السلوك التفاوضي الإسرائيلي

المقدمة

 

       تحاول ''إسرائيل'' بشكل واضح وصريح، خلق وصياغة مرجعيات جديدة لعمليات السلام، ترمي الى تكريس الإحتلال ونبذ كل ما اتُفق عليه، وفرض سياسة الأمر الواقع والحل ''الإسرائيلي'' على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى.

      وعلى ذلك، فإن السؤال الذي يستحق المعالجة والتحليل: ما هي هذه "المرجعيات الجديدة"؟ وكيف تتعارض أو تتجاوز المرجعيات القانونية والدولية التي بدأت المفاوضات على أساسها؟ وما هو المخرج الآن؟

      الواقع أن الأسلوب التفاوضي ''الإسرائيلي'' شرع منذ نهاية الستينات، في فرض شروطه وأحكامه، بدءاً من ضرورة التفاوض الثنائي من دون أي مرجعيات دولية قانونية. وهذا الأسلوب ''الإسرائيلي'' أنتج "كامب ديفيد" والمعاهدة المصرية  - ''الإسرائيلية''، ولا يزال لغاية الساعة عنواناً ثابتاً لمباشرة أي تفاوض عربي - ''إسرائيلي'' أو لمعاودته. فما هي إذاً أهم ملامح هذا السلوك التفاوضي ''الإسرائيلي''؟

 

أولاً: التعاقدية الثنائية بدلاً من المرجعية الدولية

      تدرك ''إسرائيلي'' أن سياستها العامة تتعارض مع الأحكام القانونية الدولية، وتدرك أيضاً أن هذه السياسة لا تخالف الإتفاقات العامة فحسب، وإنما تنتهك أحكام القانون الدولي أيضاً. وتواجه ''إسرائيل'' بعشرات، بل مئات، القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة أو عن مجلس الأمن، والتي تدين الدولة اليهودية وتطالبها بالرجوع عن هذه السياسة. وبسبب هذا التخوف ''الإسرائيلي'' الدائم من أحكام الشرعية الدولية، كانت ''إسرائيل''، ولا تزال، تصر على اعتماد الإتفاقات الثنائية التعاقدية، وترفض جميع القرارات الدولية، محاولة إخضاعها لمحكمتها العليا أحياناً، ولإرادتها العسكرية وتعنّتها السياسي أحياناً أخرى (1) .

      واستناداً لذلك، يبدو مسار التفاوض الثنائي، الذي لا يلتزم مرجعية قانونية دولية، أسلم سلوكاً وأضمن "نتيجة، لأنه يساعد لمجرد حصوله، على إبراء ذمة ''إسرائيل'' من معظم الأعمال التي صدرت القرارات الدولية بإدانتها. وتساعد المفاوضات الثنائية أيضاً على استبعاد التوصيات والقرارات الدولية الملزمة التي تطالب ''إسرائيل'' بالتزامها تحت طائلة العقوبات المناسبة. وهكذا، يبرز الفارق الكبير بين دولة تخالف القانون الدولي بشكل سافر يستدعي العقاب المناسب، وبين حالة أخرى للدولة ذاتها التي لا يحاسبها أحد على هذه المخالفة إذا التزمت تعهداتها التعاقدية الجديدة. وإذا استعرضنا، على سبيل المثال، بعض هذه المرجعيات القانونية الدولية ومحاولات ''إسرائيل'' إستبعادها أو استبدالها بمرجعيات ثنائية - تعاقدية، أو حتى وعود قد تصدق جزئياً وقد لا تصدق، ندرك مدى خطورة هذا السلوك التفاوضي ''الإسرائيلي''، ومدى انزلاق المفاوض الفلسطيني الى التورط فيه.

 

أ - تقرير المصير:

      يعتبر الحق في تقرير المصير من الحقوق الإنسانية غير القابلة للتصرف. وهو ركن أساسي من الأركان التي تستند إليها الأمم المتحدة بدءاً بالمادة الأولى من ميثاقها، والتي تعتبر أن من أهداف المنظمة الدولية "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام الحقوق المتساوية وتقرير المصير للشعوب". ثم تطور مفهوم هذا الحق، وجرى تعميمه في قرارات دولية لاحقة (2) . وتؤكد جميع هذه القرارات الحق في تقرير المصير، وترفض أي محاولة قد تؤدي الى تعطيله، جزئياً أو كلياً، أو تحول دون ممارسته بحرية وكرامة. وكانت للشرعة الدولية للحقوق السياسية والمدنية الصادرة في العام 1966 (3) . توكيد آخر على أن "لكل الشعوب الحق في تقرير المصير، ولها بموجب هذا الحق أن تقرر بحرية وضعها السياسي، وأن تسعى بحرية أيضاً الى تنميتها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية". كذلك صدرت اجتهادات دولية عدة تؤكد على أن مبدأ الحق في تقرير المصير يتوافر من حيث صلاحيته القانونية، في سياق القانون الدولي. واليوم بات الحق في تقرير المصير في عداد "القواعد الآمرة" في القانون الدولي، يجب أن تلتزمها الدول كافة، وأن تكيف التزاماتها التعاقدية على أساسها (4) . ومن المعروف أن المادة 53 من قانون المعاهدات الدولية تنص على "أن الإتفاقية الدولية تُعتبر ملغاة حكماً إذا تعارضت مع قاعدة آمرة في القانون الدولي".

      وكان المفاوض ''الإسرائيلي'' يدرك أبعاد هذا الحق ويخشى نتائجه، ولا يزال، ويعرف أيضاً مدى إلزاميته القانونية الذاتية (''إسرائيل'' وقّعت جميع المعاهدات الدولية التي أكدت هذا الحق). لذلك، كان الحل الوحيد لدى هذا المفاوض هو الخروج عن الإلزامية التلقائية للحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وحمل المفاوض الفلسطيني على اعتماد ثنائية تعاقدية بديلة.

      وهكذا جاء "اتفاق أوسلو" من دون إشارة واحدة، ولو عابرة، للحق في تقرير المصير، وتضمّن عوضاً عن ذلك، آلية مرحلية غامضة من دون أفق محدد وواضح. فالحكم الذاتي المجتزأ للضفة الغربية وغزة لم يتضمن طبعاً أي إطار للحق في تقرير المصير. كذلك، فإن التفاوض على الوضع النهائي غير مرتبط بهذا الوضع الإنتقالي الراهن. وهو غير هادف أيضاً الى ممارسة الحق في تقرير المصير، وفقاً لما جاء في "اتفاق أوسلو" (5) . وإذا كان من المنتظر طبعاً أن يطالب المفاوض الفلسطيني بممارسة هذا الحق مع تحقيق الوضع النهائي للحكم الفلسطيني، فإن المفاوض ''الإسرائيلي'' يعلن سلفاً اعتراضه على هذا الأمر، وبذلك استطاع أن يحوّل هذه المرجعية القانونية الملزمة بصدد الحق في تقرير المصير الى موضوع تفاوضي خاضع للمساومة الثنائية والإتفاق التعاقدي بين الفريقين.

 

ب - القانون الإنساني الدولي:

      تمثّل اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، جزءاً أساسياً من القانون الإنساني الدولي. وهذه الإتفاقية ترعى حماية السكان المدنيين الواقعين تحت الإحتلال. وبما أن ''إسرائيل'' تمثّل منذ العام 1967 "القوة القائمة بالإحتلال"، وذلك بموجب العديد من القرارات الدولية المتتابعة، فإن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق عليها بكل أحكامها، علماً أن ''إسرائيل'' نفسها قد وقّعت الإتفاقية منذ العام 1951. ومع أن الإحتلال غير مبرر وغير مشروع أصلاً، ويقتضي بالتالي إزالته، فإن هذه الإتفاقية تأتي لضمان حقوق السكان المدنيين بانتظار رفع هذا الإحتلال نهائياً عنهم. وقد أوردت اتفاقية جنيف عدداً من الأحكام أهمها:

      - إن للسكان المدنيين، الواقعين تحت الإحتلال، الحق في التمتع بحقوقهم الإنسانية، وبحماية أشخاصهم وعائلاتهم وممتلكاتهم الخ..

      - ومن مقتضيات هذه الحماية، أن القوة القائمة بالإحتلال يجب ألا تصادر الأملاك من دون مبرر قانوني كافٍ، ولا أن تعاقب الأفراد من دون محاكمة عادلة، ولا أن تشتت العائلات، ولا أن ترحّل الأفراد الخ.. كذلك لا يحق للقوة القائمة بالإحتلال أن تقوم بأي تغيير ديموغرافي في المناطق المحتلة، ولا أن تنقل أياً من مواطنيها الى إقليم هذه المناطق المحتلة.

      - إن كل اتفاقية تعقدها القوة القائمة بالإحتلال مع ممثلين للسكان المدنيين، لا يعتدّ بها إلا إذا أعطت هؤلاء السكان حقوقاً أكثر مما تمنحهم اتفاقية جنيف ذاتها (6) . ولهؤلاء السكان الحق في إبطال هذه الإتفاقيات الخاصة إذا كانت تتعرض فعلاً لضماناتهم الإنسانية، التي لحظتها اتفاقية جنيف.

 

      ولدى مراجعة "اتفاق أوسلو" والإتفاقات التنفيذية اللاحقة له بين ''إسرائيل'' ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم السلطة الفلسطينية، يتبيّن:

      - أن إصرار ''إسرائيل'' على الصيغة التعاقدية  - الثنائية كان يقصد أولاً التملص من أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وإحلال الأحكام التعاقدية محلها.

      - أن البنود التعاقدية الثنائية جعلت ''إسرائيل'' طرفاً تعاقدياً مع الجهة الأخرى، وبالتالي أغفلت واقع الأمر قصداً. فـ''إسرائيل'' بعد "اتفاق أوسلو" لم تعد مجرد القوة القائمة بالإحتلال في إطار تعاملها مع الجانب الفلسطيني، وإنما أصبحت طرفاً تعاقدياً معه. ولم يعد مستغرباً حيال هذا الأمر، أن يصار الى تغييب كامل لأحكام هذه المرجعية الدولية، والى تهميش كامل أيضاً لسائر قرارات مجلس الأمن التي تصف الأراضي بأنها "أراضٍ محتلة". كما تصف ''إسرائيل'' بأنها "القوة القائمة بالإحتلال". ومما لا شك فيه أن هذا التوصيف القانوني الدولي كان، ولا يزال، كافياً لإدانة ''إسرائيل''، وإسقاط كل مبرر يمكن أن تتذرع به للإستمرار في سياستها الإستيطانية. ولكن ''إسرائيل'' استطاعت أن تحمل الفريق الفلسطيني المفاوض على اعتبارها طرفاً تعاقدياً يطالبها فقط بما التزمته في اتفاقاتها الثنائية التعاقدية معه (7) .      

      - أن "اتفاق أوسلو" نفسه لحظ لجنة خاصة لتسوية المنازعات بين الطرفين. واستناداً لهذا البند التعاقدي، بدأت الولايات المتحدة تعترض على أي شكوى فلسطينية مقدمة الى مجلس الأمن (8) ، بحجة أن هذا المجلس لم يعد صالحاً للنظر في مثل هذه الشكاوى التي يجب رفعها الى اللجنة المذكورة، وبذلك حُجبت عن المسؤولين الفلسطينيين إمكانية التظلم أمام المراجع الدولية بسبب ما تتذرع به الإدارة الأميركية في سياق إحلال النصوص التعاقدية محل المراجع القانونية.

      وإذا كانت الجهود الفلسطينية والعربية قد نجحت في استصدار القرار الأخير (الصادر في 17/3/1998) عن الجمعية العمومية بإدانة ''إسرائيل''، لأنها تخالف تكراراً إتفاقية جنيف الرابعة، فإن هذا لا يمنع الإدارة الأميركية من الحؤول دون استصدار قرار مماثل عن مجلس الأمن الدولي، ولا يمنع أيضاً التوكيد على أن هذه الإتفاقية الدولية (جنيف) ليس لها أي إشارة في النصوص التعاقدية بين ''إسرائيل'' والفلسطينيين.

 

ج - القرارات الدولية ذات الصلة:

      كان مجلس الأمن قد أصدر عدداً من القرارات (وكذلك الجمعية العمومية) التي تحدد شروط إنهاء الإحتلال ''الإسرائيلي''، بما في ذلك الإنسحابات ''الإسرائيلية''، وترتيب ما بعدها. وكانت هذه القرارات تشكّل بمجموعها ضمانة متكاملة للحقوق الفلسطينية والعربية من دون الإضطرار الى المساومة بصددها. إلا أن التعاقدية الثنائية التي أصرّت عليها ''إسرائيل''، هدفت في ما هدفت الى الحلول محل هذه المرجعيات الدولية كلها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:

      1- القرار 194، الصادر عن الجمعية العمومية في العام 1948، والذي أقر للفلسطينيين بحق العودة. وكان هذا القرار يتكرر مع جميع القرارات الدولية الأخرى أو يشكّل إحدى حيثياتها. إلا أن "اتفاق أوسلو" الذي وقّع في العام 1993، لم يستند الى القرار 194، ولم يُعطف عليه، وإنما قرر أن يؤجل موضوع اللاجئين الى مفاوضات المرحلة النهائية. والواقع أن هذا التأجيل لم يحل المشكلة بالطبع، ولكنه أرجأ البت فيها، ومنذ ذلك التاريخ عطّل استمرارية النفاذ القانوني للقرار 194. وعلى هذا الأساس أقدمت الإدارة الأميركية منذ بضع سنوات، على حذف هذا القرار من الحيثيات، التي كانت تعتمدها الجمعية العمومية في هذا الشأن. وكانت الذريعة التي أدلت بها الإدارة الأميركية آنذاك، أن "اتفاق أوسلو" الثنائي وما سيعقبه من اتفاقات أخرى لاحقة، ستتولى حل مسألة اللاجئين من دون وساطة ولا تدخل من أي فريق ثالث. وبذلك، إستطاعت ''إسرائيل'' أن تعلّق مفعول هذا القرار، وأن توقف استمراريته لمصلحة تفاوض ثنائي مباشر لا يستند الى الحقوق والمرجعيات الدولية، وإنما الى طاولة المفاوضات ذاتها (9) .

      2- القرار 242، الذي كان منذ صدوره في العام 1967، مثار جدل وتفسيرات متباينة. وهو، بصرف النظر عن هذه التفسيرات جميعاً كان ولا يزال يشكّل القاعدة القانونية الأساسية للمفاوضات العربية - ''الإسرائيلية''.

      وبما أن الدعوة الى مؤتمر مدريد إستندت الى هذا القرار كقاعدة قانونية، فقد كان من المنتظر أن تتمحور المفاوضات حول بنوده بالذات. غير أن المفاوض ''الإسرائيلي'' نجح في النظر الى "إنهاء حالة الحرب" على أنها مجموعة البنود التطبيعية التي يمكن أن تتضمنها معاهدة صلح ثنائية (كما جرى مع مصر و"المنظمة" والأردن)، ونجح أيضاً في فرض "الحدود الآمنة والمعترف بها" بما يتلاءم مع العمق الإستراتيجي ''الإسرائيلي''، بحيث يجوز معه الإنسحاب من سيناء مثلاً، ولا يجوز من الجولان. ونجح في تفسير "الحل العادل للاجئين" على أنه مسألة مؤجلة الى مفاوضات الوضع النهائي، وفي ضوء ما تمسح ''إسرائيل'' باستقبال العدد الذي تقرره من نازحي 1967.

      وهكذا، فإن الحلول الثنائية التي جاءت نتيجة لمفاوضات غير متكافئة بين الطرفين، هي التي ستحل محل القرارات الدولية التي تشبثت بالمبادئ، وركزت على ضرورة الإنسحاب من الأراضي المحتلة، واشترطت أحكاماً وموجبات لمصلحة الشعب الواقع تحت الإحتلال. وهو الشعب ذاته الذي تخلت قيادته، طوعاً أو قسراً، عن مصالحه المشروعة والمحمية بموجب القانون الدولي.

 

ثانياً: التبادلية بدلاً من الموجبات القانونية

      كانت فكرة "التبادلية"، ولا تزال، تشكّل المفصل الأساسي في السلوك التفاوضي ''الإسرائيلي''. والواقع أن المنطلق الأول لهذه الفكرة يشكّل مخالفة للقانون الدولي. فإذا كانت ''إسرائيل'' لا تنسحب من أرض عربية إلا في مقابل مكافأة (أو على الأقل تعويض) على قاعدة الأخذ والعطاء، فإنها بذلك تلغي مخالفتها الأولى الناتجة من احتلال الأرض بالقوة أو الحرب، وهذا أمر منافٍ ليس فحسب للقانون الذي يفترض أن يعاقب الجاني على جرمه، وإنما يجافي المنطق أيضاً. إلا أن ''إسرائيل'' درجت على هذه السياسة، لأنها كانت تنجح فيها في معظم الأحوال والأوقات. وعلى هذا الأساس، تصر ''إسرائيل'' اليوم على استخدام السلاح التفاوضي، من دون أن يقف في وجهها ضابط قانوني رادع، ولا قوة سياسية زاجرة (10) .

      ولعل المناسبة الأولى التي طبّقت فيها ''إسرائيل'' سياستها التبادلية، كانت في العام 1956، حيث تلقّت ''إسرائيل'' من الإدارة الأميركية رسالة تفسيرية تجيز لها حق الدفاع عن النفس إذا أُغلق بوجهها طريق خليج العقبة. وبناءاً لهذه الرسالة، إنسحبت ''إسرائيل'' من سيناء في ذلك العام. و''إسرائيل'' رفضت أيضاً المشاركة في صلح "كامب ديفيد" مع مصر والمضي في هذا الصلح، الى أن تلقّت رسالة أميركية تتعهد بموجبها بعدم المس بالقرار 242، فضلاً عن المساعدات الأميركية العسكرية والتقنية والمالية الضخمة. أما "التبادلية" التي فرضتها على مصر، فكانت تطبيعاً كاملاً في العلاقات، والتزاماً مصرياً بنهج "كامب ديفيد"، حتى مع الدول العربية الأخرى في أي مفاوضات مقبلة أو معاهدات مع ''إسرائيل''، كذلك فرضت التزاماً مصرياً آخر بمعالجة المسألة الفلسطينية وفقاً للنهج ذاته (11) .

 

      أما بالنسبة لمؤتمر مدريد للعام 1991، فقد تواصلت السياسة التبادلية ''الإسرائيلية'' ومعاييرها العملانية ، من دون اكتراث ''إسرائيلي'' للموجبات القانونية الملزمة، ومنها:

      - أن المعتدي يجب ألا يطالب بمكافأة من أجل رفع عدوانه عن الآخرين.

      - أن الإتفاقات الدولية التي تشكّل جزءاً أساسياً من القانون الإنساني الدولي يجب أن تُحترم، لا سيما أنها موقّعة من ''إسرائيل'' نفسها.

      - أن قرارات مجلس الأمن ملزمة لجميع الدول، بموجب المادتين 25 و 103 من ميثاق الأمم المتحدة. وهنا ترد إلزامية القرارات: 242 و 338 و 425.

      - أن الدعوة الأميركية - السوفياتية المشتركة الى حضور مؤتمر مدريد، إعتمدت هذه القرارات ومبدأ الأرض مقابل السلام كقاعدة قانونية لها.

      وأيد هذه القاعدة الجانب الأميركي والسوفياتي والأوروبي والعربي.

      إلا أن ''إسرائيل'' لم تشارك أصلاً إلا بعدما حصلت، في سياق سياستها التبادلية ذاتها، على عدد من الضمانات، منها:

      - أن للقرار 242 تفسيرات مختلفة ومتعددة، وهي جميعها خاضعة للمفاوضات.

      - أن الإدارة الأميركية تشاطر ''إسرائيل'' الرأي ذاته بالنسبة لتعريف السلام على أنه يشمل جميع أوجه التطبيع المطلوبة.

      - أن الإدارة الأميركية تلتزم سياستها المستمرة حيال ''إسرائيل'' في إطار من الشراكة الإستراتيجية، التي تضمن تفوقاً نوعياً ''إسرائيلياً''.

      - أن الإدارة الأميركية ستتولى المهمات الضرورية لضمان حدود ''إسرائيل'' الشمالية. وهي في كل الأحوال لن تؤيد قيام الدولة الفلسطينية (12) .

      وتجدر الإشارة هنا، الى أن توزيع المفاوضات على مسارين، ثنائي ومتعدد، إنما هو أمر يخدم المصلحة ''الإسرائيلية'' نفسها، ذلك لأن المسار الثنائي توجهه مركزية ''إسرائيلية'' واحدة، فيما الدول العربية الأخرى تتمثل بمفاوضين لا ينسّقون أعمالهم ولا يقررون أولوياتهم (13) . والمفاوضات المتعددة ستتضمن اندماجاً ''إسرائيلياً'' كاملاً في كل شؤون المنطقة المصيرية بشهادة العديد من الدول الأخرى، وبتأييدها.

      وتواصلت هذه السياسة التبادلية مع الأطراف الآخرين، ولا سيما مع منظمة التحرير الفلسطينية، إبتداءاً من رسائل الإعتراف المتبادلة بين الفريقين، وصولاً الى تعثّر المفاوضات والسياسة التبادلية الأخيرة، التي يفرضها "نتنياهو" شروطاً مسبقة لاستئنافها، وهي المتعلقة بـ"مكافحة الإرهاب".

      ففي رسائل الإعتراف المتبادل لم يكتفِ ياسر عرفات بالإعتراف العادي المعلن بـ''إسرائيل''، وإنما زاد عليه تعهداً معلناً أيضاً "الحق لدولة ''إسرائيل'' في أن تعيش بأمن وسلام"، ثم أردف هذا التعهد الأول بتعهد ثانٍ ينبذ عرفات بموجبه الكفاح المسلح وسيلة للتعاطي مع ''إسرائيل''.

      وإزاء هذا الإعتراف المرفق بالتعهدين الفلسطينيين، كان جواب "رابين" على هذه الرسالة مختصراً في مضمونه، ومحدوداً جداً في إلزاميته، ذلك أن "رابين" أعلن موافقة حكومته على أن "تكون منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للفلسطينيين في المفاوضات" (14) .

      وفي "اتفاق أوسلو"، الذي تضمّن من المنافع والمكاسب ''الإسرائيلية'' ما لم يكن ''الإسرائيليون'' أنفسهم يرتقبون، عمدت ''إسرائيل'' الى إدخال سياستها التبادلية الى متن الإتفاق، ومن ثم سعت الى فرض هذه السياسة في الإتفاقات التنفيذية الأخرى (15) . وعندما لاحظت ''إسرائيل'' أن ثمة موضوعات مهمة وخطيرة لا يمكن تمريرها في الإتفاقات الراهنة، لجأت، بموافقة الجانب الفلسطيني، الى تأجيل هذه الموضوعات الى مفاوضات الوضع النهائي. والهدف ''الإسرائيلي'' هنا معروف وواضح: إن ''إسرائيل'' ستعمد الى تغيير الوقائع على الأرض، بحيث تفرض أمراً واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات المقبلة، عندما يحين أجلها. فإذا كانت القدس مثلاً من هذه الموضوعات المؤجلة، فإن الإستيطان في منطقة "القدس الكبرى" سيتواصل بشكل مكثف في عملية مدروسة لتهويد المدينة. وإذا كانت الحدود أيضاً ووضع الدولة المقبلة ووضع اللاجئين الخ.. مؤجلة هي الأخرى لمفاوضات الوضع النهائي، فإن ''إسرائيل'' ستضمن فرض سياسات أمنية متتالية لكي تحول دون الإنسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية التي احتُلت عام 1967.

      واستناداً الى السياسة التبادلية نفسها، عمدت ''إسرائيل'' منذ عام 1995، الى الإعلان عن تبرير جديد للإستمرار في سياسة الإستيطان، وذلك عندما اعتبرت أن حقوق المستوطنين ''الإسرائيليين'' الطبيعية مساوية لحقوق الفلسطينيين في أرضهم. وبذلك، فإن كل تطوير أو توسيع ديموغرافي للمستوطنات إنما هو إيفاء بحاجة طبيعية تقتضيها مستلزمات "النمو الطبيعي" للسكان، ولا يمكن وقف عجلة الحياة (16) . و"إذا كانت هناك أقلية عربية في ''إسرائيل'' حجمها 17 في المئة، وهي تزيد وفقاً لأحكام النمو الطبيعي للسكان، ولا تشكّل أي مشكلة على الإطلاق، فلماذا يمكن أن تشكّل الأقلية اليهودية التي يبلغ حجمها 10 في المئة من سكان الضفة والقطاع، مشكلة للأكثرية العربية السائدة؟" (17) .

      والمشكلة لا تكمن في هذا "النمو الطبيعي" للمستوطنات فحسب، وإنما في بنود "اتفاق أوسلو"، التي تعطي لـ''إسرائيل'' الحق في حماية هذه المستوطنات والمستوطنين وحتى الزائرين اليهود الذي يقصدونها. والمشكلة تكمن أيضاً في الطرق الإلتفافية التي تشقها ''إسرائيل'' يومياً لوصل هذه المستوطنات بعضها ببعض، ولعزل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض.

      ومن المرجح أن هذه المستوطنات في سياق "نموها الطبيعي" ستبقى حيث هي في الضفة الغربية، ولا سيما في منطقة "القدس الكبرى". وستبقى أيضاً الذريعة ''الإسرائيلية'' قائمة لحمايتها. ولعل هذا الواقع المفروض سيشكّل التحدي الأبرز للجانب الفلسطيني في مفاوضات الوضع النهائي (18) .

      وعندما تولت حكومة الليكود السلطة، تبنّت نظرية "النمو الطبيعي" هذه والتبادلية المطلوبة مع السكان الفلسطينيين في ''إسرائيل''. وكان "نتنياهو" صريحاً في مؤتمره الصحافي الذي عقده في البيت الأبيض لدى زيارته الأولى لواشنطن في 9/7/1996، حيث أكد أن حكومته لا ينتظر أن تقوم بسياسة إستيطانية أقل من سياسة الحكومة العمالية.. (19) ، الأمر الذي استمر فعلاً وبوتيرة أسرع وأكثر انتشاراً وفاعلية.

      وتجدر الإشارة هنا الى أن التبادلية ''الإسرائيلية'' حققت مع الحكومة الليكودية أبعاداً جديدة تحت شعارات متجددة، وأحياناً مغايرة، منها:

      - أن الأمن قبل السلام (وأحياناً من دون السلام)، وأن الحدود بين ''إسرائيل'' وكل الجهات العربية إنما هي حدود حرب، ولن تصبح في المستقبل المنظور حدود سلام. لذلك، يجب أن يكون الأمن وحده، وليس الإتفاقات، ضامناً لهذه الحدود. وبما أن السلام الحقيقي يفترض ديموقراطية الأنظمة السياسية ورعايتها، وأن مثل هذه الديموقراطية مفقودة - كما يقول "نتنياهو" - لدى الأنظمة السياسية العربية (20) ، لذلك، يقتضي اعتماد "سلام الردع" الذي لا يحتمل تقديم تنازلات ''إسرائيلية'' للدول العربية.

      والملاحظ هنا، أن "نتنياهو" يركز على بعض الظروف التاريخية للصراع العربي  - ''الإسرائيلي'' (21) ، ويغفل ثلاثة متغيرات أساسية:

      أ) أن الموجب القانوني الدولي، وحتى التعاقدي، ملزم للدولة وليس للحكومات التي وقّعت الإتفاقات، وبالتالي فإن التزامه التعاقدي ("أوسلو" والإتفاقات الأخرى المستندة إليه) يقضي بالتنفيذ، وإن كانت له وجهات نظر معايرة.

      ب) أن التركيز الليكودي على الرفض العربي للوجود ''الإسرائيلي'' نفسه ليس أكثر من ذريعة لتغطية الموقف ''الإسرائيلي''. وهو - من وجهة نظر تفاوضية على الأقل - غير قابل للتطبيق بعدما وافقت جميع الدول العربية على صيغة مدريد القائمة على قاعدة الأرض في مقابل السلام والقرارات الدولية ذات الصلة.

      ج) أن نظرية "السلام الرادع" ذاتها لم توفر لـ''إسرائيل'' الأمن المنشود ولا السلام المرغوب، طيلة خمسين سنة أو أكثر. ولا هي اليوم توفر هذا السلام. وهي على كل حال تأتي استجابة لدعوات التطرف ''الإسرائيلي'' المتشنج ليس أكثر، وتلاقي اعتراضات متزايدة في أوساط المجتمع ''الإسرائيلي'' نفسه، فضلاً عن اعتراضات الجاليات اليهودية في الخارج.

      - وعلى رغم ذلك كله، لا يزال الموقف ''الإسرائيلي'' على حاله. وانطلاقاً من هذا الموقف التعسفي ذاته يعتبر "نتنياهو" أن حكومة العمل ''الإسرائيلية'' إرتكبت "خطأ مفهومياً" في "اتفاق أوسلو" وما تلاه من اتفاقات تنفيذية أخرى. وهذا الخطأ "الفادح" يتمثل في اقتناع حكومة العمل بأن السلام وحده، ومن ثم الإقتصاد، يشكّلان الضمانات الكافية لأمن ''إسرائيل'' وسلامتها (22) . ولهذا قصرت حكومة العمل في رأيه، بالتركيز على السياسة التبادلية مع الجانب الفلسطيني. فهي اعتمدت سياسة العطاء - كما يقول - رغبة في التوصل الى اتفاق. أما الحكومة الليكودية فإنها لن تعطي شيئاً من دون مقابل.

      وعلى هذا الأساس، فإن إعادة الإنتشار في الضفة (ويرفض "نتنياهو" أن يسميها انسحاباً) متوقفة على مدى تنفيذ الإلتزامات التي تعهدتها السلطة الفلسطينية في محاربة "الإرهاب" الفلسطيني.

      وعلى المسار السوري - ''الإسرائيلي''، فإن الجولان يشكّل عمقاً إستراتيجياً أساسياً للأمن ''الإسرائيلي''، ولذلك فهو خارج أي تفاوض آني. ومع ذلك، فإن بالإمكان اعتماد تبادلية معيّنة مع سوريا: التفاوض حول لبنان والضمانات الأمنية المطلوبة لـ''إسرائيل'' تمهيداً للإنسحاب من الأراضي اللبنانية في مقابل رفع سوريا عن لائحة الدول المشجعة للإرهاب، ومنحها بعض المساعدات.

      أما بالنسبة للأردن، فالإتفاقية مناسبة عملياً ما دامت المواقف الأردنية لا تتعارض مع السياسة ''الإسرائيلية'' الراهنة، وأن التعاقد على "استئجار" الأراضي الأردنية المطلوبة لا يزال قائماً.

      والتبادلية مع مصر تتولاها الإدارة الأميركية ذاتها، من خلال ضمان موقف مصري وسيط أو معتدل حيال ''إسرائيل'' في مقابل الإستمرار في تقديم المساعدة السنوية الأميركية لها.

      أما الحديث عن القرارات ذات الصلة (بما فيها القرار 425 والشروط ''الإسرائيلية'' للإنسحاب) وعن المخالفات ''الإسرائيلية'' المتكررة وعن موجبات القانون الدولي العامة أو التعاقدية.. كل هذه الأمور غائبة عن الملف ''الإسرائيلي'' التفاوضي.


مراجع البحث

(1) لقد سبق لـ''إسرائيل'' أن حوّلت بعض قرارات مجلس الأمن (كالقرار المتعلق بترحيل الفلسطينيين الى مرج الزهور) الى المحكمة ''الإسرائيلية'' العليا للنظر فيها.

(2) ولا سيما قرار الجمعية العمومية الصادر سنة 1960المتعلق بإزالة الإستعمار، وقرارها الصادر سنة 1970 المتعلق بعلاقات الصداقة بين الدول.

(3) راجع "حقوق الإنسان - مجموعة صكوك دولية"، منشورات الأمم المتحدة، ص 37.

(4) Ian Brownlie. Principles of Publiv International Law. 1992. P 513. وبحثنا في مجلة الأبحاث الجامعة الأميركية، العدد 45، 1997، ص 39   - 60.

(5) راجع مقالنا في "الحياة"، 3/11/1993: "المقارنة بين "اتفاق إيفيان" بين الجزائر وفرنسا"، والذي انطلق من مبدأ تقرير المصير، و"اتفاق أوسلو" الذي لم يشر إليه إطلاقاً.

(6) راجع تفاصيل أخرى لهذه الإتفاقية في:

Falla and others. Basic Doeuments in International Law. 1989. P: 112 - 117.

( 7) راجع الإتفاق مترجماً في: حسن الجلبي وعدنان السيد حسين: "سلم أوسلو"، 1995، ص 239 - 268، والتعليق القانوني على هذا الإتفاق ص 30 وما بعدها.

(8)  أنظر على سبيل المثال: التبرير الذي أعلنه الرئيس "بيل كلينتون" في 10/3/1997 حول الفيتو الأميركي على مشروع القرار المتعلق بإدانة الإستيطان ''الإسرائيلي'' في جبل أبو غنيم.

(9) رمضان بابادجي و"لا برديل": "حق العودة للشعب الفلسطيني"، 1996، ص 87 و88 و157. وسليم تماري: "مستقبل اللاجئين الفلسطينيين"، 1996، ص 66 و67.

(10) يرجح المراقبون أن القصد الأساسي من جميع التحركات الديبلوماسية ''الإسرائيلية'' الراهنة هي التملص من الشرط الأميركي القاضي بضرورة الإنسحاب ''الإسرائيلي'' من 13 في المئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والإلتفاف على أيتحرك أوروبي ضاغط باتجاه ''إسرائيل''.

(11) ذلك لأن اتفاق "كامب ديفيد" 1978، يتضمن فقرة تتعلق بهيكلية الحل مع الشعب الفلسطيني، وفقرة أخرى تلحظ التزاماً مصرياً باعتماد "كامب ديفيد" نهجاً صالحاً للحلول مع الأطراف العربية الأخرى.

(12) راجع جميع وثائق مؤتمر مدريد، وكذلك رسائل الضمانات الأميركية في "دراسات فلسطينية"، العدد 8، خريف 1991.

(13) M. H. Haikal. Secret Channels. 199. P: 420.

( 14) حسن الجلبي وعدنان حسين: "سلم أوسلو"، 1995، ص 46 - 55. ومقالنا في جريدة "الحياة" في 19/9/1993 بعنوان: "الإتفاق الفلسطيني   - ''الإسرائيلي'' في ميزان القانون الدولي".

(15) يذكر "بيريز" في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، ص 24 و 25، أن اختيار أريحا نفسها "كان كمؤشر على عزمنا الإستمرار فيالتفاوض.. ولا سيما أن أريحا لا يوجد في محيطها المباشر مستوطنات تشكّل عقبة في المحادثات.. واقترحنا (اليهود) إقامة مركز إداري في أريحا للتخفيف من الضغوط على القدس".

(16) جيفري أرونسون: "مستقبل المستعمرات ''الإسرائيلية''"، 1996، ص 94 و 95.

(17) المصدر نفسه، ص 95.

(18) "دراسات فلسطينية"، العدد 28، ص 117، خريف 1996. وجيفري أرنسون، مصدر سابق، ص 96 - 99.

(19) Foreign Affairs. m Sept/oct P: 996. V 75. N 5.. واستناداً الى هذه السياسة، يرى كاتب المقال إنه يتعذر عقد اتفاقات ثنائية مع ''إسرائيل'' بعد الآن.

(20) بنيامين نتنياهو: "مكان بين الأمم"، 1996، ص 255.. 265.

(21) المصدر نفسه، ص 343  - 346.

(22) تصريح "نتنياهو" الى هآرتس. في 22/11/1996، مترجم في "دراسات فلسطينية"، العدد 29، شتاء 1997، ص 94.