المياه اللبنانية في الاستراتيجية "الاسرائيلية"
د. طارق المجذوب
دكتور في الحقوق ومهندس
كهربائي وخبير في شؤون المياه الدولية
مقدمة:
اطماع "اسرائيل" في المياه العربية معروفة (1) ، ففي بداية العشرينات من هذا القرن اعلنت الحركة الصهيونية ان مستقبل فلسطين باكمله هو بين يدي الدولة التي تستطيع بسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الاردن (2). ومنذ سنوات قليلة اذاعت وزارة الخارجية الاميركية تقريرا ورد فيه ان التنافس على مصادر المياه في الشرق الاوسط سيشعل حربا جديدة في المنطقة خلال فترة تقل عن العشر سنوات اذا لم تتوصل الاطراف في هذه المنطقة إلى اتفاق سلام وتعاون.
وبسبب اهمية المياه في الحاضر والمستقبل اضيف إلى الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" بعدا جديدا هو الصراع على المياه وهو قابل للانفجار في كل وقت.
ولهذا اصرت "اسرائيل"، منذ بداية مؤتمر مدريد والانغماس في المفاوضات الثنائية والمتعددة، على ادخال بند عن مشكلة المياه على كل ملف. والغرض من ذلك هو تأمين المياه لنفسها بشكل كاف ومنتظم، واكراه العرب على الدخول في مشاريع مائية وانمائية معها تؤدي مع مرور الزمن إلى جعل المياه عامل ارتباط واندماج بين دول المنطقة (3) .
وللرغبة في وضع اليد على المياه العربية في "اسرائيل" حرصت على اقامة توازن وتلازم بين خريطة امنها وخريطة مياهها، او بين استمرار وجودها وامكان توفير المياه لسكانها. ولهذا كانت حدودها، في الحلم او الواقع او القوة، حدودا مائية.
ولو بحثنا عن جذور هذا التصميم او الاصرار "الاسرائيلي" على امتلاك الارض واستغلالها باي ثم لوجدنا انها تعود إلى "عقيدة الارض والماء" التي تبلورت مع انتشار الحركة الصهيونية حتى اصبحت اساسها وجوهرها.
الارض والمياه جوهر العقيدة الصهيونية
ان الفضل في تعميم هذه العقيدة يعود إلى مؤسس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل (1860-1904) الذي جدد بقوة، في المؤتمر الصهيوني الثاني في العام 1898، ايمانه بامكان قيام دولة يهودية في ارض فلسطين، واعلن بعد ذلك ان اليهود سيحولون صحاري فلسطين إلى اراض يكسوها الاخضرار. وكان يعتقد ان اليهود سيتمكنون، بفضل استقرارهم فوق "ارضهم" من الاندماج في الاسرة الدولية، وان فلسطين بلد قادر على انتاج كل شيء بوفرة، وان التصدي لظروف العمل القاسية في الارض الفلسطينية وبذل الجهود لاعادة الاخضرار إلى الصحاري فيها سيفضيان إلى ربط مصير الصهيوني بمصير الارض.
ويبدو ان هرتزل قد طرح نظريته قبل ظهور نظرية التحدي والاستجابة للمؤرخ الكبير، ارنولد توبيني (1889-1975) الذي اعتبر "ان منشط الحضارة يتضاعف بتضاعف عداء الطبيعة". وعندما نترجم هذا المفهوم على صعيد نظرية هرتزل يمكننا القول: ان وجود عقبات زراعية وتحديات مائية يجب التغلب عليها يشجع الصهيوني على الارتباط بالارض التي لم يملكها ولم يزرعها من قبل، عندما كان في الشتات.
وبعد تعميم هذه النظرية سارت المنظمة الصهيونية العالمية إلى تنظيم اجهزتها بهدف استعمار فلسطين واستيطانها. ولتحقيق هذا الغرض عمدت، على مراحل، إلى انشاء هيئات وجمعيات وصناديق يهودية، كان آخرها، في العام 1929، الوكالة اليهودية.
وعندما حاول قسم الاستعمار في تلك الوكالة انشاء مستعمرات في ارض فلسطين وجه عناية فائقة إلى نظام المياه. وهذان العنصران المتلازمان (الارض والمياه) كانا ضروريين لاستمرار المستعمرات. مع مرتكز اقتصادي تكون الهيمنة فيه لقطاع الزراعة. وبذلك نشأ تلازم او تكامل بين العنصرين الزم الصهيونيين بتوجيه اهتمام خاص إلى نوعية التربة وحجم المخزون المائي، ولهذا سارت الاستراتيجية المائية، جنبا إلى جنب، مع الاستراتيجية الزراعية.
ومن اطلاعنا على مخططات المؤسسين الاوائل للكيان الصهيوني نجد ان المشكلة المائية احتلت حيزا واسعا من تفكيرهم وجهودهم. ثم ان طبيعة العقيدة الصهيونية ذاتها تحث انصارها على البحث عن الكميات الكافية من الموارد المائية لتشييد المستعمرات وتشجيع الهجرة اليهودية اليها. ولا نبالغ ان قلنا ان المياه شكلت، مند البداية، تحديا كيّف وحدد نطاق الاستراتيجية الصهيونية في شقيها النظري التطبيقي، والتحم بالصراع العربي الصهيوني المتعلق بحيازة الارض.
ومشكلة المياه هي التي دفعت الرواد الصهيونيين الاوائل إلى التوجه إلى شمال فلسطين الذي يختزن 85 في المئة من مصادرها المائية بغية الحصول على القاعدة الضرورية لتطوير الزراعة في المستعمرات، وبغية السيطرة على هذا الاحتياط المائي الذي يمكن استخدامه لتنمية المناطق الاكثر تخلفا في فلسطين. وهكذا، وفي صورة اعم، فان احدى وظائف مستعمرات الشمال كانت الاحتفال بسفوح جبل الشيخ وثرواته المائية المتنوعة. وحتى لو فسرت تنمية هذه المستعمرات باعتبارات اخرى، استراتيجية ذات طابع عسكري، فان تكاثر المستعمرات وتعددها وتمددها والتصاق سكانها بالارض المزروعة يخدم في النهاية تصميم "اسرائيل" على الاحتفاظ بالارض المغتصبة وعدم التخلي عن مصادرها المائية.
ان اقامة مستعمرات في "عمانوئيل" او "ارييل" مثلا، يحتم توفير امدادات مائية للتجمعات السكانية والصناعية حول تل ابيب وفي السهل الساحلي (سهل شارون). ومن الامور التي تنطوي على مغزى ان كيبوتز سنير snir الذي اسس في العام 1967، عند مخرج وادي الحولة، قد تم انشاؤه على موقع يشرف على نهر بانياس الذي حاول الرؤساء العرب تحويل مجراه في العام 1964، ردا على ضخ "اسرائيل" مياه بحيرة طبريا باتجاه صحراء النقب. وكذلك فان كيبوتز "نحال صهيون" أنشئ على مقربة من مجرى صهيون الذي يغذي نهر الاردن. وبذلك يتطابق التوزيع الجغرافي للمستعمرات مع احتلال الاراضي الاكثر خصوبة والاغزر ماء (5) .
لقد بقيت "اسرائيل" حتى حرب العام 1967 تعاني الحاجة للمصادر المائية اللازمة لتحقيق مشاريعها الاقتصادية والاستيطانية، فجاء احتلال الاراضي العربية بعد هذه الحرب يمهد لها سبيل الاستيلاء على مصادر مائية جديدة. وهذه المصادر مهمة عندما نعلم ان 67 في المئة من المياه التي تستهلكها "اسرائيل" تاتي من خارج "حدودها" للعام 1948: 35 في المئة تاتي من الضفة الغربية، و22 في المئة من سفوح الجولان، و10 في المئة من قطاع غزة (6) .
ومن اهم الاسباب التي تحرض "اسرائيل" على الاحتفاظ بهذه الاراضي الرغبة في الاشراف الدائم على مصادر المياه المجاورة، وساء اكانت انهارا ام ينابيع ام آبارا جوفية (7) .
ونشير إلى ان "اسرائيل"، خلال المفاوضات حول الحكم الذاتي الفلسطيني، ابدت معارضتها الشديدة لنقل ادارة المصادر المائية إلى سلطة الحكم الذاتي، وذلك لاعتقاها بانه يكفي ان تقرر هذه السلطة حفر عدة آبار جديدة في المنحدرات الغربية للضفة الغربية حتى يتعرض التموين المائي في "اسرائيل" للخطر الشديد (8) . ولهذا صرح وزير الزراعة "الاسرائيلية" في 16/9/1990 قائلا:
"ان التخلي عن السيطرة على مصادر المياه الرئيسية لدولة "اسرائيل" في الضفة مسألة غير واردة على الاطلاق".
وان استمرار سيطرة "اسرائيل" على هذه المصادر "امر يحتمه الواقع" ولا بد من "ترسيخ هذا المبدأ في وعي الجماهير" (9) .
وهذا الارتهان "الاسرائيلي" للمياه جعل المحلل العسكري "الاسرائيلي" المشهور، زئيف شيف يقول في كتابه "الامن من اجل السلام":
"ان مسألة الموارد المائية في الضفة الغربية وقطاع غزة تثير مشكلات امنية شديدة التعقيد والصعوبة. فالمياه لا تعرف حدودا. وليس بامكاننا ان نعالج مسألة انسياب وتدفق المياه الجوفية والمخزونة في باطن الارض كما نعالج موضوع ترسيم الحدود من خلال وضع علامات طبيعية او اصطناعية. فحفر الآبار في السفوح الغربية للضفة الغربية قد يكون له آثار مباشرة في كمية المياه التي تصل إلى المناطق الاكثر اكتظاظا بالسكان في "اسرائيل"، وقد يتسبب في مضاعفة الملوحة في الخزانات المائية الجوفية التي تزود السهل الساحلي بالمياه… وثمة مشكلة مائية مماثلة في قطاع غزة،
الا ان الوضع هناك معكوس، لان افراط "اسرائيل" في سحب المياه قد يضر بمستوى المسطح المائي في غزة ويتسبب في مضاعفة الملوحة..".
وبعد تبيان هشاشة الوضع المائي في غزة وارتباطه الكلي بـ"اسرائيل" يخلص زئيف شيف في تحليله إلى القول:
"انه لا ينبغي لـ"اسرائيل" القبول باي انسحاب من الضفة والقطاع دون ضمان تعاون واحداث تعديلات نوعية على حدودها تسمح بالاحتفاظ بجزء من مصادرها المائية. ومن المهم ان يقوم الخبراء في المياه بدور حاسم في تعيين الحدود النهائية لـ"اسرائيل"" (10) .
وهكذا فان حصر "اسرائيل" على حدودها المائية التي لا تختلف عن امنها المائي لا بمكن الا ان يدفعها إلى الابقاء على اشرافها الدائم على جميع المنطقة الواقعة غربي خط قسمة المياه watershed في الضفة الغربية، واشرافها كذلك على مصادر المياه في غزة ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان.
اطماع "اسرائيل" في مياه الجنوب اللبناني
هذه الاطماع لا تحتاج إلى شرح واثبات. لقد تحدث عنها رواد الصهيونية قبل الحرب العالمية الاولى. وبالعودة إلى بعض الدراسات التاريخية نجد ان هذه المطامع تعود الى اواخر القرن التاسع عشر، أي إلى ما قبل قيام الكيان "الاسرائيلي" بعشرات السنين، عندما تم شراء اراض واسعة في العام 1892 قرب منابع المياه وفي المناطق الحدودية المتداخلة بين لبنان وفلسطين، وخصوصا في سهل الخيام والمطلة والمنارة (11) .
وقد كتب هرتزل، في العام 1903، إلى السلطان العثماني عبدالحميد، عارضا عليه تقديم مبلغ مليون ليرة تركية مقابل موافقة السلطات العثمانية على اقامة اليهود في منطقة الجليل، أي على مقربة من مياه لبنان الجنوبي، باعتبار ان نهر الليطاني يشكل مركزا مهما لانجاز المخططات اليهودية في المنطقة.
وكانت الحركة الصهيونية، في المذكرة التي رفعتها إلى مؤتمر السلام الذي عقد في فرساي (باريس) في العام 1919، قد اعربت بوضوح عن رغبتها في الاستيلاء على جنوب لبنان وجبل الشيخ، فقد ورد فيها:
"ان جبل الشيخ (حرمون) هو (ابوالمياه) الحقيقي لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها دون توجيه ضربة قاصمة إلى جذور حياتها الاقتصادية بالذات. وجبل الشيخ لا يحتاج فقط إلى اعادة تحريج وتشجير، بل ايضا إلى اعمال اخرى قبل ان يصبح مؤهلا ليكون خزان مياه البلاد. لذلك يجب ان يخضع كليا لسيطرة اولئك الذين تحدوهم الرغبة الشديدة ويملكون القدرة الكافية لاستغلال امكاناته حتى اقصى الحدود. كما يجب التوصل إلى اتفاق دولي تحمى بموجبه حقوق المياه للشعب القاطن جنوبي نهر الليطاني (والمقصود اليهود في "اسرائيل" الكبرى حين انشائها) تامة، اذ ان منابع المياه هذه، فيما لو حظيت بالعناية اللازمة، تستطيع تنمية لبنان مثلما تخدم تنمية فلسطين" (12).
ولم يكتف زعماء الصهيونية بالمذكرات والتصريحات، بل عمدوا إلى اقناع بعض الزعماء الروحيين في لبنان بصحة مطالبهم (13) . ففي اثناء انعقاد مؤتمر السلام في فرساي اتصل بن غورين ووايزمان بالبطريرك الماروني وحاولا اقناعه بالتخلي عن جنوب لبنان الذي تسكنه اكثرية اسلامية لقاء وعد بتقديم مساعدات فنية ومالية إلى الدولة اللبنانية الناشئة. ولكن البطريرك، بدعم من فرنسا، رفض هذا العرض.
وبعد ان فشلت الصهيونية في الحصول على موافقة الحلفاء والزعماء الروحيين اللبنانيين على التنازل عن جنوب لبنان لالحاقه بفلسطين، لجأت إلى شراء الاراضي، فتمكنت من شراء اراضي بعض الملاكين الكبار، ولكنها اصطدمت برفض البعض الاخر، بالرغم من الاغراءات المالية الكبيرة.
وخلال الحربين العالميتين حاولت الحركة الصهيونية التسلل إلى المناطق اللبنانية في الجنوب عن طريق شراء بعض الاراضي المحيطة بمنابع نهر الليطاني، او عن طريق اقامة المستوطنات الصهيونية في المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود اللبنانية والسورية.
وتحت ستار اتفاقية الحدود الفرنسية ـ البريطانية في 23/12/1920، واتفاق بوليه ـ نيوكومب Paulet-New Comb في 7/3/1923، ومعاهدة حسن الجوار في 2/2/1926، عمدت سلطات الانتداب إلى احداث تغيير في الحدود بين لبنان وفلسطين لصالح توسيع الاراضي الفلسطينية من اجل السيطرة على مصادر المياه.
لقد كرست هذه الصكوك القانونية منطقة الحولة ذات السهول الخصبة والمياه الغزيرة (المعروفة بـ "جورة الذهب") منطقة تابعة لفلسطين. وبموجب هذه الصكوك سلخت عن دولة لبنان الكبير القرى اللبنانية السبع: هونين، وابل القمح، والنبي يوشع، وقدس، والمالكية، وصلحا، وطيربيخا (14).
وهذه القرى مشهورة بينابيعها الوفيرة وآبارها الغنية بالمياه. ولهذا سارعت "اسرائيل" إلى استغلال ثورتها المائية واقامة مستعمرات استيطانية على انقاضها، او على اطرافها، وتغيير اسمائها، فابل القمح اصبح (يوفاك)، وهونين (مرغاليوت) وقدس (قدش) والمالكية (مالكياه)، وصلحا (بيرون)، والنبي يوشع (يشع)، وطيربيخا (شومراه).
وفي تعديل اخر للحدود، تنازلت سلطة الانتداب الفرنسي عن معظم المنطقة اللبنانية من الحولة لصالح الانتداب البريطاني على فلسطين، مقابل منح شركة فرنسية امتياز تجفيف المستنقعات في سهل الحولة. وبذلك تم سلخ 23 قرية لبنانية هي: المطلة ـ النخيلة ـ الصالحية ـ الدميرجات ـ الجردية ـ كفربرعم ـ الزاوية ـ المنصورة ـ الذوق الفوقاني ـ الذوق التحتاني ـ خان الدوير ـ شوقا ـ اقرت ـ حانوتة ـ صروح (15) .
وبعد نجاح الحركة الصهيونية في تعديل الحدود وسلخ مساحات شاسعة من الاراضي الجنوبية في لبنان، قامت بسلسلة من الهجمات والاعتداءات على سكان هذه القرى ادت إلى طردهم او فرارهم من ارضهم، وهدم منازلهم، وبناء المستعمرات على انقاضها.
وخلال الاجتماعات التمهيدية لاتفاقية الهدنة بين لبنان و"اسرائيل"، في 23/3/1949، ضمت "اسرائيل" عدة مزارع مساحتها 2000 دونم. وبقيت اراضي منطقة نبع الدوارة موضع خلاف (16) .
وفي العام 1953، رفضت "اسرائيل" مشروع "ماين" الذي قضى بتقاسم مياه نهر الاردن بين العرب و"الاسرائيليين"، واقترحت مشروعا آخر عرف باسم مشروع "كوتن" قضى بتحويل كمية من مياه الليطاني، بواسطة نفق، إلى نهر بغية ضخ هذه المياه إلى بحيرة طبريا لتخفيف نسبة الملوحة فيه وجر مياهها بعد ذلك إلى النقب.
وبررت "اسرائيل" هذا المشروع بزعمها ان لبنان لا يستفيد من مياه الليطاني التي تذهب هدرا إلى البحر (17). ومارست واعوانها ضغوطا على البنك الدولي لرفض الطلب اللبناني المتعلق بتحويل مشاريع الري التي يوفرها نهر الليطاني. وكان لهذه الضغوط اثر في المماطلة التي ابداها البنك الدولي ازاء الطلب اللبناني. ولعل الغرض الرئيسي من ذلك هو عرقلة استثمار مياه الليطاني من جانب لبنان حتى يسهل على "اسرائيل" الاستيلاء عليها والاستفادة منها في الوقت الذي تراه مناسبا.
وعلى الرغم من عدم اشتراك لبنان في حرب حزيران (يونيو) 1967 فقد اقدمت "اسرائيل"، اثناء الحرب، على اقتطاع مساحات شاسعة من مزارع شبعا (18) . واحتلت بعدها عدة مناطق، منها حرج مشهد الطير الذي تعود ملكيته إلى الاوقاف الاسلامية.
وبعد حرب العام 1967 لم يعد الزعماء "الاسرائيليون" يجدون أي حرج في الكشف عن نياتهم واطماعهم. ففي شهر ايلول (سبتمبر) من هذا العام بعث بن غوريون إلى الرئيس الفرنسي، الجنرال ديغول، برد حول نيات "اسرائيل" تجاه لبنان جاء فيه: "ان امنيتي في المستقبل هي ان اجعل الليطاني الحدود الشمالية لاسرائيلي". وانتقد رئيس وزراء "اسرائيل" آنذاك، ليفي اشكول، "ضياع نصف مليار متر مكعب من مياه الليطاني في البحر بدلا من ان تستفيد منها شعوب المنطقة" (19).
وخلال حرب العام 1973 اقتطعت "اسرائيل" عدة مناطق لبنانية من جبل الشيخ، هي: الشحل، وبركة النقار، والسواقي، وجدرة العليق، وتلة السدانة. وفي العام 1947، تم اقتطاع شريط اراضي من بلدة عيترون، طوله 3 كم وعرضه يتراوح ما بين 100و500 متر. وفي العام 1975، ضمت جبل الشميس. وتمكنت، حتى بداية الثمانينات، من اقتطاع حوالي 4000 دونم من القرى التالية: علما الشعب، البطيشية، تلال الضهيرة، يارين، مارون الراس، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، كفركلا. وخلال العام 1978، استولت على اماكن قرب نبع الجوز، وصولا إلى جبل الصوان المطل على شويا.
وبعد اجتياح لبنان في العام 1982، ضمت اليها آلاف الدونمات، فنقلت الشريط الشائك من مستعمرة المطلة إلى منطقة تبعد 600 متر شمالا ويبلغ طولها ما بين ثلاثة وخمسة كلم، وشقت طريقا في الضفة الجنوبية لنهر الوزاني بطول 12 كلم، واقتطعت المنطقة المحيطة بنبع الوزاني ومساحتها 5000 دونم، وضمت قسما من سهل الخيام. وفي منطقة بنت جبيل اقتطعت من اراضي واحراج مارون الراس مساحة 7000 دونم. وبحجة توسيع بوابة (بيرانيت) بين بلدة رميش والارض المحتلة استولت على 15 دونما من اراضي رميش. وفي صيف العام 1985، استولت على جزء من اراضي بلدة راميا وسيجتها بالاسلاك الشائكة. وفي مطلع العام 1986 قامت بتسييج مساحة تقدر بحوالي 31 كلم2 تمتد من حرج الخيام إلى مركبا. وفي العام 1955 تناقلت وكالات الانباء معلومات تشير إلى اقدام "اسرائيل" على قضم اراض في منطقة البطيشية الواقعة بين بلدتي عيتا الشعب ويارين في القطاع الغربي من الشريط الحدودي (20).
وهكذا نرى ان "اسرائيل" تواصل، منذ قيامها، عمليات القضم والضم للاراضي اللبنانية بشكل تدريجي وبصمت متعمد وفي فترات زمنية متباعدة لكيلا تواجه ردود فعل دولية معارضة (21) . ولهذا قلنا ان حدود "اسرائيل" في الحلم او الواقع او القوة هي حدود مائية. فالحديث عن ""اسرائيل" الصغرى" يعني وجود كيان تحده انهار الجنوب اللبناني وبحيرة طبريا والبحر الميت. والحديث عن ""اسرائيل" الوسطى" يعني قيام كيان يقع بين نهر الاردن وقناة السويس والبحر الاحمر (22). والحديث عن ""اسرائيل" الكبرى" يعني امتداد (او تمدد) الدولة العبرية من الفرات إلى النيل (23).
مخططات ومشاريع للاستيلاء على المياه اللبنانية
كانت التصريحات والوثائق "الاسرائيلية"، القديمة والحديثة، واضحة بشان اهمية مياه الجنوب اللبناني لتنفيذ المخططات والمشاريع الصهيونية، فجاءت الاجراءات والممارسات "الاسرائيلية" تثبت ذلك. وقد عمدت الحكومة "الاسرائيلية" إلى تنفيذ مشاريعها للسيطرة على المياه اللبنانية من خلال تعطيل اي مشروع لبناني يرمي إلى الاستفادة من هذه المياه، او من خلال الاستيلاء بالتقسيط عليها.
ففي اواخر ايلول (سبتمبر) 1965، اغارت الطائرات "الاسرائيلية" على المواقع اللبنانية عند منابع الحاصباني الوزاني بهدف تعطيل المشروع الذي اقره مجلس جامعة الدول العربية في العام 1964، وهو مشروع تحويل مجاري الانهار التي تصب في بحيرة طبريا (الحاصباني والوزاني اللبنانيين، وبانياس السوري).
وبعد اجتياح "اسرائيل" الجنوب اللبناني في العام 1978، واحتلالها مناطق واسعة في شمال الحدود الفلسطينية ـ اللبنانية اطلق عليها فيما بعد اسم "الشريط الحدودي"، قامت سلطات الاحتلال بتنفيذ عدد من المشاريع المائية لتسهيل سرقة مياه الجنوب باتجاه شمال فلسطين.
ففي العام 1980، شقت هذه السلطات شبكة من الطرق المتطورة ربطت مزرعة الوزاني والميسات باراضي المستعمرات "الاسرائيلية". وقامت، في العام 1986، بشق طريق على الضفة الجنوبية لنهر الوزاني وسيجتها بالاسلاك الشائكة، وبدأت بمد اقنية من الوزاني باتجاه الاراضي المحتلة، ووضعت تجهيزات لمشاريع ري حديثة عند مزرعة الوزاني اللبنانية وقرية الغجر السورية المحتلة المجاورة لها لكي تتمكن من سحب المياه السطحية والجوفية إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلال العام 1983، وضعت يدها على قساطل "مصلحة مياه جبل عامل"، والمنطقة من خزانات (الطيبة) التي تتغذى بالمياه من محطة (الطيبة) على نهر الليطاني (طاقتها نحو 8000 متر مكعب يوميا). وحولت اتجاه هذه القساطل، بعد تدمير مضخات وخزانات برعشيت، نحو خزان انشأته جنوب كازينو حيرام في عين ابل، ومنه مدت انابيب إلى محطة الضخ الرئيسية التابعة لمستعمرة "شتولا" التي بنتها فوق تلة الراهب في اوائل السبعينات، والتي تؤمن مياه الشفة والري لهذه المستعمرة.
ولتمويه عملية سرقة المياه عمدت شركة المياه "الاسرائيلية" "ميكوروت" إلى مد قساطل من محطة شتولا، عبر وادي سعسع، وربطا بشبكة مياه بلدتي عين ابل ورميش اللبنانيتين، بواسطة محطة للضخ تقع على منحدر جبلي شمالي رميش. ومن هناك مدت شبكة انابيب ال محطة اخرى في منطقة "كورة" حيث ربطتها بشبكة "مصلحة مياه جبل عامل" التي تصب في خزان بلدة عيتا الشعب.
وهكذا تكون سلطات الاحتلال قد ربطت شبكة مياه 14 قرية لبنانية في قضاءي بنت جبيل وصور بشبكة مياه مستعمرة شتولا، واصبح على كل مشترك لبناني بهذه الشبكة ان يدفع رسوما شهرية تصب في خزينة شركة المياه "الاسرائيلية".
اما مياه شبعا فتؤمن الف متر مكعب يوميا، بواسطة الجاذبية، لقرى قضاء حاصبيا، في حين تتغذى بقية قرى قضاء مرجعيون بالمياه من بئرين ارتوازيين قرب الدردارة ونبع الحمام. وبسبب الاعطال وسحب "اسرائيل" المياه الجوفية من منطقة الآبار حرم ثماني قرى من مياه الشفة، واقدمت "اسرائيل" على مد شبكة قساطل قياس 6 انش لسحب مياه نبع الجوز في شبعا إلى حاصبيا، وهو ما اثار ردة فعل سلبية لدى الاهالي، لان ذلك يؤدي إلى شح المياه التي تغذي شبعا ومحيطها، مع العلم ان هذه المياه لا تكفي المنطقة اصلا (24) .
وفي العام 1990، ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية ان خبراء "اسرائيليين" يرافقهم ضباط "اسرائيليون" قاموا، في 27/6/1990، بأخذ عينات من مياه نبع الجوز، قرب بلدة شبعا، ونبع الحاصباني في القطاع الشرقي لتحليلها بعد اكتشاف تلوث خطير في مياه الشفة في منطقة تل ابيب (25).
وبعد ذلك بعام ذكر قادمون من الشريط الحدودي المحتل ان قرى مرجعيون التي تتغذى بالمياه من المضخة القريبة من مفترق الخيام تعرضت للعطش بعد ان قامت قوات الاحتلال "الاسرائيلية" بسحب المياه إلى مستعمرة المطلة التي تبعد حوالي الخمسة كيلومترات عن المضخة جنوبا، بواسطة قساطل تم تركيبها في مراحل سابقة (26).
وفي العام 1994، حفرت "اسرائيل" في منطقة نقار شبعا بئرا ارتوازية تقع على مسافة 700 متر داخل الاراضي اللبنانية، وعلى مسافة 2.5 كلم من مواقع القوة النروجية العاملة في نطاق قوات الطوارئ الدولية. ويتخوف اهالي المنطقة من ان تكون عملية الحفر هذه مقدمة لحفر آبار اخرى والاستيلاء على مخزون المياه الجوفية في السلسلة الغربية لمرتفعات جبل الشيخ التي تحوي كميات هائلة من المياه (27).
ولو اكتفينا باستعراض المشاريع "الاسرائيلية" المتعلقة بالمياه اللبنانية (الروافد اللبنانية لنهر الاردن ومياه الليطاني) لوجدنا ان هذه المشاريع تؤلف جزءا مهما من استراتيجيتها الاستيطانية، وان العجز المائي فيها كان دائما وراء سياسة التوسع والضم والقضم التي اتبعتها.
فمن المعلوم ان "اسرائيل" تعني نقصا حادا في مصادرها المائية. وقد ازدادت حدة هذا الوضع بعد موجات الهجرة اليهودية المكثفة من دول المعسكر الاشتراكي السابق، فحجم الموارد المائية المتجددة والمتوافرة سنويا لـ"اسرائيل" يصل إلى نحو 1850 مليون متر مكعب. وقد قدرت حاجتها إلى المياه في نهاية الثمانينات باكثر من ملياري متر مكعب (28). واذا كان العجز المائي فيها قد بلغ، في العام 1990، نحوا من 350 مليون م3، فمن المتوقع ان يصل إلى المليار في نهاية القرن.
امام هذا الوضع المتفاقم حاولت "اسرائيل" البحث عن مصادر غير تقليدية لسد العجز بالاعتماد على عملية استمطار الغيوم صناعيا، وعلى وسائل تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه المجاري، واستخدام الطرق الحديثة لري اراضيها (التنقيط والرش). غير ان جميع هذه الوسائل اثبتت عدم فاعليتها في ايجاد حل عملي مقبول لمشكلة النقص الخطير والمتزايد في الموارد المائية.
وخلال البحث عن طريقة لحل الازمة المائية وقعت الحكومة "الاسرائيلية" مع تركيا اتفاقا طويل الاجل لتزويد "اسرائيل" بكمية من المياه تتراوح بين 250 و400 مليون م3 سنويا (29) . وتم الاتفاق على نقل المياه عن طريق البحر بواسطة مستوعبات مصنوعة من مادة البلاستيك تسع الواحدة منها ما بين 800 الف ومليون م3 تقوم السفن بسحبها حتى المرافئ "الاسرائيلية" على البحر الابيض المتوسط. ولكن العملية، حسب مصادر "اسرائيلية" موثوقة، منيت بالفشل حتى الان.
وازاء هذا العجز عن سد النقص، وبعد ان كادت المشاريع الاستيطانية تستهلك مخزون المياه في الاراضي المحتلة، لم يبق امام "اسرائيل" الا اللجوء إلى المياه المجاورة. ولو امعنا النظر في اية خريطة جغرافية للمنطقة لما وجدنا من الموارد المائية المهمة والمتاخمة لـ"اسرائيل" غير الروافد اللبنانية لنهر الاردن ومياه نهر الليطاني (30).
الروافد اللبنانية لنهر الاردن (الحاصباني والوزاني)
يخرج نهر الحاصباني من نبع الحاصباني عند سفوح جبل حرمون في وادي التيم الذي يتخذه مجرى له قبل ان يصل إلى منخفض الحولة في فلسطين حيث يرفد نهر الاردن الذي يصب في البحر الميت. ويبلغ طوله في لبنان 21 كلم. وتصب فيه عدة روافد شتوية صغيرة، اهمها نهر جاج والوزاني اللذان ينبعان من سفوح جبل الشيخ. ومعدل التصريف السنوي لنهر الحاصباني يصل إلى 160 مليون م3.
اما نهر الوزاني فنهر صغير ينطلق من قرية الوزان الحدودية (نحو 4 كلم من الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية) جنوب بلدة الخيام، ثم يدخل اراضي شمال فلسطين.
وفي العام 1986، احاطت "اسرائيل" بسياج عدة هكتارات من الارض حول النبع، بعد طرد المزارعين اللبنانيين منها، وبدأت بمد اقنية من نبع الوزاني باتجاه الشمال الشرقي، بحجة ري قرى العرقوب الواقعة داخل الشريط الحدودي الذي تسميه "اسرائيل" "الحزام الامني".
وفي العام 1989، اقدمت "اسرائيل" على مد انابيب مياه (بقياس 6 انش) من نبع العين المتفرع من نهر الجوز، وهو احد روافد الحاصباني، بدعوى تزويد قرى منطقة حاصبيا المحتلة بالمياه.
وتستغل "اسرائيل" حاليا، وبصورة كاملة، مياه الحاصباني والوزاني، وبمعدل يتجاوز في معظم الاحيان مقدار 145 مليون م3 سنويا.
الهوامش:
1ـ راجع كتابنا:
Les Fleuves du Moyen-Orient (situation et perspective juridico-politiques). (Parisl: Ed. L'Harmattan) pp.215-230.
2 ـ من يراجع المراسلات والمباحثات الرسمية التي قام بها الزعماء الصهيونيون ما بين الاعوام 1918-1920، يكتشف ان موضوع المياه (الليطاني وروافد الاردن) يحتل الصدارة في كل ما نشر وما لم ينشر من هذه الوثائق.
3ـ راجع كتابنا:
Shimon Peres, Le temps de la paix, (Paris: Ed. Odile Jacob, 1993)pp. 159-171.
4 ـ كان هرتزل من الصهيونيين الاوائل الذين تنبهوا لاهمية المياه بالنسبة إلى ارض الدولة العبرية التي حلم بها في روايته "الارض الجديدة ـ الارض القديمة"، فقد كتب يقول: "ان المؤسسين الحقيقيين للارض الجديدة ـ القديمة هم مهندسو الماء…". راجع كتاب اسعد رزوق: "اسرائيل" الكبرى: دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، (بيروت: مركز الابحاث الفلسطيني. 1968) ص 581-582.
5ـ راجع التقرير A/46/263-E/1991 الذي اعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) حول سياسة "اسرائيل" المائية وممارستها في الاراضي العربية المحتلة.
6ـ صحيفة Le monde الفرنسية، في 26/1/1992.
7ـ Alain Dieckhoff, "Israel; L'atout des territoires', in Politique International, Hiver 1992, p.41.
8 ـ راجع ما ورد في كتاب "السياسية المائية لـ"اسرائيل"" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،1986) ص 3-6.
9ـ صحيفة معاريف "الاسرائيلية"، في 17/9/1990.
10ـ راجع الصفحات 18-19-22-23 من كتابه:
Security for peace: Israel's minimal security requirements in negotiations with the Palestinians, The Washington Institute for Near East Policy,1989.
11 ـ تؤكد تقارير الخبراء ان نهرا جوفيا هائلا ينساب في باطن الارض في قطاع سهل الخيام. والدليل على ذلك وجود آبار ارتوازية حفرت في تلك المنطقة في مطلع السبعينات وتدفقت منها مياه غزيرة.
12ـ رزوق، المرجع السابق. ص 401.
13ـ للاطلاع على مواقف النخب المتعددة في لبنان بشأن المياه، اثر الحرب العالمية الكبرى، راجع كتاب د. عصام خليفة، الحدود الجنوبية للبنان: بين مواقف نخب الطوائف والصراع الدولي (1908-1936) (بيروت: دار الجيل،1985).
14ـ وفي العام 1948 حلت النكبة بهذه القرى عندما احتلتها "اسرائيل" ودمرتها وهجرت اهلها.
15ـ يشير بعض المصادر إلى عدد آخر ومختلف. راجع، مثلا، الكتاب الصادر عن مجلس النواب اللبناني بعنوان : 14 آذار : اليوم اللبناني العالمي من اجل الجنوب والبقاع الغربي (وثائق العدوان "الاسرائيلي") (بيروت : مجلس النواب، المديرية العامة للدراسات والنشر،1995) ص 69.
16ـ المرجع السابق، ص 69.
17ـ راجع ما ورد في مذكرة حكومة "اسرائيل" حول نهر الليطاني ومطالبتها بالمشاركة في الاستفادة منه، في 29/4/1954.
18ـ بعدما استكملت "اسرائيل" ضم مزارع شبعا عمدت، في العام 1985، إلى بناء ثلاث مستعمرات، وضع حجر الاساس لها الحاخام مائير كاهانا. وقد خصصت مستعمرتان منها (رويسة القرن وزبدين) لتوطين يهود الفلاشا، فيما خصصت الثالثة التي تقع في منطقة مقاصر الدود في خراج مزرعة مراح الملوك للسياحة والتزلج.
19ـ صحيفة Le Monde في 8/9/1967.
20ـ صحيفة الحياة، في 30/9/1995.
21ـ قدر بعض المراجع مساحة الاراضي التي اقتطعتها "اسرائيل" من الاراضي اللبنانية منذ اعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920 بنحو 130 كيلومترا مربعا.
22ـ في 2/5/1951 قال ابا ايبان (مندوب "اسرائيل" في الامم المتحدة، آنذاك) لصحيفة Jerusalem Post : " نحن لا نفكر بجدية في النيل والفرات، لكننا نكرس كل اهتمامنا لنهر الاردن ومنابعه".
23ـ لقد برزت اطماعها في مياه النيل منذ المؤتمر الصهيوني الاول الذي عقد في بال في العام 1897، ورفع شعار : "حدودك يا "اسرائيل" من الفرات إلى النيل". وتجلت هذه الاطماع على نحو عملي في العام 1903، عندما بدأ هرتزل جولاته المكوكية على استامبول والقاهرة ولندن لاقناع حكوماتها بقبول مشروع جر مياه النيل إلى صحراء سيناء والنقب.
وبما ان بريطانيا كانت تتمتع بنفوذ استعماري كبير في المنطقة، فقد اجرى هرتزل اتصالات مكثفة في لندن مع وزير المستعمرات (تشامبرلن) ووزير الخارجية (اللورد لاندسون) اللذين وافقا على فكرة سحب مياه النيل. وكلف مدير عام وزارة الاشغال العامة دراسة المشروع وتقديم تقرير مفصل عنه. ولكن الحكومة البريطانية ما لبثت ان رفضت المشروع الصهيوني لسببين: الاول يتعلق بالاوضاع الدولية التي كانت تنذر بنشوب الحرب العالمية الاولى، وبالعلاقات البريطانية ـ المصرية التي كانت متوترة بسبب الحركات الوطنية الاستقلالية في مصر. والثاني يتعلق بالمشاريع المائية التي كانت بريطانيا تعدها في مصر والسودان لزيادة محاصيل القطن.
ومع ان المشروع الصهيوني جوبه بالرفض والمقاومة في المنطقة العربية، فان الاطماع الصهيونية في مياه النيل لم تتوقف، فقد وضع اكثر من مشروع لجر هذه المياه إلى فلسطين. ولعل اكثرها اتقانا وتكاملا هو مشروع المهندس اليشع كالي، احد مؤسسي تاهال. وقد وضعه في العام 1974.
ويهدف المشروع إلى نقل 1 في المئة من مياه النيل إلى "اسرائيل"، أي ما يساوي 800 مليون م3 سنويا.
24ـ كتاب مجلس النواب: 14 آذار… المرجع السابق. ص 75.
25ـ صحيفة السفير، في 28/6/1990.
26ـ صحيفة الحياة، في 6/9/1991.
27ـ صحيفة السفير، في 14/10/1994.
28ـ نشير إلى حقيقة مهمة، وهي ان 72.2 في المئة من المياه المستخدمة في "اسرائيل" تستهلك في القطاع الزراعي.
29ـ صحيفة دافار "الاسرائيلية"، في 16/3/1990.
30ـ تحويل مجرى الليطاني بالنسبة إلى "اسرائيل" يعني حصولها على نحو 800 مليون م3 من المياه سنويا.