"اسرائيل" بين التعددية والتمييز العنصري

توزيع الموارد بين العرب واليهود

غازي فلاح

الدراسات الفلسطينية العدد 4 ـ خريف 1990


مقدمة:

سنحاول، بداية، توضيح معنى التعددية او ما يقابله بالانكليزية Pluralism ، وكذلك توضيح ما نقصده من استعمالنا كلمة موارد ( resources) ، ثم نحاول الربط بين المفهومين. ويقودنا هذان التوضيحان الى السؤال الجوهري المطروح: هل دولة "اسرائيل" دولة ذات صبغة تعددية، كما هو الامر بالنسبة الى بلجيكا وسويسرا وكندا، على سبيل المثال لا الحصر؟ فاذا كان الجواب نعم، او كان الجواب لا، فهذا يثبته شكل توزيع الموارد بين مواطنيها. بالتعددية هنا يشار اليها عند الحديث عن مجتمع مكون لدولة فيها مجموعتان عرقيتان او اكثر. والدولة عبارة عن مؤسسة "حيادية" لا تتحيز او تنحاز الى اية مجموعة عرقية، ببل تحافظ على مصالح جميع المجموعات المقيمة في ظل سيادتها. واكثر من ذلك، فهي تقوم ايضا بدور تقليص الصراعات والمنافسات بين المجموعات العرقية، وذلك للمحافظة على استمرار الاستقرارية.

ولغرض بحثنا، نريد ان نتبنى مفهوم "الحيادية" الموازي للتعددية، وذلك عند حديثنا عن توزيع الموارد بين المواطنين العرب واليهود في "اسرائيل". فاذا كانت "اسرائيل" دولة ذات صفة تعددية، فيجب ان تأخذ موقف "الحيادية" وتوزع الموارد بين جميع مواطنيها بالتساوي، ويجب الا تقتطع موارد مجموعة معينة وتخصصها لمجموعة اخرى مجاورة.

سنختار ثلاثة موارد اقتصادية هي : المياه، ومناطق النفوذ للسلطات المحلية، والميزانيات العادية للسلطات المحلية. وسنرى كيف توزع هذه الموارد بين المواطنين العرب واليهود، في منطقة لواء الشمال المتمثل في الحالة الدراسية هنا. وتجدر الاشارة الى ان اختيارنا هذه الموارد الثلاثة هو لكونها تقرر جميعها من قبل حكومة الدولة، ولا يكون للمواطن العربي او اليهودي عادة دور مؤثر في اتخاذ القرار بشأن حجم الموارد المخصصة وشكلها.

لقد حاول الباحثون "الاسرائيليون" في دراساتهم تصوير "اسرائيل" انها دولة تعددية وديمقراطية، واستعملوا تحليلات مختلفة لاعطاء فرضياتهم مصداقية. وتأتي دراستنا اليوم لطرح بديل ومفهوم آخر، اذ نقول للباحثين "الاسرائيليين" ان "اسرائيل" ليست ذات صبغة غير تعددية فسحب، بل انه لا يمكنها ان تحتوي على صفة التعددية قطعيا، حتى لو ارادت ذلك. وسنثبت هذا من خلال الاحصاءات الرسمية لحكومة دولة "اسرائيل".

 

الاطار النظري

اتخذت تعريفات الدولة، ودور الدولة، وعلاقتها بمواطنيها، قسطا كبيرا من دراسات الجغرافيين السياسيين وغيرهم. فجونستون (1985) اشار الى ان انماطا مختلفة للمجتمعات تستوجب اهدافا مختلفة، وعليه فان لهذه المجتمعات مطاليب مختلفة لتكوين دولة (جونستون، ص 164). اما اوتس (1972) فقد حصر وظيفة الحكومات العصرية في ثلاثة مجالات:

1ـ تخصيص موارد اقتصادية لمواطنيها بصورة ناجعة.

2ـ اقامة اسس متساوية في توزيع الدخل على السكان.

3ـ ضمان مستوى نمو اقتصادي مقبول لجميع المواطنين، والعمل على استمرار الاستقرار. ومن هذا المنظار، يعتبر باديسون (1983) الدولة انها عبارة عن "جسم حيادي" واداة سياسية لضمان الاستقرار لمواطنيها (باديسون،ص 7).

هناك مفهوم مضاد لمصطلح "الدولة" يقول ان مجرد احتواء الدولة على اجسام بيروقراطية مكونة من مجموعات ذوات ايديولوجية ومصالح متنوعة، فان الدولة لا يمكنها ان تبقى سمسارا حياديا ( neutral mediator) ، اذ ان الحيادية تتلاشى عندما تسيطر مجموعة المؤسسات على الدولة، وتعمل هذه المؤسسات باستمرار على السيطرة على راس المال واحتوائه (بيكر، 1984). وتوازي مجموعة المؤسسات هذه ايضا، في مفهومنا للدولة، مجموعة عرقية عندما هي ايضا تحتوي (من مفهوم الاحتواء والسيطرة) مؤسسات الدولة، وتضع قوانين لتحافظ على سيطرتها على مجموعات اخرى. من هنا، لا يمكننا ان نتكلم في مفهوم حيادي للدولة.

وهنا ايضا تكمن المقابلة بين "اسرائيل" وجنوب افريقيا: ففي جنوب افريقيا وضعت اسس مؤسسية وقوانين ونظم في جهاز الدولة للمحافظة على مصالح البيض، وفي "اسرائيل" قوانين مشابهة معروفة للمحافظة على مصالح المجموعة العرقية اليهودية.

لا اريد ان اتحدث هنا عن هذه القوانين، بل اريد ان انفرد باتجاه آخر لتوضيح فكرة ان "اسرائيل" كدولة لا يمكنها ان تكون "حيادية" حتى لو ارادت ذلك. وعليه، فلا يمكننا ان نتكلم في ديموقراطية وتعددية في الحالة "الاسرائيلية".

فـ "اسرائيل" ربما تكون الدولة الوحيدة في العالم التي توجد داخلها "دولة ثانية" مقبولة من اغلبية سكانها وحكومتها. وهذه الدولة هي المؤسسات الصهيونية التي نشأت قبل قيام الدولة، وما زالت قائمة ـ مثل الوكالة اليهودية ودائرة الاراضي وغيرهما. وهذه المؤسسات مسيطرة على املاك الدولة من ارض ومياه وغير ذلك، فمثلا، ان اكثر من 90% من الاراضي هو ملك لدائرة الاراضي. وتملك الوكالة اليهودية ثلث المياه، وهنالك مؤسسات اخرى تملك موارد اخرى. وهذه المؤسسات، ايديولوجيا وسياسيا واجتماعيا، تعمل فقط لمصالحة اليهود "وبالتحديد لمصلحة اليهود"، ولا تتدخل ولا تردي ان تتدخل في مصالح غير اليهود. من هنا، فلا نصيب للعرب من الموارد الموجودة في حيازة هذه المؤسسات. وتمثل قضية الضابط الدرزي من قرية جت في الجليل الذي اراد استئجار بيتين فارغين لولديه الضابطين، في مستعمرة غيته المجاورة ورفض طلبه بسبب ان هذه البيوت تابعة للوكالة اليهودية، وان الوكالة ممتنعة من الاعتناء بامور غير اليهود، افضل برهان وترجمة لروح الابرتهايد السائد في "اسرائيل". ويمكننا عمليا القول ان "اسرائيل"، كدولة وحكومة، فقيرة من ناحية الموارد الاقتصادية الموجودة تحت سيطرتها مباشرة، لو قابلنا ذلك ببعض الدول الاخرى. ان اغلبية الموارد توجد عادة في يد الدولة، وتعمل الحكومات الديمقراطية عادة على تأميم الموارد والمشاريع الاقتصادية لتضعها في متناول يدها. اما ما تعمله حكومة "اسرائيل"، على ما يظهر، فهو عزل للموارد وتسليمها للاجسام الصهيونية، وذلك كي تضمن استمرارية استغلالها للعنصر اليهودي في المدى الابعد، وطبعا يمكنها ـ ولو نظريا ـ حرمان المواطنين العرب منها.

ان نصيب المواطنين العرب من الموارد الاقتصادية يأتي، عمليا، من الموارد القليلة المتبقية في يد الحكومة. ويمكننا القول هنا ان المورد الاقتصادي الضخم نسبيا، والمتبقي في يد الحكومة، هو الجيش. وهذا المورد ايضا تقتصر الاستفادة منه على اليهود ـ فانا هنا لا اقصد قضية التجنيد بالاجر كمورد، بل اقصد ما يعرف في الولايات المتحدة بـ Military Industrial Complex-MIC ، فجهاز الجيش يضم صناعات عسكرية وتكنولوجية تعتمد آلاف العائلات عليها، وهذا المجال من العمل محصور باليهود ومقتصر عليهم فقط.

 

التوزيع غير المتساوي للموارد الاقتصادية

نختار فيما يلي ثلاثة موارد اقتصادية للمقابلة بين ما يخصص ويوزع على المواطنين العرب واليهود، ونعطي امثلة عينية من منطقة لواء الشمال.

 

المياه

منذ نشوء الصهيونية كحركة استعمار سياسي، فان مورد المياه كان مبدأ عندها لتحديد اطار المناطق التي ارادت استعمارها (نجم،1990). ومفهوم حدود ارض "اسرائيل" يعرف عادة بحدود الانهر. وعندما عينت حدود فلسطينية، بعد الحرب العالمية الاولى، طالبت الحركة الصهيونية بحدود مياه.

ان اهمية المياه كمورد اقتصادي تكمن في تحديدها مستوى خصوبة الارض. وقد تكون موردا ذا صفة استراتيجية عسكرية عندما يكون هذا المورد نادرا. كذلك تكمن اهمية المياه في اقامة المستعمرات الزراعية وغير الزراعية.

بحسب دراسة رجا الخالدي (1988) بلغت مساحة الاراضي العربية المروية في "اسرائيل" 2.6% من مجموع الاراضي المروية الكلي في البلد. على الرغم من ان العرب في البلد يزرعون 20% من مجموع الاراضي الزراعية، فان نصيبهم من المياه هو 2.3% وفق احصاءات سنة 1978 (رجا الخالدي، ص 72،76). اما بحسب اخر احصاء زراعي رسمي اجري سنة 1981، فقد صنفت 69 قرية عربية كقرى زراعية، وشكل هذا الرقم 13.8% من مجموع القطاع القروي الزراعي في البلد، لكن نصيبها من مخصصات المياه هو .04% كما يشار اليه في الجدول رقم (1). لقد اجرينا مقارنة بين نصيب القطاع الزراعي للمياه في البلد الواحد، وفي الوحدة الزراعية الواحدة، فوجدنا ارقاما مذهلة، في الوسط القروي اليهودي 136.8 الف كوب جميعه مخصص بالمعدل للقرية، و67.1 الف كوب في الوسط القروي العربي. وكذلك 41.000 كوب للوحدة الزراعية في الوسط اليهودي، بينما نصيب الوسط العربي 1500 كوب للوحدة الزراعية (دولة "اسرائيل" 1985، ص 8 ـ 9).

وعند مقارنة احصاءات المياه بين العرب واليهود، في لواء الشمال لعام 1986/1987، الخاصة بـ 23 سلطة محلية عربية و14 سلطة محلية يهودية، كما هو مبين في الجدول رقم (2)، يظهر هذا الجدول بوضوح انه حتى اصغر مخصصات المياه التي اعطيت لسلطة محلية يهودية (يوكنعام عيليت) ما زال اكبر، بكميته، من اكبر مخصصات مياه اعطيت لسلطة محلية عربية (كفرياسيف). هذا وان معدل مخصصات المياه الـ 14 سلطة محلية يهودية في لواء الشمال هو 2.8 ضعف كمية المياه التي خصصت لثلاث وعشرين قرية عربية ورد ذكرها في الاحصاءات الرسمية.

اما الخريطة رقم (1)، فهي مبنية على الاحصاءات الواردة في الجدول رقم (2)، وتشير ايضا بوضوح الى ان هنالك شكلا جغرافيا مميزا لتوزيع المياه. ففي وسط الجليل تقل المخصصات لانه يحوي تجمعا عربيا عاليا نسبيا. وفي الاطراف تكبر المخصصات بسبب وجود المستعمرات اليهودية. والمقارنة ايضا واضحة جدا في وسط الجليل، حيث توجد سلطات محلية يهودية مثل كرميئيل، والناصرة العليا، ومغدال هعيمك، فهذه السلطات تأخذ نصيبا من المياه اكبر من نصيب جاراتها العربيات.

ان هذا الشكل من توزيع موارد المياه بين العرب واليهود، لا يمكن ان ينتج من سياسة "حيادية" تنتهجها السلطات "الاسرائيلية"، بل ان المياه كغيرها من الموارد تستعمل اداة ضب سياسيا واقتصادي. وهي توزع بحسب افضليات تضعها السلطات "الاسرائيلية" التي تميز بموجبها لمصلحة المواطن اليهودي على حساب المواطن العربي في غالب الاحيان.

 

مناطق نفوذ السلطات المحلية

ان منطقة نفوذ سلطة محلية او بلدية عبارة عن منطقة تعين من قبل وزير الداخلية، وتكون عادة محيطة بالقرية او المدينة. وداخل نطقا هذه المنطقة تستطيع السلطة المحلية، بموجب تفويض رسمي من السلطة المركزية، اجراء مشاريع تطويرية.

اننا نعتبر مناطق النفوذ للسلطات المحلية موردا اقتصاديا مهما، وان السلطة المركزية او الحكومة هي التي تقرر نطاق المنطقة المخصصة للنفوذ، وذلك بحسب اعتبارات تنسجم مع روح مفهوم سياستها. واننا نرى ايضا ان سياسة تعيين مناطق النفوذ للسلطات المحلية العربية في البلد تنسجم ايضا مع سياسة تجزئة الارض العربية، وبالتالي تؤدي الى مصادرتها.  فهذا التعيين هو ايضا نوع آخر من المصادرة او ضبط استغلال المواطنين العرب لارضهم المملوكة.

لقد قمنا بمسح جذري لملكية ثماني قرى عربية في الجليل من جداول الحقوق والملكيات الموجودة في المجلس المحلية العربية، وحددنا على الخريطة مناطق النفوذ، وهذه القرى هي : عيلبون، كفرمندا، ديرالاسد، كفرياسيف، ديرحنا، الرامة، ابوسنان، مجدالكروم. وقد تبين بوضوح انه جرى ما يسمى بالانكليزية عملية gerremandering أي تقسيمات الى وحدات اقليمية لمصلحة جماعة معينة (انظر ملحقات 1 ـ 8).

تبن هذه العملية بصورة واضحة سياسة اخراج الملكية الفردية للاراضي العربية قدر الامكان خارج نطاق منطقة النفوذ، وادخال اراض تابعة للدولة (او بالأحرى اصبحت تابعة للدولة) داخل نطاق مناطق النفوذ. وهنا تجدر الاشارة الى ان تحديد مناطق النفوذ ياتي في الدورة الاولى لاول رئيس مجلس محلي، وهو عادة يعين من قبل السلطة، ولم يكن منتخبا من قبل السكان. في خلال هذه الفترة، تقوم السلطة المركزية بالتعاون مع "وكيلها" رئيس المجلس المحلي المعين، بتعيين مناطق النفوذ، واضعة امام اعينها في المكانة الاولى مصلحتها، ومن دون ان تلقى معارضة ملموسة من قبل الرئيس الذي زرع اصلا لهذا الغرض او لغرض مشابه.

يمكننا ان نلخص سياسة تعيين مناطق النفوذ بانها جاءت لخدمة هدفين:

1)     ان اخراج اراض ذات ملكية عربية خارج نطاق نفوذ القرية يعني، ايضا، ضمها الى مجلس محلي يهودي مجاور او الى مجلس اقليمي يهودي. وهذا الاخير يستفيد من جباية الضرائب المفروضة عليها، ويمكنه ان يصادر ما يقارب 40%  من هذه الاراضي لاغراض تطويرية، وعن طريق قوانين خاصة تخوله فعل ذلك من دون دفع تعويضات.

2)     ان اخراج مناطق معينة او اقتطاع اجزاء من اراضي قرية معينة وضمها الى قرية اخرى هو ايضا توفير منفعة مباشرة للقرية الاخرى على حساب الاولى، وخصوصا عندما تحتوي هذه الارض المقتطعة مصالح تجارية، وصناعية، ومنتزهات، ومطاعم. ويعود كل هذه المصالح بالمنفعة الاقتصادية على القرية او المدينة التي تقع في سلطة نفوذها. ان افضل مثال عيني هو تعيين حدود مناطق النفوذ بين الناصرة العليا والناصرة العربية، والذي تشير الخريطة رقم (2) اليه، حيث ان المناطق المقامة عليها مكاتب الحكومة ومصانع الدودج.

3)      ومستوصف شبرنساك ومعسكر قيادة لواء الشمال، موجودة كلها في النطاق الجغرافي لمدينة الناصرة العربية، لكنها اقتطعت وضمت الى مناطق نفوذ الناصرة العليا (فلاح 1989، ص 7).

ان هذا النمط من التوزيع في شكل النفوذ بين مدينتين، لا يمكن ان يكون ـ على سبيل المثال ـ بين مدينتين يهوديتين متجاورتين، وعليه، فان وجوده في منطقة الناصرة وبين مجموعتين عرقيتين مختلفتين، هو ايضا برهان اخر على ميزة اللاحيادية التي تتصف دولة "اسرائيل" وحكومتها بها.

 

الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية

تأخذ السلطات المحلية في "اسرائيل" ميزانياتها، من مصادر مختلفة، ومنها الضرائب المفروضة على الخدمات المقدمة للسكان، والضرائب المفروضة على المصالح التجارية والصناعية. وهنالك مصدر آخر هو ما تخصصه الحكومة سنويا. فالمبلغ الذي تخصصه الحكومة هو المصدر المهم جدا من وجهة نظر التطوير الذي تريده الحكومة لهذه البلدة او تلك، او التطوير الذي لا تريده لهذه البلدة او تلك. والمبدأ نفسه ينطبق ايضا على المجموعات العرقية القاطنة في هذه البلدات.

هنالك نوعان من الميزانيات في "اسرائيل": ميزانية عادية، وميزانية غير عادية (او ميزانية تطوير). اريد ان اتحدث هنا عن الميزانية العادية السنوية فقط. لو قارنا آخر احصاءات منشورة للسلطات المحلية العربية واليهودية، في لواء الشمال الذي يضم 41 سلطة محلية عربية و24 سلطة محلية يهودية، فان الجدول رقم (3) يشير بوضوح الى النتائج التالية:

بحسب معطيات الجدول، فان 95% من السلطات المحلية العربية، التي تضم 96% من سكان الواحدة والاربعين سلطة محلية في لواء الشمال، تحصل على معدل تخصيص للفرد في ميزانية السلطة بواقع اقل من 399 شيكلا، وان 40% من السكان يحصلون على معدل تخصيص اقل من 199 شيكلا. وفي الوقت نفسه، لا توجد اية سلطة محلية يهودية في الفئتين الاوليين ـ أي انه لا توجد اية سلطة محلية يهودية في الفئتين الاوليين ــ أي انه لا توجد اية سلطة محلية يهودية في لواء الشمال يحصل الفرد فيها على تخصيص اقل من 399 شيكلا. اكثر من ذلك، فان الفئة الثالثة المتمثلة في 400 ـ 599 شيكلا توجد فيها ثلاث سلطات محلية يهودية وسلطتان محليتان عربيتان، هما : كفر ياسيف، ونصيب الفرد فيها 403 شكيلات، وقرية دبورية ونصيب الفرد فيها 490 شيكلا، تقعان في اسفل السلم واقل من باقي السلطات المحلية اليهودية الثلاث الواقعة في الفئة نفسها. ولو حاولنا ان نضع هذه الاحصاءات على الخريطة (خريطة رقم 3)، فاننا نرى نمط التوزيع الجغرافي نفسه كما هو في خريطة توزيع المياه (خريطة رقم 1). بل اكثر من ذلك، فان السلطة لا تفرق في تعامله بين سلطات محلية اغلبية سكانها من المسلمين او المسيحيين او الدروز، وعلى ما يظهر تعاملهم كلهم المعاملة نفسها، كونهم غير يهود، وهذا يعني ان مخصصات الفرد في مجالسهم اقل من المخصصات التي تقرها الحكومة للمجالس المحلية اليهودية.

هناك ادعاء رسمي سائد يبرر قضية صغر حجم الميزانيات المخصصة للمجالس المحلية العربية قياسا باليهودية. ومفاد هذا الادعاء ان الحكومة تدفع نصيبها بحسب نسبة نجاعة السلطات المحلية في جباية الضرائب من السكان، فوفق هذا الادعاء المزعوم، ان فشل رؤساء المجالس المحلية العربية خاصة والمجالس عامة، في اقناع السكان بدفع الضرائب بصورة كاملة وناجعة، يحمل الحكومة على الامتناع من دفع مبالغ اكثر من التي تخصصها في الوقت الحالي.

اننا نفند هذا الادعاء في ثلاث حقائق مترابط بعضها ببعض، هي:

اولا: اذا وجدت هناك فوارق في دفع السكان العرب الضرائب، فهذا الامر لا يعود الى فشل المجالس المحلية بل الى اسباب اخرى بنيوية او اكثر تركيبا، فتوزيع الموارد في الدولة في الاصل بصورة غير متساوية بين المواطنين العرب واليهود يضع السكان العرب في مستوى حياة اقل من السكان اليهود. وعليه، فان المقارنة في دفع الضرائب يجب ايضا ان تأخذ بعين الاعتبار مقارنة مستوى الحياة. في هذه الحالة، ربما يدفع العرب نسبة ضرائب اكبر من التي يدفعها اليهود لسلطاتهم المحلية.

ثانيا: ان نقطة الانطلاق التطويرية للسلطات المحلية اليهودية في واقع بنيوي افضل كثيرا من السلطات المحلية العربية. فبينما يقطن المواطنون اليهود في مستعمرات وبلدات بعد تجهيزها ببنية كاملة من شوارع وكهرباء وجميع المقومات الاقتصادية والحياتية، وفي هذه الحالة قد يكون هم رؤساء السلطات المحلية اليهودية انعاش السكان والحرص على رفاهيتهم ورفع مستوى خدماتهم، فان السكان العرب يفتقرون في قراهم ومدنهم الى بنية تحتية كاملة، وعليه فان قسطا كبيرا من مجهود السلطات المحلية العربية يبذل في مصارعة السلطة بشان اكمال البنية التطويرية. ولهذا الواقع تأثير في مستوى حياة السكان، اذ ان هنالك علاقة مباشرة بين وجود بنية تطويرية كاملة وبين مستوى المبادرات الاقتصادية المحلية التي هي ايضا مقوم لرفع مستوى الحياة في البلد. وبكلام آخر، ان مماطلة السلطة في تقديم الميزانيات اللازمة لتطوير البنية التحتية، تعني ايضا عدم اهتمام السلطة برفع مستوى حياة السكان العرب. وعليه، فلا يعقل ان يطلب من السكان العرب دفع ضرائب لبلدياتهم ومجالسهم المحلية بنسبة تفوق نسبة مستوى الحياة الاقتصادية الحالية.

ثالثا: يوجد في مركب الميزانية العادية فئة دخل مصدرها المصانع والحرف التجارية الموجودة في البلد، وهذه الميزانية هي بمثابة مصدر دخل للبلد. فاذا كانت هنالك حقا نية لدى السلطة في تشجيع هذه الفئة من جباية الضرائب، الامر الذي قد يساعد ايضا السلطة المركزية والمحلية في رفع مستوى الجباية من مصادر محلية، فان الطريقة الوحيدة لذلك هي تغيير كلي في شكل خريطة مناطق النفوذ للقرى العربية الحالية. وهذا يعني ادخال مصانع اقليمية ومصالح اقتصادية اخرى بمحاذاة مجمعات وقرى عربية وضمها اليها. وفي هذه الحالة، سوف تقتطع مناطق نفوذ من مستعمرات يهودية مجاورة، وهذا طبعا شبه مستحيل لان تخصيص موارد لليهود مربوط هو ايضا بسياسة توزيع السكان، وتثبيتهم في مناطق آهلة بالعرب.

من هذا المنطلق، فان السلطة موجودة بين خيارين: اما تشجيع الجباية المحلية من خلال تغيير مناطق النفوذ وتقليل نسبي لاعتماد السلطات المحلية العربية على ميزانيات الحكومة، واما ابقاء الوضع على ما هو عليه، وهو استمرار اعتماد السلطات العربية على الجزء المخصص من الحكومة وعدم المس بمستوى دخل الميزانيات اليهودية المجاورة.

والواقع هنا ان السلطة اختارت الخيار الثاني الافضل لها لضبط العرب اقتصاديا وسياسيا، وهي عمليا لا تريد ان لا تعتمد السلطات المحلية العربية عليها لان لذلك ايضا ابعادا سياسية.

تشير الخريطة رقم (4) الى ان نصيب الضرائب المدفوعة في الميزانية العادية والمستحقة من المصالح التجارية، موزع على ميزانيات السلطات المحلية العربية واليهودية. ان النمط الجغرافي لهذا التوزيع يشبه، الى حد كبير، توزيع المياه وتوزيع الميزانيات العادية، كما ورد في الخريطتين السابقتين (خريطة رقم 1 ورقم 3). هذا، وتظهر الخريطة بعض الاستثناءات في الوسطين العربي واليهودي، كما هي الحال في المطلة ويفنيئيل في الوسط اليهودي وعبلين وكوكب وابوسنان في الوسط العربي. فالمطلة مثلا تتمتع بجباية ضرائب من المصانع الموجودة في مناطق نفوذها، بينما تعتمد يفنيئيل على الزراعة ونصيبها من هذه الضرائب معدوم تقريبا. اما القرية العربية الوحيدة التي تتمتع بهذه الجباية فهي عبلين، وذلك بسبب وجود المنتزهات والمطاعم العربية ومزرعة الخنازير في حيز منطقة نفوذها. اما السلطات المحلية العربية الخاصة بكل من ابوسنان وكوكب ومعليا، فيصل مستوى الجباية فيها الى الصفر، وذلك لاسباب تعود بصورة مباشرة الى تعديلات في مناطق النفوذ في المحيط القريب مها، فمثلا محطة الوقود الواقعة في الطرف الجنوبي لقرية معليا لا تقع في مناطق نفوذ القرية، وقد ضمت الى منطقة نفوذ تابعة لمستعمرة يهودية مجاورة.

 

خلاصة:

ان التوزيع غير المتساوي للموارد الاقتصادية، كالمياه ومناطق النفوذ والميزانيات الحكومية المخصصة للسلطات المحلية العربية واليهودية، يظهر بوضوح دور الحكومة او الدولة غير الحيادي، وان توزيع الموارد مربوط عضويا بالانتساب العرقي للمجموعة السكانية او البلدة التي تخصص الموارد لها. وفي الحالة "الاسرائيلية"، فان الحكومة او الدولة فضلت المجموعة العرقية اليهودية على العربية، ولذا لا يمكننا اعتبار "اسرائيل" دول ذات سمة تعددية، وبالتالي فان المبدأ نفسه ينطبق على المصداقية الديمقراطية المزعومة فيها.

 

 

قائمة المراجع:

- Becker, B.K. (1984). "The State Crisis and the Region Preliminary Thoughts from a Third World Perspective" in: Taylor, P. and House, J. (eds), Political Geography: Recent Advances and Future Directions. London & Sydney: Croom Helm, 81-97.

 

- Falah, G, (1989). "Land Fragmentation and Spatial Control in the

 Nazareth Metropolitan Area," unpublished ms, earlier draft presented at GI Research Group in Political Geography on "The Urban Agglomeration as a Political Arena," Amsterdam, June 4-7, 1989.

 

- Johnston, R. J. (1985). "Local Government and the State," in: Pacione, M. (ed.), Progress in Political Geography. London & Sydney: Croom Helm, 152-167.

 

- Khalidi, R. (1984). "The Arab Economy in "Israel": Dependency of Development in: Journal of Palestine Studies, 51, Xlll/3, 63-86.

 

- Khalidi, R. (1984). "The Arab Economy in "Israel": The Dynamics of a Region's Devolopment. London & sydney: Croom Helm.

 

 Nijim, B.K. (1990). "Water Resources in the History fo the Palestine--"Israel" Conflict," Geojournal, forthcoming.

 

- Oates, W.E. (1972). Fiscal Federalism, New York: Harcourt Brace

Jovanovich.

 

- paddison, R. (1983). The Fragmented State. The Political Geography of Power. Oxford: Basil Blackwell.

 

- State of "Israel", (1985). Central Bureau of Statistics. Agricultural and Rural Census 1981, The Village in "Israel", "Jerusalem".

 

- ______, (1988). Central Bureau of Statistics. List of Localities, Their Population and Codes, 31 XLL 1987. "Jerusalem" (in Hebrew).

 

- ______, (1989a). Central Bureau of Statistics. Local Authorities in "Israel" 1986/87, Phusical Data. Special Series No. 841. "Jerusalem" (in Herbrew).

 

- ______, (1989b). Central Bureau of Statistics. Local Authorities in "Israel" 1986/87, Financial Data. Spcial Series No. 860. "Jerusalem" (in Hebrew).

 

 

الجدول رقم (1)

توزيع المياه في القطاع الريفي في "اسرائيل" بحسب نوع الموقع (1981)

 

المياه بآلاف الامتار المكعبة (%)     السكان (%)     عدد المراكز السكنية

 604.943   (54.9) 41.629     (3.8) 424.828   (38.6) 25.691     (2.3) 4.630       (0.4)     108.345  (32.8)7.645      (2.3)134.134  (40.7)34.236    (10.4)45.447    (13.8)     الكيبوتسات              262الموشافات الجماعية   44الموشافات               392القرى اليهودية          42القرى العربية           69

 1.101.721 (100)     329.807 (100)     المجموع                 809

 

المصدر: حسبت من :

State of "Israel", Central Bureau of Statistics. Agricultural and Rural Census 1981, The Village in "Israel", Agricultural and Rural Census 1981, Series No. 2, "Jerusalem 1985.

 

الجدول رقم (2)

احتياطي المياه لسلطات محلية يهودية وعربية مختارة، في لواء الشمال (1986ـ 1987).

 

معدل الامتار المكعبة لكل فرد     المياه بآلاف الامتار المكعبة     عدد السكان (1987)     

7264615754545347434342414039383734323231303028     4163.1623381.107405375303318648306509396447245555330216250208185162168218     5.75049.4005.58019.4007.4906.9005.7006.72014.9007.10012.1009.67011.2006.28014.8009.0406.4207.7606.5305.9605.4805.5407.800     أ ـ المراكز السكنية العربية:كفرياسيفالناصرةالرامةشفاعمرويركاابوسنانالمكرعبلينتمرةمجد الكرومالمغركفركناعرابةاكسالسخنينيافابيت جنالرينةطرعانعين ماهلنحفكابولكفرمندا

47.4     11.267     237.520     المجموع

1921811771681551541261201051051051008987     2.5022.8052.9101.1155.6774.5381.8463.6819262.5402.0302.5081.020489     13.00015.50016.4006.63037.200*29.40014.60030.8008.860**24.20019.40025.100***11.4005.640     ب ـ المراكز السكنية اليهودية:بيسانكريات شمونةصفدحاتسورعكانهاريامغدال هعيمكطبريامعالوت ـ ترشيحاالعفولةكرميئيلالناصرة العلياكريات تفعونيوكنعام عيليت

134.4     34.686     258.130     المجموع

 

المصدر: حسبت من :

  State of "Israel", Central Bureau of Statistics. Local Authorities in "Israel" 1986/87, Physical Data. Special Series No. 841. "Jerusalem" 1989a, pp. 109-111.

 

* منهم 8.300 عربي.

** منهم 2.900 عربي.

*** منهم 3.200 عربي.

 

الجدول رقم (3)

تصنيف الميزانية العادية لكل فرد في السلطات المحلية اليهودية والعربية في لواء الشمال (1986/1987)، بحسب المركز وعدد السكان.

 

العرب

النسبة المئوية     عدد السكان     النسبة المئوية     عدد المراكز     الفئة استنادا الى دخل الفرد بالشيكل

40564     118.750165.67010.6100000     41545     1722200000     130 ـ  199200 - 399400 - 599600 - 799800 - 9991000 - 15991600 - 2399

100     295.030     100     41     المجموع

 

اليهود

النسبة المئوية     عدد السكان     النسبة المئوية     عدد المراكز     الفئة استنادا الى دخل الفرد بالشيكل

32342941     0086.00093.08079.40710.0011.544     12.52137.5218     0035952     130 - 199200 - 399400 - 599600 - 799800 - 9991000 - 15991600 - 2399

100     270.032     100     24     المجموع

المصدر: حسبت من:

 

State of "Israel". Central Bureau of Statistics. Local Authorities in "Israel" 1986/87, Financial Data. Special Series No. 860. "Jerusalem" 1989b table 15,pp. 67-72 (in Hebrew).

الخريطة رقم (2)

الخريطة رقم (3)

الخريطة رقم (4)

الملحق رقم (1)

عيلبون: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (2)

كفرمندا: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (3)

دير الاسد: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (4)

كفر ياسيف: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (5)

دير حنا: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (6)

الرامة: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (7)

ابوسنان: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية

الملحق رقم (8)

مجد الكروم: نموذج لملكية الاراضي في اطار الحدود القانونية