الاعتداءات "الاسرائيلية" على لبنان والقانون الدولي
عبد العزيز قباني
كاتب وباحث لبناني
مقدمة
ان هذا الموضوع يتناول بالمعالجة، على ضوء القانون الدولي العام، اعتداءات "اسرائيل" على ارض ومياه جنوب لبنان بالقضم والمصادرة بصورة اساسية، وبقتل انسانه وتهجيره وافراغه من مضمونه القومي والوطني برده الى الفئوية الطائفية بصورة تبعية ولكنها اساسية هي ايضا ومباشرة، وموضوعات القانون الدولي العام هي قانونية وسياسية في آن.
من هنا، فالمعالجة تتناول:
1 ـ خصوصية "اسرائيل" وايديولوجيتها.
2 ـ القانون الدولي العام: تعريفه واحكامه.
3 ـ النتائج السياسية المترتبة على ذلك.
1- خصوصية "اسرائيل" وأيديولوجيتها:
ان خصوصية "اسرائيل" وايديولوجيتها، ينبغي البحث عنها، كخصوصية دينية، تعززها وتدعمها ايديولوجية طائفية، ولا يمكن فهم فكر "اسرائيل" وتفسير ممارساتها وعدوانها ونواياها الا بالرجوع الى مصادرها الدينية، أي الى التوراة خاصة باعتبار "اسرائيل" دولة يهودية، أي دولة دينية، تقوم هي ايضا على التمييز والامتيازات والضمانات !!
لقد جاء في التوراة في الاصحاح السابع: " اذا ادخلك الرب الهك الارض ( فلسطين) التي انت صائر اليها، استأصل امما كثيرة من امام وجهك: الحثيين والجرشانيين والاموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع امم اعظم واكثر منك واسلمهم الرب الهك، واضربهم فابسلهم ابسالا ( بمعنى شعب مقدس للرب الهك واياك اصطفى ان تكون له امة خاصة من جميع الامم التي على وجه الارض * (1 )
يتحصل من هذا النص التوراتي:
1 ـ ان الاغتصاب والعدوان والابادة وعدم الرأفة وهضم حقوق الغير " بالارث " هي من صميم التكوين الديني الثقافي النفسي "لاسرائيل".
2 ـ ان فلسطين كانت مملوكة ومسكونة من امم عديدة وهم اصحابها الشرعيون الاصليون المذكورون في التوراة وذلك قبل مجيء بني "اسرائيل" اليها من تيههم في سيناء. وهذا يدمر زعم "اسرائيل" بان لها حقا تاريخيا في فلسطين، لقد اغتصب بنو "اسرائيل" جزءا من فلسطين فترة من الزمن ثم طردوا منها وبقي اصحابها فيها.
3 ـ ان بني "اسرائيل"، بأمر من دينهم، لا يحترمون العهود ولا المواثيق والمعاهدات وهذا ما يفسر رفضهم لقرارات الامم المتحدة لا سيما القرارات المتعلقة بجنوب لبنان وتنكرهم لقواعد القانون الدولي العام في كل ما يتعارض مع مصلحتهم واهداف ايديولوجيتهم، وهذا ما يفسر اضافة عدم التزامهم باتفاقية كمب دايفيد وباي اتفاقية أخرى.
4 ـ ان اعتقادهم الراسخ بانهم شعب مقدس ومختار، يدفعهم، كشعب ودولة، الى تسخير شعوب ودول الارض لمصلحتهم ورفض المساواة معهم، خصوصا الدول العربية، وهذا يتعارض مع نصوص ميثاق الامم المتحدة وروحها، وهي نصوص تشدد على مبدأ المساواة في السيادة بين دول الامم المتحدة لا سيما في الفقرة الاولى من المادة الثانية من الميثاق حيث جاء فيها:
" تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع اعضاءها ".
هذا ولا تقتصر هذه الاوامر الدينية العدوانية على التوراة بل هي موضحة اكثر في التلمود في الفقرات التالية:
1 ـ يباح "لاسرائيل" بل يفرض عليه قتل من امكنهم من الجوييم واغتصاب مالهم وسرقتهم ( الجوييم تطلق على غير اليهود ) .
2 ـ ان املاك غير اليهود تعتبر كالمال المتروك الذي يحق لليهودي امتلاكه.
3 ـ ان الله قد منح اليهود السلطة على مقتنيات الشعوب.
4 ـ اليهود احب الى الله من الملائكة، وهم عنصر الله كالولد من عنصر ابيه، ومن يصفع اليهودي كمن يصفع الله !! والموت جزاء الجوي اذا ضرب اليهودي.
5 ـ لولا اليهود لارتفعت البركة من الارض واحتجبت الشمس وانقطع المطر.
6 ـ اليهود يفضلون الجوي كما يفضل الانسان البهيمة. الجوييم كالكلاب والخنازير وبيوتهم كحظائر البهائم نجاسة ويحرم على اليهودي ان يعطف عليهم وكل شر يفعله اليهودي معهم هو قربى الى الله " ( 2)
هذا، وقد لعب رجال الدين ( اليهود ) دورا مؤثرا في تكوين الفكر الصهيوني الحديث، حيث رأى الحاخام صموئيل ايزاكس ( 1825 ـ 1917 ) ان لليهود "اسرائيليتين"""""اسرائيل""" الصغرى و "اسرائيل" الكبرى، لكل منهما في نظره حدود معينة جاءت في التوراة، والدارس للاصحاح ( 34 ) من سفر العدد ( 1 ـ 12 ) من العهد القديم، يعرف معنى الاطماع "الصهيونية نتيجة لتأثرها بما ورد في هذا الاصحاح "والهادفة الى جعل الاراضي المقدسة حدود "اسرائيل" الصغرى... (3 )
يتحصل مما تقدم ان "اسرائيل" لا يؤمن جانبها، ولا يمكن التفاهم معها، وهي على امتداد تاريخ دولتها قبل زوالها، لم يكن التفاهم ولا حسن الجوار يحكم علاقاتها بغيرها بل القوة، فهي من هنا، كانت اما كاسرة او مكسورة، وهذا ما يفسر زوالها، فهي ايجابية في اعتدائيتها، لا حدود لاطماعها لان لا حدود لدولتها !
من هنا، لا جدوى من احلال السلام معها بالصلح سوى الاعتراف باغتصابها وشرعته اطماعها وافساح المجال واسعا امامها للاغتصاب الدائم والمستمر.
2- القانون الدولي العام: تعريفه واحكامه.
بعد هذا التقديم الواجب لتلازمه مع ما سوف يأتي نصل الى بيت القصيد الا وهو معرفة موقف القانون الدولي العام من قضم ومصادرة "اسرائيل" لارض ومياه لبنان واعتداءاتها المستمرة على انسانه في الجنوب..
ولمعرفة موقف هذه القانون، يقضي تعريفه، بادئ ذي بدء توضيحان لاحكامه فما هو القانون الدولي العام اذن ؟
يعرف الدكتور علي صادق ابو هيف هذا القانون بانه: " مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوق كل منها وواجباتها. " ( 4 )
ويعرفه ابنهايم بانه " مجموعة القواعد العرفية والاتفاقية التي تعتبرها الدول المتمدنة ملزمة لها في علاقتها المتبادلة "
اما لورنس فقد عرفه بانه "القواعد التي تحدد سلوك جماعة الدول المتمدنة في تصرفاتها المتبادلة "
وعرفه شتروب بانه " مجموعة القواعد القانونية التي تتضمن حقوق الدول وواجباتها وحقوق وواجبات غيرها من اشخاص القانون الدولي"
وعرفه رسو انه " ذلك الفرع من القانون الذي يحكم الدول في علاقاتها المتبادلة " (5 )
يتضح من هذه التعاريف ان القانون الدولي العام هو:
1 ـ مجموعة قواعد تحكم علاقات الدول المتبادلة وتحدد حقوقها وواجباتها.
2 ـ هذه القواعد قد تكون عرفية أي اقرت نتيجة التعامل العرفي بين الدول
3 ـ او قد تكون اتفاقية، أي تضمنها معاهدات دولية.
4 ـ او تكون مأخوذة من مبادئ القانون العامة، مثل المبدأ القاضي بالتزام المتعاقد بما تعاقد عليه او المبدأ الذي يبيح لاحد طرفي الالتزام التحلل من التزامه اذا اخل الطرف الاخر بما التزم به، او مبدأ سقوط الحق والتملك بمضي المدة الطويلة أي بمرور الزمن.
وهذه المبادئ لا تقتصر فقط على التطبيق بين الافراد وانما تطبق ايضا بين الدول حين لا يوجد قاعدة عرفية او اتفاقية تحكم تلك العلاقات. (6)
اما المادة (38 ) فقرتها الاولى من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية فقد رتبت مصادر القانون الدولي العام التي تعمد الى تطبيقها على القضية المعروضة عليها وفقا للترتيب التالي:
1 ـ الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترف بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.
2 ـ العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.
3 ـ مبادئ القانون العامة التي اقرتها الامم المتمدنة.
4 ـ احكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الامم ويعتبر هذا او ذاك مصدرا لقواعد القانون.
والمحاكم التي تعتمد احكامها كمصدر من مصادر القانون الدولي العام هي المحاكم الوطنية والمحاكم الدولية.
اما الفقرة الثانية من المادة (38 ) المذكورة، فلا ترتب على النص المتقدم ذكره أي اخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقا لمبادىء العدل والانصاف متى وافق اطراف الدعوى على ذلك.
ومن أهم احكام القانون الدولي العام التي تحكم علاقات الدول، الاحكام الواردة في ميثاق الامم المتحدة. وقد اخذت هذه الامم على عاتقها في مادتها الاولى تحقيق المقاصد التالية:
1 ـ انهاء العلاقات الودية بين الامم على اساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبان يكون لكل منها تقرير مصيرها واتخاذ التدابير الملائمة للسلم العام .
2 ـ تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانسانية، وعلى تعزيز حقوق الانسان والحريات الاساسية للناس جميعا.
ولكي تحقق المقاصد المشار اليها، ينص الميثاق بان على هيئة الامم المتحدة واعضائها من الدول ان يأخذوا انفسهم بالسعي والعمل وفقا لميادىء عددها في المادة الثانية من الميثاق منها:
الفقرة (1 ): "تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع اعضائها"
الفقرة (4 ): يمنع اعضاء الهيئة جميعا في علاقتهم عن التهديد.
" باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي والاستقلال
" السياسي لاية دولة او على أي وجه ىخر لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة "
وقد نصت المادة (6 ) من الميثاق عى انه امعن عضو من اعضاء الامم المتحدة في انتهاك مبادئ الميثاق، جاز للجمعية العامة ان تفصله من الهيئة بناء على توصية مجلس الامن".
كما ان المادة ( 51 ) منه اعطت لكل دولة او مجموعة من الدول اعضاء في الامم المتحدة حق الدفاع عن النفس اذا اعتدت قوة مسلحة على أي منها، لان حق الدفاع عن النفس هو حق الدفاع عن الحقوق الاساسية الطبيعية لكل دولة تتمتع بها لمجرد وجودها وهي:
1 ـ واجبات تلقى على عاتق الدولة وتتلخص في وجوب حق البقاء
2 ـ حق الاستقلال
3 ـ وحق المساواة يقابلها واجبات تلقى على عاتق الدولة وتتلخص في وجوب احترامها للحقوق المماثلة للدول الاخرى، ولقواعد القانون الدولي العام، والتزامها بتنفيذ تعهداتها الدولية بحسن نية وبعدم الالتجاء في علاقاتها بغيرها من الدول الى وسائل العنف والقوة. (7)
بعد تعريفنا للقانون الدولي العام لبعض قواعد ومبادئ ميثاق الامم المتحدة المتعلقة بموضوعنا، نصل الى النقطة المركزية من محاضراتنا الا وهي معرفة ما اذا كان في القانون الدولي العام ما يبيح "لاسرائيل"، او لاي دولة اخرى، قضم ارض لبنان في أي منطقة منه لا سيما في جنوبه او مصادرة مياهه او قتل انسانه او تهجيره او الاضرار به.
1 ـ الارض:
ان الارض هي جزء من ملكية الدولة اللبنانية وهي ليست كالملكية الخاصة، وعلى هذا الاساس لها حق السيادة عليها وهو حق ملازم لملكيتها. والسيادة هي سلطان الدولة في الداخل واستقلالها تجاه الدول في الخارج.
وسلطان الدولة على اراضيها ومياهها وانسانها واجوائها تشكل مجموعة من الحقوق والسلطات تحتكرها الدولة وترفض ان تشاركها فيها أي مجموعة اخرى خارجية كانت ام داخلية، وتتجسد هذه الحقوق والسلطات في اختصاصات تمارسها الدولة بواسطة الهيئة الحاكمة: منها القيام بالاشراف على الرعايا وتنظيم العلاقات بينهم ورعاية شؤونهم ومصالحهم والعمل على ابقاء الوحدة التي تجمعهم وتحقيق الغرض المشترك الذي تجمعوا من اجله، وتقوم بادارة الاقليم واستغلال موارده وانمائها وتنظيم هذا الاستغلال على الوجه الاكمل لافادة المجموعة والدفاع عن كيان الدولة او الهيئة الحاكمة وكيان المجموعة في مواجهة المجموعات الاخرى المماثلة، حفاظا على امنها وسلامتها ومصالحها الحيوية ونظامها القانوني والدفاعي (8)
ان كل احكام القانون الدولي العام، وبصورة خاصة مبادئ ميثاق الامم المتحدة، تحرم مثل هذه الاعتداءات وتدينها، يكفي ان نذكر هنا قرارات مجلس الامن الاخيرة حول الجنوب واحتلال "اسرائيل" له، ابتداء من القرار (425 ).
فضلا عما تقدم، فالفقرة الاولى من المادة الثانية من الميثاق تقرر ان هيئة الامم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الاعضاء كما وان الفقرة الرابعة من نفس المادة تؤكد على وجوب امتناع اعضاء هيئة الامم المتحدة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي لاية دولة، فمن باب اولى ان يكون المنع والتحريم ضد قضم "اسرائيل" اراضي جنوب لبنان، لما في هذا القضم من اخلال بقواعد القانون الدولي العام الذي يحمي سيادة لبنان باعتبارها الحق الاساسي الطبيعي لدولته في الاستقلال والمظهر القانوني والفعلي لبقائها ولحقها في المساواة وفي السيادة بين جميع الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة، وهي الحقوق الثلاثة هي حقوق اساسية طبيعية للدول وفقا لما ذكرنا سابقا.
يضاف الى ما تقدم ان "اسرائيل" ليس بمكنتها ان تتذرع تبريرا لاعتدائها على ارض الجنوب، بحقوق مكتسبة:
اولا: لان دولة لبنان سابقة في الوجود على "اسرائيل"، فوجودها يعود الى (1920 ) بينما وجود "اسرائيل" لا يعود الى اكثر من (1948)، فضلا عن ان لبنان لم يعترف بوجود "اسرائيل" مما يخلق استحالة قانونية لحقوق مكتسبة.
ثانيا: لان التذرع بالحقوق المكتسبة ينطوي على معنى ان للدولة وجودا تاريخيا طويلا متصلا واستعمالا متصلا لهذه الحقوق المتذرع بها، مما اكسبها اياها مرور الزمن.
لقد مر معنا ان "اسرائيل" اغتصبت تاريخيا جزءا من ارض فلسطين بدافع " من دينها " واستجابة " لامر ربها " لفترة من الزمن، وهي ارض ليست لها بل لامم عددناها سابقا كانت تسكنها باعتبارها مالكتها الشرعية.
غير ان "اسرائيل" قد زالت تاريخيا من الوجود زوالا اسمر متصلا اكثر من الفي سنة ما يجردها من أي زعم بتاريخها وباي زعم يتعلق بحقوق مكتسبة.
وفضلا عما تقدم، ان مرور الزمن المكسب للحق، وان كان احدى الطرق المشروعة لاكتساب الحق في القانون الخاص، الا انه موضوع منازعة كطريق من طرق كسب الملكية الإقليمية في القانون الدولي العام. فالبعض يرى ان ملكية الاقليم التابع لدولة ما لا يمكن ان يكتسب بوضع اليد كما هي الحال بالنسبة للملكية الخاصة. في حين يرى البعض الاخر، وهو الاغلبية، انه يجوز تملك الاقليم، أي الارض، بمرور الزمن أي بوضع اليد لمدة طويلة اذا توافرت شروط معينة هي:
1- علانية وضع اليد.
2- استقراره دون اعتراض من الدولة صاحبة الاقليم.
3- او من سكانه.
4- ولمدة طويلة متصلة غير متفق على تحديدها، الا ان البعض قد حددها بمدة خمسين سنة.
والاساس المبرر لاكتساب ملكية الاقليم بمرور الزمن هو استقرار النظام في محيط الجماعة الدولية (11) .
فان أي من هذه الشروط غير متوافر بالنسبة لاحتلال "اسرائيل" ارض الجنوب اللبناني لا سيما لجهة عدم الاستقرار والمعارضة المستمرة الرسمية والشعبية، بل اكثر من ذلك، فان احتلال "اسرائيل" لارض فلسطين نفسها لم يتوافر له أي من الشروط المشار اليها، لا سيما فيما يتعلق بالاستقرار دون اعتراض من الشعب الفلسطيني ومن الدول العربية صاحبة الحق القومي ايضا في المعارضة وعدم الاعتراف بالاغتصاب، ناهيك عن مقاومة المقاومة الفلسطينية فضلا عن عدم مرور خمسين سنة هادئة على الاحتلال والاغتصاب. من هنا خطورة الصلح مع "اسرائيل".
2- المياه اللبنانية:
والانتقال من سيادة الدولة اللبنانية على اراضيها الى سيادتها على مياهها يحملنا على الاحتكام مرة ثانية الى قواعد القانون الدولي العام في تصدينا لاعتداءات "اسرائيل" على مياه لبنان ومصادرتها لها.
وقبل الاحتكام الى قواعد القانون الدولي العام، ينبغي معرفة ماهية وطبيعة المياه اللبنانية من وجهة نظر القانون الدولي ومن ثم من وجهة نظر القانون الدولي العام.
ان القانون الدولي، الذي يعين الطبيعة القانونية للمياه ويصنفها استنادا الى طبيعتها هذه وهو القرار رقم (144) الصادر بتاريخ 10-6-1925، وهناك ايضا القرار رقم (340) الصادر في 26-5-1926 وهو يضع الاحكام المتعقلة بالمحافظة على مياه الاملاك العامة واستعمالها.
القانون رقم (144) يعتبر المياه في مادته الثانية، من الاملاك العامة للدولة ويعدد هذه المياه المعتبرة املاكا عامة على الوجه التالي:
اولا: شاطئ البحر حتى ابعد مسافة يصل اليها الموج في الشتاء وشطوط الرمل والحصى.
ثانيا: الغدران والبحيرات المالحة المتصلة رأسا بالبحر.
ثالثا: مجاري المياه من أي نوع كانت ضمن حدودها المعينة بخط ارتفاع مياهها الجارية في حالة امتلائها قبل فيضانها.
رابعا: المياه الجارية تحت الارض والينابيع من أي نوع كانت.
خامسا: كامل ضفاف مجاري المياه، أي القطعة من الارض الكائنة على طول مجاريها والتي تمكن مراقبتها والمحافظة عليها.
سادسا: البحيرات والغدران، والبحيرات ضمن حدودها المعينة بموجب مستوى اعلى ما تصل اليه المياه قبل فيضانها، ويضاف اليها على كل ضفة منطقة المرور قدرها عشرة امتار عرضا ابتداء من هذه الحدود.
سابعا: الشلالات الصالحة لتوليد قوة الحركة.
ثامنا: اقنية الملاحة وطرقاتها التي تسحب فيها المراكب في مجراها، واقنية الري والتجفيف والتقطير وكامل ضفافها وقناطر الماء عندما تكون تكل القناطر منشأة لمصلحة عامة. وكذلك توابع هذه الانشاءات داخلة ايضا في الاملاك العامة.
تاسعا: السدود البحرية والنهرية والاسلاك التلغرافية على الشواطئ وانشاءات التنوير او العلامات البحرية.
عاشرا: المرافئ والمراسي والخلجان.
حادي عشر: الانشاءات المشيدة للمنفعة العامة لاستخدام القوة المائية ونقل القوة الكهربائية (9) .
جميع هذه الانواع من املياه تدخل ضمن الاملاك العامة. وصفة العموم هذه يترتب عليها نتائج قانونية هامة منها انها غير قابلة ككل الاملاك العامة، للتصرف بها او تملكها بمرور الزمن، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة الاولى من القرار رقم (144) (10) .
والمياه في لبنان وفي أي دولة اخرى من العالم تقسم الى مياه داخلية ومياه اقليمية ومياه دولية.
المياه الداخلية: عرفت المادة الرابعة من مشروع لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة المياه الداخلية بانها "المياه التي تقع داخل الخط الذي يقاس ابتداء منه البحر الاقليمي". وينطبق هذا التعريف على كل انواع المياه العذبة والمالحة التي تقع داخل الخط المشار اليه مثل الانهار والبحيرات والقنوات والموانئ والخلجان والمضايق. (11)
المياه الاقليمية: اما المياه الاقليمية فهي المساحة من البحر الملاصقة لشواطئ الدولة ابتداء من الخط المشار اليه اعلاه والممتدة نحو اعالي البحار مسافة تحددها كل دولة حسب مقتضيات مصالحها، وقد تراوح تحديد هذه المسافة بين ثلاثة اميال واثني عشر ميلا، ومسألة المسافة هذه لا تزال موضوع نزاع وخلاف بين الدول وان كان هناك نزوع لدى معظم الدول لتطويلها.
المياه الدولية: يطلق اصطلاح المياه الدولية عادة على الانهار التي تتجاوز اقليم الدولة التي تنبع فيه الى غيرها من الدول، كما يطلق على اعالي البحار التي تخرج عن نطاق المياه الداخلية والمياه الاقليمية اما النهر الوطني فهو النهر الذي ينبع ويصب من وفي اقليم دولة واحدة.
والانهار اما صالحة للملاحة واما غير صالحة.
وانهار لبنان جميعها انهار وطنية باستثناء الحاصباني والعاصي. وليس بينها واحد صالح للملاحة. وهكذا، تكون جميع مياه لبنان المعددة في المادة الثانية من القرار (144) المشار اليه، هي مياه داخلية، من الاملاك العامة للدولة اللبنانية، تقع تحت سيادتها الكاملة ولا يحق لاي دولة اخرى، وخاصة "اسرائيل"، ان تشاركها السيادة عليها او الملكية فيها تحت أي ذريعة من الذرائع بما في ذلك ذريعة اهمال الاستفادة من المياه بتركها تذهب هدرا الى البحر او تملكها بمرور الزمن.
كما وان "اسرائيل" لا تستطيع الاستناد الى القانون الدولي العام في مصادرتها لمياه لبنان لعدم توافر الشروط والاسباب. فلا سيادة لبنان تسمح لها بمثل هذه المصادرة ولا افتقارها لمصطلح الدولة التاريخية. وقد اوضحنا معناه فيما يتعلق بالارض، ولا بمفهوم الحقوق المكتسبة بالاستعمال المتصل الطويل، وهو مفهوم لا يمكن "لاسرائيل" ان تتذرع به لانها قامت بعد قيام الدولة اللبنانية ولم يسبق لها ان استعملت المياه اللبنانية اطلاقا وتاليا لا تستطيع ان تتذرع بمرور الزمن لعدم توافر شروطه وهي علانية وضع اليد واستقراره دون اعتراض من الدولة اللبنانية او من سكانها لا سيما سكان الجنوب علما ان المياه اللبنانية لها صفة العموم، فلا تتملك بمرور الزمن.
وما ينطبق على المياه الداخلية اللبنانية من هذه القواعد القانونية، ينطبق على مياه نهر الحاصباني، باعتباره نهرا يتجاوز ارض لبنان، خصوصا لجهة افتقار "اسرائيل" لشرط تاريخية الدولة النهرية. لقد بينا ان ليس "لاسرائيل" وجود تاريخي، يذهب في الماضي ابعد من (1948).
من هنا، لا تستطيع "اسرائيل" ان تثير، في مصادرتها مياه الحاصباني، مفهوم تاريخيتها النهرية، لان مثل هذا المصطلح القانوني يعني كمية المياه التي كانت تنتفع بها "اسرائيل" في ماضي تاريخها، أي حصتها من مياه النهر المذكور، لانتفاء صفة تاريخية الدولة النهرية عنها، وتاليا لا تستطيع ان تتذرع بالحقوق المكتسبة لما لهذه الحقوق من صفة تاريخية منتفية هي ايضا عن "اسرائيل".
كما لا تستطيع ان تتذرع في مصادرتها مياه لبنان بذهاب هذه المياه هدرا الى البحر لما لمثل هذا التذرع من مخالفة لمبدأ مساواة الدول في السيادة وتاليا في الملكية ولمبدأ وجوب الامتناع عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي والاستقلال السياسي لاي دولة.
فضلا عن ان اباحة مثل تلك الذريعة يشكل نسفا لكل قواعد القانون الدولي العام ولميثاق الامم المتحدة ومقاصده واهدافه بل ولهيئة الامم المتحدة نفسها، لانه في هذه الحالة يبيح كل ثروات دول العالم الثالث لنهم واطماع الدول الكبرى والدول الصناعية ويعيدنا الى مرحلة الاستعمار المباشر والذي لم تقم عصبة الامم ومن بعدها هيئة الامم الا لتجاوز هذه المرحلة المظلمة التي جلبت على البشرية الكثير من الاحزان والمآسي.
3- الانسان اللبناني في الجنوب:
وان اعتداءات "اسرائيل" النابعة من طبيعتها الدينية الثقافية النفسية لا تقتصر على الارض والمياه اللبنانية بل تشمل اضافة الانسان في جنوب لبنان، فهو هدفها الاول والاخير لانه هاجس وجودها العدواني الاغتصابي. فالضمانات التي تطالب بها لصيانة هذا الوجود وحفظه، هي ضمانات تستهدف بالدرجة الاولى الاعتداء على الانسان بابقائه متخلفا سواء كان في لبنان ام في سواه من الدول العربية.
فالتخلف هو ضمانة "اسرائيل" الوحيدة كما هو ضمانة كل جماعة فئوية تخاف المستقبل لانها تخاف الانسان. والتخلف يسترفد قوته من التجزئة والاقطاعية والطائفية والعشائرية والجهل والمرض والفقر ومن كل مصادر الضعف والاضعاف المفتتة والمفسخة لوحدة الوطن.
فاذا كانت قواعد القانون الدولي العام وميثاق هيئة الامم خاصة قد حرم الاعتداء على الارض والمياه التابعة لدولة من الدول، فانها بالدرجة الاولى قد حرمت، مع شرعة حقوق الانسان، الاعتداء على الانسان ووضعت الضمانات كافة لصيانة حياته ولتأكيد الايمان بحريته وكرامته وحقه كفرد وكجماعة، لانه بدون الانسان تفقد الاشياء قيمتها.
وقد استهلت هيئة الامم ديباجة ميثاقها بالقول: "نحن شعوب الامم المتحدة قد الينا على انفسنا، ننقذ الاجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الانسانية مرتين احزانا يعجز عنها الوصف، وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الاساسية للانسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية.. وان ندفع بالرقي الاجتماعي قدما وان نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية افسح".
ولما كان الاعتداء على انسان لبنان في الجنوب هو اعتداء على شرعة حقوق الانسان وميثاق الامم المتحدة وعلى غاياته ومقاصده، فان "اسرائيل" لا تجد أي ذريعة قانونية تبرر لها اعتداءاتها هذه على السكان.
5- الآثار السياسية لاعتداءات "اسرائيل":
نلخص الآثار السياسية لاعتداءات "اسرائيل" على جنوب لبنان بان مصادرة المياه اللبنانية يقوي "اسرائيل" بشريا، اذ يساعدها على تعمير الاراضي القاحلة فيها لاسكان وتوطين المهاجرين الجدد من اليهود.
وعليه ان مبدأ الصلح مع "اسرائيل" يترتب عليه:
1- شرعنة اغتصاب "اسرائيل" لارض فلسطين وشرعنة لادعاءاتها التوراتية.
2- اعطاء "اسرائيل" صفة الدولة التاريخية، وهذا يعطيها حقوقا في المياه العربية ومنها اللبنانية وكذلك في الارض لا تعطيها اياها حالة الحرب خصوصا لجهة ما يسمى الحقوق المكتسبة.
3- ان "اسرائيل" دولة لا حدود لها ومن هنا، فلا حدود لاطماعها. فالصلح معها ينطوي على نوع من الاقرار بصحة ايديولوجيتها الصهيونية ومفهوم دولتها الكبرى، ما يعسر فيما بعد، وبنظر الرأي العام الدولي، مقاومتها استنادا الى قواعد القانون الدولي العام، هذا القانون الذي يغلب على تفاسيره مفهوم القوة الواقعية فكيف اذا انضاف الى هذا المفهوم اعتراف بهذه القوة الواقعية من حيث المبدأ.
مراجع:
1- كتاب تاريخ "اسرائيل" من اسفارهم - طبعة 1958- ص 67- محمد عزت دروزة.
2- تاريخ "اسرائيل" - دروزة - ص 321- الهامش.
3- كتاب موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية - ص 27 وما بعدها حسان حلاق.
4- القانون الدولي العام - د. علي صادق ابو هيف - الطبعة الخامسة - ص 15.
5- القانون الدولي العام - ابو هيف - ص 15 - في الهامش.
6- القانون الدولي العام - ابو هيف - ص 28.
7- القانون الدولي العام - ابو هيف ص 184 و 185.
8- النظام القانوني للبحار- ص 9 طبعة 9 - 1960 - د. محمد حافظ غانم - والقانون الدولي العام - ابو هيف - ص 114.
9- القانون الدولي العام - ابو هيف ص 349 - 350.
10- القانون الدولي العام - ابو هيف - ص 107 و 108.
11-محاضرات عن احكام المياه والمناجم والمقالع والآثار - طبعة 1947 د. اميل تيان ص 16 و 19.