“اسرائيل” والتمييز العنصري ضد فلسطينيي العام 1948

 

توفيق شومان / كاتب لبناني


مقدمة:

يتجاوز عدد السكان الفلسطينيين المقيمين في الاراضي المحتلة في العام 1948 مليون ومئة الف نسمة، يتوزعون على ثلاث مجموعات طائفية هي: مسلمون سنة، دروز ومسيحيون، وفي حين يغلب الطابع الاسلامي على هذا الوسط الفلسطيني، فان عدد المسيحيين يقارب 150 الف نسمة، فيما يقدر عدد الدروز بـ 120 الف شخص.

حين قيام “اسرائيل” في العام 1948، لم يكن عدد الفلسطينيين داخل "الخط الاخضر" يتجاوز 60 الف نسمة، وكانت الولاءات العشائرية والعائلية تعصف بالنسيج الاجتماعي هناك، وهو امر كان لا بد للاسرائيليين من ان يمدوه بعوامل التغذية والاحتقان. وترافق كل ذلك مع حال احباط عربية عامة ناتجة عن ظروف وعوامل قيام دولة العدو، فضلا عن عجز العرب في ايفاء وعودهم باسترداد فلسطين.

وجراء العوامل المذكورة، سرى خطاب (المصالحة مع “اسرائيل”) من قبل بعض زعماء العشائر والعائلات، وكان لمثل هذا الخطاب ان يروج لدى شرائح معينة، خاصة انه ترافق بالمقابل مع خطاب “اسرائيلي” روجت له النخبة السياسية، ومفاده ان “اسرائيل” الوليدة سوف تكون "دولة كل المواطنين" و "دولة المساواة".. حدث ذلك قبل الاعلان رسميا عن ولادة “اسرائيل” كدولة، واستمر الامر عل حاله بعد الاعلان، ليتعزز الاتجاه المذكور عبر عامل فرض الجنسية “الاسرائيلية” على العرب، ووقوع هؤلاء بين خياري الموافقة او الرحيل.

واجمالا فان الحديث عن فلسطينيي العام 1948، يتطلب تتبع المراحل التي تعاقبت على هؤلاء وذلك كالتالي:

 

(1948ـ1967)

تتميز هذه المرحلة بحالة العزل التي عاشها فلسطينيو الخط الاخضر، وهي الحالة المتأتية من قطع “اسرائيل” لاي اتصال مع هؤلاء العرب في الخارج، وهو الامر الذي حصر حركة هؤلاء في وسط ضيق. وكل هذا جعل فلسطينيي "الخط الاخضر" مرميين بالعديد من الاسئلة المعلقة بـ "الاسرلة" التي راح البعض يتحدث عن تكيفهم معها.

وبالامكان القول ان العديد من هذه الاتهامات ـ ان لم يكن بمجملها ـ جاء من دون قراءة الظروف والمعطيات شديدة الخصوصية التي يعيشها هؤلاء، ومع ذلك فان الاسئلة التي راحت توجه لهم، منطلقة اولا من حمل الجنسية “الاسرائيلية”، وثانيا من تلقيهم التعليم في المدارس “الاسرائيلية”، واقبالهم على تعلم اللغة العبرية، فضلا عن حالة التجاور المفروضة عليهم مع المحتلين، وفوق ذلك خضوعهم لمؤثرات الاعلام “الاسرائيلي”.

هناك دراسة نشرتها مجلة "الدراسات الفلسطينية" بعد انطلاقه عملية التسوية في العام 1991، خلصت فيها الى الاشارة الى ان حالة العزل التي عاشها فلسطينيو 1948، دفعت بقسم منهم الى الوقوع في الخلط الانتمائي، ذلك ان نسبة لا باس بها من هؤلاء كانت تقدم نفسها "كفلسطينية ـ “اسرائيلية”". الا ان الدراسة لاحظت انه مع تطور آليات الصراع الفلسطيني ـ “الاسرائيلي”، والعربي ـ “الاسرائيلي” انخفضت هذه النسبة، وكانت منخفضة بالاصل في حين ان الانتماء الفلسطيني في بعده العربي ارتفع بالمقابل، وكان من جملة اسبابه سقوط الشعارات التي رفعتها “اسرائيل” في البداية، وهي "دولة المساواة"، اضافة الى عوامل وعناصر اخرى سوف يتطرق اليها بعد حين.

 

(1967ـ 1978)

اسفرت حرب حزيران 1967 عن احتلال العدو “الاسرائيلي” لكامل الاراضي الفلسطينية، وادى هذا الامر الى انفتاح فلسطينيي "الخط الاخضر" على فلسطينيي غزة والضفة الغربية والقدس. هذا الاحتلال ـ الانفتاح، اول ما سطر نفسه باعادة التواصل بين الفلسطينيين، واوجد هذا العامل، بل ايقظ حالة وعي كانت مفقودة او كامنة. وفي هذه الفترة التي شهدت انطلاقة المقاومة الفلسطينية وما افرزته من بعث للهوية الفلسطينية، ادت الى تعميق حالة الوعي الوطني ـ العربي في نفوس فلسطينيي الخط الاخضر. وجاءت معركة "الكرامة" في العام 1968 بين المقاومة والعدو “الاسرائيلي” لتزيد من الانفعال بالهوية الفلسطينية، وبعد ذلك جاءت احداث الاردن في العامين 1970 و1971 لتوسع رقعة الانفعال تلك، واذ تلا ذلك وقوع حرب العام 1973 بين العرب واسرائيل فان الوعي بالهوية الفلسطينية ببعدها العربي، كان له العامل الحاسم في ترسيخ الهوية المذكورة، وعليه فالانتفاضة الكبرى لهؤلاء في العام 1976 والمعروفة بـ "يوم الارض" لم تدع أي مجال للشك بالانتماء العربي الاسلامي لفلسطينيي الخط الاخضر.

وفي مرحلة السبيعينات، بدأ الوعي الاسلامي يسجل حضوره القومي في نفوس هؤلاء الفلسطينيين، وجاءت الثورة الاسلامية في ايران لتعيد التهاب المشاعر وتعزز حالة اسلامية قوية بين صفوف فلسطينيي "الخط الاخضر"، وفعل ايضا الاجتياح “الاسرائيلي” للبنان في العام 1982، فعلته بتعميق انتماء هؤلاء، وخصوصا ان الاجتياح ترافق مع مجازر صبرا وشاتيلا، ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام 1987، كان فلسطينيو العام 1948 قطاعا رائدا فيها.

 

(1987...)

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، كان الحديث الشكاك بهوية فلسطينيي العام 1948 قد تلاشى كليا وغدا من الماضي، وشهدت المدن والقرى الفلسطينية العديد من حالات التضامن مع فلسطينيي العام 1948، والعديد من حالات الاستنهاض التي اكدت تعلق هؤلاء بهويتهم وقضيتهم وفضائهم الفلسطيني العربي ـ الاسلامي. واذ تأتي الاحداث في هذه المرحلة، فانها اتت لتؤكد ان هؤلاء الفلسطينيين الذين كانوا مقصيين من الجانب العربي، هم في حقيقة الامر منبذون في “اسرائيل”، ومستهدفون في كل يوم ولحظة.

 

الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية

لا مناص من القول ان فلسطينيي العام 1948 هم "مواطنون" من الدرجة الثانية في “اسرائيل” بل هم في الدرجة الثالثة، اذا اخذ بعين الاعتبار ان اليهود الشرقيين ادنى درجة في المواطنية من اليهود الغربيين.

فعلى المستوى الاقتصادي، من المهم القول ان الركيزة الاقتصادية الاولى لهؤلاء الفلسطينيين كانت تعتمد على القطاع الزراعي. ومع عملية مصادرة الاراضي، كان هذا القطاع قد ضرب تماما. فيما لم تعمد الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة الى ايجاد بنية صناعية تعويضا عن "الزراعة" وادى كل ذلك الى ان يندفع فلسطينيو العام 1948 الى العمل في المدن اليهودية. وفي احصائية صدرت في العام الماضي، يمكن ملاحظة التالي:

1 ـ من بين القرى الاكثر فقرا في “اسرائيل” هناك 9 قرى عربية ولا يوجد واحدة يهودية.

2 ـ من بين القرى “الاسرائيلية” الـ 39 الفقيرة، توجد 29 قرية عربية.

3 ـ بين القرى “الاسرائيلية” الاكثر غنى، يوجد 40 قرية يهودية ولا يوجد أي واحدة عربية.

وفي احصائية اخرى جاء التالي:

أ ـ في "وزارة البيئة “الاسرائيلية”"، يعمل 400 شخص، من بينهم 10 فقط من العرب.

ب ـ في "وزارة الصحة"، هناك 27330 موظفا، من بينهم 1731 عربيا.

ج ـ في "وزارة الامن الداخلي"، هناك 150 موظفا، من بينهم عربي واحد.

د ـ في "وزارة البناء والاسكان"، هناك 300 موظف، بينهم 3 من العرب.

هـ ـ في "وزارة التربية"، 2700 عامل، من بينهم 118 عربيا.

و ـ في "وزارة النقل" 640 موظفا، بينهم 6 من العرب.

ز ـ في "وزارة المواصلات" 180 يهوديا ليس بينهم أي من العرب.

وفي جدول ثالث يمكن قراءة التالي:

1 ـ نسبة الاجراء العرب الذين يتقاضون الحد الادنى هي 44 في المئة.

2 ـ وفيات الاطفال لدى العرب 8.8 بالالف، وعند اليهود 4.7 بالالف.

3 ـ من بين 500 عضو في السلك الاكاديمي هناك 50 فقط من العرب.

4 ـ عدد القضاة اليهود 426 قاضيا، وعدد القضاة العرب 19 فقط.

ان مجمل الوارد آنفا، يشير الى حالة التمييز العنصري التي يعيشها فلسطينيو العام 1948، وزيادة على ذلك، فان مدينة الناصرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 70 الف شخص، محصورة بمساحة تقدر بـ 16 الف دونهم، فيما ضاحيتها اليهودية التي لا يتعدى عدد سكانها 30 الف، تمتد على مساحة قدرها 450 الف دونم.

 

الاوضاع السياسية

ينضوي فلسطينيو العام 1948 في العديد من الهيئات والقوى والاحزاب السياسية منها:

1ـ الحزب العربي الديمقراطي، اسسه عبدالوهاب الدراوشة في العام 1988.

2ـ التجمع الوطني الديموقراطي، اسسه عزمي بشارة في العام 1996.

3ـ الحركة الاسلامية، وتعود جذورها الى السبعينات، وهي الان منشقة على نفسها، واحدة بقيادة الشيخ عبدالله نمر درويش، والثانية بقيادة الشيخ رائد صلاح.

4ـ "حداش" وهي الشريحة الشيوعية الفلسطينية التي انفصلت عن حزب "راكاح" الشيوعي “الاسرائيلي”.

5ـ حزب الوحدة الوطنية، اسسه هاشم محاميد.

6ـ الحركة العربية للتغيير بقيادة احمد الطيبي.

7ـ الحزب العربي الجديد بقيادة حكوم مخول.

8ـ القائمة البدوية بقيادة ابراهيم عبيدات.

واجمالا تبقى اشارة فائقة الاهمية حول الاوضاع السياسية لفلسطينيي العام 1948، وتتعلق بتعيين عربي (نواف مصالحة) نائبا لوزير الخارجية، وهنا يعلق عزمي بشارة بالقول: ان هذا المنصب ليس له دور على الاطلاق، انه دور اعلامي يخدم اليهود في الخارج فقط خاصة لدى الرأي العام الدولي، فوزير الخارجية (ديفيد ليفي) في حكومة باراك استقال لان لا دور له.. فكيف لنائب وزير الخارجية؟؟.