قراءة نقدية في رواية "حياة حوا جوتلب" لمريم شفارتس

عنصرية التعايش المستحيل في الادب "الاسرائيلي"

محمد توفيق الصراف

جرية "الكفاح العربي" 30/10/1999.


يعتقد البعض ان النص الادبي يعد وثيقة قادرة على التعريف بالبيئة المجتمعية التي افرزته. وبإبراز انماط العلاقات القائمة بين افراد هذه البيئة، وبحقيقة مشاعرهم ومواقفهم وسلوكياتهم تجاه بعضهم وتجاه الآخرين. وفي رأي اصحاب هذا الاعتقاد، من الممكن ان يكون ما يقوله النص الادبي. احيانا، اكثر صدقا مما تذكره وسائل الاعلام المختلفة، الرسمية وغير الرسمية، حول مشكلة ما، اجتماعية او سياسية او فكرية او من أي نوع اخر، يعانيها مجتمع البلد الذي صدر فيه ذلك النص.

لهذا، وعلى خلفية القناعة بصوابية هذه الرؤية. قد لا يكون خطأ القول: ان (مريم شفارتس) التي قد لا تعد من روائيي الصف الاول في "اسرائيل"، استطاعت ان تقدم لنا، في روايتها (حياة خوا جوتلب)، عن قصد او من دون قصد، نموذجا جيدا لنص ادبي "اسرائيلي" نجح في تسليط حزمة ضوء قوية على جانب مهم من العلاقات الاجتماعية السائدة بين "الاسرائيليين" انفسهم. وعلى حقيقة مشاعرهم ومواقفهم تجاه بعضهم من جهة، وتجاه الآخرين، ولا سيما العرب، من جهة اخرى. كما نجح هذا النص ايضا، في تسليط ضوء قوي، على قابلية او عدم قابلية هذه المشاعر والمواقف للتغير الى نقيضها، بوصف هذا التغير شرطا لا بد من تحقيقه اولا، لتجسيد شعار (التعايش السلمي) من العرب واقعا:

تقوم شفارتس بتسليط هذا الضوء على مجمل الجوانب السابقة في المجتمع "الاسرائيلي"، من خلال رصدها ومعالجتها لتطورات المحنة التي مرت بها بطلة روايتها (خوا جوتلب): تلك المحنة التي تعرضت لها بسبب تجرؤها، وهي الشابة اليهودية، على اقامة علاقة حب مع شاب عربي يدعى (محمود). وقبل الدخول في مناقشة التطورات الدراماتيكية لهذه العلاقة، قد يكون من الجدير بالاشارة الى ان رواية شفارتس ليست الرواية "الاسرائيلية" الوحيدة التي تطرقت الى هذه المشكلة وحاولت معالجتها، بل نجد في الادب "الاسرائيلي" روايات عديدة اخرى نحا مؤلفها المنحى نفسه، أي حاول معالجة ما وصفه بـ(مشكلة الحب بين عربي ويهودية او العكس)، لكن ما يميز رواية (حياة حوا جوتلب) التي نحن بصدد دراستها، عن تلك الروايات، ان مؤلفتها ركزت معظم جهدها لكشف التناقض الصارخ بين الشعار والممارسة في تعامل "الاسرائيليين" مع العرب، لتصل بنا، في النهاية، الى تأكيد الحقيقة القائلة ان احتمال حدوث تعايش سلمي بين الطرفين، هو احتمال مستحيل، على صعيد الممارسة الواقعية، بالنسبة لاي شريحة من الشرائح التي تتكون منها بنية "اسرائيل" المجتمعية. مهما تظاهر افراد هذه الشريحة او تلك، بالتحرر والتقدم والانسانية، في شعاراتهم الدعائية البراقة التي يرفعونها ويصفون انفسهم بمضمونها، ذلك ان "الاسرائيليين" الذين ربي معظمهم على كراهية العرب والحقد عليهم واحتقارهم تحول جرعات العنصرية المركزة التي حقنوا بها، منذ طفولتهم، وما يليها من مراحل عمرهم التالية، من دون قبولهم بتجسيد تلك الشعارات واقعا.

وتتبدى لنا رغبة شفارتس في اضفاء الشمولية على رفض "الاسرائيليين" لمبدأ التعايش السلمي مع العرب، بسبب رفضهم العنصري لمبدأ التساوي معهم، على ارضية انسانية واحدة، من خلال اختيارها الكيبوتس بيئة لاحداث روايتها. ذلك ان الكيبوتس، في وهم معظم "الاسرائيليين"، يعد (البيئة المجتمعية الاكثر تقدما وانفتاحا وتسامحا، في "اسرائيل")، وكان المؤلفة ارادت ان تقول من وراء اختيارها هذا: اذا كانت حتى هذه البيئة ترفض مبدأ التعايش مع العرب على قدم المساواة، فمن البديهي ان ترفضه باقي البيئات "الاسرائيلية" التي من المفترض ان تكون، في الوعي "الاسرائيلي" وخصوصا في فترة ما قبل الثمانينيات، اكثر تطرفا وعنصرية من البيئة الكيبوتسية.

هذا ما لمسته بطلة الرواية (حوا)، بنفسها، في اعقاب الفشل الذريع الذي منيت به محاولتها العثور على حل لمشكلاتها، في احضان البيئة الكيبوتسية التي لجأت اليها، بعد ان نبذها محيطها الاسري المتعصب، لرفضها اسقاط الجنين غير الشرعي الذي حملت به من العربي الذي احبته في شبابها، واصرارها على بقاء هذا الجنين كذكرى لذلك الحب الذي حالت علاقات الفصل العنصري ضد العرب، من دون تحويله الى علاقة زواج شرعية معترف بها.

اذا، لجأت (حوا) الى الكيبوتس، مدفوعة بتصديقها لشعارات التحرر التي يرفعها افراده آملة ان تجد في رحاب مطلقي تلك الشعارات التي توهمت انهم يمارسونها واقعا، قدرا من التسامح الانساني، يمكنها ان تضع ثمرة حبها غير الشرعي من دون ان يسألها احد عن اصل ابيه، او ان يجعل من الاصل العربي لذلك الاب حائلا دون ولادة ابنه بينهم، ويبدو ان الذي غذى هذا الامل في وهم (حوا) امرين: اولهما، شيوع استقبال البيئة الكيبوتسية مثيلاتها من الفتيات اليهوديات اللواتي حملن حملا غير شرعي، في السماح لهن بوضع مواليدهن فيه، والبقاء الى جانبهم، ان شئن، او تركهم في رعاية الكيبوتس وزيارتهم متى رغبن، اما الامر الثاني، فكان توهمها ان اناسا يمارسون التحرر، في حياتهم، الى هذه الدرجة، كما يزعمون، لا بد من ان تكون نظرتهم الى الحب معافاة من لوثة العنصرية التي تجعل الافق الانساني للمصابين بها ضيقا، الى ابعد الحدود، أي لا بد انهم ينظرون الى الحب بوصفه عاطفة انسانية سامية لا تعترف باي حدود جغرافية او عرقية او اجتماعية او دينية او سياسية، الخ.

على خلفية املها السرابي هذا، مضت (حوا) الى احد الكيبوتسات، وهي تعلل نفسها بانها ستجد في بيئته المتحررة وسطا اجتماعيا يتغاضى افراده (المتحررون) عن حبها لعربي، من جهة، ويقبلون بها وبالثمرة غير الشرعية لهذا الحب من جهة اخرى، وبذلك تعثر على حل مثالي لمشكلاتها المزدوجة هذه.

لكنها، وعلى الرغم من قوة اعتقادها بـ(تحرر) افراد الكيبوتس الذي لجأت اليه، وعلى الرغم من استقبالهم لها بالترحاب الشديد، فان حدسا ما، غامضا، دفعها الى عدم البوح لهم بان والد جنينها عربي وليس يهوديا مثلها، مؤثرة ابقاء هذا السر طي الكتمان عنهم، خشية ان يتحول، ومنذ البداية، الى سبب يحول دون قبولها عضوا، في كيبوتسهم، آملة ان تستطيع، لمزاياها التي لم ينكروا اعجابهم بها، في ما بعد، ان تلغي أي احتمال يمكن ان يدعوهم الى رفض بقائها ووليدها بينهم، ويبدو ان ذلك الحدس الذي ساور (حوا) وجعلها تخشى البوح باصل حبيبها العربي، كان حدسا صائبا، كما يستشف من احداث هذه الرواية التي تنبئنا تطوراتها اللاحقة ان بطلتها، وبفضل كتمانها لذلك السر، قضت ما تبقى من فترة حملها من دون أي متاعب من قبل اعضاء الكيبوتس الذين لم يسألها أي منهم عن اصل والد جنينها، ليقينهم المطلق، كما اكتشفت في ما بعد، بان والده لا بد من ان يكون يهوديا كأمه التي لا بد من ان تحول يهوديتها، في فهمهم العنصري، من دون السماح لها بارتكاب حماقة الوقوع في حب شاب عربي، فضلا عن السماح له بزرع جنين من صلبه في احشائها، والاصرار، من ثم، على عدم التخلص من ذلك الجنين، بل التجرؤ على الاتيان به اليهم لولادته بين ظهرانيهم..

لكن راحتها من المتاعب، لم تعفها، كما يبدو، من الاحساس بالذنب تجاه من استمرت في كتمان سرها عنهم، بعد كل ما احاطوها به من رعاية وحب. وقد ظل هذا الاحساس يضغط على ضميرها واعصابها، طوال الفترة التي سبقت موعد ولادتها، حتى اذا اقترب ذلك الموعد، لم تجد بدا من مكاشفتهم بما اخفته عنهم، وخصوصا بعدما ابلغوها بانهم سيعقدون اجتماعا لمنحها صفة العضوية في الكيبوتس، قبل ولادتها، مكافأة لها على اجتيازها مرحلة التجربة التي يمر بها كل مرشح للعضوية، بنجاح باهر، وهكذا، وقبيل بدء ذلك الاجتماع بقليل، وجدت نفسها تهمس في اذن سكرتير الكيبوتس (رحملوفيتش)، بسرها الخطر. وما كادت تفعل حتى صدمتها مفاجأة الانقلاب، من النقيض الى النقيض في موقفه، وموقف باقي اعضاء كيبوتسه، تجاهها وتجاه جنينها.. فمثل لمح البصر، تغير موقف الجميع منها، فور علمهم بان والد ذلك الجنين عربي وليس يهوديا مثلهم ومثلها. بل لقد ذهلت وهي تراهم يسقطون، وبسهولة مفرطة، كل صفاتها التي جعلتها محط اعجابهم، قبل انكشاف سرها لهم، الامر الذي جعلها تتساءل، وبحدة ممزوجة بالالم والدهشة معا: اين ذهب ذلك الاعجاب الذي كانت تراه في اعينهم وتسمعه في عباراتهم التي يطرون بها لطفا ونشاطها ومهارتها الفائقة في كل ما عهدوه اليها من اعمال منذ قدومها اليهم؟ اين ذلك الحب الذي احاطوها به، رجالا ونساء، وبددوا بدفئه صقيع احساسها بنبذ اسرتها لها؟ بل كيف تحول الاجتماع الذي عقدوه لمكافأتها بمنحها عضوية الكيبوتس، الى اجتماع لدراسة مسألة بقائها او عدم بقائها بينهم؟ واي جنون هذا الذي جعلهم يحولون مناقشة وضعها لجنينها في الكيبوتس، الى مسألة امنية ينبغي عليهم تفحصها بدقة، خوفا من ان يؤدي تهاونهم في دراستها الى تعريض (امن "اسرائيل") كلها للخطر ؟!!!

وسرعان ما افضت هذه التساؤلات التي راحت تطن في رأس (حوا)، كذبابة في غرفة صغيرة مغلقة، الى تساؤلات اخرى اكثر ايلاما، اخذت تطرحها على نفسها، وكأنها تلوم تلك النفس على تسرعها في كشف الحقيقة.. فلماذا لم تبق امر حملها من عربي مجهولا، وتحصل على عضوية الكيبوتس مع الكثير من الحب والرعاية، لها ولجنينها الذي صارت على وشك وضعه؟

قد فعلت ذلك، كما اجابت نفسها، كي لا تدع لهم مجالا لاتهامها بخداعهم، وهم الذين استقبلوها بكل ذلك الترحاب، لو علموا الحقيقة، من غيرها مستقبلا. هذا بالاضافة الى انها كانت تأمل بان لا تغير معرفتهم لتلك الحقيقة شيئا من موقفهم تجاه صاحبتها، وذلك على خلفية توهم (حوا) الصدق في ما رأتهم يرفعونه من شعارات انسانية براقة، من مثل (اخوة الشعوب) وما شابهها من عبارات، لم تتخيل (حوا) ان دلالتها الانسانية الظاهرة ليست اكثر من مجرد دعابة براقة هدفها اخفاء التوجهات العنصرية لافراد هذه البيئة الناظمة لسلوكيات اولئك الافراد، على ارض الواقع، قبول أي عربي في بيئتهم تلك، مهما كان تقدميا، بل حتى لو قبل الانسلاخ عن عروبته تماما، والانتساب الى الحزب نفسه الذي ينتمون اليه: وهو ما يعني، في المحصلة، ان الهدف الغائي من رفع تلك الشعارات الدعائية هو تمويه الدور الوظيفي لتلك البيئة المجتمعية، التي جندت نفسها، كغيرها من البيئات "الاسرائيلية" الاخرى، في خدمة اهداف سياسية لا تمت الى الانسانية باية صلة.

لهذا كله، ووسط الذهول الحاد الذي اصابها نتيجة التغير المفاجئ في موقف اعضاء الكيبوتس منها ومن جنينها، جلست (حوا) تستمع، واجمة الى نقاشهم الحاد حول امكانية استمرارها بينهم، ومستقبلها في كيبوتسهم، متحملة، بصبر الازدراء الذي حل في نظرتهم اليها محل الاعجاب الذي كانوا يحيطونها به، قبل ان تطلعهم على سرها.. لقد غيرت معرفتهم لذلك السر مجرى حوارهم حولها، الذي بدأ وديا، ثم صار مشبعا بالاحتقار والكراهية، كنظراتهم التي راحوا يمطرونا بها، وهم يتداولون الرأي، في ما بينهم، بحثا عن حل لوضعها الذي صار، بين طرفة عين وانتباهها، مشكلة اجتماعية وامنية خطيرة..!!!

وهكذا، اكتشفت (حوا)، وان متأخرة، انهم لم يستطيعوا على الرغم من ادعائهم التحرر، ان يتجاوزوا مشاعر الكراهية والحقد والاحتقار التي يكنونها للعرب عموما، وهم يصيغون موقفهم النهائي من محنتها، بعد علمهم بحقيقة تلك المحنة: ليس فقط لانها قد تجرأت بحبها لشاب عربي على تجاوز (تابو) المشاعر العنصرية المعادية للعرب التي غذوا بها وعكفوا على تقديسها، صغارا وكبارا، معتبرين هذا التجاوز، حسب وجهة نظرهم العنصرية، خطأ لا يغتفر، بل لانها ترفض اجهاض جنينها من ذلك الشاب، وتريد ان تلد هذا الجنين في احضان البيئة الكيبوتسية، غير عابثة بما يمكن ان تسفر عنه مثل هذه الحادثة من عواقب، لم يتردد معظمهم في وصفها بالوخيمة.

وهنا تصل هذه الرواية الى المقولة / الهدف التي ربما كانت احد الدوافع الاهم لتأليفها، كما يبدو، وهي المقولة التي يمكن تكثيفها بالتساؤلات التالية: اذا كان اعضاء الكيبوتس الذين يزعمون ان بيئتهم هي الاكثر (انفتاحا وتحررا وتسامحا)، قد اتخذوا مثل هذا الموقف تجاه شاب عربي أحبته واحدة منهم، فما عساه يكون موقفهم وموقف الذين يصفونهم، هم أنفسهم، بالمتشددين والمتطرفين، تجاه أي عربي لم يحظ بمثل هذا الحب من أي منهم؟ ثم اذا كانوا قد بنوا رفضهم للعربي الذي احبته (حوا) ولجنينها منه، على رفضهم العنصري لاي احتمال يساوي بينهم والعرب عموما، أي رفضا عاريا عن أي مسوغ انساني او منطقي، فكيف تراهم يقبلون مبدأ التعايش السلمي مع أي فئة عربية، اذا كانت مساواتها بهم هي الشرط الاساسي لتجسيد تعايشهم مع افرادها، واقعا؟

لا شك في ان الاجابة السلبية عن هذه التساؤلات جميعا، والتي لم تقلها الرواية بشكل مباشر، بل قالتها احداثها بتطوراتها المختلفة، تؤكد، في المحصلة، نفي جميع امكانات التعايش الاجتماعي والانساني بين العربي و"الاسرائيلي"، كما تؤكد هذه الاجابة ايضا، ان أي طرح اخر خارج دائرة هذا النفي، يبدو غير واقعي، بسبب عدم استعداد "الاسرائيليين" لتغيير مشاعرهم ومواقفهم العنصرية تجاه العرب عموما، وتحت أي ظرف. وهذا بديهي لاسباب عدة. قد يكون بين اهمها ان الادب الذي تغذوا بنصوصه. صغارا وكبارا، قد اسهم، بالتعاون مع ما تصبه، في آذانهم، تصريحات قادتهم، ووسائل اعلامهم المختلفة، صباح مساء، في ترسيخ ذلك الاعتقاد العنصري المرضي الذي جعلهم يتوهمون بانهم صنف من البشر ارقى بما لا يقاس، من الصنف الذي ينتمي اليه اعداءهم العرب..