية لقرى فلسطينية، تم إعدادها وفقاً للأسس التي استعملها "شمشوني" في مسموحاته ما بين سنـة 1982 وسنة 1985. فقد بدأت تظهر في الصحف المحلية، إبتداءاً من أواخر أيار/ مايـو 1989، إعلانات رسمية متتالية بإيداع مخططات هيكلية لعدد من القرى للإعتراض، وفقاً لما ينص القانون عليه، وبناءاً على قرار اتخذه مجلس التنظيم الأعلى في جلسته بتاريخ 5/2/1989 (يجب الإنتباه الى أن الفوج الأول من الإعلانات الرسمية ظهر بعد نحو أربعة أشهر من تاريخ عقد تلك الجلسة، وأن إجمالي عدد القرى التي اتُخذت في شأنها قرارات إيداع للمخططات الهيكلية غير معروف، مع أننا نقدّر بأن عددها وصل في تلك الجلسة الى 60 قرية تقريباً). وتعقيداً لآلية الإعتراض، تضمنت هذه الإعلانات ضرورة أن يقدّم المعترض عدداً من الوثائق والمستندات المحددة لإثبات ملكيته للعقار، وخريطة للموقع المعترض بشأنه.
كانت القرى التي ظهرت إعلانات إيداع بشأن مخططاتها الهيكلية هي: الكفير، تلفيـت، عرانة، العرقة، كفر قود، عربونة ورابا (منطقة جنين)؛ طلوزة (منطقة نابلس)؛ شبتين وحزما (منطقة رام الله) ونحالين (منطقة بيت لحم). وفي 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1989، تم فعلاً التصديق النهائـي على المخططات الهيكلية لقرى: عرانة، العرقة، كفرقود، عربونة، رابا، طلوزة، حزما وشبتين. أما بالنسبة الى قرى: الكفير، تلفيت ونحالين، فقد تم النجاح في إيقاف التصديق على مخططاتها الهيكلية نتيجة قيام أهاليها بحملة اعتراضات واسعة على هذه المخططات.
علاوة على النمط "التمريري" للمخططات الهيكلية للقرى الفلسطينية، من اللافت للإنتباه أن مساحة مجموعة المخططات التي صادق مجلس التنظيم الأعلى عليها للتنفيذ النهائي، تقلّ عن المساحة التي كان قد خصصها "شمشوني" لقراها في مخططاته. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن مخططات "شمشوني" ذاتها تخنق القرى الفلسطينية ولا تتجاوب مع أدنى متطلبات نموّها المستقبلي، نستطيع القول إن المخططات التي تم فعلاً التصديق على تنفيذها في الآونة الأخيرة، هي بمثابة إصـدار "صكـوك المـوت" للقرى الفلسطينية في الضفة المحتلة على المدى البعيد.
المصادر
(1) راجع في هذا الصدد:
Sabri Jiryys, The Arab of Israel (New York: Monthly Review Press, 1967), Ian Lustick, Arab in the Jewish State (Austin: University of Press, 1980).
( 2) راسم محيي الدين خمايسي، "سياسة التخطيط ''الإسرائيلية'' وهدم المباني في الضفة الغربية" (القدس: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، 1989)، ص: 3-4.
(3) للإطلاع على الأساليب والوسائل التي انتهجتها السلطة ''الإسرائيلية'' المحتلة منذ سنة 1967، راجع: علي الجرباوي، "العرب في الأرض المحتلة وتحديات الإحتلال"، "المجلة العربية للعلوم السياسيـة"، العدد الأول، السنة الأولى (1986)، ص: 181-199.
(4) للمحة عن المشاريع والخطط الإستيطانية، راجع: عبد الرحمن أبو عرفة، "الإستيطان: التطبيق العملي للصهيونية" (القدس: وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر، 1981)، ص: 238-250.
(5) راجع في هذا الصدد: رجا شحادة وجوناثان كتاب، "الضفة الغربية وحكم القانون"، ترجمة وديع خوري (بيروت: دار الكلمة للنشر، 1982).
Raja Shehadeh, Occupier's Iaw: Israel and the West Bank (Washington D.C: Institute for (6)
Palestine Studies, 1988), p: 17
( 7) جورج العبد، "الإقتصاد الفلسطيني تحت الإحتلال: مقدمة ونظرة عامة"، في: جورج العبد (محرر)، "الإقتصاد الفلسطيني: تحديات التنمية في ظل احتلال مديد" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص: 17.
(8) "خمايسي"، مصدر سبق ذكره، ص: 12.
(9) هناك مدن لم يتم إعداد مخططات هيكلية لها في أثناء الحقبة الأردنية. فالمخطط الهيكلي المعمول به في مدينة الخليل حتى الآن صودق عليه من قِبل السلطة البريطانية الإنتدابية سنة 1944. وعندما وقع الإحتلال ''الإسرائيلي'' للضفة الغربية سنة 1967، كانت سبع مدن من دون مخططات هيكلية مصدّق عليها، وكان يتم البناء فيها بموجب ترخيص من المجالس البلدية داخل حدود التنظيم البلدي.
(10) "قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية الأردني رقم 79 لعام 1966" (نشر في الجريدة الرسمية"، رقم 1952، بتاريخ: 25/9/1966)، المواد 7-10. وسيشار الى هذا القانون، في الهوامـش اللاحقـة، بـ"قانـون التنظيم الأردني رقم 79".
(11) على سبيل المثال، في حالة عدم اعتبار المجلس البلدي لجنة تنظيم محلية، فإن المادة 9/1- د من قانون التنظيم الأردني رقم 79 تحدد تأليف هذه اللجنة بعضوية الحاكم الإداري للمنطقة، ورئيس البلدية، وشخص يسميه المجلس البلدي، وشخص تسميه لجنة اللواء، وممثل وزارة الصحة، ومهندس البلدية أو مهندس دائرة التنظيم.
(12) "قانون التنظيم الأردني رقم 79"، المادة 9/2.
(13) المصدر نفسه، المادة 4.
(14) المصدر نفسه، المادة 5/1.
(15) بقي للفلسطينيين تمثيل شكلي في جهاز التنظيم على صعيد اللجان المحلية المسلوبة الصلاحيات من قِبل مجلس التنظيم الأعلى ودائرة التنظيم المركزية. فهذه اللجان تتألف من مهندس اللجنة المحلية، وطبيب الصحة، ومهندس الأشغال في المنطقة.
(16) "قانون التنظيم الأردني رقم 79"، المادة 6.
(17) بلغ عدد التعديلات ثمانية حتى تاريخ 8/3/1988. ويتعلق معظم التعديلات برفع رسوم الرخص، وقيمة العقوبات، وإعفاء أشخاص وهيئات من دفع رسوم الترخيص.
(18) المادة 7 من الأمر العسكري رقم 418. تضمنت الصلاحيات إمكان إعفاء أي شخص من واجب اتّباع القانون والحصول على رخصة لتسهيل عملية الإستيطان اليهودي في الضفة الغربية.
(19) مع أن الأصل في "قانون التنظيم الأردني رقم 79" أن يكون المجلس القروي لجنة التنظيم المحلية لقريته، إلا أن الأمر العسكري ألغى ذلك، وأسند عضوية اللجان المحلية الى موظفين بالتعيين.
Meron Benvenisti and Shlomo Khayat, The West Bank and Gaza Atlas (Jerusalem: The West (20)
Base Project, 1983), p: 4-6.
( 21) تقدّر تكلفة شراء بيت في المستعمرات داخل الضفة الغربية بثلث تكلفة شراء بيت في منطقة تل أبيب. أما مسافة بُعد ما يسمى منطقة "الطلب العالي" عن تل أبيب والقدس، فتقدّر بـ30 دقيقة بالسيارة. راجع:
Annette Hoschstein, Metropolitan Links between Israel and the West Bank (Jerusalem: The West
Bank Datd Base Project, 1983), P: 4-6.
( 22) إبراهيم الدقاق وآخرون، "المشروع ''الإسرائيلي'' لتخطيط منطقة المركز: دراسة ووثائق" (القدس: نقابة أصحاب المهن الهندسية، 1983)، ص: 9.
(23) يعتمد هذا الجزء على مقالة للكاتبين بعنوان: "سرقة الأرض وطرد السكان: وقائع المخطط ''الإسرائيلي'' لإعادة تنظيم القرى ومد شبكة طرق جديدة"، "اليوم السابع" (11 كانون الأول 1989)، ص: 22-24.
(24) من حساب عدد السكان العرب في منطقة المخطط سنة الهدف (2002)، يتضح أن الكثافة السكانية العربية ستكون أكثر من 7 أفراد للدونم الواحد في المنطقة التي خصصها المخطط لـ"التطوير العربي". وتُعتبر هذه النسبة عالية جداً وفقاً لجميع المقاييس المتعارف عليها في هذا المجال.
(25) تنص المادة الثالثة من الفصل الثالث لـ"نظام المشروع ''الإسرائيلي'' لمنطقة المركز"، على أن "لا يقدّم طلب رخصة بناء للجنة اللوائية إلا بعد أن يُثبت مقدّم الطلب ملكيته على الأرض، إما بواسطـة سجلات الأراضي أو تسجيل تمهيدي أو بطريقة أخرى تراها اللجنة اللوائية مناسبة". وطبعاً، تحدّ هذه المادة من إمكان الحصول على تراخيص بناء من قِبل وكلاء بوكالات قانونية من مالكي الأراضي، كما تمنع البناء على الأراضـي المشاع المنتشرة في الريف الفلسطيني بحجة عدم التمكن من إثبات الملكية. وبالنسبة الى "قانون التنظيم الأردني رقم 79"، فقد حدد في المادة 3/26 أن مالك الأرض هو "مالكها المسجل أو المعروف أو أي شريك أو متولي الوقف". وكان هذا التعريف فضفاضاً، يتيح فرصة كبيرة أمام المواطنين لاستصدار رخص بناء.
(26) "نظام المشروع ''الإسرائيلي'' لمنطقة المركز"، الفصل الثالث (المواد: 4،9،10)، الفصل السابـع (المادتان: 1، 5).
(27) المصدر نفسه، الفصل الرابع (المادتان: 8، 12).
(28) "مشروع هيكلي إقليمي جزئي للطرق رقم 50"، المادتان: 1، 2.
(29) للتعديلات التي أُدخلت على القانون الأردني فيما يتعلق بعرض الطرق، بموجب الأمر العسكري رقم 810، راجع: "خمايسي"، مصدر سبق ذكره، ص: 26.
(30) المصدر نفسه، ص: 25.
(31) عزيز شحادة وآخرون، "المشروع ''الإسرائيلي'' المقترح للطرق في الضفة الغربية: مسألة لمحكمة العدل الدولية" (رام الله: مؤسسة الحق من أجل الإنسان، 1984).
(32) وقائع المؤتمر الصحافي الذي عقدته اللجنة الخاصة لمتابعة الإعتراض على مشروع التنظيم الإقليمي المقترح للطرق رقم 50، في فندق "الأميركان كولوني" في القدس بتاريخ: 19/12/1984.
(33) "قانون التنظيم الأردني رقم 79" المواد: 9/2 - ج، 6/5.
(34) تتألف "لجنة المعلومات" من ثلاثة يهود هم: المسؤول عن التخطيط الإقليمي، والمسؤول عن التخطيط في الوسط العربي، ورئيس قسم التفتيش. أما العضو العربي في اللجنة فهو مهندس اللجنة المحلية.
(35) "خمايسي"، مصدر سبق ذكره، ص: 43.
(36) إبراهيم شعبان، "الإنتفاضة الفلسطينية في عامها الأول: دراسة في ضوء أحكام القانون الدولي العام، (القدس: الناشر غير مذكور، 1989)، ص: 268-278.
(37) المصدر نفسه، ص: 50.
(38) بدأ مركز الهندسة والتخطيط في رام الله، منذ مطلع سنة 1987، بمتابعة دقيقة لعدد المباني التي يعلن هدمها من قِبل جهاز التنظيم ''الإسرائيلي'' في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967.
(39) لا تتوفر حتى الآن خرائط تفصيلية عن خط مسار كل من الطريقين الثالثة والرابعة.
(40) يبرز تصميم السلطة على استكمال تنفيذ مخطط الطرق الإقليمي رقم 50 من خلال الإستمرار في إعلان إيداع تفصيلي رقم 9/901 لجزء من الطريق رقم 60، والممتد من قرية حوارة الى قرية دير شرف. وتسهّل التحويلة الرئيسية الجديدة حركة الإتصال بين مستعمرات الغور الأوسط والمستعمرات في المناطق الشمالية الغربية من الضفة الفلسطينية، بتحاشي المرور وسط مدينة نابلس. وتخدم هذه التحويلة الرئيسية بصورة خاصة مستعمـرات: "يتسهـار"، "كدوميم" و"شافي شومرون"، بأن تجعلها على خط طريق رئيسي.
(41) إحصاءات مركز الهندسة والتخطيط. يجدر الإنتباه الى أن الهدم على خلفية "التنظيم" لا يقلّ خطورة عن النسف بحجة "الإعتبارات الأمنية". ففي سنة 1988، كان عدد المباني التي نُسفت 221 مبنى، بينما وصل عددها خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 1989، الى 368 مبنى.