علاقات "إسرائيل" بالأنظمة الديكتاتورية
جمهورية أميركا الوسطى نموذجاً
سعت ''إسرائيل'' منذ قيامها في العام 1948، الى التأكيد على كونها دولة ديمقراطية تولي فـي علاقاتها الداخلية والخارجية أهمية خاصة لحقوق الإنسان، غير أن السلـوك ''الإسرائيلـي'' الخارجـي يتناقض تماماً مع الشعار الموضوع، ذلك أن علاقات ''إسرائيل'' الخارجية أسقطـت الزعـم القائـل باحترامها لحقوق الإنسان، فـ''إسرائيل'' ارتبطت طوال العقود الماضية بعلاقات وثيقة مـع الأنظمة العنصرية والديكتاتورية في آسيا وأفريقيا وأميركا الوسطى.
الموضوع التالي، يعود بالذاكرة الى علاقات ''إسرائيل'' بالأنظمة الديكتاتورية في أميركا الوسطى، وتحديداً: غواتيمالا، نيكاراغوا، هندوراس وكوستاريكا، وهي الأنظمة التي مارست أبشع أساليب القهر والإضطهاد بحق شعوبها، وخاصة السكان الأصليين المعروفين بالهنود الحمر. كما أسهمت ''إسرائيل''، من خلال علاقاتها مع الأنظمة المذكورة، بإطالة تسلطها العسكري والإستبدادي جراء توفـير الحماية الأمنية لهذه الأنظمة التي خلّفت ضحايا بشرية بالملايين، قتلى وجرحى ومفقودين.
السلاح "الإسرائيلي"
إعتباراً من السبعينيات، شرعت إسرائيل'' في زيادة معدلات الإنفاق الحربي بالنسبة للدخل القومي حتى تجاوز نسبة 43.3%، في حين نجد هذه المعدلات في فرنسا لا تزيد على 5.5%، وفـي أميركا 8.3% خلال الفترة نفسها. كما قفزت صادرات ''إسرائيل'' من الأسلحة والمعدات في العام 1974 بنسبة 15% والعام 1975 بنسبة 80% و 85% في العام 1976.
وبلغت قيمتها في بداية الثمانينيات حوالى مليار دولار سنوياً، وتشمل 600 نوع مـن الأسلحـة والمعدات العسكرية، 53% منها مصممة ومنتجة ومجهزة بالكامل في ''إسرائيل'' (1) .
"كما تشكّل صادرات السلاح نسبة 16% من مجمل صادرات ''إسرائيـل'' قياسـاً بـ 4.5% بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، و 4 أو 5% في فرنسا، و 2.5% لبريطانيا، هذا بالإضافة الى أن هناك 120 ألف ''إسرائيلي'' يعملون في الصناعات الحربية، ويشكّلون 40% من مجمل قـوة العمل الصناعية، وفاق إنتاج السلاح الحاجات المحلية في أواسط السبعينيات. وفي أوائل الثمانينيات كان الجيش ''الإسرائيلي'' يشتري نحو 38% فقط من إنتاج السلاح ''الإسرائيلي'' ويبـاع الباقـي فـي الخارج" (2) .
وإذا كان البعض يرى في صناعة السلاح ''الإسرائيلي'' صناعة تابعة وخاضعة للتكنولوجيا الغربية عموماً، والأميركية على نحو خاص، وأنها أكثر تخلفاً عن المستوى التكنولوجي الذي بلغته صناعة الأسلحة في العالم، وهذا صحيح الى حد كبير، إلا أننا نرى في هذا القول درباً من دروب التهوين.. فصناعة السلاح ''الإسرائيلي'' لم تستهدف يوماً منافسة السلاح الأميركي أو الغربي، لكنها استهدفت توفير احتياجات ''إسرائيل'' الضرورية منه وقت الأزمات، ثم تلبية احتياجات أسواق العالم الثالث التي لا تحتاج الى أرقى المستويات التكنولوجية من السلاح. وقد نجحت ''إسرائيل'' في ذلك، بدليل حجم تجارتها الواسعة من السلاح مع بلدان العالم الثالث.
وكي لا نطيل الحديث عن صناعة السلاح ''الإسرائيلي'' وتجارته، نكتفي بالإشارة السابقة لنخلص منها الى أن هذه الصناعة كانت مدخلاً أساسياً لبناء جسور سياسة قوية بين ''إسرائيل'' ومعظم دول العالم الثالث التي تعاني الإضطرابات السياسية، وتحتاج للسلاح غير المعقد تكنولوجياً، والرخيص السعر، والمتوفر في الأسواق دونما أية شروط سياسية للحصول عليه. وهذا ما تقدّمه ''إسرائيل''.
جذور العلاقات بديكتاتوريات أميركا الوسطى
لم تكن العلاقات بين ''إسرائيل'' وديكتاتوريات أميركا الوسطى مجرد علاقات بين بائع ومشتـرٍ للسلاح، بل كانت سابقة على تجارة السلاح، كما تميزت بالإستمرارية، وتحكمها مجموعة من الثوابت، ولم تتعرض لأية هزات أو تواجه حالة تأزم على نحو ما اعترى العلاقات الأفريقية أو الآسيوية بـ''إسرائيل'' في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. وهذا ما يجعلها نموذجاً جديراً بالدراسة.
وفي هذا الإطار، لا بد من ذكر أن مبيعات ''إسرائيل'' من السلاح لدول أميركا الوسطى، تكتسب أهمية متواضعة، رغم أنها تكاد تكون المصدر الوحيد للسلاح بالنسبة لدول المنطقة، إلا أن تواضعها هذا يأتي في مقارنتها بغيرها من مناطق أو دول العالم الثالث. فعلى سبيل المثال، فإن صادرات ''إسرائيل'' من السلاح لكل دول أميركا الوسطى، لا تقارن بمبيعاتها للأرجنتين، "كما أنها لم تتعدّ في مجملها 50 مليون دولار في العام 1982، في وقت تجاوزت فيه مبيعات ''إسرائيل'' من السلاح المليار دولار سنوياً" (3) .
على أية حال، يمكن القول إن محاولات ''إسرائيل'' التغلغل في أقطار أميركا اللاتينية عموماً، قد تقرر في العام 1961، بعد الغزو الأميركي الفاشل لكوبا، وقبل أن تكون صناعة السلاح ''الإسرائيلي'' ذات شأن. فقد استطاعت ''إسرائيل''، بمساعدة الولايات المتحدة، أن تجد قناة تعبر من خلالها لتلك الأقطار، وتمثلت تلك القناة في "منظمة الدول الأميركية"، التي تشكّلت بإيعاز من واشنطن، وضمت في عضويتها جميع أقطار أميركا اللاتينية، ودُعيت ''إسرائيل'' للمشاركة في برنامج التحالف في سبيل التنمية الذي أعدّته المنظمة، واستهدف تحسين أوضاع بلدان أميركا اللاتينية حتى لا تتحول الى مرتع للأنشطة الهدامة التي تقوم بها كوبا. "وبموجب هذا البرنامج، أبرم الكيان الصهيوني اتفاقيات تعاون فني وعلمي مع عدد من بلدان أميركا اللاتينية، وخاصة: شيلي، بوليفيا، كولومبيا، كوستاريكا، الإكوادور، فنزويلا، نيكاراغوا، البيرو والدومينيكان "(4) .
وقبل ذلك، كان لـ"إسرائيل" تعاطف واسع منذ نشأتها من جانب دول أميركا اللاتينية والوسطى بفضل النفوذ الأميركي الواسع في تلك الدول، إذ حصلت على اعترافها منذ الإعلان عن قيامها، كما ترتبط التجمعات اليهودية، الكبيرة الحجم والنفوذ في أميركا الوسطى، بأوثق الروابـط مـع الحركة الصهيونية، وتدعم نشاطها منذ الثلاثينيات (5).
وجاءت أواخر السبعينيات لتشهد تعاوناً واسعاً بين ''إسرائيل'' ودول أميركا الوسطى نتيجة لوقف المساعدات العسكرية الأميركية عن تلك الدول، ثم السعي في أوائل الثمانينيات لتنظيم وتدريب قوات "الكونترا" وإمدادها بالسلاح. وهنا، جاء السلاح ''الإسرائيلي'' كبديل للمساعـدات العسكـريـة الأميركية، وتوسعت عملياتها في تصدير خبراتها في القمع والإرهاب ومواجهة التمردات السياسية فـي المنطقة.
الأهداف المشتركة
إذا كانت ''إسرائيل'' إستهدفت من علاقاتها مع ديكتاتوريات أميركا الوسطى - الـى جانـب تنشيط تجارة السلاح - كسر حواجز العزلة الدولية التي تعاني منها منذ نشأتها، وضمـان تأييـد تلك الدول لها في المحافل الدولية، فإنها اختارت أيضاً منذ البداية أن تكون راعية للمصالح الأميركية في أية منطقة في العالم. وليس في الشرق الأوسط فقط، وذلك بهدف تعزيـز علاقاتهـا بالولايـات المتحدة الأميركية، وضمان مساندة الأخيرة لها ورعايتها للمصالح ''الإسرائيلية'' وأهدافها التوسعية في الشرق الأوسط.
هذا من جانب ''إسرائيل''.
أما ديكتاتوريات أميركا الوسطى، التي أحكم الحصار الدولي حولها، باعتبارها أنظمة مدانة دولياً لممارساتها الديكتاتورية، وعدم احترامها لحقوق الإنسان، فقد رأت في ''إسرائيل'' قرينها الذي يمدّها بالسلاح، ويخفف من حدة عزلتها، ويدرب قواتها المسلحة وشرطتها على أحدث وسائل القمع، في وقت تخلت فيه الولايات المتحدة عن القيام بهذا الدور منذ أوقف الرئيس "كارتر" مساعداته العسكرية عن تلك الدول تباعاً في أواخر السبعينيات، هذا الى جانب أن السلاح ''الإسرائيلي'' قد اختُبر في القتال، بالإضافة لأسعاره المنافسة لأسعار غيره من الأسلحة. أما أساليبها في القمع فليس لها منافس.
وأيضاً، رأت في ''إسرائيل'' معبراً لاسترجاع - أو استمرار - العلاقات العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة، وذلك من واقع إدراكها أن علاقاتها بـ''إسرائيل'' شرط لكسـب تأييـد اليهـود الأميركيين أصحاب النفوذ والسطوة على الكونغرس والإدارة الأميركيين.
وإذا كانت الولايات المتحدة سعت لتدعيم الأنظمة الإجتماعية والسياسية فـي بلـدان أميركا الوسطى، وعجزت في الوقت نفسه عن تقديم المساعدات المباشرة لها بفعل الحصار الدولي الذي فرض على تلك الأنظمة، وموقف القوى المعارضة في الكونغرس وفي المجتمع الأميركي لتقديم أية مساعدات لتلك الدول، كل ذلك جعل الولايات المتحدة الأميركية ترى في ''إسرائيل'' بديلاً عنها لا تعيقه اعتبارات داخلية أو إدانات دولية عن القيام بمثل تلك المهمات فـي أميركـا الوسطـى، خاصة وأن ''إسرائيل'' تخدم توجهاتها السياسية ولا تتعارض معها. "وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأميركية عام 1985 الى اتخاذ قرار بتقديم 150 مليون دولار من جانب وكالة التنمية الدولية الأميركية لتمويل أنشطة ''إسرائيل'' هناك" (6).
"إسرائيل" بديل عن أميركا:
لكن المثير للإنتباه، أننا قد نجد العلاقات ''الإسرائيلية'' بديكتاتوريات أميركا الوسطى فاقت فـي كثير من الأحيان علاقات الأخيرة بالولايات المتحدة الأميركية، وأصبح العديد من الرسميين فـي تلك البلدان يعبّرون علناً عن استنكارهم وسخريتهم من السياسة الأميركية تجاه منطقتهم، بينما يعلنون أن ''إسرائيل'' هي البديل الملائم عن الولايات المتحدة، وأنها الدولة القادرة على مساعدتهم فـي مواجهة الإضطرابات الإجتماعية والسياسية التي تهدد استمرار حكمهم.
"إسرائيل" وغواتيمالا
لقد تم اعتبار العلاقات ''الإسرائيلية'' - الغواتيمالية، واحدة من أهـم نمـاذج العلاقـات بين ''إسرائيل'' ودول أميركا الوسطى، كما أن البنية الأساسية لهذه العلاقات تُلقي الضوء على طبيعة علاقات ''إسرائيل'' مع الديكتاتوريات الأخرى.
وهناك عدة عوامل دعمت الروابط القوية بين ''إسرائيل'' وغواتيمالا، لعل أهمها الطبيعة العنصرية لكلا النظامين. فإذا كانت ''إسرائيل'' قد قامت في أرض فلسطينية على أساس طرد الفلسطينيين من وطنهم، كذلك قام النظام العنصري في غواتيمالا بقمع واضطهاد السكان الأصليين (هنود المايان) الذين يشكّلون غالبية سكان غواتيمالا، وخاصة في مناطق التمردات التي تصل نسبتهم فيها الى 80% من مجموع السكان.
وفي إطار الحملة التي شنها النظام الغواتيمالي ضد السكان الأصليين، فقـد استعـان بالخبرات ''الإسرائيلية'' في هذا المجال.
كذلك، كان هناك رصيد العلاقات التاريخية بينهما، والتي ترجع الى ما قبل قيام دولة ''إسرائيل''. ففي العام 1947 - 1948 لعب "جورج غارسيا غرانادوس" - حين كان مندوباً لغواتيمالا في اللجنة الخاصة لفلسطين في الأمم المتحدة وقبل أن يصبح رئيساً لغواتيمالا - دوراً مؤيداً للحركة الصهيونية، ودوراً مؤثراً في اللجنة لحملها على الإعتراف بقرار التقسيم. كما حث الرئيس الغواتيمالي على الإعتراف الفوري بـ''إسرائيل''. وكان صديقاً حميماً للقادة الصهاينة أمثال "بيغن" و"شامير".
هذا بالإضافة الى أن العلاقات السياسية التي كانت تضطرب بين غواتيمالا وواشنطـن شجعـت ''إسرائيل'' على لعب دور خاص في غواتيمالا، هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى، نظر حكام غواتيمالا الى ''إسرائيل'' باعتبارها الدولة الأولى في العالم التي تدرك كيفية قمع التمردات ، ورأَوا من الضروري طلب نصيحتها والإسترشاد بخبراتها وأساليبها والتسلح بأسلحتها.
السلاح "الإسرائيلي" لغواتيمالا:
بدأ السلاح ''الإسرائيلي'' يتدفق على غواتيمالا منذ بداية السبعينيات، وازداد بشكل خاص بعد العام 1977، حين رفض جنرالات غواتيمالا المساعدة الأميركية رداً على ضغوط الإدارة الأميركية، في عهد "كارتر"، على غواتيمالا للتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان.
وحصلت غواتيمالا على أول صفقة من الأسلحة ''الإسرائيلية'' في العام 1974، حـين هددت بفرض سيطرتها على منطقة "بليز" المسماة بهندوراس البريطانية. وترجع جذور تلك الصفقة لزيارة "لوغيرد غارسيا"، رئيس الأركان الغواتيمالي، لـ''إسرائيل'' في العام 1971، والذي قام برحلة أخرى الى ''إسرائيل'' في نيسان (أبريل) 1974 بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية وأعلن خلالها عن أمله فـي توسيع مجالات التعاون مع ''إسرائيل'' (7) .
وخلال الأعوام الثلاثة التالية، وطبقاً لأقل التقديرات، حصلت غواتيمالا على 11 طائرة "عرافا" وعشر عربات مدرعة من طراز "ر. ب - واي" ( R.B.Y) و 3 زوارق من طراز "دبور" المزودة بصواريخ "غابرييل"، بالإضافة الى أكثر من 15 ألف بندقية "غاليل" التي أصبحت السلاح الأساسي لقوات المشاة في غواتيمالا (8) .
وبحلول العام 1977، أصبحت غواتيمالا تعتمد على السلاح ''الإسرائيلي'' بشكل أساسي، وأيضاً على المستشارين ''الإسرائيليين''، خاصة بعد "الإتهام الأميركي لها في العام نفسه بانتهاك حقوق الإنسان، والإعلان الغواتيمالي برفض المساعدات الأميركي لها في العام نفسه بانتهاك حقوق الإنسان، والإعلان الغواتيمالي برفض المساعدات الأميركي التي تضع شروطاً تُعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية لغواتيمالا، ثم الرد الأميركي بعدم ضمان قروض غواتيمالا لدى البنك الدولي والبنك الأميركي الدولي للتنمية (9) .
وعلى الفور تقدمت ''إسرائيل'' لشغل الفراغ، وازدهر نشاطها، وازداد تدفق سلاحها وخبرائها بشكل غير مسبوق. فبالطبع هي لا تضع عوائق أمام تدفق أسلحتها وخبرائها، بل وتتخذ موقفاً داعماً تجاه الممارسات القمعية للنظام الغواتيمالي.
وإن كانت ''إسرائيل'' في ذلك الحين قد نفت تزويد غواتيمالا بالسلاح والمستشارين، إلا أن رجال الجمارك في جزيرة "باربادوس" بالكاريبي، إكتشفوا سفينة تحمل 26 طناً من السلاح والذخيرة قادمة من ''إسرائيل'' ومتجهة الى غواتيمالا في حزيران (يونيو) 1977 (10) .
"وفي العام نفسه أقامت مصانع الطائرات المملوكة لوزارة الدفاع ''الإسرائيلي'' راداراً قرب العاصمة "غواتيمالا سيتي"، ولا زال الفنيون ''الإسرائيليون'' يتولَّون تشغيله" (11) .
وفي كانون الأول (ديسمبر) 1977، قام الرئيس ''الإسرائيلي'' "إفرايم كاتزير" بزيارة الى غواتيمالا وقّع خلالها اتفاقاً للمساعدات العسكرية، كما أعلن الرئيس "لوغيرد غارسيا" أن غواتيمالا ستشتري خمسة زوارق من طراد "دبور" ( Dabour) من ''إسرائيل'' للحراسة البحرية. ثم سافـر وزير الدفاع الغواتيمالي الى ''إسرائيل'' لإتمام الصفقة والبحث فيما يمكن شراؤه من معدات عسكرية أخرى. والتقى خلال زيارته بوزير الدفاع ''الإسرائيلي''، وكان ذلك في بداية العام 1978. وناقش الوزيران تزويد غواتيمالا بالسلاح والذخيرة وأجهزة الإتصال العسكرية بما فيها نظام الكمبيوتر، وعقدا صفقة تضمنت حصول غواتيمالا على دبابات وعربات مدرعة ومطابخ ميدانية، كما بحثا إمكان الحصول على الطائرة "كفير" وإرسال خبراء ''إسرائيليين'' لتركيب أنظمة الكمبيوتر والـرادار والقيـام بعمليات التدريب وصيانة المعدات. هذا بالإضافة الى إقامة مدرسة للإلكترونيات وتدريب قوات الجيش والبوليس في غواتيمالا على فنون مواجهة التمردات. وبالفعل تسلمـت غواتيمـالا كـل الأجهـزة والمساعدات المطلوبة باستثناء الطائرة "كفير" التي كانت ''إسرائيل'' ممنوعة من بيعها إلا بموافقة الولايات المتحدة الأميركية، ثم حصلت عليها فيما بعد (12) .
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1981، إستجد عامل جديد زاد من مبيعات السلاح ''الإسرائيلـي'' لغواتيمالا وغيرها من ديكتاتوريات العالم الثالث. ففي ذلك الحين، وقّعت كل من ''إسرائيل'' والولايات المتحدة مذكرة سرّية، سمحت الأخيرة بموجبها لديكتاتوريات العالم الثالث بإنفاق جزء من الإعتمادات المالية الأميركية المقدمة لأي منها في ''إسرائيل''. وذكرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" "إن هذه المذكرة وضعت الأساس لتلبية احتياجات الدفاع ''الإسرائيلي''، وستخلق الأسواق الخارجية اللازمة لتطوير الصناعات ''الإسرائيلية''" (13).
وبلغ التدخل ''الإسرائيلي'' في الثمانينيات ذروته مما دفع مجلة "التايم" الأميركية الصادرة في 28 آذار (مارس) 1983 للقول: إن ''إسرائيل'' باعت لحكومة غواتيمالا كل شيء إبتداءاً مـن المعدات المضادة للإرهاب وحتى طائرات النقل، وإن معسكرات الجيش في الأدغال أصبحت نسخة طبق الأصل عن معسكرات الجيش ''الإسرائيلي''.
ورغم القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1983، والذي دعا لوقف مبيعات السلاح لغواتيمالا حتى تثبت حكومتها احترامها للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فقد استمـر تدفق السلاح ''الإسرائيلي'' إليها. ففي بداية العام 1984 تمت إحدى الصفقات بينهما، وبالطبع لـم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن تلك الصفقات، "ففي تموز (يوليو) 1985، شكّلت ''إسرائيل'' والمخابرات المركزية الأميركية فريقاً لنقل 40 رشاشاً مزوداً بمنظار للرؤية الليلية وألف قنبلة، وقد تم النقل بواسطة طائرة K.L.M من ''إسرائيل''" (14) .
"كما تم اعتقال مسؤولين يونانيين وحبسهم في 26 آذار (مارس) 1986، لشرائهـم طائـرات هليكوبتر، و 209 أطنان من مادة T.N.T ، ومدافع "بازوكا"، وبنادق آلية وذخيرة من ''إسرائيـل'' لصالح غواتيمالا" (15).
مستشارون زراعيون لقمع التمردات!!
لم تقتصر العلاقات ''الإسرائيلية'' - الغواتيمالية على تصدير السلاح، بل اتسعت لتشمل مجالات عديدة أخرى، خاصة مجال القمع العنصري الذي مارسته السلطات الغواتيمالية ضد السكان الأصليين (هنود المايان) مستعينة في ذلك بالخبرات ''الإسرائيلية'' في قمع الفلسطينيين وعزلهم في مناطق خاصة.
فلما كان اهتمام سلطات غواتيمالا يتوجه أساساً، فيما بين أعوام 1954، 1984 الى تدمير المجتمع الهندي التقليدي ومحو ثقافته، ولما كان الفلاحون قد قدّموا الدعم الواسع للحركـات الثورية المسلحة في غواتيمالا خاصة بعد العام 1970، فقد اتجه النظام الغواتيمالي لبناء مستوطنات زراعية يقطنها الفلاحون الثائرون وهنود "المايان"، ويديرها العسكريون ويسيطرون عليها، واستعانوا في بنائها بالخبراء والمساعدات ''الإسرائيلية''، وأطلق عليها "القرى النموذجية" أو "مشروع العمل المدني". وقد باشر الأميركيون في الستينيات بالتخطيط لهذا المشروع وتنفيذه، والذي وصفه "فريدريك ف. ورنر" كبير المستشارين الأميركيين بالمشروع في الفترة من 1966 الى 1968 بأنه "سلاح عسكـري لقمع التمردات… واهتمامنا الأساسي لم يكن تحسين الغذاء من خلال إنتاج المحاصيل، بل كانـت مهمتنـا الحقيقية الدفاع عن الأمن "(16).
ولما فشل التعاون الأميركي في قمع التمردات، وفرض الإستقـرار في الريف، بدأ الخبراء ''الإسرائيليون'' في الإحلال محل الأميركيين لتحقيق تلك الغاية. ومع مجيء "عام 1970، كـان هناك 16 مستشاراً ''إسرائيلياً'' في غواتيمالا، 14 منهم خبراء في الشؤون الزراعية" (17) .
لكن الإشتراك ''الإسرائيلي'' القوي في برنامج غواتيمالا الزراعي لمكافحة التمردات، لم يبدأ بشكل فعال إلا في العام 1977، بعد تولي "بيغن" رئاسة الوزارة في ''إسرائيل''. فعلى الفـور "بدأت ''إسرائيل'' في حزيران (يونيو) 1978، برنامجاً مدته عامان، ويتضمن 50 منحة لدراسة برامج التعاون الزراعي في ''إسرائيل''، إشترك فيه مخططون واقتصاديون ومديرون ماليون وعدد من كبار المسؤولين في الجيش" (18). وتوالت المنح الدراسية الى ''إسرائيل''، وتوافد الخبراء ''الإسرائيليون'' علـى غواتيمالا، "وخلال عامَي 78-1979 فقط درب الخبراء ''الإسرائيليون'' حوالى ألف غواتيمالي" (19) .
رئيس من صنع "إسرائيل":
ولمعرفة مدى نفوذ المستشارين ''الإسرائيليين'' في غواتيمالا، نكتفي بالقول إنه حين استولى "ريوس مونت" على السلطة بانقلاب عسكري في آذار (مارس) 1982، إعترف ''الإسرائيليون'' باشتراكهم في التخطيط له وتنفيذه. وأعدوا له برنامجاً جديداً لتهدئة الريف سمّي ببرنامج (الحبـوب والرصاص). وباختصار، قام البرنامج على أساس تقديم الطعام والسكن للفلاحين المتعاونين مع الحكومـة، والقمع والإضطهاد للفلاحين المتمردين، وشن الجيش حملة عنيفة ضد الفلاحين راح ضحيتها حوالى عشرة آلاف قتيل من الهنود. كما نفّذ ''الإسرائيليون'' عشرات المشروعات في المناطق الريفية، تشتمل علـى إقامة المساكن والطرق وتوصيل المياه (للقرى النموذجية) (20) .
جانب آخر من خطط "ريوس مونت" التي تم تنفيذها بمساعدة ''إسرائيل''، ويقوم على أساس تجنيد جزء من الفلاحين في "حرس الدفاع المدني" المشكّل تحت إشراف الجيش لمواجهة جماهير الفلاحين، حيث يحصل الفلاحون المجندون في الحرس على الطعام والسلاح مقابل اضطهاد بقية الفلاحين، وقمع أصحاب الميول والنزعات الثورية. وقد ضم هذا الحرس حوالى مليون مواطن (21) .
وهنا تبدو أوجه الشبه بين الإحتلال ''الإسرائيلي'' للأراضي العربية، واحتلال القوات المسلحة في غواتيمالا لمناطق الهنود وطردهم منها. ففي غواتيمالا أيضاً تضطهد الحكومة السكان الأصليين، وتمارس ضدهم سياسة الإبادة، وتتّبع معهم أبشع أساليب العقاب الجماعي مثل هدم المنـازل وإحـراق قرى بأكملها.
ويذهب بعض المحللين الى أن برنامج قمع التمردات في الريف شكّل مفتاح الدور ''الإسرائيلي'' في غواتيمالا.. وإن لم يكن الأميركيون بعيدين تماماً عن مشروعات التعاون ''الإسرائيلي'' - الغواتيمالي، فإن كانت بعض القيود قد حالت بينهم وبين الإشتراك المباشر في دعم حكومة غواتيمالا بالمساعدات والسلاح، إلا أنهم "تولَّوا تمويل بناء القرى الإستراتيجية من خلال برنامج المساعدات الأميركي USAID وبعض المنظمات المسيحية "(22).
وإن كانت الأشهر السبعة عشر التي حكم خلالها "ريوس مونت" قد شهـدت ازديـاد التدخل ''الإسرائيلي'' في غواتيمالا، إلا أن العلاقات ازدادت عمقاً واتساعاً في عهد الرئيس "أوسكار ميغيا فيكتور".
خبراء القمع وأشكال أخرى من المساعدات:
كذلك، برزت أشكال أخرى عديدة للتعاون في مجال قمع السكان الأصليين، منها قيام المستشارين ''الإسرائيليين'' بتدريب القوات الجوية والقوات الخاصة التابعة للجيش والمخابرات. فقد ذكرت مجلة "الواشنطن بوست" في عددها الصادر في 17 آب (أغسطس) 1983: "إن المستشارين ''الإسرائيليين'' يساعدون أجهزة الأمن الداخلي في غواتيمالا على اصطياد المجموعات السرّية للثوار". وأكدت مصادر عديدة وجود مستشارين رسميين بالإضافة لأولئك المستشارين المستقلين الذين كانوا في السابق ضباطاً في جيش الدفاع ''الإسرائيلي''، ويعملون الآن كمرتزقة، منهم الخبراء والمدربون والحراس الخصوصيون، ومنهم أيضاً تجار السلاح ''الإسرائيلي'' الذين يقومون بترويجه، سواء في غواتيمالا أو في دول أخرى من أميركا اللاتينية. لكن معظم المستشارين ''الإسرائيليين'' الرسميين يتخفَّون تحت مظلة بعـض الأعمال المدنية كالتنمية الزراعية ومحو الأمية وغيرها. هذا "وقد بلغ عدد المستشارين ''الإسرائيليين'' فـي غواتيمالا حوالى 300 في بداية العام 1982" (23).
نظام كمبيوتر إسرائيلي لملاحقة المتمردين:
وقدّمت ''إسرائيل'' لغواتيمالا نظاماً للكمبيوتر في خريف العام 1981، كان ملكاً لاتحاد العمال ''الإسرائيلي'' (الهستدروت)، وقد صرح رئيس الأركان الغواتيمالي: "إن ''إسرائيل'' ستقيم كمبيوتر جديد في غواتيمالا ليعمل كمركز للمعلومات تابع للقوات المسلحة" (24) . وبمساعدة هذا الكمبيوتر تم إعداد قوائم المدنيين المستهدف قتلهم، وتوزيعه على القوات المسلحة على طول البلاد، و"فـي أواخر العام 1981، تمكن جيش غواتيمالا بواسطة هذا الجهاز من الإغارة على 30 مخبأ في مدينة "غواتيمالا سيتي" تستخدمهم قوات منظمة الشعب الثورية" (25) . كما ذكرت الصحف ''الإسرائيليـة'' أن هذا النظام قد "أقيم لمراقبة ومتابعة نشاط حركات العصابات المسلحة، وأنه متصل بالقيادة الجنوبية للقوات الأميركية الموجودة في "فورت جوليك" في منطقة قناة بنما" (26) .
وفي 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1981، إفتتح الجيش الغواتيمالي مدرسة للإلكترونيات، تم بناؤها بأموال وخبرة ''إسرائيلية''، قال عنها الرئيس "لوكاس غارسيا": "إن هذه المدرسة ستقـوم بتدريب متخصصين في الأجهزة التكنولوجية لمواجهة التمردات، كعمليات تنظيم المعلومات وتحليلها، والمراقبة والتشويش على أجهزة الإتصال، إستخدام وحل الشيفرات السرّية" (27) .
الصناعات العسكرية المشتركة:
إحتل المشروع المشترك جانباً هاماً من جوانب العلاقات بين ''إسرائيل'' وغواتيمالا، حيث أقامت بعض الشركات ''الإسرائيلية'' مصانع تابعة لها في غواتيمالا، بينما اقتصرت شركات أخرى على ترويج منتجاتها، وأصبحت غواتيمالا مركزاً إقليمياً لتسويق المنتجات العسكرية ''الإسرائيليـة''. ومـن أهم الشركات ''الإسرائيلية'' في غواتيمالا؟
- شركة "إيغل" عبر البحار للمعدات العسكرية، وهي مسؤولة عن بيع المعـدات العسكريـة خارج غواتيمالا، ولها مصنع للذخيرة، يقع في "التافربار"، وآخر يقوم بتـركيـب العربات المدرعة.
- شركة "تاهال" المحدودة للإستثمارات الهندسية، تتولى تصميم وتنفيذ مشروعات تنمية الموارد المائية.
- شركة "تاديران" للإلكترونيات، وهي التي أقامت نظاماً للكمبيوتر في "غواتيمالا سيتي".
- الشركة ''الإسرائيلية'' لصناعة الطائرات، وأنشأت نظاماً للرادار (28) .
وداعـاً أميركـا!
تصاعدت التوترات بين الرئيس الغواتيمالي "ميغيا فيكتور" وبين الولايات المتحدة الأميركية فـي بداية العام 1985، نتيجة لشجبه عودة القوات الإقليمية الأميركية، ورفضه للإشتراك فـي مناورات عسكرية مع القوات الأميركية (29) . في الوقت نفسه الذي عزز فيه علاقاته بـ''إسرائيل'' ووقّع العديد من اتفاقيات التعاون المشترك معها.
وحتى بعد تولي حكومة منتخبة للسلطة في غواتيمالا، لم يكن أمامهـا سوى الإعتماد على ''إسرائيل'' في مجال الدعم العسكري. ففي أيار (مايو) 1986، قام "إسحاق شامير" - وزيـر خارجية ''إسرائيل'' آنذاك - بزيادة المساعدة العسكرية (30) .
وصرح أحد القادة الرسميين الجدد في غواتيمالا بأن ''الإسرائيليين'' لا يدعون هذا الشيء المسمى بحقوق الإنسان يقف عثرة في طريق التعاون المشترك.. فأنت تدفع وهـم يسـددون التزاماتهـم بلا مشكلات" (31) . وبذلك، حسم قادة غواتيمالا قضية مستقبل التعاون مع ''إسرائيل''. بل وصل التخلي عن العلاقات الأميركية في السنوات القليلة الماضية، الى رفض حكومة غواتيمالا الإشتراك في الحلف العسكري الإقليمي ضد نيكاراغوا الذي سعى الرئيس "ريغان" لتشكيله. فقد رفضت الحكومة العسكرية، وبعدها حكومة الرئيس "كريزو" المدنية، المساعدات الأميركية لقوات "الكونترا"، وأيدتا الجهود المبذولة من أجل السلام (32) .
"إسرائيل" ونيكاراغوا
"''إسرائيل'' بديل مضمون إذا ما قلّصت الولايات المتحدة الأميركية مساعداتها لنا"
("ماركوز يلدن" أحد قادة الكونترا)
ترجع العلاقات بين نيكاراغوا و''إسرائيل'' الى ما قبل إعلان قيام الدولة الصهيونية، حيـث قام الديكتاتور "إنستاسيو سوموزا" بتوفير الغطاء الديبلوماسي اللازم لشراء الأسلحة من أوروبـا لصالـح قوات "الهاغاناه" الصهيونية. وقد لعب هذا الدعم دوراً في قيام ''إسرائيل'' برد الجميل وتزويـد نظام الديكتاتور "سوموزا" بالمعدات العسكرية، إعتباراً من منتصف الخمسينيات (33) . ففي شباط (فبرايـر) 1957، "إتفق "شيمون بيريز" [مدير عام وزارة الدفاع ''الإسرائيلي'' آنذاك] مع وفد نيكاراغوا خلال زيارته لـ''إسرائيل'' على بيع أسلحة قيمتها 1.2 مليون دولار. وعلى مدى أكثر من عامين تالييـن باعت ''إسرائيل'' لجيش نيكاراغوا الدبابات والطائرات والعربات المدرعة والبنادق الآلية والذخيرة" (34) . وخلال السبعينيات كانت 98% من واردات نيكاراغوا من السلاح تأتي من ''إسرائيل'' (35).
وبحلول العام 1978، إستجد عامل جديد، فقد اشتدت قوى المعارضة الساندينيـة، واضطرت الولايات المتحدة لوقف شحنات الأسلحة عن قوات "سوموزا" نتيجة لتصرفاتها الوحشية تجاه المدنيين في أعقاب انتفاضة أيلول (سبتمبر) 1978، وبدأ الحديث يدور حول السلاح ''الإسرائيلي'' ومساندتـه لـ"سوموزا". واتجهت بعض الدول للضغط على ''إسرائيل'' لوقف مساعداتها العسكرية عن "سوموزا". ففي بداية العام 1979، أعلن "صمويل لويس"، السفير الأميركي في ''إسرائيـل'' "عن حصول المكسيك على موافقة ''إسرائيل'' على وقف مبيعات السلاح لأميركا الوسطى، مقابل الحصول على المزيد من النفط المكسيكي، الذي كانت ''إسرائيل'' في حاجة ماسة إليه بعد سقوط الشاه الإيراني، فقد كانت المكسيك مهتمة في المقام الأول بوقف الأسلحة ''الإسرائيلية'' عن الديكتاتور "سوموزا" (36) .
وعلى الفور، كتب "موشي دايان" - وزير الدفاع الأسبق - الى "عيزرا وايزمان" - وزير الدفاع في ذلك الحين - يحذره من كارثة ستصيب العلاقات الخارجية ''الإسرائيلية''، إذا لم يستطـع السلاح ''الإسرائيلي'' إنقاذ الديكتاتور "سوموزا" من الكارثة التي تواجهه (37) .
ولم تلتزم ''إسرائيل'' فعلياً باتفاقها مع المكسيك، واستمرت في دعم الديكتاتور "سوموزا".
"إسرائيل" والكونترا:
في حدود المعلومات المتوافرة، ظهرت إشاعة في بداية العام 1983 تفيد بأن ''إسرائيـل'' تزود الكونترا بالسلاح. وأعرب "ييرتزابان"، عضو الكنيست ''الإسرائيلي'' عن "المابام"، عن اعتقاده بأن "هذه الشائعة حقيقية، وأن تلك العملية تم الإتفاق بشأنها خلال زيارة "آرييل شارون"، وزير الدفاع ''الإسرائيلي'' للهندوراس العام 1982، ولقاؤه مع قادة الجبهة الديمقراطية لنيكاراغوا" (39) . وفي الوقت نفسه، أعلنت الكونترا "أن ''إسرائيل'' تتولى عمليات خدمة الجبهة وتزويدها بالسلاح والمؤن" (40) .
و"في تموز (يوليو) 1983، شحنت ''إسرائيل'' قطع مدفعية وطلقات مدافع هاون، وألغام وقنابل يدوية وذخائر الى الكونترا في الهندوراس، كما تلقى "إيدن باستورا"، قائد التحالف الثوري الديمقراطي لنيكاراغوا الموجود في كوستاريكا، 500 بندقية آلية من طراز AK-47 من ''إسرائيل''. وفي تشريـن الأول (أكتوبر)، تلقّت الجبهة الديمقراطية لنيكاراغوا 2000 بندقية من الطراز نفسه، كانت ''إسرائيل'' قد استولت عليها خلال غزوها للبنان، وقامت المخابرات المركزية الأميركية بتمويل الصفقة" (41) . وأكد أحد قادة الكونترا لشبكة N.B.C في نيسان (إبريل) 1984 "إننا تلقّينا بعض الأسلحة التي استولت عليها ''إسرائيل'' من منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان" (42) .
وفي أيار (مايو) من العام نفسه نشرت مجلة "التايم" "أن ''إسرائيل'' تنقل السلاح للكونتـرا من خلال جيش الهندوراس، كما تولى خبراء المخابرات ''الإسرائيلية'' والأميركية تدريب الكونترا. وتم استخدام العديد من الإحتياطي والمتقاعدين في قوات الكوماندوس ''الإسرائيلي'' لمعاونة المتمردين، وقد جاؤوا بدعوى العمل في شركات خاصة وهمية" (42) .
كما كشفت إدارة "ريغان" "إن شحن الرشاشات ''الإسرائيلية'' والقنابـل اليدويـة والذخيرة لمتمردي الكونترا، إستؤنف في صيف 1984، حين أوقفت أميركا مساعداتها عن الكونترا" (44) . وفي 31 آذار (مارس) 1985، عقد "روزا باسوس"، المتحدث الرسمي لحكومة "الساندينستا" مؤتمراً صحفياً في "ماناغوا" صرح فيه "إن السلطات اعترضت سفينة تحمل كمية ضخمة من الأسلحة متجهة من ''إسرائيل'' الى الجبهة الديمقراطية في الهندوراس" (45) . من ناحية أخرى، صرح أحد قادة الكونترا بأن ''إسرائيل'' كانت مصدر صواريخ "سام/ 7" المضادة للطائرات التي حصلت عليها الكونترا في بداية العام 1985" (46) .
في الوقت نفسه، "كان الرئيس الأميركي "ريغان" قد وافق على خطة سرية لتمويـل الكونترا، بالإضافة الى تقديم مساعدات أخرى عبر المدنيين الأميركيين، وحلفـاء أميركـا المستعديـن لمساعـدة الكونترا، ''إسرائيل'' وكوريا الجنوبية وتايوان" (47) . وقد أشار تقرير لجنة تحقيق الكونغرس في فضيحة إيران - غيت، الى أنها خمس دول وليست ثلاث فقط.
"إسرائيل" ودول المواجهة: الهندوراس وكوستاريكا
رغم الدور الكبير الذي لعبته ''إسرائيل'' في كل من الهندوراس وكوستاريكا، فـي إطـار دعم الكونترا، وتنظيم المواجهة ضد حكومة "الساندينستا"، إلا أن العلاقات ''الإسرائيليـة'' بكل من الهندوراس وكوستاريكا، كانت سابقة على هذا الدور.
فبالرغم من أن كوستاريكا لم تجرب التوترات السياسية الحادة منذ الأربعينات، وإلغائها للقوات المسلحة منذ العام 1948، مع الإحتفاظ بكل من قوات البوليس والأمن الداخلي، إلا أنها اتخذت من البندقية "غاليل" والرشاش "عوزي" أسلحة رسمية لقوات الأمن الداخلي.
و"ترجع العلاقات بين البلدين الى الستينيات، عندما قدّمت ''إسرائيل'' بعض المساعدات الفنية، وأسست "حركة الشباب الوطني" في كوستاريكا، بالتعاون مع وزارة الدفاع ''الإسرائيلي''، بالإضافة للتعاون المشترك في مجال التخابر" (54) .
وتوطدت علاقاتها بـ''إسرائيل'' مع تولي الرئيس "ألبرتو مونغ" مهـام منصبـه خـلال أعوام 1982-1986، وكان "مونغ" سفيراً سابقاً لبلاده في ''إسرائيل''، كما لعبت زوجته اليهودية دوراً بارزاً بين صفوف "الغيتو" اليهودي في كوستاريكا، والمرتبط بـ''إسرائيل'' الى حد كبير. وفور وصول "مونغ" للسلطة، إلتقى مع "بيغن" في العام 1982، و"أسفر اللقاء عن بروتوكـول للتعـاون قدّمت ''إسرائيل'' بموجبه قرضاً لكوستاريكا، كما وعدت بحثّ يهود أميركا لمناصرة طلب كوستاريكا الخاص بإعادة جدولة ديونها الخارجية، وخاصة لدى الولايات المتحدة. كما أمر "مونغ" بنقل سفارة بلاده من تل أبيب الى القدس، وبذلك كانت كوستاريكا أول دولة في العالم تتحدى قرار الأمـم المتحدة رقم 478، الخاص بمطالبة حكومات العالم بعدم إقامة سفارات لها في القدس. كما أعلنـت الدولتان عن عزمهما بناء قناة في كوستاريكا تربط المحيطين الهادي والأطلنطي لتكون بديلة عن قناة بنمـا، وإنشاء مدينة سياحية على نمط مدينة "والت ديزني" " (55) . ومنذ ذلك الحين "لعبت كل من ''إسرائيـل'' والولايات المتحدة الأميركية دوراً في تحويل قوات البوليس الى قوات مسلحة، وكان هذا محور اهتمام لقاء "بيغن" - "مونغ" " (56) .
كما قامت ''إسرائيل'' في الثمانينيات ببناء مشروع الحدود الإستراتيجية، على الحدود بين كوستاريكا ونيكاراغوا، وهو "مشروع إستيطاني يستهدف تعمير المنطقة لتأهيلها لتكون غطاءاً لنشاط الكونترا، وقامت الولايات المتحدة الأميركية بتمويل المشروع" (57) .
وتُعتبر الهندوراس صاحبة أهم صفقة للسلاح مع ''إسرائيل''، "ففي العام 1975، حصلت على 20 طائرة "سوبر ميستير" من طراز B-2 ، وكانت أول نفاثة أسرع من الصوت في كـل دول أميركا الوسطى، مما ترتب عليه رفع مستوى التكنولوجيا العسكرية في أميركا الوسطى" (59) . هذا بالإضافة الى حصولها على "3 طائرات "عرافا"، وطائرة "ويست ويند" وبنادق "غاليـل"، ورشاشات "عوزي"، وعربات مدرعة من طراز R.B.Y ، وصواريخ "شافرير" " (60) .
وتأتي أهمية هذه الصفقة في إلقاء الضوء على جانب مثير في علاقة ''إسرائيـل'' بدول المنطقة. فبالرغم من الصراع القائم بين الهندوراس والسلفادور على مناطق الحدود، والذي تحوّل الى حرب بين الدولتين، إشتعلت مرة في العام 1969، وعرفت بـ"حرب كرة القدم"، واشتعل النزاع مرة أخرى في العام 1976. وحين اتجهت السلفادور الى ''إسرائيل'' للحصول على السلاح بعد العام 1969، وحصلت بالفعل في العام 1973 على 49 طائرة حربية، منها 25 طائرة "عرافـا" وسـت طائـرات "فوغاماجيتسير" و 18 مقاتلة "أوريغان"، أعلنت الهندوراس عن غضبها على صفقة السلاح هذه، واتهمت ''إسرائيل'' بمساندة العدو، فما كان من ''إسرائيل'' إلا أن أبرمت مع الهندوراس فـي العام 1975 تلك الصفقة الهامة، والتي بلغت قيمتها 57 مليون دولار. وتصاعدت التوترات بين البلدين في العام 1976، واحتشدت الأسلحة ''الإسرائيلية'' على حدود البلدين في مواجهة بعضها البعض (61).
عامل آخر أعطى لهذه الصفقة أهميتها، وهو قيام ''إسرائيل'' ببيع ست طائرات نفاثة مـن طراز "سوبر ميستير" الى الهندوراس، مزودة بمحرك "برات أند ويتني" المصنوع في الولايات المتحدة الأميركية، دون الموافقة الأميركية المسبقة على الصفقة، عملاً بالقانون الأميركي الخاص بإعادة تصدير السلاح، إلا أن واشنطن تجاوزت عن ذلك بأن أعلن الطرفان الأميركي و''الإسرائيلي''، أن "الأمر لا يعدو كونه مجرد سوء تفاهم" (62)، وتم التغاضي عنه لتحصل ''إسرائيل'' في الثمانينات على حـق إعـادة تصدير الأسلحة الأميركية.
والطريف، أن علاقة ''إسرائيل'' بالهندوراس، فاقت علاقة الأخيرة بالولايات المتحدة الأميركية، وتلك ظاهرة عامة في علاقات ''إسرائيل'' بدول المنطقة. ومن أبرز الدلائل على ذلك، زيارة "شارون" للهندوراس في العام 1982، وتوقيعه اتفاقاً لتزويدها بالطائرات النفاثة من طراز "كفيـر" والدبابات. وجاءت بعدها مباشرة زيارة "ريغان"، التي علّق عليها أحد المسؤولين بقولن: "إن رحلة "شارون" كانت إيجابية الى حد كبير، فباع لنا السلاح، بينما لم يتفوه "ريغان" إلا بتفاهات، متعللاً بأن الكونغرس يمنعه عن فعل أي شيء" (63) .
المصــادر
(1) أمين هويدي، "صناعة الأسلحة في '' إسرائيل'' "(القاهرة: دار المستقبل العربي، 1986)، ص 54- 67.
(2) بشارة بحج، "إسرائيل وأميركا اللاتينية: البعد العسكري" (قبرص: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1987)، ص 7-8.
(3) المصدر نفسه، ص 179.
(4) نظيرة محمود خطاب، "النشاط الصهيوني في أقطار أميركا اللاتينية"، مجلة "شؤون عربية"، العدد 54، حزيران (يونيو) 1988، ص 186.
(5) المصدر نفسه، ص 183.
(6) المصدر نفسه، ص 182.
(7) Jane Hunter, No Simple Proxy, Israel in Central America, (Washington: 1987), P: 12.
( 8) Ibid., P: 13.
( 9) Cherly A. Rubenberg, "Israel and Guatimala", MERIP, No. 140, May - June 1986, P: 19.
( 10) Ibid., P: 20.
( 11) Ibid.
( 12) Ibid.
( 13) Ibid., P: 21.
( 14) Jane Hunter, Op Cit., p: 14 .
( 15) Ibid., P: 14.
( 16) Cherly A. Rubenberg, Op Cit., p: 18.
( 17) Jane Hunter, Op Cit., p: 12.
( 18) Cherly A. Rubenberg, OP Cit., P: 18.
( 19) Ibid., P: 18.
( 20) Jane Hunter, Op Cit., P: 15 - 19.
( 21) Cherly A. Rubenberg, Op Cit., P: 19.
( 22) Jane Hunter, Op Cit., P: 18.
( 23) Cherly A. Rubenberg, OP Cit., P: 20.
( 24) Jane Hunter, Op Cit., P: 14.
( 25) Ibid., P: 15.
( 26) Cherly A. Rubenberg, OP Cit., P: 20.
( 27) Ibid., P: 20.
( 28) Ibid., P: 21.
( 29) Ibid., P: 22.
( 30) Ibid.
( 31) Jane Hunter, Op Cit., P: 22.
( 32) Ibid.
( 33) Milton Jamail and Margo Gutierrez, "Israel in Central America", MERIP, No. 140, May - June 1986, P: 27.
( 34) Ibid.
( 35) Ibid.
( 36) "1979 Pledge to Stop Central America Arms Sales", Israeli Foreign Affairs, May 1987, Vol. 111, No 5.
( 37) Jane Hunter, Op Cit., P: 27.
( 38) "Report of the Congressional Investigating the Iran - Contra", Foretgn Affairs, (U.S.A: Washington, Government Printing office, 1987).
( 39) Jane Hunter, Op Cit., P: 40.
( 40) Ibid.
( 41) Ibid.
( 42) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 28.
( 43) Ibid.
( 44) Jane Hunter, Op Cit., P: 41.
( 45) Ibid., P: 42 .
( 46) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 28.
( 47) Ibid., P: 29.
( 48)Ibid., P: 27 .
( 49) Jane Hunter, Op Cit., P: 35.
( 50)Ibid., P: 38 .
( 51) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 29.
( 52)Ibid., P: 29 .
( 53) Jane Hunter, Op Cit., P: 39.
( 54) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 30.
( 55) Jane Hunter, Op Cit., P: 49, 50.
( 56) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 30.
( 57) Jane Hunter, Op Cit., P: 53, 55.
( 58)Ibid., P: 44 .
( 59)Ibid., P: 43 .
( 60) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 29.
( 61) بشارة بحج، مصدر سابق، ص 182.
(62) Jane Hunter, Op Cit., P: 46 .
( 63) Milton Jamail and Margo Gutierrez, Op Cit., P: 29 .