مطامع "اسرائيل" في مياه لبنان
المديرية العامة للدارسات والابحاث
مجلس النواب اللبناني
مقدمة
-المياه مشكلة "اسرائيل"-، هذه الأطروحة، أدركتها الحركة الصهيونية منذ انطلاقتها، نظرا الى المناخ شبه الجاف لفلسطين، وضعف مواردها المائية، سيما وان كل المخططات والمشاريع الصهيونية كانت تلحظ ضرورة توافر المياه كعنصر اساسي وحيوي لقيام الدولة العبرية المنتظرة لسببين رئيسيين، الاول من اجل انجاح البرنامج الاستيطاني اليهودي في فلسطين حيث كانت الحركة الصهيونية تخطط لاسكان ثلاثة ملايين مهاجر يهودي، والمياه شرط حيوي لانشاء المستعمرات وتوطين هؤلاء فيها لتسهيل الحياة لهم.
والثاني، من اجل انجاح مخططات التنمية الزراعية الصناعية، وانتاج الطاقة الكهربائية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مرحلة اولى، ومن ثم اللجوء الى التصدير في مرحلة ثانية لدعم وتقوية اقتصاد الدولة الموعودة، وتحقيق الهيمنة الاقتصادية على المنطقة.
والاهداف الصهيونية تلك كانت مستندة الى دراسة عميقة للجغرافيا السياسية للدولة العبرية المنتظرة، اذ ان الحركة الصهيونية كانت تدرك جيدا ان هذه الدولة ستقوم في وسط عربي معاد وان حدودها ستكون مغلقة ومهددة من كافة الاتجاهات، وبالتالي لا بد من تهيئة كافة السبل، والاستفادة من كل الموارد المتاحة في فلسطين وجوارها، لكي تستطيع الدولة، وتحت كل الظروف ان تضمن لنفسها الحماية الامنية والاقتصادية الذاتية، وعدم الذوبان في محيطها وهو الخطر الاكبر الذي يرتعب منه الصهيونيون.
وانطلاقا من هذا المفهوم كان للمياه اهمية قصوى في الاستراتيجية الصهيونية التي وجدت في التوراة بعدها الديني، وجند الصهيونيون الخبراء اليهود والاجانب لاعداد دراسات ومشاريع لتحقيق السيطرة على موارد المياه العربية، وركزت معظم المطالب الصهيونية، والدراسات والمشاريع التي اعدت على كيفية الاستفادة من مياه نهر اليرموك ونهر الاردن وروافده ومنها الحاصباني ونهر الليطاني.
وقد لخص الكاتب الصهيوني الاميركي هوراس مييركالين في كتابه "الصهيونية والسياسة العالمية " الصادر في لندن عام 1922، التصور الصهيوني لاقتصاد فلسطين ورؤاه لتجاوز مشاكله عن طريق الاستيلاء على مياه الليطاني اذ قال: "ان اقتصاد فلسطين، وعدد الناس الذي يمكن اعالتهم، ومكانة البلاد الثقافية، وتنظيمها الاجتماعي، يجب ان يعتمد على حد بعيد على درجات التصنيع التي يمكن تحقيقها، والتصنيع يعتمد على الطاقة في فلسطين. وخلال المرحلة الحاضرة من السيطرة التقنية على الطاقة المائية. والطاقة المائية هي مسألة حدود، والحدود الشمالية بنوع خاص (…) ان مستقبل فلسطين باكمله هو بايدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الاردن".
المطالبة الصهيونية بمياه الاردن
بعد ان اوجدت الحركة الصهيونية، في التوراة، سندها اللاهوتي الذي تستطيع الارتكاز اليه في مطالبتها بانشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين، بدأت حركة ناشطة على خطين في سبيل تحقيق هذه الفكرة:
الاول، في اتجاه يهود الشتات لاقناعهم بفكرة قبول قيام هذا "الوطن"، والهجرة اليه باعتباره وطن الاباء والاجداد.
والثاني، في اتجاه الدول الكبرى الفاعلة والتي كانت قد بدأت على اثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية، باعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة العربية، وفق مصالحها الذاتية الاستعمارية والاقتصادية والتجارية، وخصوصا دولتي بريطانيا وفرنسا.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 في مدينة "بال" السويسرية، وهو المؤتمر الذي شهد اول بادرة جماعية منظمة لتحقيق فكرة قيام الدولة الصهيونية وارساء قواعدها، وبالتالي الانتقال بالعمل القومي اليهودي من مرحلة الحنين الديني الى الاتجاه الاستيطاني، في هذا المؤتمر ظهر لبنان للمرة الاولى على خارطة المطامع الصهيونية، اذ اعلن تيودور هرتزل الداعي الاول للصهيونية بعد انتهاء المؤتمر، ردا على سؤال وجه اليه: "انني لو اردت تلخيص نتائج هذا المؤتمر، لقلت انه في هذا المؤتمر قد وضعنا اسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي ستمتد حتى نهر الليطاني، وبعد خمسين عام سيرى بالتأكيد هذا الدولة كل انسان".
وتحقيقا لهذا الهدف نشطت الجالية الصهيونية في فلسطين في محاولات لضبط موارد المياه وتطويرها. وبدايات المطالبة بالليطاني كانت عام 1903، عندما كتب هرتزل الى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، عارضا عليه تقديم قرض بمبلغ مليوني ليرة تركية للدولة العثمانية، مقابل موافقتها على ما اسماه "حق اليهود" بالعيش في منطقة الجليل امتداد الى جنوب لبنان. دون ان يخفي ان "نهر الليطاني يشكل مركزا للمخططات اليهودية الرامية الى نشر الازدهار في المنطقة". لكن السلطان عبد الحميد نصح هرتزل عبر وسطاء بان لا يتقدم خطوة أخرى في هذا المسعى قائلا: "لا استطيع ان ابيع شبرا من هذه الارض فهي ليست ارضي بل ارض الرعية. فليحتفظ اليهود بملايينهم، واذا تجزأت هذه الامبراطورية فسيصبح بمقدورهم الحصول على فلسطين مجانا. ولن يمروا اليها الا فوق جثتي".
ومع تفكك الدولة العثمانية، كبر الامل لدى الزعماء الصهيونيين في تحقيق امنيتهم، وشكلت الحدود الشمالية لفلسطين هاجسا سيطر على مراسلاتهم الى مسؤولي الدول الكبرى المعنية مباشرة بتصفية ارث "الرجل المريض" تركيا.
وفي العام 1915، وزع الزعيم الصهيوني هربرت صموئيل مذكرة بعنوان "مستقبل فلسطين"، على اعضاء الوزارة البريطانية، وهو اعتبر فيها ان "حدود فلسطين تبتدأ حيث تنتهي حدود متصرفية جبل لبنان المستقلة".
وفي العام نفسه، تساءل المنظر الصهيوني كابلانسكي، عضو الحركة العمالية الصهيونية، في مقالات كتبها بعنوان "ثورة فلسطين الاستيعابية" عن "السبب الذي يدعونا لرسم حدود فلسطين على صورة ضيقة جدا"، واقترح ان تضم الدولة اليهودية المنتظرة بالشريط الساحلي الممتد من نهر الليطاني حتى صيدا".
وبعد ذلك بثلاث سنوات رفع فريق من اليهود الالمان، الى الحكومتين التركية والالمانية، خريطة لحدود الدولة العبرية، حددت نقطتين على البحر المتوسط لتكونا حدا شماليا: رأس الناقورة، ومصب الليطاني.
وفي الوقت ذاته، رسمت اللجنة الاستشارية الصهيونية لفلسطين، حدود الدولة، بحيث جعلت حدها الشمالي، يمتد من الليطاني الى بانياس، في حين طالب يهود هولنديون بتوسيع هذه الحدود لتشمل نقاطا لا تبعد كثيرا عن بيروت ودمشق.
وفي السادس عشر من شهر ايار (مايو) 1916، وبعد محادثات شاقة استغرقت سبعة اشهر، وقعت فرنسا وبريطانيا، اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، وبموجب هذه الاتفاقية، فان الحد الفاصل بين منطقتي النفوذ الفرنسية شمالا أي سورية ولبنان، والبريطانية جنوبا أي فلسطين، هو الخط الممتد من رأس الناقورة والمتجه شرقا مسافة ثلاثين كيلومتر، حيث ينعرج ليمر جنوبي مدينة صفد ثم يخترق بحيرة طبريا من قرنها الشمالي الغربي حتى قرنها الجنوبي الشرقي متجها نحو اربد ومنها باتجاه الصحراء، مخلفا جبل حوران شماله.
وبعدما تسربت هذه الاتفاقية الى حاييم وايزمن في نيسان (ابريل) 1917، وتبين انها لم تدرج جنوب لبنان ضمن الحدود الفلسطينية، احتجت الصهيونية عليها، واتهمت فرنسا بانها وراء ذلك، وعقدت المنظمات الصهيونية اجتماعات عدة قررت على اثرها البدء بسلسلة خطوات وتحركات، لحمل الحلفاء على اقرار حدود لفلسطين تمتاز بميزات استراتيجية وغنية بالمياه، وقادرة على لعب دور اقتصادي فعال، وبشكل يجعلها مهيأة لاستيعاب افواج المهاجرين.
وبعث وايزمن بمذكرة الى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج اكد له فيها رفض الحركة الصهيونية تخطيط الحدود الذي اقر في معاهدة سايكس-بيكو كأساس لمداولات مؤتمر باريس، لان الحدود المقترحة تحرم اليهود من مصدرين اساسيين للمياه هما نهر الليطاني ونهر الاردن.
ومما جاء في المذكرة:
1- فلسطين ليست بلادا ذات ثروة طبيعية كبيرة، لكن من الممكن ان تصبح غنية ومأهولة اذا ما استثمرت ثروتها الطبيعية بصورة جيدة وحكيمة.
2- لدى فلسطين نقص كبير في المحروقات (…) الفحم والخشب.
3- ثروة فلسطين في المستقبل سوف تحصل من ارضها، ومن مناخها الملائمين لزراعة الفواكه وغيرها من المنتجات الزراعية التي تحتاج مياها بما يفوق الكميات المتساقطة طبيعيا، فالنقص الثاني في فلسطين هو المطر.
4- من اجل تعويض هذين النقصين وفرت الطبيعة في فلسطين ما يلي:
أ- مياه الأردن الصالحة للري.
ب- شلالات الأردن التي توفر الحصول على الطاقة.
ج- المياه الجوفية التي يمكن استعمالها بصورة كاملة.
د- مياه الليطاني للري المباشر او تحويلها الى الاردن.
5- (…)
6- (…)
7- (…)
8- لاجل هذه الاسباب نرى ضرورة في ضم حدود فلسطين الشمالية الى وادي الليطاني مسافة نحو 25 ميلا فوق هضبة ومنحدرات جبل الشيخ الغربية والجنوبية بهدف السيطرة على "المياه العالية" للاردن وللتمكين من اعادة تحريج هذه المنطقة.
وفيما بعد كشف وايزمن في مذكراته انه اجتمع خلال مؤتمر الصلح في باريس مع الجنرال غورو والمسيو دو مونزي لمحاولة اقناع الاول باهمية وضرورة مياه الليطاني لفلسطين.
ومن اهم الوثائق التي كشفت بوضوح عن نية المنظمة الصهيونية، واتخذت طابعا رسميا تلك المذكرة التي رفعتها في شباط (فبراير) 1919، الى المجلس الاعلى لمؤتمر السلام الذي انعقد في باريس، وطالبت فيها، الدول المشاركة في المؤتمر بالاعتراف بما اسمته المذكرة "الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين، وحق اليهود في ان يعيدوا انشاء وطن قومي لهم فيها".
وجاء في المذكرة فيما يتعلق بالحدود للوطن المطالب به ما يأتي:
"ان حدود فلسطين، يجب ان تتبع الخطوط العامة المبينة فيما يلي:
في الشمال تبتدئ الحدود بنقطة تقع على ساحل البحر الابيض المتوسط، بجوار صيدا، وتتبع مجاري مياه الجبال اللبنانية، حتى جسر القرعون، ومنها الى البيرة، متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم، ثم تسير في اتجاه جنوبي متبعة الخط الفاصل بين السفوح الشرقية والسفوح الغربية لجبل الشيخ، حتى تصل الى جوار بيت جن، ثم تتجه شرقا متبعة الضفة الشمالية لنهر مغنية حتى تحاذي الخط الحديدي الحجازي غربا.
وفي الشرق، خط محاذ للخط الحديدي الحجازي وغربا منه ينتهي في خليج العقبة، والى الجنوب، خط يتم الاتفاق عليه مع الحكومة المصرية.
والى الغرب، البحر الابيض المتوسط، واية تعديلات تفصيلية للحدود يجب ان تتم بواسطة لجنة خاصة يكون لليهود فيها تمثيل".
وتضيف المذكرة: "ان الحدود المبينة فيما تقدم، هي ما نعتبره جوهريا للاسس الاقتصادية اللازمة للبلد، يجب ان يكون لفلسطين مخارجها الطبيعية على البحار، وسيطرتها على انهارها ومنابع مياهها، وقد رسمت الحدود على اساس مراعاة الحاجات الاقتصادية العامة والتقاليد التاريخية للبلد، وهي عوامل لا بد بالضرورة ان تراعيها اللجنة الخاصة عندما تضع الحدود (…) ان الحياة الاقتصادية لفلسطين شأنها في ذلك، شأن أي بلد شبه جاف، تعتمد على المتوافر من موارد المياه، لذلك فان من الامور الحيوية، الا يكتفي بتأمين جميع موارد المياه التي تغذي البلد حاليا، بل ان يمكن ايضا خزنها والسيطرة عليها في منابعها".
وتتابع المذكرة : ".. وجبل الشيخ هو ابو المياه الحقيقي بالنسبة لفلسطين، ولا يمكن فصله عنها بدون انزال ضربة جذرية بحياتها، فيجب ان يبقى تحت سيطرة اولئك الذين هم ارغب واقدر على اعادته الى نفعه الاقصى، ويجب وضع ترتيبات دولية لحماية حقوق المياه للسكان، والذين يعيشون إلى الجنوب من نهر الليطاني، واذا ما لقيت هذه المنابع عناية كافية، فمن الممكن استخدامها لتنمية لبنان، وكذلك لتنمية فلسطين".
وما ورد في هذه المذكرة، كان ترجمة عملية للقرار الذي صدر عن المؤتمر الصهيوني الذي عقد عام 1919، في مدينة "بال" السويسرية، لمناقشة قضية فلسطين، اذ جاء في احد قرارات المؤتمر: "في ما يتعلق بفلسطين يجب تذكيرها (عصبة الامم) انه لا بد من ادخال المياه الضرورية للري والقوة الكهربائية ضمن هذه الحدود، وذلك بان تشمل مجرى الليطاني وثلوج جبل الشيخ".
والسعي الصهيوني لضم اراضي لبنانية الى فلسطين، لم يقف عند حد ارسال المذكرات والرسائل والتصريحات لقادة الدول الكبرى، بل تخطى ذلك، الى حد التحادث مباشرة مع زعماء روحيين مسيحيين وبالتحديد من الطائفة المارونية، مثيرا الشكوك حول امن هذه الطائفة باعتبارها من الاقليات في العالم العربي ذو الاكثرية الاسلامية، وذلك لاقناع زعماء هذه الطائفة، بالتخلي عن بعض الاراضي، لقاء ضمان امنها.
ولذلك، اتصل حاييم وايزمن وديفيد بن غوريون بالبطريرك الماروني الياس الحويك الذي كان في باريس، اثناء انعقاد مؤتمر السلام، لمطالبته بضم الجليل الاعلى ووادي النصارى الى لبنان، محاولين اقناعه بالتخلي عن الجليل الاعلى وجنوبي لبنان، لقاء وعد بتقديم المساعدات المالية والفنية الى لبنان "الذي سيصبح بعد سلخ الجنوب عنه ذو اكثرية مسيحية"، لكن البطريرك رفض العرض، وحتى مجرد المساومة على ارض لبنان، واصر على عدم المساس بحدود لبنان الجنوبية.
وفي العام 1919، اجتمعت وفود من فرنسا وبريطانيا، لتسوية خلافات البلدين في منطقة الشرق الاوسط، وخلال المحادثات، اصر الوفد الفرنسي على تنفيذ بنود اتفاقية سايكس-بيكو، مما اثار خوفا لدى زعماء الحركة الصهيونية، دفع بممثل المنظمة الصهيونية الاميركية لويس برانديس، الى بعث رسالة في 16 شباط (فبراير) 1920 الى رئيس المؤتمر الصهيوني حاييم وايزمن، يطلب فيها ابلاغ رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج بالاصرار الفرنسي، لكي يتدخل ويحول دون تطبيق الاتفاقية.
واعتبر برانديس في رسالته انه "لو انتصر هذه الادعاء الفرنسي، لكان معنى ذلك القضاء على التحقيق التام للوطن اليهودي، والوعد بتأسيسه، لان اتفاقية سايكس بيكو تقسم البلاد بتجاهل كلي للحدود التاريخية والضرورات".
وتضيف الرسالة: "الحدود الوطنية الشمالية والشرقية لا غنى عنها لقيام مجتمع يعيل نفسه بنفسه، ولتطور البلاد الاقتصادي في الشمال ينبغي ان تضم فلسطين مفارق مياه الليطاني عند جبل الشيخ (حرمون) والى الشرق سهل الجولان وحوران".
وفي رسالة وجهها الى اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا في 30 تشرين الاول (أكتوبر) 1920، أكد حاييم وايزمن، أن حاجة فلسطين الملحة الى مياه الليطاني تبقى قائمة حتى ولو ضم نهرا اليرموك والاردن الى فلسطين، لان صيف فلسطين جاف جدا، ومياه الليطاني ضرورية لري الجليل الاعلى، ولاستمرار الطاقة الكهربائية، وشدد على انه لا ينفع الكيان الصهيوني ان يجر مياه الليطاني واليرموك الى فلسطين، بل لا بد له ان يضم الاراضي التي تمر بها هذه الانهار من اجل ان يضمن اكتفاءه الذاتي.
والرغبة الصهيونية في الحصول على مياه الليطاني، لم تقتصر على هدف الاستفادة من هذه المياه في سبيل تقوية اقتصاد الكيان الصهيوني، المزمع انشاؤه، بل كانت تخفي وراءها هدفا اخطر مرتبطا باستراتيجية تكوين وقيام الدولة الصهيونية، الا وهو تأمين المزيد من الاراضي لاستيعاب المهاجرين الجدد، وقد ابرزت مذكرة الاتحاد العالمي لعمال صهيون، الى حزب العمال البريطاني لعام 1921، هذا الهدف، اذ جاء فيها ان الانهار الرئيسية: الأردن، الليطاني واليرموك "وحدها ارض-"اسرائيل" تستطيع استغلالها في سبيل هجرة كبيرة، وان امكان استعمال هذه الانهر بحرية هو الشرط الاساسي للاستيطان الجماعي في ارض "اسرائيل".
وتضيف المذكرة انه: "من الضروري ان تكون مصادر المياه التي يعتمد عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن القومي اليهودي في المستقبل، فسهول حوران التي هي بحق جزء من البلاد يجب ان لا تسلخ عنها. ولهذا السبب طالبنا دائما ان تشمل ارض "اسرائيل" الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني واقليم حوران من منبع اللجاه جنوب دمشق وجميع الانهار التي تجري في المنطقة من الشرق الى الغرب او من الشمال للجنوب. وهذا يفسر اهمية الجليل الاعلى وحوران للبلاد مجموعها. ان اهم انهار ارض "اسرائيل" هي الاردن والليطاني واليرموك والبلاد بحاجة الى هذه المياه بالإضافة الى ان الصناعة سوف تعتمد على توليد الكهرباء من هذه القوى المائية".
والمطالبة الصهيونية، بانشاء "وطن قومي يهودي" يضم أجزاء في لبنان، لم تقتصر على زعماء الحركة الصهيونية فقط، بل قام عدد من الكتاب اليهود ذوو الميول الصهيونية، الى اعداد دراسات وكتب نشرات، تبحث بدقة في مسألة حدود الدولة المطالب بها، حيث كان فريق يرى ان حدود الدولة هي ما نصت عليها التوراة أي "حدودك يا "اسرائيل" من وادي مصر الى الفرات"، فيما رأى فريق اخر، ان حدود التوراة مغالى فيها، ولا يمكن تحقيقها في الظروف الحالية، ومن بين هؤلاء فريش فايسر رعنان الذي وضع كتابا بعنوان "حدود امة" (the frontiers of a Nation ) وطالب فيه بحدود تضم دان شمالا، وبئر السبع جنوبا "مع اضافة بعض المناطق المتاخمة التي تؤمن الحماية العسكرية والموارد الطبيعية الكافية معتبرا ان مثل هذه الحدود هي اقرب الى الواقع".
ويضيف رعنان، انه "لتأمين الحماية العسكرية يجب ان تضم فلسطين الصحراء الى الجنوب والصحراء الى الشرق وقسما من سهل البقاع الى الشمال، حيث تلتقي منحدرات جبل لبنان فتشكل بوابة يسهل سدها (خط مشغرة -القرعون-راشيا على وجه التقريب) وكذلك فان متطلبات الحماية العسكرية تفرض ضم حوران بما فيها جبل الدروز ووادي اليرموك. وكذلك السيطرة على الجزء من خط حديد الحجاز الممتد بين درعا ومعان.
اما تأمين الموارد الطبيعية فيفرض الاستقلال الكامل لامكانيات فلسطين الزراعية والصناعية، فمخططات الري يجب ان تعتمد كليا على المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية التي تضم منابع الاردن والليطاني وثلوج جبل الشيخ واليرموك وروافده".
اما الصناعة فيرى رعنان انه "يجب ان تعتمد على تنمية القوى الكهربائية-المائية التي يمكن الحصول عليها من شلالات اليرموك والتي تقام على الليطاني، وذلك بسبب افتقار البلاد الى الفحم والبترول".
ومن المنظرين الذين عملوا ايضا على صوغ مسألة حدود الدولة المنتظرة "على اساس مراعاة الحاجات الاقتصادية العامة والتقاليد التاريخية للبلد" كما جاء في المذكرة الى مؤتمر السلام، المبشر الصهيوني آرثر رؤوبين الذي نشر في العام 1919، كتابا بعنوان "بناء ارض - "اسرائيل": "أهداف النشاط الاستيطاني اليهودي بفلسطين ووسائله". وجاء في الصفحتين 60و 61 من الكتاب ما يأتي:
"فيما يتعلق بالحدود الشمالية التاريخية، فقد ضمت هذه من دون جدال احد المنبعين الرئيسيين لنهر الاردن، غير ان الاسباب الاقتصادية تتطلب بالضرورة، ان تمتد من فلسطين صوب الشرق لتشمل المنبع الاخر عند حاصبيا (الحاصباني)".
وعلى الرغم من كل هذه المذكرات والرسائل، واللقاءات، لم يستطع زعماء الحركة الصهيونية في الحصول الا على وعد بانشاء وطن لليهود في فلسطين بحدودها الحالية، من دون ان تضم اجزاء من لبنان، والسبب يعود الى موقف فرنسا التي كان لها نظرة مختلفة كليا عن النظرة الصهيونية والبريطانية معا، فهي كانت تعتبر ان لبنان وسورية، من ضمن مصالحها التاريخية في المنطقة، وليست على استعداد للتفريط باجزاء منهما.
وعندما كرس مؤتمر "سان ريمو" الذي عقد في نيسان (ابريل) 1920، الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق، اصيب الصهيونيون بخيبة امل مريرة، واسقط في يدهم نهائيا عندما وقعت فرنسا وبريطانيا في 23 كانون الاول (ديسمبر) 1920 اتفاق الحدود بينهما في الشرق الاوسط، وقد رسم الاتفاق الحد الشمالي لفلسطين بحيث يمتد من رأس الناقورة (على بعد بضعة اميال شمال خط سايكس -بيكو) الى غرب المالكية، ثم شمالا نحو المطلة. ومن جراء هذا الاتفاق خسرت الصهيونية نهر الليطاني والاردن وجبل الشيخ وحوران: لم يكن بامكانها الا القبول على مضض من دون ان يؤثر ذلك على خططها التي تعدلت بحيث اصبحت تطالب بالاستفادة من مياه الليطاني.
وفي العام 1941، قدمت الحركة الصهيونية طلبا بواسطة شركة استعمارية الى الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس الفرد نقاش، بهدف الحصول على امتياز باستغلال المياه اللبنانية بما فيها نهر الليطاني، وضمنت الشركة طلبها مشروعا يقضي بتحويل الفائض من المياه اللبنانية وطاقتها الكهربائية الى فلسطين، لكن الحكومة اللبنانية رفضت ذلك العرض.
وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1941، اعد بن غوريون اول رئيس لدولة "اسرائيل"، (فيما بعد) وثيقة سرية قال فيها: "علينا ان نتذكر انه من اجل قدرة الدولة اليهودية على البقاء لا بد ان نكون من جهة جيرانا للبنان المسيحي، ومن جهة أخرى يجب ان تكون اراضي النقب القاحلة، وكذلك مياه نهري الاردن والليطاني مشمولة داخل حدودنا". وقد استطاع عملاء بريطانيون سرقة هذه الوثيقة اثناء زيارة بن غوريون لبريطانيا في السنة ذاتها، واعادتها سفارة بريطانيا في "اسرائيل" الى الحكومة "الاسرائيلية" بعد ثلاثين عاما.
وفي العام 1949، اثار المندوب البريطاني في لجنة التوفيق الدولية "مسألة مياه الليطاني"، مما دفع باللجنة الى ان توصي في تقريرها بتحويل مياهه الى وادي الاردن للاستفادة منها في الري وتوليد الطاقة الكهربائية.
بعد قيام الدولة العبرية، توالت المواقف الصهيونية مهددة متوعدة لبنان ومياهه. حيث اعلن بن غوريون في خطاب القاه في ايار (مايو) 1955 بمناسبة ذكرى قيام الدولة ان "اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتائج هذه المعركة يتوقف كيان "اسرائيل"، وفي ايلول من العام ذاته صرح بان "تنفيذ تحويل المياه العربية يمكن "اسرائيل" من انشاء 250 مستوطنة على الحدود العربية".
وفي رسالة بعث بها الى الرئيس الفرنسي شارل ديغول عام 1967 قال بن غوريون ردا على سؤال من ديغول بشأن نوايا "اسرائيل" تجاه لبنان، "ان امنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود "اسرائيل" الشمالية".
وبعد بن غوريون ظهر موشي شاريت رئيس الوزراء ليزعم ان استغلال الليطاني في لبنان سيخلق "لاسرائيل" مشاكل اقتصادية، واعتبر عدم ادراج الليطاني في مشروعا "اسرائيل" المائية، هو بمثابة خطيئة اساسية ارتكبتها حكومته.
في اعقاب حرب الايام الستة في حزيران (يونيو) 1967، (التي استولت فيها "اسرائيل" على اراضي في مصر وسورية والاردن، صرح وزير الحرب آنذاك موشي دايان "ان حدود "اسرائيل" اصبحت طبيعية على جميع الجبهات باستثناء لبنان".
وفي كلمة القاها امام "اتحاد شباب الكيبوتز" في هضبة الجولان المحتلة عام 1968، هدد دايان بان "الضحية التالية "لإسرائيل" ستكون الضفة الشرقية لنهر الاردن وجنوب لبنان".
وبدوره صرح رئيس الوزراء الاسبق ليفي اشكول لصحيفة "لوموند" الفرنسية بتاريخ 8 تموز (يوليو) 1967، "ان "اسرائيل" الظمأى لا يمكنها ان تقف مكتوفة الايدي، وهي ترى مياه الليطاني تذهب هدرا الى البحر، ان القنوات باتت جاهزة في "اسرائيل" لاستقبال مياه الليطاني المحولة". واضاف "ان نصف مليار متر مكعب من مياه الليطاني تذهب هدرا الى البحر كل عام بدلا من استغلالها لمنفعة سكان المنطقة".
وفي حديث اخر مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عام 1968، كشف اشكول بوضوح مطامع "اسرائيل" في الليطاني عندما قال، ان "اسرائيل" قسمت ثلاث مرات وكانت المرة الاولى عندما وضع نهرا الحاصباني وبانياس خارجها.
مشاريع "اسرائيل" المائية
1) مشروع لوذرميلك: سمي باسم واضعه المهندس الاميركي لوذرميلك، الذي وضعه عام 1938 اثر زيارة قام بها الى فلسطين وفيه اقترح:
أ - الاستيلاء على مياه نهر الاردن (روافد النهر في تل القاضي، وانهار دان وبانياس في سورية والحاصباني في لبنان).
ب - تجفيف بحيرة الحولة، وفتح اقنية تجري فيها مياه الاردن لري اراضي منطقة بيسان ثم نقلها الى الجنوب لري النقب.
ج _ الاستيلاء على نهر الليطاني في لبنان وتحويل مياهه الى بحيرة اصطناعية تنشأ في سهل قرية "عرابة البطوف" شمالي الناصرة لنقلها الى النقب.
وقد رأى الصهيونيون في هذا المشروع ما يلبي طموحاتهم فرحبوا به وشكلوا لجنة خاصة للدعاية له ولحشد الطاقات في الولايات المتحدة لتنفيذه، واعتمد اليهود هذا المشروع عام 1948 اساسا لخططهم العسكرية، ولا يزال هذا المشروع الذي نشر للمرة الاولى عام 1944 اساسا لجميع المشروعات المائية في الاراضي المحتلة، واعيد نشره عام 1946 بعد تعديله. وفي العام 1948 عندما قدم الخبيران في المياه هايز وسافيج الى فلسطين المحتلة لتنفيذ مقترحات لوذرميلك، وضعا مشروعا لتحويل نهر الاردن يتضمن تحويل الليطاني ودمجه بالمشروع العام، ضاربين بعرض الحائط كل الاعتبارات والاوضاع التي انتهت اليها اتفاقيات الهدنة العربية-"الاسرائيلية" عام 1949.
2- مشروع كوتون 1954: وضعه ايضا المهندس الاميركي جون كوتون مستشار الحكومة "الاسرائيلية" عام 1951-1955 ردا على مشروع جونستون. وتضمن هذا المشروع خططا مفصلة لاستغلال مياه نهري الليطاني والاردن، تتضاعف بنتيجتها مساحة الاراضي الزراعية ثلاث مرات، وتتزايد قدرة الطاقة الكهربائية الى سبعة اضعاف، وادخل المشرع ما اسماه فائض مياه الليطاني أي 400 مليون متر مكعب الى مشروع الري "الاسرائيلي" الكبير بحيث تروي مصادر المياه المتوفرة "لاسرائيل" قرابة المليوني دونم من اراضيها ودعا المشروع الى تحويل هذه الكمية من مياه الليطاني بواسطة نفق الى نهر الحاصباني لضخها الى بحيرة طبريا بهدف تخفيف نسبة ملوحة مياهها.
3- مشروع تجفيف بحيرة الحولة: التي تبلغ مساحتها 160 الف دونم، وتم تجفيفها على ثلاثة مراحل بدأت عام 1951 وانتهت عام 1953، وكان من نتيجة ذلك ان زادت الأراضي الصالحة للزراعة، 100 الف دونم، وقامت مكان البحيرة عشرات المستوطنات اليهودية.
4) مشروع فايتس: نسبة الى اسم واضعه رعنان فايتس رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية. ويقترح المشروع ان يتم نقل ما سماه. "فائض الليطاني" عن طريق الانابيب ودمجها بمشروع المياه "الاسرائيلي" القطري من اجل تطوير الأقاليم العربية المحتلة، وانشاء مشاريع صناعية وزراعية فيها يمكن تصدير انتاجها. ويشير المشروع الى انه اذا ما تم نقل وتحويل 400 مليون متر مكعب من مياه الليطاني فانه يمكن استيعاب نحو مليون لاجيء، بينهم 400 من خارج المناطق المحتلة.
5- مشروع جونستون، 1953-1955: بدايات هذا المشروع بدأت عام 1952 عندما عهدت وكالة الاغاثة الدولية الى ادارة وادي تنيسي الاميركية بوضع خطط لاستثمار مياه نهر الاردن استثمارا مشتركا بين العرب و"إسرائيل"، وبدورها عهدت هذه الادارة الى شركة "شارل مين" وضع المخطط الهندسي الذي انتهى وضعه في آب (أغسطس) عام 1953، واطلق على المشروع اسم مشروع الانماء الموحد لموارد مياه الاردن، وجاء في مقدمة الدراسة التي كتبها المشرف على ادارة وادي تنيسي جوردون كلاب ان "هذا التقرير لا يعير أي اهتمام للاعتبارات السياسية، كما انه لا يحاول قط ان يكيف مقترحاته وفقا للحدود السياسية الراهنة".
وبعد الانتهاء من اعداد المشروع اوفد الرئيس الأميركي ايزنهاور مبعوثا خاصا الى المنطقة هو اريك جونستون للقيام بالوساطة والمفاوضات اللازمة بين العرب و"اسرائيل" للقبول بفكرة التعاون على استثمار مياه نهر الاردن على اساس المشروع الذي تم اعداده وعرف لاحقا بـ"مشروع جونستون". وقد زار جونستون المنطقة ثلاث مرات بين تشرين الاول (اكتوبر) 1953 وخريف 1955 داعيا الى خطة مائية موحدة للمنطقة تساهم في اقامة السلام بين العرب و"إسرائيل". وتضمن المشروع الاتي:
أ- ينفذ المشروع على خمس مراحل، تستغرق كل مرحلة منها سنتين او ثلاثا، وتقدر تكاليف المشروع بنحو مائة وثلاثين مليون دولار، ينفق منها نحو ثلاثين في المئة على توليد الطاقة الكهربائية وبناء محطاتها.
ب- انشاء خزان على بعد نحو عشرين كيلو مترا من ملتقى نهر الحاصباني بنهر الاردن في منطقة واقعة شرق قرية (ابل السقي) اللبنانية، وفي هذا الخزان تجمع مياه النهر في فصل الشتاء وتقدر بنحو مائة وثلاثين مليون متر مكعب في العام، وتوزع في الشهور التي تمس الحاجة فيها الى المياه للري. وبواسطة هذا الخزان يصبح في الاستطاعة التحكم نسبيا في مياه القسم العلوي من نهر الاردن التي تحسب في بحيرة الحولة. وتشق قناة تتفرع من هذا الخزان الى قرب مستعمرة "تل حي" (في فلسطين المحتلة) تنشأ عليها محطة لتوليد القوة الكهربائية ثم تجري منها المياه الى القناة الأساسية التي ستزود منطقة جبال الجليل بالمياه.
ج- انشاء سد على ملتقى مياه نهر "دان" بالقناة الاساسية في الجليل لتحويل مياه نهر دان وتل قاضي الى تلك القناة.
د- انشاء سد آخر بالقرب من قرية عين الحمراء (في فلسطين المحتلة) لتحويل مياه نهر بانياس الى القناة الاساسية لري منطقة جبال الجليل.
هـ- انشاء قناة اساسية طولها مائة وعشرون كيلو مترا تتحول إليها مياه نهر بانياس ونهر دان ومنابع تل القاضي ومياه القسم الذي يقع تحت السد في نهر الحاصباني. وتسير المياه في هذه القناة جنوبا حتى تصل الى غرب مدينة طبرية. وتتفرع عن هذه القناة الاساسية اقنية فرعية طولها نحو مائة وعشرة كيلومترات لري جبال الجليل ومرج ابن عامر.
و- تجفيف المستنقعات الواقعة شمالي بحيرة الحولة واستغلالها بعد ذلك في زراعة الحبوب، وانشاء قنوات محلية في تلك المنطقة، وتوسيع مخرج المياه من بحيرة الحولة.
ز- زيادة مترين في ارتفاع السد القائم على نهر الاردن عند خروجه من بحيرة طبرية لزيادة تخزين المياه..
ح- انشاء قناتين من سد بحيرة طبرية، الاولى لري جميع اراضي الغور الغربي من بحيرة طبرية الى البحر الميت. ويبلغ طولها نحو مائة كيلومتر (عدا الاقنية التي تتفرع عنها). اما القناة الاخرى فالغرض منها نقل المياه من بحيرة طبرية الى الغور الشرقي في اوقات الجفاف.
ط- إنشاء قناة تبدأ من سد نهر اليرموك قرب قرية العدسية (في الاردن) تستخدم مياهه في توليد الكهرباء بواسطة محطة تقام قرب القرية المذكورة وتحول منها مياه النهر الى بحيرة طبرية.
ي- إنشاء سد ومحطة كهربائية لمياه اليرموك قرب محطة (المقارن) في الاردن لتنمية المياه في خزان بحيرة طبرية.
وقد فشلت زيارات جونستون في اقناع العرب بقبول المشروع الذي تبين انه يهدف الى تأمين المصلحة "الاسرائيلية" بدرجة اولى، ولا يؤمن حلا معقولا للمشكلة كما يشكل الخطوة الاولى في اتجاه انهاء حال الحرب مع "اسرائيل" وعقد صلح معها. ورغم ذلك شكلت الدول العربية لجنة لدراسة المشروع ضمت خبراء منتدبين عن حكومات مصر وسورية ولبنان والأردن، وخلصت اللجنة الى وضع تقرير، رفضت فيه المشروع للاسباب التالي:
اولا: رفضت لجنة الخبراء العرب مبدأ تخزين مياه نهر اليرموك في بحيرة طبرية لان اكثر هذه البحيرة تحت اشراف السلطة اليهودية، بينما تنبع هذه المياه من اراض عربية..
ثانيا: فيما يتعلق بانشاء سد (المقارن) على نهر اليرموك يقترح مشروع جونستون جعل هذا السد بارتفاع 58 مترا لحجز 73 مليون متر مكعب من الماء وتصريف بقية المياه الى بحيرة طبرية، على ان يكون في الامكان زيادة تعلية السد الى 95 مترا في المستقبل لحجز 195 مليون متر مكعب اذا دعت الحاجة الى تخزين كمية اكبر من المياه لري الأراضي ويبدو أن الغاية من ذلك ان لا يتكلف مشروع جونستون الإنفاق على تعلية السد وزيادة التخزين وان تقوم بالنفقات الحكومتان السورية والاردنية كل منهما من ميزانيتها الخاصة. ولذلك اعترضت لجنة الخبراء العرب على هذا الاقتراح وطالبت بانشاء السد على نهر اليرموك بارتفاع 150 مترا في الحال لحجز 400 مليون متر مكعب من الماء للاستفادة منها في ري الاراضي وفي توليد الكهرباء.
ثالثا: يقترح مشروع جونستون ان تكون محطة توليد القوة الكهربائية في العدسية (الاردن) بقوة 23 الف كيلووات -على ان تزداد قوتها الى 28 الف كيلووات اذا زاد ارتفاع السد، ولكنه يرجأ امر انشاء هذه المحطة بحجة ان الاردن في غير حاجة اليها الآن. ويبدو أن سبب الإرجاء هو توفير تكاليف انشائها وتحميل التكاليف على عاتق الحكومة الاردنية اذا ما رغبت في انشائها في المستقبل.
رابعا: اعترضت لجنة الخبراء العرب على اقتراح مشروع جونستون انشاء محطة توليد الطاقة الكهربائية من مياه نهر الحاصباني في مستعمرة (تل حي) اليهودية وحرمانه لبنان من الاستفادة منها، وطالبت بانشاء هذه المحطة في الاراضي اللبنانية، واعطاء اليهود ما يزيد عن حاجة لبنان من الكهرباء.
خامسا: بموجب مشروع جونستون لا تستطيع سورية ان تروي اكثر من ثلاثين الف دونم من الاراضي الزراعية من مياه نهر اليرموك، كما ان المشروع يحرمها من أي استفادة من مياه بانياس ودان وتل القاضي في ري أي مساحة من الارض، على حين قررت لجنة الخبراء العرب ان سورية تستطيع ان تروي ما مساحته 68 الف دونم من مياه نهر اليرموك و 20 الف دونم من مياه نهر بانياس و 22 دونم في البطيحة من مياه نهر الاردن.
سادسا: بينما يحرم مشروع جونستون الاراضي اللبنانية من اية سقاية من مياه نهر الحاصباني بعد انشاء سد عليه ونقل مياهه الى المنطقة اليهودية. تقرر لجنة الخبراء العرب ان في الاستطاعة ري ثلاثين الف دونم من الاراضي اللبنانية من مياه هذا النهر".
وردا على مشروع جونستون وضعت لجنة فنية عربية من البلدان ذاتها، مشروعا لتحويل مياه نهر الاردن وروافده.
كذلك رفضت "اسرائيل" المشروع، واعتبر المجلس الاستشاري لشؤون الري والطاقة فيها ان عدم ادراج مياه الليطاني ضمن المشروع كان خطأ لا يغتفر، وعمدت "اسرائيل" الى وضع مشروع آخر بديلا عن مشروع جونستون، هو مشروع كوتون الذي تحدثنا عنه سابقا.
6) مشروع العشر سنوات، او "مشروع المياه "الاسرائيلي" القومي": وضعت "اسرائيل" هذا المشروع عام 1956، وارتكز اساسا على توصيات المهندس لوذرميلك (صاحب المشروع المعروف باسمه)، وكان من شأن تنفيذ هذا المشروع ان فقد الاردن امكانية الانتفاع من مياه نهر الاردن، كما فقد لبنان وسورية حق الاستفادة من مياههما التي تشكل روافد هذا النهر وهي بانياس في سورية والحاصباني في لبنان.
ولمواجهة هذا المشروع دعا الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الى عقد قمة عربية للاتفاق على خطة موحدة لمجابهة المخططات "الاسرائيلية"، بشأن تحويل مياه نهر الاردن، وعقد المؤتمر في القاهرة بين 13 و 17 كانون الثاني (يناير) 1964، وتمت خلاله الموافقة على تقرير اللجنة الفنية لجامعة الدول العربية، وهي تقضي بتحويل روافد نهر الاردن، وشكلت قيادة عربية موحدة لتأمين الحماية لاعمال التحويل العربية، كما شكل جهاز فني من حكومات لبنان ومصر وسورية والاردن عرف باسم "الهيئة الفنية لمياه نهر الاردن وروافده" مهمتها تنفيذ المشاريع العربية خلال ثمانية عشر شهرا.
اما العمليات التي نص المشروع العربي على القيام بها فهي:
1- انشاء سد تحويلي على مجرى نهر الحاصباني بالقرب من موقع سوق الخان، وفتح نفق تحويلي ما بين السد ووادي الليطاني في كوكبا لجر مياه الحاصباني الى حوض الليطاني وتخزينها في ميفدون لتستثمر في ري اراضي منطقة النبطية، وقدرت كلفة المشروع بـ750 الف جينه.
2- انشاء مركز ضخ على نبع الوزاني لرفع مياهه الى السهول المرتفعة المجاورة وري 1500 هكتار من الاراضي اللبنانية و 800 هكتار من الأراضي السورية، وتحويل الفائض من المياه بالضخ الى قناة الوزاني-بانياس التي تنشأ بطول 11 كيلومترا وبسعة 14 متر مكعب في الثانية، وكلفة هذا المشروع مليون جنيه.
3- انشاء سد في موقع المخيبة على نهر اليرموك امام تلاقيه مع وادي الوقاد لتخزن المياه المحولة في لبنان وسورية في خزان يتسع لـ 200 مليون متر مكعب ونقلها الى قناة الغور في الاردن لاستثمارها.
واعتبرت "إسرائيل"، أن المشروع العربي لتحويل مياه نهر الاردن هو عمل عدائي لها وقال رئيس الوزراء ليفي اشكول في اول العام 1965 "ان المعركة ستقع في حالة مهاجمة "اسرائيل" او في حال التعرض لينابيع المياه التي تصل الى "اسرائيل" والتي تعد بمثابة حياة لها". وحذر اشكول لبنان "بالا يورط نفسه في عمليات قد تكلفه استقلاله". واكد ان المياه "حيوية بالنسبة الينا كالدم الذي يجري في عروقنا وسنتصرف طبقا لذلك".
كذلك هدد شمعون بيريز (وزير الخارجية "الاسرائيلي" الحالي) في كلمة له امام مؤتمر لحزب ماباي الذي كان في الحكم آنذاك انه "اذا اشترك لبنان في الخطة العربية المتعلقة بمياه نهر الارض فمن المحتم ان تتخذ "اسرائيل" اجراءات حاسمة ضده. وموافقة لبنان على اقامة محطة الضخ في اراضيه يضع نفسه في موقف خطير".
وبدأت "إسرائيل" سلسلة عمليات عسكرية وغارات على مواقع التحويل في سورية والاردن، ونفذت هجومات وعمليات تسلل الى داخل الاراضي اللبنانية، نسفت خلالها منازل واحواض لتجميع مياه الشرب في بلدتي حولا وميس الجبل مما اضطر الحكومة اللبنانية الى الاعلان في آذار (مارس) 1966 اضطرارها الى توقيف اعمال تحويل نهر الحاصباني، منذ ان تعرضت احدى الاقنية في سورية لحادث تخريب من قبل "الاسرائيليين".
الشواهد على سرقة "اسرائيل" لمياه لبنان
على اثر غزوها للبنان في حزيران (يونيو) 1982، اقدمت قوات الاحتلال "الاسرائيلي" على مصادرة كل الخرائط والتصميمات المتعلقة بمشروع الليطاني، واتبعت ذلك بأعمال حفر أنفاق وتركيب مضخات في منطقة جسر الخردلي، وعندما حاولت مجموعة من قوات الطوارئ الدولية في وقت لاحق استكشاف المنطقة المذكورة، بناء على طلب تقدمت به الحكومة اللبنانية الى الامانة العامة للامم المتحدة، منعتها قوات الاحتلال المتمركزة هناك من القيام بمهماتها.
وفي ربيع العام 1983، اكد مراسلو صحف اميركية، ان الاقمار الصناعية الاميركية التقطت صورا لحفريات في اصبع الجليل حيث تقام شبكات الانفاق لسحب مياه نهر الليطاني باتجاه عمق الاراضي اللبنانية، ونشرت صحف لبنانية صورة لعملية حفر القنوات في الجنوب، وقام صحافيون اميركيون بزيارة لجنوب لبنان، اكدوا على اثرها ان "اسرائيل" بدأت تحويل نهر الليطاني الى بحيرة طبرية عن طريق استخدام انابيب ضخمة مدفونة تحت الارض مما يوفر لها حوالي ربع مليون متر مكعب سنويا من المياه. كذلك حفرت "اسرائيل" نفقا يربط سد الخردلي بتل النحاس تضخ عبره المياه الى بحيرة طبرية وجرت حفريات داخل "اسرائيل" في وادي البراغيت الذي يبلغ ارتفاعه عن سطح البحر 200 متر وهو مستوى يقل عن مستوى نهر الليطاني في بلدة دير ميماس، واعتبرت هذه الحفريات من الاسرار العسكرية "الاسرائيلية".
وفي تموز (يوليو) من العام 1990، اكد رئيس شركة "ميكوروت" "الاسرائيلية" الحكومية للمياه ان "اسرائيل" قامت بضخ 20-23 مليون متر مكعب من مياه الليطاني عام 1989.
وفي تموز (يوليو) 1991، اعلن البروفسور الاميركي توماس ناف الاستاذ في جامعة بنسلفانيا والخبير في موضوع المياه، في شهادة امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي، انه "بالرغم من نفي تل ابيب المتكرر، فان "اسرائيل" قد اطلقت بالتأكيد مشروعا لتحويل كميات كبيرة من مياه الليطاني في الجنوب اللبناني الذي تحتله" وهو سبق له ان كشف في دراسة اعدها قبل ذلك بسنة، ان "اسرائيل" "تنقل كميات من مياه الليطاني بواسطة الصهاريج".
وفي 10 حزيران (يونيو) 1983، قال الصحافي الاميركي جون كولي في مقالة كتبها في جريدة "الهيرالد تريبيون" انه استقى معلومات من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.آي.إي) مفادها ان "اسرائيل" تقيم نفقا للوصول الى مياه الليطاني عند جسر الخردلي، فجاء الى المنطقة، وامضى خمسة اسابيع بين بيروت والجنوب و"اسرائيل" تأكد له خلالها ان المشروع قائم على قدم وساق، وانه يقوم على حفر نفق طوله عشرة كيلومترات من منخفض وادي البراغيت في فلسطين الى نقطة منحدرة تحت جسر الخردلي، ومن شأن هذا النفق ان يحول مياه الليطاني الى الارض التي تسيطر عليها "اسرائيل".
وقد اكدت الامم المتحدة سرقة "اسرائيل" لمياه لبنان، في تقرير قدم الى الاجتماع الوزاري السنة للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب اسيا (الاسكوا) التابعة للامم المتحدة والذي انعقد في عمان اواخر شهر ايار (مايو) في العام 1994. اذ كشف التقرير ان "اسرائيل" استخدمت 2150 متر مكعب من المياه عام 1991 استولت على معظمها من نهر الاردن ونهر اليرموك ونهر الليطاني ونهر الوزاني الصغير.
وقدر التقرير حجم المياه المأخوذة من الليطاني والوزاني بنحو 7.6 مليارات قدم مكعب سنويا وهي كمية تزيد عن ثلث المياه التي تحصل عليها "اسرائيل" من مياه نهر الاردن وبحيرة طبريا واشار الى نفق شقته الدولة العبرية طوله 18 كيلومترا لربط الليطاني باراضيها.
وقال: "بدأت "اسرائيل" باستغلال مياه نهر الليطاني عام 1978 بواسطة مضخات ذات قدرات تصل الى 5.3 مليارات قدم مكعب في السنة ركبت قرب جسر الخردلي. وتستخدم "اسرائيل" ايضا مياه نهر الوزاني الذي يبلغ تصريفه 2.3 ملياري قدم مكعب. واضافة الى ذلك وبعد غزوها لبنان عام 1982، شقت "اسرائيل" نفقا طوله 18 كيلومترا يربط الليطاني "باسرائيل" ". واضاف التقرير ان مساحات شاسعة في لبنان تفتقر الى المياه لاغراض الري والشرب وخصوصا في الجنوب حيث ادى الصراع مع "اسرائيل" الى وقف التنمية و "من المنطقي ان يحتاج لبنان الى مياهه لتلبية حاجاته عندما يبدأ تطوير الجزء الجنوبي منه بعد توافر متطلبات الامن والاستقرار وذلك قبل ان يتجه الى تصدير الفائض". واكد انه "يحق للبنان تلبية كل حاجاته من مياهه قبل التفكير في تصدير الفائض الى دول مجاورة".