"إسرائيل" تناقض أساطيرها
كتب التاريخ "الإسرائيلية" الجديدة وتحطيم الأسطورة التوراتية
شوقي أبو شعيرة
صحافي وكاتب سوري
الشروق - الامارات العربية المتحدة - العدد 396 - 14-11-1999
غيرت "إسرائيل" مناهج التاريخ في مدارسها. واعادت، للمرة الأولى، كتابة رواية "نكبة" الفلسطينيين،وتاريخ قيامها، كما هي تقريبا. بينما يوجد في "إسرائيل" من يتجرأ لهدم ذلك الجسر المتين الذي أقامته الحركة الصهيونية بأحجار من الخرافة لتربط بين ما تدعيه مملكة "لإسرائيل القديمة" .. وبين الكيان الصهيوني الحالي في فلسطين. هؤلاء جميعا يقولون انهم يعلمون لتخليص العقل "الإسرائيلي" من الاسطورة، "فإسرائيل" القوية، الآن، لم تعد بحاجة إلى أوهام التاناخ، ولا لأكاذيب بن غوريون حول التحرر الوطني لتبرير وجودها.
ولكن، مهلا. ففي "إسرائيل" أزمة هوية، ومخاوف من شبح باروخ غولدشتاين، وثمة في نخبها العلمانية من يرى ان عليها ركوب قارب الحقيقة، لتعرف إلى أين ستقودها مياه البحر، في هذه اللحظة التي تقف فيها عند مفترق طرق بين"طهران "و "نيويورك".
ـ ابتداء من هذه السنة الدراسية، شرع التلامذة "الإسرائيليون" في المرحلتين الابتدائية والإعدادية يتعلمون كتابا جديدا للتاريخ، يدعوهم إلى الاعتراف بالفلسطينيين.. ولكن بما يشبه اعتراف الولايات المتحدة المتأخر بالهنود الحمر، وبالزنوج، الذين صار اسمهم أخيرا الأميركيون الأفارقة .
وبينما وقف وزير التربية والتعليم "الإسرائيلي" يوسي ساريد من حركة"ميريتس" ليحكي من على منبر مؤتمر منظمة اليونسكو يوم 29 أكتوبر الماضي عن مناهج التاريخ الجديدة هذه، طلب من نظراته العرب الاقتداء بـ"إسرائيل".. وحذف تعابير الكراهية والعداء "للإسرائيليين" من كتبهم المدرسة كخطوة أولى" نحو المصالحة بيننا".
قبل دعوة ساريد بيوم واحد،كانت هآرتس "الإسرائيلية" تنشر بحثا مطولا وجريئا للبروفيسور "الإسرائيلي" الشهير في عالم الآثار في جامعة تل ابيب زئيف هيرتسوغ، يثبت فيه ببساطة، واستنادا إلى 70 سنة من الحفريات الاركيولوجية المكثفة في فلسطين، بل وأكثر من ذلك، ان رواية"التاناخ" أو ما نسميه خطأ التوراة (العهد القديم) ان روايتها للتاريخ مجرد خرافة، وضعت لأسباب دينية واستخدمت لاحقا لأسباب سياسية، لتبرير قيام "إسرائيل" في فلسطين.
وكل بساطة يعترف هرتسوغ بان علماء الآثار يجمعون منذ 20 سنة على ان مملكة "إسرائيل" القديمة، لم تكن اكثر من وهم زائف، وهي في أحسن الأحوال لحظة عابرة لقبيلة صغيرة جدا بلا ارض في مسيرة التاريخ لفلسطين القديمة.
ويشير هرتسوغ في آخر فقرات مقالة إلى ان المجتمع "الإسرائيلي" ناضج جزئيا للإقرار بالظلم الذي لحق بالسكان العرب في هذه البلاد ( في إشارة إلى مناهج التاريخ الجديدة)، وهم على استعداد لتقبل منح المساواة للنساء، ولكنهم ليسوا محصنين بما فيه الكفاية لتبني الوقائع الاركيولوجية التي تحطم كل الاسطورة التوراتية.
إسكات التاريخ
هذان الحدثان ليسا مجرد ظاهرتين مثيرتين، أو خبرين عابرين تناقلتهما بايجاز وكالات الأنباء القليلة الماضية، فالعودة إلى الماضي، واعادة تنقيحه ضرورية للمستقبل،بخاصة ان الماضي، بالأحرى التاريخ، يمكن ان يكون ممارسة للقوة يعتقد الناس انها حقيقية علمية وموضعية.
بمعنى آخر، فان الماضي، طالما كتب في الحاضر، لخدمة سياسة الأقوياء، ولطالما أعيد تصحيح روايات التاريخ، لتوظيفها في خدمة المستقبل السياسي. وهو أمر لا يعبر شيء عنه بصراحة فجة اكثر من النموذج "الإسرائيلي".
لم تكن مملكة "إسرائيل" القديمة، اختراعا صهيونيا، وان كانت الحركة الصهيونية وظفته بماهرة لتخدم أطماعها في الاستيلاء على فلسطين، وتهجير يهود العالم إليها. فهذه المملكة/ الخرافة، كما ذكر كيث وايتلام في كتابه"اختلاف "إسرائيل" القديمة"، الذي وصفه إدوارد سعيد بالعمل الأكاديمي من الطراز الأول، هذه المملكة اخترعتها الدراسات التوراتية بداية، بحكم انه سيطرت عليها منذ نشأتها فكرة " ان فهم تاريخ "إسرائيل" القديم جوهري لفهم التوراة العبرية، وبحكم ان الغرب عموما ينظر إلى الديانة التوحيدية (اليهودية) على انها منبع الحضارة الغربية في مقابل الديانات المحلية التي كانت سائدة في كنعان (في ارض فلسطين القديمة)، والتي ينظر إليها الغرب باعتبارها ديانات ر أخلاقية وفاسدة. ومن هنا نشأت فكرة البحث عن ""إسرائيل" القديمة"باعتبارها منشأ الحضارة الغربية، " وهذه فكرة، كما يقول وايتلام، متأصلة في الوعي والوجدان الغربي على المستويات كافة". من تأثيرات ذلك، مثلا، ان قاموس "اكسفورد" يفسر معنى كلمة فلسطين( ) على انها كلمة تستعمل لوصف الشخص الفج المعادي للثقافة، وهو إنسان محدود الأفق بعيد عن الثقافة الرفيعة.. وهذا تعريف ينم عن تأثير " الدراسات التوراتية" الواضح في عقلية الغرب، وثقافته..وحتى لغته.
وقد كانت ""إسرائيل" القديمة" لهذا السبب محل اهتمام الدراسات اللاهوتية المسيحية، وقد استهلك البحث في موضوعها، و الحديث لواتيلام، طاقات فكرية ضخمة، وموارد مالية هائلة للجامعات وكليات اللاهوت والمدارس الدينية وحلقات البحث وأقسام الآثار، بخاصة في أميركا وأوروبا، والشيء ذاته ينطبق على"الجامعات العلمانية"، ولاحظ وايتلام، من قبيل الطرافة، ان المواد التي تدرس في الجامعات حول تاريخ "إسرائيل" القديم،لا تدرس في أقسام التاريخ، ولكن ضمن أقسام الدين، واللاهوت. في حين ان"تاريخ فلسطين القديم" غير موجود في الأساس كموضوع أكاديمي، فقد" أسكته الخطاب التوراتي المهيمن"، لقدت تمكنت الأوساط العلمية الغربية من اختراع "إسرائيل" القديمة .. وإسكات التاريخ الفلسطيني.
هكذا جاء علماء الدراسات التوراتية إلى فلسطين لينقبوا عن الآثار، وهم"يحملون التوراة بيد، والمجراف في اليد الأخرى"، معتبرين ما يحملونه في اليد الأولى لا تقبل الجدل،وعلى اليد الأخرى ان تؤكد هذه" الحقيقية" فقط.
طبيعي، والحال تلك، ان يتفجر الحماس الصهيوني، للدراسات التوراتية، وقد أصر زعيم الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين حاييم وايزمان على ان يتضمن صك الانتداب البريطاني على فلسطين إشارة إلى الرابط التاريخي بين اليهود المشتتين و"أرض آبائهم".. ووايزمان هو صاحب المقولة الشهيرة: نحن لسنا بقادمين إلى فلسطين.. ولكننا عائدون.
تضمن صك الانتداب مادة تتعهد فيها حكومة الانتداب البريطاني بتهيئة الظروف لإنشاء وطن قومي لليهود كما وعد بلفور وتنص مادة أخرى على ان تصدر حكومة الانتداب قانون الآثار، وتتأكد من تنفيذه. لتأمين التنقيب عن الآثار للحركة الصهيونية، وعلماء الدراسات التوراتية.
اما ابداع الحركة الصهيونية الأهم في مجال تزييف التاريخ، فيرجع فضله الي دافيد بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني.فبن غوريون أعاد الاعتبار، يهودي، لكتاب التاناخ (العهد القديم)، لأنه رأى فيه الأساس الفكري الأهم لإقامة الدولة اليهودية، نابذا في الوقت نفسه تركيز المتدينين اليهود، وحاخاماتهم على مدى قرون على تعليم التلمود الذي يحوي التشريعات، ويخلو تقريبا من"التاريخ" المزعوم. وجد بن غوريون في "التاناخ " أو ما نسميه خطأ التوراة، كل مبررات الادعاء الصهيوني بـ "الحق التاريخي" في فلسطين، في وقت كان باحثون من "اليهود" على عكس الدراسات التوراتية الغربية، يرونه مجرد كتاب أساطير .. ومع الوقت بات كل من يصف هذا الكتاب بـ " الخرافة" يعتبر معديا للسامية، ليس في الكيان الصهيوني فحسب، ولكن في الغرب عموما. وثمة شواهد كثيرة على طرد أساتذة غربيين في علم الآثار من جامعاتهم ومناصبهم البحثية، لأنهم أفلتوا في قبضة الدراسات التوراتية، وخرافات الحركة الصهيونية، وتجرأوا على قول الحقيقة البسيطة وهي ان كل قصص "العهد القديم"و""إسرائيل" القديمة"،من صنع الخيال ، وانه جرت لاحقا مصادرة التاريخ الفلسطيني القديم لمصلحة ""إسرائيل" الحديثة"، وكشفوا بوضوح عن ان كل الاهتمام البحثي والآثاري بتاريخ""إسرائيل" القديمة" تحول إلى مجرد صياغة لخليفة مشهد الكيان الصهيوني الحالي.
لقد ظل علماء الآثار الذين نقبوا أرض فلسطين في العقود الأولى من القرن الحالي، لا يجدون اثرا يدل على صدق رواية "العهد القديم" للتاريخ ،ومع ذلك كان هؤلاء يزعمون بكل سهولة اتهم وجدوا اكتشافات كافية لتأكيد وجود إمبراطوريتي داؤد وسليمان وما إلى ذلك.
اما في "إسرائيل"، ويا للمفارقة، فقد كشف علم الآثار.. وباحثوه لاحقا عن زيف الحق التاريخي المزعوم لليهود في أرض فلسطين.
منطق القوة
ليست مقالة البروفيسور "الإسرائيلي" زئيف هرتسوغ في هآرتس (28/10/1999) الأولى من نوعه، مع انها قيمة جدا اقله بسبب قاعدة"من فمك نديمك". ولأنها مكتوبة بقلم بروفيسور شارك على مدى سنوات طويلة مع يجئال ياردين في الحفريات الأثرية "الإسرائيلية" في حاتور ومجيدو، وفي الحفريات في تل عواد وبئر السبع، كما قام بحفرياته الخاصة، ونشر كتبا عن هذه الحفريات.
اللافت ان أغلبية الباحثين "الإسرائيليين" يتفقون مع هرتسوغ، وهذا ما يؤكده في مقالة، أما الساسة "الإسرائيليون" فلا يبدو ان الأمر يعنيهم كثيرا .. وكذلك الأمر بالنسبة للجمهور "الإسرائيلي" المطمئن للرواية ـ الأسطورة.
سبب عدم اكتراث السياسيين، هو قناعة غالبيتهم اليوم.، على عكس ما يصوره البعض، بان المشروع الصهيوني، بالأحرى "إسرائيل" القوية الآن، لم تعد بحاجة إلى الإدعاء التاريخي ، فالمرحلة لم تعد مرحلة تحفيز للهجرة اليهودية إلى فلسطين. وهذه الهجرة اذا ما جرت اليوم أو غدا، فإنها لن تحدث على أساس"الخرافات"أو "المعتقدات الدينية" كما حدث في الماضي، ولكن إلى "إسرائيل" القوية، الآمنة والمزدهرة.
مع ذلك لا يزال الجدل خافتا بين الساسة والنخب في "إسرائيل"، واخص العلمانيين منهم، حول كتابة تاريخ جديد "لإسرائيل" القديمة، كما هو الحال بالنسبة للجدال الذي اثاره من يعرفون بـ"المؤرخين الجدد" أو ما بعد الحداثويين أو من يسمون بالسوسيولوجيين الانتقاديين، حول إعادة قراءة تاريخ حرب العام 1948، والعلاقة مع العرب والفلسطينيين، ومسألة طرد اللاجئين والمجازر الصهيونية، وما إلى ذلك. وهو جدل اثمر فعلا على صعيد إعادة تأليف كتب التاريخ للتلاميذ "الإسرائيليين" برواية غير تلك التي كانت معتمدة منذ احتلال فلسطين، تلك الرواية القائلة ان "إسرائيل" محاطة بالاعداء، وان انتصار اليهود على نحو خمس دول عربية في حرب العام 1948 يعتبر من المعجزات، وكانت تقول أيضا انه في هذه الحرب كان هناك 650 ألف يهودي مقابل 40 مليون عربي. وان الفلسطينيين تركوا أرضهم، لانهم كانوا يتوقعون ان يكتسح العرب اليهود.
بطبيعة الحال، لم تمر إعادة كتابة مناهج التاريخ المدرسية بلا اعتراض، والامر بدا اكثر إثارة للاستياء بالنسبة لما وصفه أحد زعماء المستوطنين حنان بورات بتجديفات عالم الاثر هرتسوغ. فقد أثارت مقالة البروفيسور "الإسرائيلي" العديد من الاتهامات له ولزملائه بالتشكيك في "هوية اليهود القومية"، كما اتهم هرتسوغ من زملاء ناقدين لمدرسته ومن هؤلاء عالم الآثار ، امنون بن تور، باستخدام علم الآثار لتلبية اجندة سياسية. واتهمه النائب يوسي ليبيد زعيم حركة "شينوي" العلمانية المتشددة، التي تقول ان "التاناخ" من تأليف البشر، وتدعو لكف يد اليهود المتدينين الارثوذكس "الذين يعطون عن اليهودية صورة مضحكة، تجعلها تبدو كنوع من شعوذة القرون الوسطى"، اتهمه "بمحاولة اضعاف الاساس التربوي والأيديولوجي للدولة"، وتقديم مادة دعائية لاعداء "إسرائيل" الذين يريدون ان ينقضوا حقنا في ان نكون موجودين هنا. مؤكدا ان الكتاب المقدس يحتوي الكثير من الاساطير، لكن حقائقه التاريخية الأساسية تقدم توثيقا لادعاءات اليهود باحقيتهم في "إسرائيل" وتشكل الاساس لتاريخ اليهود وثقافاتهم وآدابهم . ورأى أيضا في ما كتبه هرتسوغ عملا سخيفا، ففي البلاد عشرات من الاكتشافات الاثرية التي تؤكد كتابات التاناخ.. وفي كل تاريخ الشعوب القديمة هناك اساطير.
وبينما اعتبر وزير التعليم يوسي ساريد ما توصل إليه هرتسوغ جديرا ب الدراسة، رأى رحبعئام زئيفي، زعيم حركة "موليديت" اليمينية المتطرفة ان كل شيء في ارض "إسرائيل" يؤكد التاناخ، بخلاف كلام البروفيسور هرتسوغ.
قلق الهوية
لا تكشف هذه الردود كلها الا عن "قلق الهوية" الذي ينتاب النخبة "الإسرائيلية" منذ سنوات عدة، وهو قلق يرخي بظلاله حتى على الصهيونية ذاتها التي رأى نتنياهو بعد هزيمته في انتخابات يوم 17 مايو الماضي ان "الإسرائيليين" تعبوا منها. ولم يعد بهمهم سوى حياتهم اليومية.
ومثل هذا الرأي كان قد تنبأ به يوري افنيري قبل ثلاثة عقود، عندما كتب ان "الصهيونية اصبحت بالية، فالجيل الجديد الذي ولد في "إسرائيل" لا يعرف غير وطنية "إسرائيلية" محلية، وعندما يول "نحن" فهو يقصد الامة "الإسرائيلية" الجديدة لا يهود بروكلين أو بودابست. لقد باتت الصهيونية حطاما من الماضي وحركة كبيرة انتهى دورها التاريخي تاركة ارثا ايجابيا في أحد وجهيه وسلبيا في وجهه الآخر.
جدل .. واوهام
ثمة من رأى من بين "الإسرائيليين" في هذا الجدل حول الصهيونية والهوية "الإسرائيلية" واليهودية نوعا من حرب الثقافات، والارتداد إلى "ثقافات قطاعية"، وان شخصية "الإسرائيلي" الاسطورية تحطمت وحل محلها "إسرائيليون" كثيرون وجميعهم شرعيون، يهود وعرب، حريديم ومتدينون، وطنيون، تقليديون، ورجال طوائف، شرقيون، مهاجرون واشكناز.. وفي الاساس تعامل متعدد ومختلف بل ومتصادم مع صورة الدولة اليهودية. كما كتب الوزير الحالي في حكومة باراك واحد أهم قادة حزب العمل شلومو بن عامي.
لكنه، في المقابل، كما يحذر المفكر السياسي الفلسطيني عزمي بشارة، لا يجوز قراءة هذا الجدل، وحتى التصادم حول الهوية على أساس وهمين:
الأول: اعتبار ظاهرة التعبير السياسي عن القطاعات الاجتماعية "الإسرائيلية" المعرفة بالاصل والثقافة وغيرها دليلا على تفتت المجتمع "الإسرائيلي"، وامكان انهياره (كما يتصور بعض المعلقين العرب).
الثاني: ان هذا الجدل المحتدم ليس الا نتيجة لزوال اسباب الوحدة "الإسرائيلية" وتحطم "بوتقة الصهر"، بسبب ما يسمى اتفاقات سلام مع "إسرائيل"، على أساس فكرة رائجة تقول ان ما يوحد اليهود هو حالة العداء مع العرب والتهديد الأمني المستمر، وانه عندما تزول اسباب هذه الوحدة لن يجد "الاسرائيليون" ما ينصرهم على حالة التفتت، فيتمزق المجتمع "الإسرائيلي" شر تمزق.
ويمكن التأكد من صحة رأي بشارة، بخصوص اوهام بعض المثقفين والساسة العرب هذه، من بين سطور النقاش الجاري في "إسرائيل" منذ مدة حول الهوية.
هو نقاش لا يخفي قلق الهوية حقا، ولكنه لا يكسر "رباط الإجماع"، ويجد خلاصة في "النموذج القومي الاميركي، بالذات. وهو نموذج كبير الشبه بالتجمع الاستيطاني "الإسرائيلي" في فلسطين، بحكم الطبيعة الاستيطانية للمجتمع الاميركي اصلا، والمكون. ولا يزال كذلك، من مجتمع مهاجرين، حيث ثمة في هذا المجتمع هوية "اميركية" تسمح بالتعدد العرقي والثقافي والقومي، ولكن ضمن قواعد اللعبة المتفق عليها، واهمها وحدة "الامة"، وان كانت "الامة" بالتعريف الاميركي تأخذ معنى مختلفا عما تعارفت عليه الأمم من تعريف للقومية والامة، فهي اقرب ما تكون، بل انها تتطابق مع مفهوم الدولة والكيان السياسي بغض النظر عن المكونات الثقافية والقومية لهذه الدولة.
الامركة
فكرة "الاسرلة" أو الانتماء إلى "الدولة "الإسرائيلية"" تساوي هنا الامركة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. ويواجه "الاسرائيليون" في مسألة الهوية معضلتين فقط.
الأولى: هي ان الصهيونية، وافكارها التي اسست "إسرائيل" كانت قد نشأت على خلفية الفلسفة القومية الديمقراطية في أوروبا الغربية، وهي فلسفة متناقضة مع المذهب الليبرالي الديمقراطي الاميركي الفردي والمادي للقومية. ولكي تتشابه الحركة الصهيونية في حلها القومي في فلسطين. مع الفلسفة الاوروبية القومية التي ولدت في احضانها قامت بعلمنة الدين اليهودي لجعله أساس "القومية اليهودية" لمشروعها الاستيطاني الاستعماري لفلسطين.
وهذا هو جوهر أزمة الصهيونية الان، وجوهر النقاش حول ما بعد الصهيونية والهوية في "إسرائيل".عندما انهت الصهيونية وظيفتها التاريخية، واقامت "إسرائيل"، وبدأت هذه الأخيرة تشعر بالقوة والاستقرار، وولد فيها جيل بات يفكر بالمصالح والحاجات وبالفردية (على الطريقة الاميركية)، وبعد ان تغلغلت الامركة في هذا الجيل ثقافة وقيما وانماط حياة، بات على "إسرائيل" ان تعي نفسها من جديد، وتعي الطابع الديني لدولتها كأساس للقومية، والذي هو نتيجة مباشرة للفكرة الصهيونية ، الأمر الذي سيقودها بالضرورة إلى ان تصير دولة دينية، الا في حالة استنباط هوية بديلة جامعة في الهوية "الإسرائيلية" بالذات، ودائما على الطريقة الاميركية، ولكن مع الاحتفاظ باللبنة الأساسية لوحدة الامة والكيان السياسي التي هي ليست الجماعات الثقافية أو اللاقوامية وإنما الفرد المواطن ضمن الامة اليهودية، لاقصاء الفلسطيني الذي يحمل الهوية "الإسرائيلية". وهذه تعددية ضمن كيان، هو دولة يهودية الطابع باتت لها مقومات موضوعية كاللغة العبرية المشتركة، والمؤسسات ذات الشرعية بالنسبة للمواطنين، والاقتصاد الجامع، كما يقول عزمي بشارة.
العلمانيون.. والمتدينون
المعضلة الثانية: القوة التي باتت عليها الاحزاب الدينية "الحريدية" تحديدا، والصراع الواضح بين المتدينين والعلمانيين الذي بلغ ذروته في اواخر عهد حكومة نتنياهو، وهذا ما يجعل ابراهيم يورغ بقول "انه على الطريق بين الاصولية والعولمة، تقف "إسرائيل" في منتصف الطريق بين طهران ونيويورك".