في خمسين الدولة الصهيونية
مصير "نشيد السلام"
دايفيد غروسمان
جريدة Liberation
على رغم كل هذه النجاحات، نستطيع اليوم الاستمتاع والابتهاج باليوبيل. وليس صدفة ربما ان ثلاث لجان تنظيم احتفالات اليوبيل استقالت من علمها.
والحالة النفسية التي تسود البلاد أشبه بحالة عائلة في ازمة، بل عائلة تعاني المرض، وذلك بلا شك لان "الاسرائيليين،" وفي اعماق قلوبهم، يشعرون بانهم ومنذ اكثر من ثلاثين عاما، أي منذ حرب الايام الستة، سجناء خطأ تاريخي متجذر يستمر في الامتداد ومحاصرتهم بلا انقطاع تقريبا…
"معا في العزة معا في الامل" هو شعار اليوبيل الذهبي… لكن، الواقع انه خلال السنوات الأخيرة هذه، تضاعف عدد "الكانتونات" " الغيتوات"، الغريبة بعضها عن البعض، والغريبة بالتالي عن الدولة ومؤسساتها. فالمجموعة الكبيرة من مهاجري روسيا - ما يقارب خمس المواطنين اليهود - تشكلت ضمن "منغلق" ثقافي واجتماعي مستقل غير مبال بالثقافة المحلية الداخلية، بل انه يحتقرها باعتبارها ثقافة "فارغة". ومن جهتهم يشعر (اليهود) الشرقيون بأنهم، وخلال السنوات الماضية كانوا عرضة للقمع على مختلف الصعد الاجتماعية، والاقتصادية والثقافة، فلم يكونوا يوما شركاء فاعلين في ادارة البلاد ومن نخبتها. ويطالبون اليوم بالتعويض عليهم، ولذلك يرفضون كل ما يعتبرونه او ينظرون إليه على انه من مقومات الطبيعة "الاشكينازية" للدولة. وبدورهم يشعر آلاف المهاجرين من اثيوبيا بانهم منبوذون في حين لا يعترف المتشددون الاصوليون بالدولة الصهيونية، وهم معفيون من الخدمة العسكرية.
اما في ما يتعلق بملايين المواطنين الفلسطينيين الذي يعيشون في "اسرائيل" - أي نسبة خمس اجمالي السكان - فانهم لا يتماهون مع التطلعات الوطنية لهذه الدولة، وهي تطلعات يهودية في معظمها ( في حين انهم يجدون انفسهم مضطرين، عبر دفعهم للضرائب، الى توفير حاجات جيش يتحكم بحياة اشقائهم في الاراضي المحتلة). وفي حين ان هناك 200 الف "اسرائيلي" عاطل عن العمل يسعون لاي وظيفة كانت، يتم جلب 200 الف عامل اجنبي من الخارج يعيشون في ظروف يائسة في احياء فقيرة على امتداد ضواحي المدن، وهم حلوا محل العمال الفلسطينيين الذي كانوا في مرحلة سابقة قد خلفوا اليهود في مجالات العمل اليدوي، في الزراعة والصناعة.
حتى لا الكيبوتز - زينة البلاد ومفخرتها ورمز عودة اليهودي الى ارضه ووطنه والى الحياة الطبيعية، باتت تشهد اليوم عملية افول وانتزاع للشرعية. وقد بدأت هذه الكيبوتزات تفقد من حظوتها منذ ان قدمها قادة اليمين كرمز للعظمة "الاشكنازية". ثم سخر منها القادة الدينيون باعتبارها "غير يهودية بما يكفي"، وأخيرا، جازفت هذه الكيبوتزات بالدخول في صفقات مالية تغريها امكانية الربح السريع والسهل، في ظل مرحلة التضخم المفرط في نهاية السبعينات.
فوظفت اموالها وبشكل مجازف في البورصة وكثير منها بلغ حافة الافلاس والانحلال. واليوم، ترزح اغلبية الكيبوتزات تحت الدين، وتتخلى عنها غالبية الجيل الجديد، في حين يتهدد الخطر فكرة ومفهوم الكيبوتز نفسه ومثاله الاوحد..
يسود البلد مناخ سيئ اليوم. وعوضا عن العمل معا لإنقاذ ما تبقى، وبدلا من التمتع بالخليط النادر والخصوبة المتبادلة "للعناصر" الكثيرة التنوع - تعلن الفصائل المختلفة الحرب على بعضها البعض.. فيكثر كل فصيل من شحذ مكوناته الاكثر تحريضا، فيزداد المتدينون اصولية، وتعصبا وشوفينية، في حين ينعزل العلمانيون باشمئزاز ونفور عن كل ما يبدو لهم "يهوديا" وينكرون بذلك حيزا مهما في مضمون هويتهم.
لم يعد في "اسرائيل" من وجود لذلك الشعور بـ "الاتحاد" الذي كان يفتخر به "الاسرائيليون" في اولى ايام دولتهم، والسكان المختلفون ما عادوا قادرين - في اغلبيتهم - على ادراك وحل رموز سلوك بعضهم البعض. اما الجيش الذي كان يكون في ما مضى "بوتقة" المجتمع "الاسرائيلي" ويشكل ما هو بمثابة "تذكرة دخول" لكل بالغ الى المجتمع، لم يعد اليوم كما كان، بل حتى انه نادرا ما لا نسمع شبان اليوم يقولون علنا وبصخب انهم سيفعلون ما بوسعهم للهرب من التجنيد الاجباري.
انه من الجيد، بالتأكيد، ان يفقد الجيش من اهميته ومركزيته، الا ان ليس هناك بعد من مؤسسة اخرى غيره تستطيع تحقيق مهمة التماسك الاجتماعي التي كان يكفلها هذا الجيش حتى الحين. وقد بدا مع الوقت، ان الشعور العميق والعفوي بـ "المصلحة المشتركة" بعيدا عن الهم الامني المباشر، لم يجد النور بعد، بل ان فكرة الدولة نفسها لم تتجذر بعد بما يكفي في الاذهان. وقد تكون الحاجة الى اجيال مقبلة تمتلك خبرة دولة ديموقراطية ذات سيادة، وربما تكون الحاجة ايضا الى نضج سياسي وحتى الى تربية وتثقيف في هذا الاتجاه.
قد يتراءى لأي مراقب حيادي، احيانا، ان "الاسرائيليين" ما زالوا ينظرون الى حكومتهم باعتبارها سلطة غريبة، كما وكأنهم يشكلون اقلية داخل بلادهم نفسها، يصعب تقبلها وفهمها.
في التظاهرات (تظاهرات الاصوليين او المستوطنين او مناضلي اقصى اليمين) كان المتظاهرون غالبا ما يهتفون ضد ممثلي السلطة ويصفونهم بـ "النازيين" !!
ويتم في مختلف الامكنة التعبير عن احتقار عميق تجاه الكنيست والحكومة…
وهناك خطر محدق بدولة القانون تشكله العناصر المتدينة واليمينية التي تحشد قوة ضخمة، ولا تتردد في التعبير بشكل متنافر وفظ عن رغبتها باحلال قوانين Halakha ، أي مجموعة الشرائع الدينية مكان النظام الديمقراطي، وبحيث ان قضاة المحكمة العليا، كما شخصيات عامة كثيرة لم تعد تستطيع اليوم التنقل من دون مواكبة مسلحة. وحين اراد رئيس الوزراء في احد الايام الذهاب الى دار السينما واكبته مجموعة من ستين حارس شخصي احاطوا به بين مقاعد السينما.
اني اتألم لعجزي عن الاحتفال بمثل هذا اليوم بفرح تام. فالتساؤلات - الجماعية والشخصية الصممية تبقى من دون جواب. الى متى سنظل سجناء مخاوفنا، اسرى لها ؟ وهل سيكون على ابني، الذي سيدخل التجنيد الاجباري (الخدمة العسكرية) ان يقاتل اولاد اصدقائي الفلسطينيين في شوارع الجليل؟. ولماذا يفترض بنا تسخير جزء كبير من قوتنا ومالنا وابداعنا لصالح الجيش، اذا كنا عاجزين عن استعمال هذه القوة العسكرية لاهداف ضمان تنازلات سياسية وتحقيق تغيير جذري للوضع في المنطقة