الأرض في الفكر السياسي الصهيوني
نواف الزرو
صحيفة العرب اليوم الاردنية 5-5-1998.
على أرضية ذلك الكم الكبير من المعطيات والحقائق حول الفكر السياسي للإرهاب الصهيوني ومقدماته ومنطلقاته وسيكولوجيته وبرامجه وتطبيقاته المروعة البشعة المتمثلة بذلك المسلسل الطويل المتصل والمستمر من الأعمال الإرهابية الدموية مترجمة بالمجازر الجماعية، فان الأسئلة المهمة التي تطرح نفسها هي لماذا؟ وما هو الهدف؟ وهل من نهاية لذلك؟
عند قراءة الأدبيات الصهيونية "الإسرائيلية"، وعند قراءة الفكر السياسي الصهيوني، والاستراتيجية العملية للحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة على مدى العقود الخمسة الماضية، نجد ان الأرض شكلت دائما جوهر الصراع، وجوهر الحروب، ومحور الفكر والاستراتيجية الصهيونية ونجد ان كافة التنظيمات الإرهابية الصهيونية قد قامت وتطورت وتسلحت، وان كافة النشاطات والأعمال الإرهابية الدموية التي نفذت إنما كانت من اجل الاستيلاء على الأرض وبناء الكيان الصهيوني فوقها.
فحينما قرر حكماء صهيون تجميع يهود العالم في إطار "دولة يهودية نقية" لم يكونوا يمتلكون من مقومات هذه الدولة سوى النظريات، ولم يكن بين أيديهم أي قطعة ارض لتقام عليها الدولة، ولم يكن ليتسنى لهم إقامة الدولة أبدا دون توفر الأرض، ودون الهجرة اليهودية، ودون الاستيطان اليهودي.
فكانت الحروب.. والهجرة الجماعية العربية.. وكانت الهجرة اليهودية، وكان الاستيطان الاستعماري.. وكان الصراع الديموغرافي الوجودي بين العرب واليهود على ارض فلسطين.
لقد استندت النشاطات الصهيونية التنفيذية في هذه العملية الثلاثية الأبعاد إلى مقولات وثقت في محاضر المؤتمرات الصهيونية والتي نورد منها:
جاء في برنامج الوكالة اليهودية في المادة الثالثة منه ما يلي:
"تسـتملك الأراضي كملك لليهود وتسـجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي، وتبقى مسـجلة باسمه إلى الأبد، كما تظل هذه الأملاك ملكا للامة اليهودية غير قابل للانتقال (2) ".
وفي خطابه أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية عام 1937 قال الأب الروحي اوشيسكين:
"ليست الزراعة هي ما نصبو إليه، بل اننا نطمح بالدرجة الأولى بان نضمن للامة أوسع الحدود الممكنة لبلادنا.. ولما وضعنا البرامج للحصول على الأراضي كان هذا الهدف دائما نصب أعيننا: الاستيلاء على مناطق بعيدة.. ففضلا عن جودة الأرض كانت تحركنا الرغبة لتوسيع الحدود مهما بلغت المصاعب" (3) .
وجاء على لسنان "رعنان فايتس" رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية سابقا:"ان مخططي الاستيطان الصهيوني خلال الستين عاما المنصرمة عملوا على أساس ان حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب ان تعين من خلال أنظمة من المستوطنات السكانية، تبدأ كنقاط استيطانية، وتأخذ بالتوسع لأكبر مساحة ممكنة من الأرض (4) .
وقبل ذلك كان قد ورد في مذكرات مؤسس الصهيونية الأبرز (هرتسل): "ان الحركة الصهيونية منذ نشأتها كحركة سياسية وضعت أمامها هدف الاستيلاء على الحد الأقصى من الأرض كحتمية إقامة دولة يهودية كبيرة" (5) .
تلك هي الاستراتيجية التي اجمع عليها قادة الحركة الصهيونية في كيفية الاستيلاء على الأرض العربية الفلسطينية، وعلى أساسها نشطت مختلف المنظمات والمؤسسات الصهيونية، وبشكل خاص "الصندوق القومي اليهودي" الذي تأسس عام 1903، و"الصندوق التأسيسي" الذي تأسس عام 1920، وقد تمكنت هذه المؤسسات، عبر المراحل المختلفة، من الاستيلاء فعلا على جزء من مساحات الأرض في فلسطين، غير ان سياسة الحركة الصهيونية هذه في استملاك وسلب الأراضي العربية أدخلتها في صراع طويل محتدم مع الفلسطينيين خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.
وفي أعقاب قيام دولة الكيان "الإسرائيلي"، لم تتغير الاستراتيجية الصهيونية وإنما تغيرت وتطورت وتجددت أساليب الاستيلاء على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وقد بقيت هذه الاستراتيجية كما وصفها "اوشسكين" عام 1904 حقيقة ثابتة تعمل الصهيونية دائما على تكريسها. وفي رسمه لأبرز معالم تلك الاستراتيجية حدد اوشسكين الخطوط العريضة الآتية:
"من اجل تأسيس حياة مستقلة للطائفة اليهودية، أو على الأصح، تأسيس دولة يهودية في فلسطين، من المحتم بالدرجة الأولى ان تكون جميع أراضي فلسطين أو معظمها ملكا لشعب "إسرائيل"، وبدون حق ملكية الأرض لا تكون فلسطين يهودية أبدا، مهما يكن عدد اليهود في المدن والقرى (6) .
ولكن كيف يمكن الحصول على ملكية الأرض حسب الأساليب المتبعة في العالم ؟ ان ذلك ممكن بإحدى الطرق الآتية فقط:
1- بالقوة.. بواسطة الاحتلال العسكري، أو بمعنى آخر، اغتصاب الأرض من ايدي أصحابها بالسيطرة العسكرية ولأغراض عسكرية.
2- بالقسر.. عن طريق مصادرة الأراضي، وبأساليب ملتوية على يد الحكومة البريطانية.
معطيات
ومنذ ان تبنت الحركة الصهيونية العالمية مشروع إقامة "الوطن القومي لليهود" وحددت مكانة / قاعدته ارض فلسطين، واجهت تلك الحركة ثلاث مشاكل استراتيجية، لم يكن باستطاعتها إقامة وتنفيذ مشروعها المذكور دون ان تستوعب تلك المشاكل وتتغلب عليها بشتى الطرق والأساليب، المشروعة وغير المشروعة، وتلك المشاكل هي: الأرض وحركة الهجرة اليهودية والأمن.
مؤسسات الاستيلاء على الأرض:
ركزت كافة المؤتمرات اليهودية التي عقدت في مرحلة ما قبل إنشاء دولة الكيان "الإسرائيلي" على عنصر الأرض، باعتباره القاعدة الأساسية لعملية الاستعمار الاستيطاني واستيعاب تدفق المهاجرين والمهجرين اليهود من شتى أنحاء العالم إلى ارض فلسطين، ذلك انه لم يكن بالإمكان إطلاقا تنفيذ المخططات الصهيونية الرامية إلى إحداث الانقلاب الديموغرافي - السكاني لصالح اليهود، إلا من خلال السيطرة والاستيلاء على اكبر مساحة ممكنة من الأراضي العربية.
وبغية تحقيق هذا الهدف، بادرت الحركة الصهيونية إلى تشكيل وتأسيس مجموعة من الأجهزة والمؤسسات التنفيذية والتي كان أبرزها بالتتابع الزمني:
1- صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار - أقيم عام 1902.
2- الصندوق القومي "الإسرائيلي" - الكيرن كيميث - الذي تأسس بموجب قرارات المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901، وقد حددت مهمة هذا الصندوق آنذاك بـ"استملاك الأراضي العربية في فلسطين وسوريا".
3- البنك البريطاني - الفلسطيني، وقد تأسس عام 1902.
4- شركة إنماء أراضي فلسطين - تأسست عام 1907.
5- مكتب فلسطين - وقد تأسس عام 1908.
6- الصندوق التأسيسي - كيرن هيسود، وتأسس عام 1921.
7- منظمة "بيكا" التي أسسها البارون روتشيلد عام 1925 (7) .
ومن الجدير بالذكر ان الوكالة الصهيونية أشرفت على مخططات ونشاطات العديد من هذه المؤسسات، وان الحركة الصهيونية لجأت إلى تلك الأجهزة والمؤسسات تحت ذرائع وصور مختلفة كما هو واضح من أسماء بعضها، غيران المهمة التي جمعت بينها واحدة، وهي استملاك الأراضي العربية وإنشاء المستعمرات اليهودية.
ما قبل قيام الكيان "الإسرائيلي"
تشير المراجع التاريخية إلى "انه باستثناء مدن القدس والخليل وصفد وطبريا، فانه لم تكن لليهود أي أملاك تذكر خارج هذه المدن حتى عام 1855، حيث بدأت أول عمليات استملاك للأراضي في ذلك العام من قبل السير "موشي متفيوري" الذي قام بشراء قطعة ارض عبارة عن بستان حمضيات مساحته (100) دونم قريب من يافا، ثم اشترى بعد ذلك في سنة 1859 قطعة ارض في "موزا" قرب القدس، وقطعة ارض أخرى في ملبس (التي اصبح اسمها بيتح تكفا) عام 1878، وفي عيون قارة (ريشون لتصيون) وزمارين (زخرون يعقوب)، والجاعونة (روش بينا) عام 1882.
ومع نهاية عام 1882 اصبح هناك نحو (22) ألف دونم مملوكة لليهود، وفيما بعد استمرت عمليات استملاك الأراضي، وبلغ مجموع مساحتها مع انتهاء الحرب العالمية الأولى (418) ألف دونم (8).
وفي أعقاب حلول الانتداب البريطاني على ارض فلسطين، "لعبت السلطات الانتدابية دورا بالغ الأهمية في نقل ملكية مساحة واسعة من الأراضي إلى اليهود" (9) ، فقد بلغ مجموع ما استملكه اليهود من حكومة الانتداب البريطاني (والتي تعاونت بشكل أساسي مع مؤسسات الصندوق القومي اليهودي، والصندوق التأسيسي، ومنظمة بيكا) "حوالي (500) ألف دونم منها (200) ألف دونم دون مقابل، كما تمكن اليهود من شراء مساحة (625) ألف دونم من العرب غير الفلسطينيين، الذين كانت لهم أملاك في فلسطين وهذه الأراضي موزعة كالتالي:
أراضي مرج بن عامر ومساحتها (400) ألف دونم، وكان تضم 22 قرية عربية، اضطر سكانها البالغ عددهم (900) عائلة فلسطينية إلى الرحيل عنها.
_ أراضي امتياز الحولة ومساحتها (165) ألف دونم.
- أراضي في مناطق الناصرة وصفد وعكا وبيسان وحنين وطولكرم، بلغ مجموع مساحتها (28) ألف دونم (10) .
كما تمكنت الحركة الصهيونية من الاستيلاء بطرق أخرى على "حوالي (300) دونم بينما أشار يوسف فايتس إلى "ان اليهود كانوا يملكون حتى صدور قرار التقسيم (1.820.000) دونم منها (800) ألف دونم استملكها الصندوق القومي و (450) ألف دونم استملكتها جمعية بيكا، اما البقية وهي (570) ألف دونم، فقد استملكتها شركات عامة وشعبية أخرى، وكذلك أفراد آخرون) (12) .
وقد جاء في مصدر ثالث: ان اليهود حصلوا خلال فترة الانتداب البريطاني (30) سنة، على أراضي أوصلت مجموع ما كانوا يملكونه عند انتهاء الانتداب في أيار / مايو 1948 إلى (2.1) مليون دونم أو ما نسبته (8%) ) من مساحة اليابسة في فلسطين (13) ، وأكدت المصادر نفسها على "ان تسرب هذه المساحات من الأراضي الفلسطينية لليهود نتج عنه طرد (2746) أسرة من (22) قرية في سهل مرج بن عامر، وطرد (15.500) مواطن من وادي الوارث، إضافة إلى طرد (25) ألف آخرين من سهل الحولة، وطرد ألوف آخرين من أراضي الساخنة وغور بيسان وطبعون والزبيدات والمنسي وغيرها (14) .
أما على صعيد المستعمرات اليهودية التي واصلت هيئات ومنظمات الحركة الصهيونية أقامتها فوق الأراضي المستملكة فقد "ارتفع عددها من (47) مستعمرة عام 1914، إلى (259) مستعمرة عام 1944 أي بزيادة معدلها (7) مستعمرات في السنة الواحدة، على ثلاثين عاما" (15) .
ما بعد إعلان دولة "إسرائيل"
واصلت الحركة الصهيونية العالمية، بالتعاون مع الدول الاستعمارية الغربية، ممارسة الضغوط المتزايدة على كثير من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار توصية بشأن تقسم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، وكان ان تبنت الجمعية قرار التقسيم الذي صدر بتاريخ 29-11-1947 ونص على "إقامة دولة يهودية فوق 56 % من مساحة فلسطين، ودولة عربية فوق (42 %) منها وقطاعا دوليا يضم القدس وضواحيها فوق 2% منها" (16).
غير انه في عقب الحرب العدوانية التوسعية التي شنتها المنظمات العسكرية بعد ان أعدت لها العدة جيدا تحت سمع وبصر وتعاون الانتداب البريطاني ومساندته، تمكنت تلك المنظمات من احتلال حوالي (79 %) من مجموعة مساحة ارض فلسطين، إذ أقامت تلك المنظمات دولة "إسرائيل" فوق ما مساحته (22.290.000) دونم من فلسطين، وذلك حسب خطوط الهدنة، منها (425 ) ألف دونم مساحات مائية، بينما تم توزيع الباقي كالتالي:
17.675.000 دونم أملاك أميرية.
800.000 دونم مملوكة للصندوق القومي.
450.000 دونم مملوكة لمنظمة بيكا.
820.000 دونم مملوكة للأفراد والجمعيات اليهودية.
3.175.000 دونم تم تهجير السكان العرب منها عام 1947/1948 (17) .
وفي أعقاب احتلال هذه النسبة الكبيرة جدا من الأراضي التي تعادل أربعة أخماس مساحة فلسطين تقريبا، نجحت سلطات الكيان الصهيوني كما هو معروف في استغلال أملاك السكان الفلسطينيين الذي طردوا وشردوا من أراضيهم وبيوتهم، وأخذت تلك السلطات تستقطب مئات آلاف المهاجرين اليهود كما ورد سابقا. وتعمل على توطينهم في تلك الأراضي، وعلى سبيل المثال لا الحصر "فان السلطات الصهيونية أقامت (370) مستعمرة يهودية خلال الفترة 1948 -1953، منها (350) مستعمرة أقيمت على أراضي يمتلكها العرب، وقدر في عام 1954 ان ربع المباني المستعملة في فلسطين المحتلة هي من أملاك عرب فلسطين المطرودين من ديارهم (18) .
وعلاوة على الأجهزة والمؤسسات التنفيذية الصهيونية التي عملت قبل إنشاء الكيان على استملاك الأراضي واستقدام اليهود من الخارج وتوطينهم فيه، شكلت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة العديد من السلطات والدوائر التي أوكلت إليها مهمات الاستيلاء على ما تبقى من الأراضي بأيدي الفلسطينيين الصامدين في الكيان الصهيوني، كما سنت العديد من القوانين والتشريعات وابتكرت الأساليب، لقد انشأ الكيان مجلس أراضي "إسرائيل" لإدارة معظم الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة "الإسرائيلية" وأسس هيئة التخطيط الزراعي عام 1950 وقسم الاستيطان والوكالة اليهودية، وسلطة الزراعة والاستيطان والتخطيط والتطوير القروي عام 1976، وسلطة الإنشاءات القروية في وزارة الإسكان.
وشكلت اللجنة الاستيطانية المشتركة للحكومة "الإسرائيلية" والمنظمة الصهيونية العالمية في أعقاب حرب حزيران 1967 (19) ، وغيرها من الهيئات والمنظمات التخطيطية التنفيذية لمشاريع المصادرة والاستيطان.
أما ابرز القوانين والأساليب التي سنتها وابتكرتها سلطات الاحتلال الصهيوني للاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية فهي قوانين أملاك الغائبين واستملاك الأراضي في أعوام 1950 و 1053 و 1957 (20) ، وكذلك قانون الحاضر الغائب "وهو الوحيد من نوعه في العالم اجمع ويسمح للسلطات بمصادرة جميع أملاك أولئك الذين تركوا منازلهم خوفا من الحرب حتى وان كانوا قد غابوا عنها لبضع ساعات فقط، وانتقلوا إلى قرية مجاورة، وحتى الذين ما زالوا يعيشون كمواطنين شرعيين في "إسرائيل"، لكن لا يسمح له بالعودة إلى منازلهم وأملاكهم (21) ، وكذلك قوانين تجميع الأراضي عام 1960.
ولإضفاء صفة قانونية على استملاك الأراضي التي استولت عليها الحكومة "الإسرائيلية" من أملاك الغائبين، فقد سنت في عام 1954، قانون استملاك الأراضي (تصديق الإجراءات والتعويض) وبموجب هذا القانون أقرت الحكومة "الإسرائيلية" آنذاك التعويضات لأصحاب الأراضي العرب الذين صادرت أراضيهم، وعلى الرغم من صعوبة تدقيق مساحة الأراضي التي صودرت من العرب فان بعض المصادر الرسمية تضع هذه الأرقام بين (300.000) و (1.000.000) دونم (22) .
كما صادرت تلك السلطات الأراضي الأميرية بحجة ان ملكيتها لا تعود للفلسطينيين بل إلى الدولة (23) ، لقد أدت سياسية مصادرة الأراضي من أصحابها الفلسطينيين إلى تقليص حجم الأراضي المملوكة من قبل الفلسطينيين بصورة مذهلة، والى تقويض عدد من فروع الزراعة الفلسطينية ، وتدني مساحة الأراضي المملوكة بالنسبة للوحدة الزراعية في القرية من اكثر من (24) دونما في زمن الانتداب إلى حوالي 3 دونمات فقط (1967) وتحولت القرى العربية إلى ثكنات للنوم، للعمال الذين يتركون قراهم للعمل في الزارعة والصناعة اليهودية المقامة على أراضيهم التي صودرت منهم.. وحرمت القرى العربية من إمكانيات التطور الصناعي والزراعي (25) .
لقد واصلت سلطات الكيان "الإسرائيلي" سياسة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وما تزال تسعى حتى يومنا لتجريد السكان الفلسطينيين مما تبقى بين أيديهم من أراضي زراعية.
ويوضح الجدول التالي (الخاص بتطور الأراضي المزروعة وتوزيع الأراضي بين العرب واليهود منذ عام 1950 إلى 7-1966) الأبعاد الخطيرة والظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني جراء سياسة نهب الأراضي (26) .
السنة: 50/1951، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.350، أراضي زراعية عربية: 645، النسبة المئوية للأراضي العربية:19.3، الأراضي الزراعية اليهودية: 2.705
السنة: 1952/51، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.665، أراضي زراعية عربية: 680، النسبة المئوية للأراضي العربية:18.6، الأراضي الزراعية اليهودية: 2.985
السنة: 52/1953، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.575، أراضي زراعية عربية: 590، النسبة المئوية للأراضي العربية:16.6، الأراضي الزراعية اليهودية: 2.960
السنة: 53/1954، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.560، أراضي زراعية عربية: 620، النسبة المئوية للأراضي العربية:16.5، الأراضي الزراعية اليهودية: 2.940
السنة: 54/1955، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.600، أراضي زراعية عربية: 625، النسبة المئوية للأراضي العربية:17.4، الأراضي الزراعية اليهودية: 2.965
السنة: 55/1956، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.630، أراضي زراعية عربية: 655، النسبة المئوية للأراضي العربية:18.1، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.303
السنة: 56/1957، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.820، أراضي زراعية عربية: 675، النسبة المئوية للأراضي العربية:17.7، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.145
السنة: 57/1958، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.940، أراضي زراعية عربية: 700، النسبة المئوية للأراضي العربية:17.8، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.240
السنة: 58/1959، مجموع الأراضي الزراعيـة: 4.105، أراضي زراعية عربية: 755، النسبة المئوية للأراضي العربية:18.4، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.330
السنة: 59/1960، مجموع الأراضي الزراعيـة: 4.075، أراضي زراعية عربية: 745، النسبة المئوية للأراضي العربية:18.3، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.265
السنة: 60/1961، مجموع الأراضي الزراعيـة: 4.150، أراضي زراعية عربية: 885، النسبة المئوية للأراضي العربية:21.3، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.180
السنة: 61/1962، مجموع الأراضي الزراعيـة: 4.030، أراضي زراعية عربية: 850، النسبة المئوية للأراضي العربية:21.1، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.145
السنة: 62/1963، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.965، أراضي زراعية عربية: 830، النسبة المئوية للأراضي العربية:20.7، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.145
السنة: 63/1964، مجموع الأراضي الزراعيـة: 3.450، أراضي زراعية عربية: 890، النسبة المئوية للأراضي العربية:25.8، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.460
السنة: 66/1967، مجموع الأراضي الزراعيـة: 4.165، أراضي زراعية عربية: 865، النسبة المئوية للأراضي العربية:20.8، الأراضي الزراعية اليهودية: 3.300
بمصادرة (2250) دونما من منطقة الناصرة، و (5100) دونم من قرى البعنة ودير الاسد ونحف (معركة الشاغور)، وعام 1965 صادرت (3555) دونما من (25) قرية عربية في الجليل، فأصبحت الدولة بذلك تمتلك (16.7) مليون دونم من مجموع مساحة البلاد البالغة (20.3) مليون دونم، أي أنها سيطرت على حوالي 5 % من مجموع المساحة (26).
وفي الضفة الغربية والقطاع أيضا:
وامتدادا لهذه السياسة الصهيونية الاستعمارية إزاء الأرض العربية، فقد سعت سلطات الاحتلال الصهيوني بعد عدوان حزيران / يونيو 1967 إلى متابعة مسيرتها العدوانية في نهب الأراضي العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة وهذه المرة اتبعت أسلوبا مكملا للأساليب السابقة تمثل في تزوير وسرقة ملكية الأراضي من أصحابها الشرعيين، ونقلها إلى جهات "إسرائيلية" - شركات أو مؤسسات - أو حركات استيطانية.
ومع ان هذا الأسلوب وغيره من الأساليب الأخرى مثل إغلاق المناطق العربية بحجة الأمن والاستيلاء على أراضي الدولة وممتلكاتها، ثم وضع اليد على الأراضي التي تجاور المناطق السكنية، إلى جانب الاستيلاء على أراضي وممتلكات الغائبين، أو بذريعة المشاريع التنظيمية بموجب الأمر رقم (50) الصادر في أعقاب ذلك العدوان من قبل ما يسمى بمجلس التنظيم الأعلى في قيادة الجيش "الإسرائيلي" (28) .
يقول المهندس "الإسرائيلي" "يعازي روزن" وهو أحد سماسرة الأرض "انه بين عامي 1980 - 1983 منح المسؤول عن عمليات الاستيطان تسهيلات كبيرة للمتعهدين والسماسرة للاستيلاء على اكبر مساحات ممكنة من الأراضي لصلاح الحركة الاستيطانية، سيما وان الأيديولوجية التي يرتكز عليها الليكود في ممارساته هذه في هذا المجال تسوغ كل الأساليب وتبرر كل الوسائل والطرق التي تحقق فكرة "ارض "إسرائيل" الكبرى" (29) .
لقد لجأ السماسرة وتجار الأراضي ممن لهم ارتباط بالليكود إلى اتباع عمليات تزوير مكشوفة، وذلك مقابل دفع الإتاوات ومبالغ ضخمة من المال لليكود لدعمه في مشروعاته الحزبية كالإنفاق على حملة الانتخابات التي جرت في شهر أيار/مايو عام 1984، وهذا ما أثبته التحقيق فعلا مع سماسرة الأراضي والشركات التي أخذت على عاتقها تنفيذ الصفقات أما عمليات التزوير والاحتيال والسلب فكانت تتم على النحو التالي:
1- العثور على سماسرة لهم دراية ومعرفة كاملة بموقع الأرض، حيث كان يقوم هؤلاء السماسرة باصطحاب المشترين إلى مواقع الأراضي ليتمكنوا من اخذ فكرة كاملة عن طبيعة الأرض.
2- كان لا بد للحصول على سجل ملكية الأراضي للتأكيد من تسجيل هذه الأراضي في دوائر المالية وهو ما لا يظهر واضحا في مخطط الأرض بعكس الطابو التي تكشف كل تفاصيل الارض وموقعها وحدودها.
3- ولكي يشرع بتنفيذ الصفقة كان لا بد للسمسار من الحصول على 10 % من قيمة الصفقة كمقدمة ثمن الارض.
4- ان عدم مرافقة سجلات الملكية للمخططات اتاح الفرصة للتلاعب والتزوير اولا من حيث المساحة، ثانيا:": من حيث الموقع، ولا شك ان العمليات التي تمت بهذه الصورة قليلة جدا بل معدودة، اذ ان عملية الحصول على الاوراق الثبوتية والكواشين الخاصة بالاراضي المعينة المنوي الاستيلاء عليها كانت تتم اما عن طريق سرقة تلك الاوراق والكواشين وتزويرها، او عن طريق اجبار اصحابها بالقوة وتحت جنح الليل على التنازل عن الارض وغير ذلك من طرق.
الضوء الاخضر
قاد قادة حزب العمل من امثال يغئال الون وموشيه ديان الطريق الى عقد صفقات الاراضي المزورة في الضفة الغربية، فهم كانوا اول من قاد الى عمليات الاستيطان في الضفة، فاقاموا المستوطنات على اسنة الرماح، فبادر الون الى اقامة اول مستوطنة يهودية في الضفة وهي "كريات اربع" في نيسان/ابريل عام 1968 شرقي مدينة الخليل على طريق الخليل-بني نعيم.
لقد كانت عملية اقامة مستعمرة كريات اربع بمبادرة ومباركة وغطاء حزب التجمع -همعراخ- بمثابة الضوء الاخضر لمسيرة السلب والنهب والمصادرة للاراضي العربية الفلسطينية واستيطانها على مدى السنوات الطويلة الماضية التي اعقبت عدوان حزيران /يونيو/1967.
بعض الاساليب
لقد شهدت فترة حكم الليكود كما ذكرنا حمى هستيريا سلب ونهب واستيطان الاراضي العربية الفلسطينية، اما ابرز الاساليب واشدها شيوعا في تزوير السجلات والوثائق الخاصة باراضي المواطنين العرب التي اتبعها السماسرة في نقل ملكية الاراضي العربية الى التجار اليهود فيمكن ايجازها على النحو التالي:
1- استغلال حالات الوفاة للتوقيع على اوراق مزورة يتم ختمها من قبل المخاتير المتعاونين مع الحكم العسكري ممن جرى تعيينهم مباشرة من قبل السلطات العسكرية "الاسرائيلية"، ظنا من اهل المتوفى ان ما حصل عليه مجرد شهادة وفاة، وهذا ما حدث فعلا في قرية بديا على سبيل المثال، اذ عندما ذهب احد المواطنين لاستخراج شهادة وفاة لزوجته الزمه المختار بالتوقيع على مجموعة من الوثائق فوجئ فيما بعد ان احداها كان صك بيع لاحدى قطع الاراضي التي يملكها دون ان يعرف محتواها.
2- اتبع السماسرة والمتعهدون اسلوب الحصول على التوقيع من خلال تصوير الوثائق وفق اسلوب التزوير المعروف بـ"الفوتو مونتاج".
3- استغلال المرضى جسديا وعقليا وهذا ما قام به احد المحامين "الإسرائيليين" من تشغيله لاحد المواطنين العرب وهو اصم، اذ استدعاه بواسطة سمسار للعمل لديه في حديقة منزله، وبعد يومين اثنين طلب اليه ان يوقع على وثيقة بحجة انها وصل لقيمة الاجر، بينما كانت الورقة فارغة واستخدمت كاساس للتزييف والتزوير.
4- عن طريق تزييف البصمات.
5- تزوير الهويات مقابل مبالغ من المال.
6- تزوير وتزييف التفاويض.
7- عن طريق اقتياد اصحاب الاراضي الى الحاكمية العسكرية "الاسرائيلية" كمثولهم امام ضابط او كتاب عدل، واجبارهم على التوقيع على تفاويض رسمية، ونقل ملكية الاراضي التي بحوزتهم الى تجار يهود او شركات شبه رسمية..
هذه هي بعض الاساليب التي استخدمت أبان حمى الاستيطان اليهودي في الاستيلاء والسيطرة على الاراضي الفلسطينية، وبناء المستعمرات اليهودية فوقها، فقد تمكنت سلطات الاحتلال من الاستيلاء على اكثر من 65 % من مجموع مساحة اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، واقامة ما بين 150-180 مستعمرة يهودية (31).
واذا ما توقفنا اليوم امام حمى مصادرة الاراضي وتهويدها التي تنفذها حكومة نتنياهو فاننا ندرك مركزية الأراضي في الاستراتيجية الصهيونية، حيث يحتدم الصراع العربي / الفلسطيني-"الاسرائيلي" منذ اكثر من نصف قرن حول الارض والسيطرة عليها.. وحيث تدور الحرب الحقيقية اليوم هناك على ارض الضفة الغربية، مما يفسر خلفية ودوافع حكومة نتنياهو في رفض اية افكار او مقترحات او مشاريع تؤدي الى الانسحاب "الاسرائيلي" من انحاء الضفة.
الهوامش:
1- محاضر المؤتمر الصهيوني الاول/القدس، رؤوين ماس 1946، ص 1942-1944.
2- اميل توما جذور القضية الفلسطينية، ص 180-1981.
3- عن تقرير لجنة بيل 1937، الكتاب الاسود عن يوم الارض، 30-3-1976، بيان اللجنة القطرية الدفاع عن الاراضي العربية في "اسرائيل" حيفا - 1986، ص 14.
4- صحيفة الجروسالم بوست "الاسرائيلية"، عدد 12-9-1977.
5- لمزيد من التفاصيل حول المضمون ذاته، انظر كتاب الفكر الصهيوني واقامة دولة "اسرائيل"، دار الجليل /عمان 1986.
6- تقرير لجنة بيل 1937، مصدر سبق ذكره.
7- ابشالوم روكاح، قانون الاستيطان في "اسرائيل" 1978، ص 62.
8- يوسف فايتس، ملكية الارض- الهجرة والاستيطان، القدس 1973، ص 103-110.
9- مشكلة اللاجئين العرب د. ادوارد سعيد، القاهرة، 1963 ص 38.
10- جهاد فلسطين العربية، عمر ابو النصر، 1936- يافا ص 13.
11- مشكلة اللاجئين العرب مصدر سبق ذكره ص 40.
12- ملكية الارض مصدر سبق ذكره ص 106.
13- د. حسن عبد القادر صالح المصدر السابق.
14- المصدر السابق نفسه، ص 165.
15- ابراهيم ابو لغد، تهويد فلسطين، بيروت، 1972 مصطفى الدباغ، بلاد فلسطين الجزء الاول القسم الاول 173 ود. حسن عبد القادر صالح مصدر سبق ذكره.
16- د. حسن عبد القادر صالح، مصدر سبق ذكره.
17- يوسف فايتس املاك الغائبين، كانون الثاني، 1953"هآرتس والجروسالم بوست" 18 كانون الثاني 1953.
18- عبد الرحمن ابو عرفة، الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية، ص 138.
19- د. حسن عبد القادر صالح، مصدر سبق ذكره، ص 19.
20- التغيير الاجتماعي والتوافق النفسي عند السكان العرب في "اسرائيل"، د. شريف كناعنة، جامع بير زيت 1978، ص 114.
21- دون بيرتس حقائق عن "اسرائيل"، مكتب الاستعلامات "الاسرائيلي" - نيويورك 1957، ص 56.
22- الكتاب الاسود عن يوم الارض، مصدر سبق ذكره.
23- المصدر السابق نفسه.
24- عنان العامري، التطور الزراعي والصناعي الفلسطيني 1900-1970، القدس، 1981، ص 25.
25- مصادرة الاراضي العربية 1948-1976: مخططات ومعطيات، صحيفة الاتحاد الحيفاوية عدد 31-3-1978.
26- المصدر السابق نفسه.
27- مصادرة الاراضي العربية، مصدر سبق ذكره.
28- عبد الرحمن ابو عرفة - مصدر سبق ذكره.
29- يديعوت احرنوت عدد 13-12-1985.
30- راجع ارشيف مركز المعلومات لجنة يوم القدس.
31- المصدر السابق نفسه.