تحوَّل النظام الاستيطاني
الصهيوني عن
الإحتلال وأصبح نظاماً مبنياً على التفرقة
العنصرية (الأبارتهايد)
الإجماع
الصهيوني بقلم: د·عبد الوهاب المسيري
الاتحاد الاماراتية 3-6-2001
![]()
اغتصب المستوطنون
الصهاينة أرض فلسطين وطردوا معظم سكانها
وأسَّسوا دولتهم الصهيونية، وهي دولة تستند
إلى ما نسميه الإجماع الصهيوني· والإجماع في
عالم السياسة هو الاتفاق بين النخبة
والغالبية الساحقة من الشـعب بشأن عدد من
المسـلمات الفلسـفية والأخلاقية والسياسية·
والإجماع الصهيوني هو اتفاق داخل الدولة
الصهيونية بين التيارات والاتجاهات والأحزاب
الصهيونية التي تضم الغالبية الساحقة من
المستوطنين الصهاينة بشأن الأمن وحدود
الدولة والعلاقة مع الفلسطينيين ومع يهود
العالم ودول العالم، وبخاصة دول العالم
الغربي وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي
ترعى الكيان الصهيوني· وقد تظهر اختلافات
بشأن الوسائل والنهج، ولكنها لا تنصرف قط إلى
المسلمات النهائية· والعقد الاجتماعي الذي
يستند إليه التجمُّع الصهيوني هو نفسه هذا
الإجماع، وهو الذي كان يشكل المرجعية
النهائية لكل الأحزاب والتيارات الصهيونية·
والإجماع الصهيوني يصدر عن
جملة واحدة : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض· هذه
الجملة البسيطة العنصرية الإباديّة يتم
تطويرها على شكل بناء أيديولوجي ومصطلحي
متماسك، مع إضافة الديباجات اليهودية التي
أضفت بُعداً تاريخياً وجمالياً على الرؤية
العنصرية الإبادية حتى تبدو كما لو كانت
أمراً إنسانياً رائعاً· ويمكن تلخيص بنود
الإجماع الصهيوني فيما يلي :
1 - اليهود شعب واحد، طليعته هم
المستوطنون الصهاينة، وفلسطين هي أرض
الميعاد أو إرتس يسرائيل (وطن اليهود القومي)
وليست فلسطين، وطن أهلها، وعلى يهود العالم
أن يهاجرو إلى إرتس يسرائيل وأن يلتفوا حول
دولتهم الصهيونية القومية ويقوموا بدعمها
مالياً وسياسياً فهي المركز وهم الهامش· هذه
الدولة يجب أن تكون دولة يهودية خالصة (دولة
اليهود ودولة يهودية في آن واحد) تجسِّد الرؤى
اليهودية وبإمكان اليهودي أن يحقِّق فيها
ذاته وهويته·
2 - وجود الفلسطينيين في وطنهم
فلسـطين - حسـب التصوُّر الصهيوني - أمر عرضي
زائل، ومن ثم لا بد من التخلص منهم إما بالطرق
السلمية أو الإرهابية· وانطلاقاً من كل هذا
يصبح من حق الدولة الصهيونية أن تدافع عن
نفسها وعن حقوقها المطلقة بكل ضراوة من خلال
جيش الدفاع الإسرائيلي ضد إرهاب السكان
الأصليين، أي الفلسطينيين ممن يرفضون
الإذعان للرؤية الصهيونية· وقد تتفاوت
مفاهيم السلام بين حزب صهيوني يميني وآخر
صهيوني يساري، ولكن في التحليل الأخير نجد أن
مفهوم الأمن لدى الأحزاب الصهيونية من أقصى
اليمين إلى أقصى اليسار يشير إلى مضمون جوهري
واحد· فالتيار العمالي يتبنَّى مقولة بن
جوريون إن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة· أما
التيار التصحيحي فيتبنَّى نظرية فلاديمير
جابوتنسكي بشأن الجدار الحديدي وهي النظرة
التي طوَّرها شارون إلى مفهوم الجدار
الفولاذي، وأكدها نتنياهو (وقد وافق باراك
على هذا بطريقة ملتوية مراوغة) في كتابه مكان
تحت الشمس في مفهومه عن سلام الردع· وقد
تبدَّى هذا في كل الترتيبات العسكرية
الصهيونية ابتداءً من أصغر الأسلحة شأناً حتى
الردع النووي·
وينظر الصهاينة إلى القضية
الفلسطينية باعتبارها قضية أخلاقية وحسب،
ومن ثم يجب عدم الحديث عن عودة الفلسطينيين
إلى ديارهم (إعادة توطينهم في المصطلح العربي)،
وإنما يجب الحديث عن منح تعويضات مالية
للمتضررين منهم (وهذا استمرار للعقلية
التجارية القومية الصهيونية، التي ترى أن كل
شيء يُباع ويُشترى بما في ذلك الأوطان)· أما
المتبقون فيُستوعبون في أماكن وجودهم (أي في
البلدان العربية المختلفة، وبخاصة سوريا
ولبنان)·
3 - سياسة الأمر الواقع هي
السياسة الوحيدة التي يمكن اتباعها مع العرب،
فالأمر الواقع هو الذي يغيِّر الواقع العربي
ويفرض واقعاً صهيونياً جديداً عليه ويمكن
تحقيق السلام وبالشروط الصهيونية من خلاله·
4 - لا يمكن تفكيك المستوطنات
القائمة بالفعل، فتفكيك المستوطنات يضرب في
صميم الشرعية الصهيونية، ولابد من الحفاظ
عليها بشكل أو بآخر· ولكن، هل يجب أن تكون هذه
المستوطنات متصلة، بطرق برية أم أنفاق تحت
الأرض، أم أن تظل منفصلة ؟ وهل هي مستوطنات
مؤقتة (أمنية) أم دائمة (عضوية، إن صح التعبير)
؟ كل هذه أمور ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها
بين أعضاء حزب العمل وحزب الليكود·
5 - القدس هي العاصمة الموحدة
والأزلية للدولة الصهيونية (وليست موضوعاً
للمساومة) وبإمكان الفلسطينيين أن يأخذوا
مكاناً خارج القدس وليسموه ما يشاءون، Quds
`dG على سبيل المثال،
وهذه (مع الأسف) ليست مجرد نكتة سياسية وإنما
حقيقة صهيونية·
6 - الدولة الصهيونية تضم الضفة
الغربية، وحدودها هي نهر الأردن· ويختلف
العماليون فيما بينهم، كما يختلفون مع أعضاء
الليكود، عما إذا كان الوجود الإسرائيلي على
نهر الأردن مستمراً (عضوي دائم) أم مؤقتاً (أمنيا)
إذ يرى أعضاء الليكود أن حدود إسرائيل هي نهر
الأردن بالفعل وأن الوجود الإسرائيلي هناك
وجود دائم، أما العماليون فهم مستعدون للخروج
من هذه الأرض من الناحية النظرية على الأقل)·
7 - الكيان الفلسطيني الذي سينشأ
بعد ذلك (في الضفة والقطاع) كيان سياسي منقوص
السيادة، منزوع السلاح وبدون جيش· ويشبَّه
هذا الكيان ببورتوريكو وأندورا (والأولى دولة
حرة، تابعة للولايات المتحدة، لسكانها حق
التصويت، دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية،
أما الثانية، فتخضع لنظام حكم تحت سيادة
فرنسا وأسقف من إسبانيا (فهي تقع بين البلدين)·
أما ماذا تُسمَّى هذه الدولة (هل هي حكم ذاتي
أم دولة فلسطينية مستقلة ؟) فهذه مسألة ثانوية
يمكن الاختلاف بشأنها·
8 - تنازل معظم الصهاينة عن
الشعارات القديمة مثل إسرائيل الكبرى
حدودياً (أي إسرائيل الممتدة من النيل إلى
الفرات)، وبدأوا في تبني شعارات مثل إسرائيل
العظمى اقتصادياً المهيمنة على المنطقة
الممتدة من المحيط إلى الخليج، فهذا هو عصر
النظام العالمي الجديد وما بعد الحداثة، وقد
أثبت الصهاينة مقدرة غير عادية على التكيف مع
المعطيات الدولية، وهذه سمة أساسية للدولة
الوظيفية·
9 - يذهب الإجماع الصهيوني - رغم
كل ديباجات الاستقلال الصهيوني والاعتماد
على الذات ورفض الأغيار - إلى أنه دون الدعم
الغربي، وبخاصة الأمريكي، للمستوطن الصهيوني
لن يُقدر له البقاء والاستمرار، وأن هذا
المستوطن الصهيوني هو أساساً دولة وظيفية
أُسست للاضطلاع بوظيفة أساسية، هي الدفاع عن
المصالح الغربية، وأن الغرب قد تبنى المشروع
الصهيوني وضمن له البقاء والاستمرار كي يدافع
عن مصالح الغرب في المنطقة، ودون أداء هذه
الدولة لوظيفتها، لن يكون هناك دعم·
وقد اهتزت بنود هذا الإجماع
الواحد تلو الآخر، فمسألة أن اليهود شعب واحد
ثبت كذبها· فأعضاء هذا الشعب سعداء في منفاهم
ولم يهرعوا إلى أرض الميعاد· كما أن الفشل
الصهيوني - الإسرائيلي في تعريف اليهودي
مشكلة أساسية تقوض الإجماع الصهيوني وتهدده·
أما بخصوص الفلسطينيين فقد
أدرك الصهاينة صعوبة التخلص منهم ومن وجودهم
العرضي الزائل· ولذا يحاول الصهاينة الآن
قبول الأمر السكاني الواقع مع الاتجاه نحو
تقليل الاحتكاك بالفلسطينيين ومحاصرتهم عبر
إقامة كيان خاص بهم، لأنهم يهددون شرعية
الوجود الصهيوني ذاته· ولكن الحديث عن محاصرة
السكان هو نفسه دليل على الفشل الصهيوني في
إنشاء الدولة الصهيونية الخالصة، وفي حماية
المزاعم الصهيونية التي تحدتها انتفاضة 1987
وانتفاضة الأقصى· وقد تحوَّل النظام
الاستيطاني الصهيوني عن الإحلال وأصبح
نظاماً مبنياً على التفرقة العنصرية (الأبارتهايد)·
وقد أثبتت انتفاضة 1987 وانتفاضة
الأقصى والحزام الأمني في لبنان عدم جدوى
الأمر الواقع وعبثيته واستحالة فرض السلام
بالشروط الصهيونية· ولذا نجد أن الإجماع
الصهيوني قد اهتز بشأن غزوات إسرائيل
العسكرية (والتي تحاول من خلالها فرض الأمر
الواقع والسلام بالشروط الصهيونية)·