إستراتيجية الإستيطان الصهيوني في الأراضي العربية المحتلَّة بعد عاِم 1967 .

موسى القدسي الدويك محامٍ، وأستاذ مساعد القانون الدوَلي

العام وحقوق الإنسان في جامعةالخليل ، الضفة الغربية.


مُـقدمــة

   لقد حرص حزب العمل وتكتّل الليكود الإسرائيليان أثناء خوضهما المعركة الإنتخابية للكنيست الثالث عشر ( في العام 1992) على التركيز على السياسة الإستيطانية في الأراضي العربية المحتلة ، وكان قد طلع علينا زعيم حزب العمل آنذاك إسحق رابين بمصطلح "الإستيطان السياسي" و"الإستيطان الأمني" ، ومعنى ذلك ، كما يرى بعض الباحثين ، أنه كان من الممكن أن يلجأ رابين بعد فوزه في الانتخابات وتكليفه بتشكيل الحكومة إلى المبادرة إلى إيقاف ما أسماه بالاستيطان السياسي ، والإستمرار بالاستيطان الأمني والذي ينحصر في توسيع بعض المستوطنات القائمة في ثلاث مناطق ، وهي غور الأردن والقدس والجولان ، ممَّا يعني وضع نهاية للإستيطان الإسرائيلي في معظم المنطقة المرشَّحة لتطبيق حكم ذاتي فلسطيني فيها (1)  .

ولا شكّ في أن التفرقة السابقة بين الاستيطان السياسي والأمني ما هي إلاّ محاولة لتمييع الموقف من الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة ، ومحاولة لإضفاء صبغة الشرعية على المستوطنات المقامة في تلك الأراضي ، وخصوصاً تلك التي أقامها حزب العمل خلال السنوات العشر الأولى من حكمه للأراضي العربية المحتلة .

لذلك سوف نعمل من خلال هذه الدراسة على بيان السياسة والاستراتيجيا الإستيطانيتين وتوضيحهما لدى كل من تجمّع المعراخ وتكتّل الليكود ومن يناصره من الأحزاب اليمينية المتطرِّفة .

فبانتهاء حرب الخامس من حزيران /يونيو عام 1967 ، كانت إسرائيل قد إحتلَّت مساحات واسعة من الأراضي العربية ، شملت الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان ، وهذه الأراضي تزيد مساحتها ثلاثة أضعاف على مساحة إسرائيل ، لذلك فقد طرأ تحوّل على إستراتيجية الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين ، حيث تم التركيز على استيطان هذه الأراضي على حساب الإستيطان في الأراضي المحتلة منذ عام 1948 ، وخصوصاً في منطقتيْ النقب والجليل (2)  .

وقد بدأ إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في هذه الأراضي بعد إنتهاء الحرب مباشرة ، ثم توالى بعد ذلك إقامتها في الأراضي العربية المحتلة كافة ، وذلك لأن الاستيطان فيها يعتبر هدفاً قومياً تلتقي حوله الاتجاهات والقوى السياسية كافة في إسرائيل (3)  ،وأن الخلاف القائم بين حزب العمل الإسرائيلي وتحالف الليكود ليس خلافاً على المبدأ ، وإنما هو خلاف على الكيفية ، والكمية التي سوف تضم من تلك الأراضي .

وكان الإستيطان الإسرائيلي في تلك الأراضي قد بدأ محدوداً ، وعلى نطاق ضيّق ، وقد تركَّز في مواقع معينة مثل المعسكرات السابقة للجيش الأردني ، والمواقع التي سبق لليهود أن أقاموا فيها مثل كيبوتز كفارعتزيون ، كما تركز أيضاً في مدينة القدس ، ثم ما لبث أن إمتدَّ وبصورة سرطانية إلى سائر الأراضي العربية المحتلة الأخرى .

وبعد أن صعَد تكتّل الليكود إلى الحكم في 17/5/1977 ، إتخذت العمليات الاستيطانية في الأراضي العربية المحتلة طابعاً هجومياً ، وبدأت تتم ضمن استراتيجيا مختلفة تماماً عن الاستراتيجيا التي تبنَّاها حزب العمل سابقاً ، وبعد أن كانت المستوطنات تُقام تحت ستار الدوافع والإعتبارات الأمنية ، فقد تغيَّرت وإختلطت بأسباب تاريخية وعقائدية ، حيث رفع تكتل الليكود اليميني شعار أرض إسرائيل المحرَّرة ، وحق جميع أفراد الشعب الإسرائيلي في الاستيطان في كل جزء منها ، وذلك من أجل خلق كثافة سكانية يهودية للحيلولة دون إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلاً في تلك الأراضي، الأمر الذي يمكِّن إسرائيل من طرح حجتها الجديدة القديمة ، وهي كيف يمكن إقامة دولة فلسطينية في منطقة مكتظَّة بالمستوطنين اليهود؟! فكما استعملت هذه الحجة لترفض قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 26/11/1947 ، فإنها تكرّرها اليوم لترفض تطبيق القرار رقم 242 القاضي بانسحابها من الأراضي التي إحتلّت عام 1967 (4) .

وقد مرَّت السياسة الاستيطانية في تلك الأراضي بمراحل عدة ، وهدفت إلى تحقيق غايات عدة ، فقد كان هدف إسرائيل من المستوطنات التي أقامتها خلال العقد الأول من احتلالها الأراضي العربية المحتلة هو تحديد حدودها الجديدة ، مثلما حدَّدت مستعمرات حقبة ما قبل قيام الدولة تخوم السيادة اليهودية ، لذلك أعلنت غولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية عام 1972 ، وبكل تبجُّح ، أن الحدود هي حيث يقيم اليهوج ، لا حيث يوجد خط على الخريطة . لذلك سوف نتحدث في هذه الدراسة أولاً عن إستراتيجية الإستيطان لدى تجمّع المعراخ الإسرائيلي ، ثم نتكلم بعد ذلك على إستراتيجيته لدى تكتّل الليكود .

 

أولاً : استراتيجية الاستيطان في عهد المعراخ ( 1967 - 1977 ).

يمكن التعرُّف إلى استراتيجية الاستيطان في عهد المعراخ من خلال المشاريع الإستيطانية التي قدمت في ذلك العهد ، والتي تمثّل آراء شخصية لزعمائه ، مثل مشروع آلون الذي يدعو إلى استيطان المناطق الآمنة ، ومشروع دايان الخاص بالدمج الاقتصادي لسكان المناطق المحتلة مع إسرائيل ، ووثيقة غاليلي التي فتحت المجال واسعاً لمزيد من الاستيطان في الأراضي المحتلة (5)  ، لأنها قد صيغت بطريقة غامضة ، وتحتمل أكثر من تفسير ، ممَّا دفع كل طرف من أطراف المعراخ إلى أن يفسِّرها على هواه (6) .

لقد بنى تجمّع المعراخ سياسته الاستيطانية على ركائز عدة ، منها الأمني ، والسياسي ، والديمغرافي ، والايديولوجي ، فبحجة توفير الحدود الآمنة، مثلاً ، تمت إقامة أحزمة من المستوطنات على امتداد تلك الحدود (7) .

وعلى الرغم من عدم تبنِّي حزب العمل ، أو حكومة المعراخ ، مشروع آلون رسمياً ، إلاَّ أن هذا المشروع كان هو الأساس الذي أقيمت بموجبه المستوطنات في الأراضي المحتلة (8)  لأنه قام على مبدأ مؤداه تجنّب المراكز السكانية العربية الكثيفة - قدر الإمكان - وذلك تطبيقاً للمعادلة الصهيونية الأساسية " أكبر مساحة من الأرض ، واقل عدد من السكان العرب "، كما أنه في الوقت نفسه قد ترك الباب مفتوحاً أمام التفاوض بشأن الأراضي المحتلة (9)  .

وقد مرَّ الاستيطان الإسرائيلي في عهد المعراخ بمراحل ثلاث : تبدأ المرحلة الأولى منها منذ عام 1967وحتى عام 1970 ، وهي التي سُمِّيت بخطة آلون ، وإن كان قد سبق وضع هذه الخطة عملية استيطان في غور الأردن ، حيث أقيمت المستوطنة الأولى وهي " محوله " في عام 1968 ، في شمال غور الأردن . ثم كانت المرحلة الثانية ، حيث أقيمت ثلاث مستوطنات أخرى بين عاميْ 1971 و 1974 ، وبدأت عملية استيطان المحور الغربي في الحزام الأمني المقترح في خطة آلون . أما المرحلة الثالثة فهي التي تمت بين عاميْ 1975 و 1979 ، حيث أقيمت خمس مستوطنات من أجل تكثيف الاستيطان في المناطق الضعيفة (10) . وسوف نستعرض في عجال المشاريع الاستيطانية في عهد تجمّع المعراخ ، وهي مشروع آلون ، ومشروع غاليلي ، لنتعرَّف منهما إلى استراتيجيته الاستيطانية .

 

1 - مشــروع آلــون :

ظهر هذا المشروع في صيغتين : الأولى بتاريخ 26/7/1967 ؟ وكانت بمثابة اقتراح تقدم به وزير العدل الإسرائيلي ( في ذلك الوقت ) ييغال آلون إلى مجلس الوزراء ، وقد وافقت عليه حكومة ليفي اشكول بعد عدة أسابيع فقط من انتهاء حرب عام 1967 (11)  . أمَّا الثانية فقد ظهرت في عدد تشرين الأول /أكتوبر عام 1967، من مجلة شؤون خارجية الأمريكية التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك (12)  .

وقد دعا آلون في مشروعه إلى ضم مناطق معينة من الأراضي المحتلة إلى إسرائيل كجزء لا يتجزَّأ من سيادتها ، وهي " شريط يتراوح عرضه بين 10 و 15 كيلومتراً تقريباً على امتداد غور الأردن " ، وشريط عرضه بضعة كيلومترات تجري دراسته على الطبيعة من شمالي طريق المواصلات بين القدس والبحر الميت ، بحيث يتصل في مكانٍ ما بالمنطقة الواقعة شمالي طريق عطروت - بيت حورون - اللطرون ، بما في ذلك منطقة اللطرون ، وأيضاً جبل الخليل بسكانه … أو صحراء يهودا على الأقل ، من مشارف الخليل الشرقية حتى البحر الميت والنقب (13)  .ولذلك فقد رأى آلون أن حدود إسرائيل الدائمة يجب أن تكون قابلة للدفاع عنها من وجهة النظر الاستراتيجية ، وبالتالي يتعيَّن أن تعتمد على عوائق طوبوغرافية دائمة تستطيع مقاومة أي هجوم للجيوش البرية العربية وتساعد على شن الهجمات المضادة ، كما يجب أن تكون الحدود سياسية ، وهي تكون كذلك إذا تم بناء المستوطنات على طولها (14)  . ووفقاً لتلك الخطة ، فإنه سوف يتم ضم نصف الضفة الغربية ، وثلاثة أرباع قطاع غزة إلى إسرائيل (15)  ، وذلك لأن آلون ( صاحب المشروع ) قد اقترح ضم معظم القطاع إلى إسرائيل بعد أن يتم تهجير سكانه من اللاجئين ( وهم يشكلون أغلبية السكان ) إلى الضفة الغربية (16) ، كما أنه سوف يتم ضم مدينة القدس كلياً إلى إسرائيل مع محاولة تطويقها بالمستوطنات ، مما يجعل من عودتها إلى السيادة العربية أمراً مستحيلاً (17)   .

وقد لاقت خطة آلون قبولاً ودعماً من جانب الصهيونيين التقليديين ، خصوصاً أنها تهدف إلى تحقيق ما يسمى بنقاء الدولة اليهودية ، عن طريق تجنّب ضم المناطق والأراضي العربية ذات الكثافة السكانية ، وبذلك ظلّت خطة آلون هي الإطار الأساسي لسياسة المعراخ الاستيطانية ، وإن أقيم العديد من المستوطنات خارج هذه الخطة (18)  ، حيث إنه كان قد ظهر في ظل حكومة المعراخ بعض الحركات الإسرائيلية التي تعمل بعكس تلك الخطة ، مثل حركة غوش امونيم التي ظهرت في أعقاب حرب العاشر من رمضان عام 1973، بهدف الإسراع بعملية الاستيطان "في جميع أرض إسرائيل" (19)  . وقد أصبحت هذه الحركة هي القوة الأساسية المحركة للنشاط الاستيطاني بين عاميْ 1975 و 1977 ، حيث قادت ما أطلق عليه اصطلاح "الاستيطان غير الرسمي" وتمكّنت بدعم من وزير الدفاع والسلطات العسكرية من إقامة خمس مستوطنات في قلب سلسلة جبال الضفة الغربية (20)  ، كذلك فقد طرحت هذه الحركة في 11 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1976مشروعاً استيطانياً خاصاً بها ، يدعو إلى توطين مليون يهودي خلال عشرة أعوام في مائة موقع في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية (21)  .

ومجمل القول أن مشروع آلون كان من أبرز الموجهات الرئيسية للسياسة الاستيطانية خلال عهد المعراخ ، خصوصاً أنه ينص علناً على ضم كل من القدس وغزة ، وغور الأردن ، والخليل ، وهضبة الجولان السورية إلى إسرائيل (22) .

 

2 - وثيقـة غاليلي ومشروعـه :

تنسب هذه الوثيقة إلى الوزير العمالي إسرائيل غاليلي ، وقد تضمنت نصوصاً عدة تتعلق بالاستيطان ، أهمها : وجوب توسيع دائرة شراء الراضي والأملاك في المناطق المحتلة من قِبَل مديرية عقارات إسرائيل (23)   ، والعمل على تطوير سياسة الاستيطان وذلك من خلال إقامة مستوطنات جديدة، وتعزيز المستوطنات القائمة ، وخصوصاً في شمال البحر الميت ، وفي غور الأردن ، وغوش عتزيون (24)  .

وقد عدّلت هذه الوثيقة من خلال وثيقة أخرى أقرَّها حزب العمل الإسرائيلي عام 1974كبرنامج إنتخابي لكي يتلاءم مع مستجدات حرب رمضان عام 1973، وقد أطلق عليها وثيقة الأربعة عشر بنداً ، وهي لا تختلف عن وثيقة غاليلي ، غير أنها لم تحدد أماكن الاستيطان تاركة ذلك للحكومة لتقرر كل حالة على حِدَة (25)  ، ثم تحولت هذه الوثيقة إلى مشروع بلورته اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان برئاسة الوزير إسرائيل غاليلي نفسه ، وذلك في نيسان / أبريل سنة 1977 ، ويهدف هذا المشروع إلى إقامة 186 مستوطنة في الفترة الواقعة بين عامي 1977 و 1992 ، منها 49 مستوطنة في الأراضي العربية التي احتلّت بعد عام 1967، موزعة على النحو التالي : 15 مستوطنة في الضفة الغربية ، 20 في قطاع غزة ومشارف رفح ، 10 في مرتفعات الجولان ، و4 على ساحل خليج العقبة (26)  .

على ضوء المشروعين الاستيطانيين السابقين ( آلون وغاليلي) ، يمكننا القول إن إستراتيجية تجمع المعراخ الاستيطانية قامت على العناصر التالية :

أ - التأكيد على حرية استيطان الأراضي المحتلة ، وخصوصاً في مناطق الأمن ، وهي خطوط المواجهة مع البلدان العربية ، مع التأكيد على أن السيطرة على الأرض الفلسطينية تعني السيطرة السياسية للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة (27)  .

ب - تجنّب الاستيطان في المناطق العربية الكثيفة السكان ، من أجل المحافظة على نقاء الدولة اليهودية (28)   .

ج - تكثيف الاستيطان في الأراضي المحتلة ، للحيلولة دون العودة إلى حدود عام 1967،مع فتح الباب في الوقت نفسه لإمكانية تحقيق تسوية سياسية (29)   .

د - التركيز على استيطان مدينة القدس وما حولها ، من أجل عزلها عن باقي مناطق الضفة الغربية بتجمعات يهودية ضخمة ، ومن أجل تأكيد توحيد شطريها ، للحيلولة دون التراجع عنها ، أو تقسيمها مرة أخرى في المستقبل (30)  .

 

ثانياً : الإستراتيجية الاستيطانيـة لدى تكتل الليكود :

تربَّعت الأحزاب العمّالية على سدة الحكم في إسرائيل منذ إعلان إستقلالها في 15/5/1948، وحتى شهر أيار / مايو سنة 1977 ، ولمدة تسعة وعشرين عاماً ، حيث نجح تكتل الليكود بالوصول إلى الحكم بعد فوزه في إنتخابات الكنيست التاسع في 17/5/1977 (31)   ، وقد تم تشكيل الليكود رسمياً بتاريخ 30/9/1973، وذلك بعد مفاوضات إستغرقت وقتاً طويلاً بين أحزاب وكتل برلمانية عدة :

1 - غاحال ( تحالف حيروت والأحرار ) .

2 - كتلة حزب المركز الحر .

3 - كتلة حزب القائمة الرسمية ( وهي بقايا حزب رافي التي رفضت الإلتحاق بموشي ديان والعودة إلى حزب العمل ).

4 - ومن خارج الكنيست حركة من أجل "أرض إسرائيل الكاملة " .

وقد جاء تشكيل الليكود بالصورة السابقة تتويجاً لاقتراحات بدأت منذ عام 1958، وذلك بهدف إيجاد قوة بديلة لتحالف الأحزاب العمالية ، إستعداداً لخوض الإنتخابات العامة للكنيست الثامن والتي كانت مقررة في خريف عام 1973 (32)   .

ويقصد بكلمة "ليكود" : أرض إسرائيل بحدودها التوراتية ، وهو ما يعكس رؤية هذا التكتل اليميني وموقفه من الأراضي الفلسطينية المحتلة كما يصورها الفكر الصهيوني (33)  ، والذي انعكس بدوره على برنامج هذا التكتل الذي يقوم على العناصر التالية :

1 - إن حق الشعب اليهودي في "أرض إسرائيل" غير قابل للطعن ، لذا فإن الحزب يعارض أي إقتراح يترتَّب عليه تقسيم أرض إسرائيل "المحررة"  بصورة قانونية (34) ، ولذلك طالب الحزب بفرض السيادة الإسرائيلية على تلك المناطق المحررة ،  مع إلتزامه تكثيف الإستيطان فيها ، وخصوصاً يهودا والسامرة ( الضفة الغربية ) (35)  ، لأن إستيطان تلك الأراضي هو تأكيد لهذا الحق " غير القابل للطعن " ، لأنه يقوم على أُسس دينية وليس على أسس أمنية أو إقتصادية (36)  .

2 - إن مهمة الجيل الحالي في إسرائيل ، العمل على توحيد الأجزاب المنسخلة من أرض الوطن ، وإقامة السيادة اليهودية عليها ، لذا فإن عودة الشعب اليهودي إلى موطنه أمر حتمي في حياة الشعب اليهودي ، وعلى هذا الجيل أن يساعد على تجميع شعبنا المبعثر ، وأن يعيده إلى وطنه المُحرَّر (37) .

3 - لدولة إسرائيل الحق في المطالبة بالسيادة على يهودا والسامرة والضفة الغربية المحتلَّة ، وإن الدولة الفلسطينية لن تقوم بأية شروط كانت (38) ، لأن تلسيم الضفة الغربية إلى أية "سلطةأجنبية"

مرفوض من قِبَل الليكود ، لأنه يرى أن المنطقة الواقعة ما بين البحر الأحمر ونهر الأردن ستكون تحت السيادة الإسرائيلية (39) .

4 - الفصل بين مسألة مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة وكل من الأراضي المصرية والسورية ، ولذلك يُعتبر كل من سيناء والجولان أراضي يجب أن يحتفظ بها ، مع إمكانية التنازل عن أجزاء منها في حال التوصُّل إلى تسوية سلمية مع كل من مصر وسوريا والإحتفاظ بأجزاء أخرى ، بحجة أمن الدولة (40)  .

لقد إنعكست المبادئ السابقة على سياسة الإستيطان واستراتيجيته لدى تكتّل الليكود ، وكذلك على مشاريعه الإستيطانية ، ولذلك سوف نلقي الضوء في عجالة على هاتين المسألتين :

1 - سياسة الاستيطان واستراتيجيته لدى تكتُّل الليكود

لقد شكَّل وصول الليكود إلى الحكم في إسرائيل في 17/5/1977 ، دفعاً جديداً للسياسة الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة ، حيث إن أول عمل قامت به حكومة الليكود الجديدة هو إضفاؤها صفة الشرعية على المستوطنات الموقتة التي أقامتها حركة غوض أمونيم في عهد المعراخ من دون أن تعترف بها الحكومة رسمياً (41) ، ففي شهر تموز/ يوليو سنة 1977 ، إعترفت الحكومة الجديدة رسمياً بشرعية ثلاث من المستوطنات "غير الرسمية " ، وهي " كدوميم وعوفرا ومعاليه أدوميم ، وهذا ما دفع أحد قادة غوش أمونيم ( حنان بورات ) ، وهو من المحرِّضين على إقامة مستوطنة كدوميم ، إلى إعتبار ذلك العمل بمثابة فرصة ذهبية لحركته ، حيث قال :" إن مهمة غوش أمونيم الآن هي السرقة ( الخطف) والإستيطان "    (42) ، ذلك لأن الاستيطان لم يكن بالنسبة إلى الحكومة الليكودية الجديدة مجرّد شعارات إنتخابية ، وإنما كان تعبيراً حقيقياً عن موقفها من الشعب الفلسطيني وأرضه (43)  ، ويتمثَّل هذا الموقف بوجوب زرع هذه الأرض بالمستوطنات للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة فيها .

لذلك فقد برز داخل تكتل الليكود تياران : أولهما ينادي بوجوب تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية ، والتمهيد لإعلان ضمِّها إلى إسرائيل ، مع وجوب التخصلُّص من المواطنين العرب الذين يُعتبرون في نظر أصحاب هذا التيار عنصراً زائداً ، ويضم هذا التيار زعماء الليكود الحزبيين ، وأعضاء أرض إسرائيل الكاملة ، وغوش أمونيم ، وحركة كاخ ، بالإضافة إلى عضويْ الكنيست آرييل شارون وغيئولا كوهين (44)  ؛ أمَّا التيار الثاني ، فيمثله كل من موشي ديان وعيزرا وايزمان ، اللذين يعتقدان أن الحق التاريخي لليهود في الاستيطان في الأراضي المحتلة يقتضي في الوقت نفسه فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها ، وبالتالي فإن خلق جو من التعايش السلمي بين العرب واليهود في تلك الأراضي سوف يهيِّء  الأجواء لتقبُّل المستوطنين اليهود فيها وتقليل العداء لهم (45) .

وعلى ضوء ما تقدم ، فإنه يمكننا أن نُحدِّد ملامح السياسة الإستيطانية لتكتّل الليكود في الأراضي العربية المحتلة في النقاط التالية :

أ - استكمال ما أنشأته حكومات المعراخ من أحزمة إستيطانية ، مع إقامة حزام آخر جديد     في الجزء الغربي من الضفة الغربية ، ويمتد من شمالها إلى جنوبها (46)  .

ب - الإعلان رسمياً عن المشاريع والمخططات الاستيطانية لليكود مع محاولة تضخيمها ، وذلك بغية حصوله على المزيد من الدعم المالي للاستيطان من المنظمات الصهيونية ، وفي الوقت نفسه إرهاب العرب في الداخل والخارج ، ولذلك اتجه الليكود إلى تقديم المساعدة الفعَّالة للحركات الدينية المتطرِّفة التي نشطت في مجال الإستيطان كحركة غوش أمونيم وإتاحة الفرصة لها لإرهاب المواطنين العرب في الأراضي المحتلة (47)  .

ج - الإتجاه نحو إقامة المدن الاستيطانية الكبيرة بدلاً من المستوطنات الصغيرة الموقتة ، حيث تقدم عيزرا وايزمان (آ وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق) ، بمشروع استيطاني في عام 1978 يهدف إلى إقامة ست مدن كبيرة ، وقد تبنته الحكومة ، وقامت بتنفيذه ، والهدف من إقامة هذه المدن الكبرى ذات الكثافة السكنية المرتفعة هو تقوية قبضتها على الأراضي المحتلــة     لليحلولة دون التخلِّي عن هذه المستوطنات في ظل أية ترتيبات قادمة للسلام (48) .      

وبالاضافة إلى إنشاء المدن الاستيطانية الكبيرة برز مظهر آخر من الاستيطان المديني في ظل الليكود ، وهو ما يُطلق عليه الاسم المستحدث "توشفوت " ، وهذا النوع من الاستيطان ينسجم مع الظاهرة العامة للاستيطان داخل إسرائيل المتمثِّل في الهجرة مــن المُـدن إلى الضواحي ، ويتفق في الوقت نفسه مع الاتجاه العام لدى الليكود في التركيز على الاستيطان المديني في الأراضي المحتلة ، وخصوصاً في الضفة الغربية منها (49) .

د - تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة ، وخصوصاً في أعقاب إنسحاب إسرائيلمن سيناء ، وإزالة المستوطنات القائمة فيها ، حيث إن سكان تلك المستوطنات قد طالبوا بأن يكون التعويض المقدَّم لهم على شكل مساكن في مستوطنات الضفة الغربية ، يضاف إلى ذلك رغبة إسرائيل في أن تثبت من خلال تكثيف إستيطانها في الضفة الغربية أن بقاءها فيها دائم وأنها غير خاضعة للتفاوض (50)  ، ولذلك فقد عجَّلت حكومة الليكود في بناء المستوطنات ، وخصوصاً في أعقاب توقيع إتفاقية كامب ديفيد ، وذلك من أجل خلق حقائق على الأرض تحُول دون إمكانية ، أو احتمال ، حرية تقرير المصير للشعب الفلسطيني (51)  ، كما تم أيضاً إقامة شبكة من الطرق الرئيسية الطولية والعرضية في الضفة الغربية ، وذلك من أجل تقطيعها إلى مناطق منعزلة يسهل السيطرة عليها ، ومن هذه الطرق، طريق "حوتسيه شومرون " أو عابر السامرة ، وطريق "حوتسيه يهودا" الذي يصل المنطقة الساحلية بغور الأردن ، مروراً بمنطقتَيْ الخليل وبيت لحم (52)  .

هـ - نشر المستوطنات الاسرائيلية داخل المدن الفلسطينية الكبرى ، أو في جوارها ، وذلك لأن تكتل الليكود يرفع شعار " حق اليهود في الاستيطان في كل جزء من أرض إسرائيل"، وذلك بعكس الاستراتيجيا لحكومات المعراخ التي تقوم على تجنُّب الاستيطان في المناطق الفلسطينية الكثيفة السكان خوفاً من الخطر الديمغرافي العربي الذي يهدِّد نقاء الدولة اليهودية (53)  ، لذلك فقد انتشر الاستيطان المديني داخل المدن الرئيسية في الضفة الغربية ، وخصوصاً مدينتَيْ الخليل ونابلس تمهيداً لضمِّهما نهائياً إلى دولة إسرائيل (54)  .

و - التخطيط لأيجاد مراكز صناعية جديدة في الضفة الغربية ، أو العمل على ربط مستوطنات الضفة الغربية بالمراكز الصناعية الاسرائيلية من أجل توفير فرص العمل لمستوطني الضفة الغربية ، وتشجيع غيرهم من المستوطنين الآخرين لملء الشقق الخالية في تلك المستوطنات ، ومن هذه المراكز الصناعية مركزا عطروت ومعاليه أدوميم في القدس ، والمركز الصناعي في كريات أربع في مدينة الخليل (55)  .

ز - أخيراً ، فقد قامت حكومة الليكود بتشكيل المجالس المحلية والإقليمية لمستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها ، وذلك تمهيداً لفرض هذا القانون على سائر الأراضي المحتلة (56)  ، حيث صدر بتاريخ 20/3/1979، الأمر العسكري رقم 783 والقاضي بإنشاء ثلاثة مجالس إقليمية في الضفة الغربية ، والتي أضيف إليها اثنان في ما بعد، وآخر في قطاع غزة ، ثم توالت بعد ذلك القرارات التي تم بموجبها إنشاء باقي المجالس المحلية والإقليمية الأخرى (57)  لمستوطنات الضفة والقطاع .

2 - المشاريع الإستيطانية في عهد الليكود

نتيجة لتولِّي الليكود الحكم في إسرائيل ، فقد طرحت مشاريع إستيطانية عدة شاركت فيها الجهات كافة التي تعمل في مجال الاستيطان ، حيث اتفق جميعها على وجوب توسيع الاستيطان ليشمل الأراضي العربية المحتلة كافة من أجل ربط هذه المستوطنات ، ومن ثم الأراضي المحتلة ، بإسرائيل (58)  .

وسوف نستعرض في عجالة أهم هذه المشاريع ، وهي : فايتس ، وشارون ، وغوش أمونيم، ودروبلس ، وذلك على النحو التالي :

أ - مشروع رعنان فايتس :

يُنسب هذا المشروع إلى رعنان فايتس ، رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية     والذي دعا فيه إلى إقامة نوع جديد من الاستيطان يعتمد على المستوطنات الصناعية - الزراعية المختلطة ، وأطلق على هذه المستوطنات إسم "العقد" (59) . وقد وُضع هذا المشروع من قِبَل الوكالة اليهودية ، وذلك على ضوء إمكانية إخلاء بعض المستوطنات التي أُقيمَت في الأراضي العربية المحتلة بعد عام  1967 (60) . لذلك فقد قُسِّم المشروع إلى ثلاثة أجزاء بحيث تشمل الأراضي الفلسطينية التي احْتُلّت قبل عام 1967وبعده . ِ

فالمشروع الشمالي يغطي منطقة الجليل في شمال فلسطين حيــث تُـقام فيــه     50 مستوطنة قروية يسكنها 12 ألف عائلة ، أي نحو 55 ألف نسمة ؛ أما المشروع الجنوبي فيغطي منطقة النقب الغربي الجنوبي وشمالي سيناء مع أجزاء من قطاع غزة ، حيث سيُقام نحو 120 مستوطنة تضم 20 ألف عائلة ، أي نحو 150 ألف نسمة ؛ أما الجزء الأخير من هذا المشروع ، فينطوي على الاستيطان على امتداد الخط الواقع بين جبل الشيخ شمالاً ،      وحتى شرم الشيخ في الجنوب ، حيث سيتم إقامة 53 مستوطنة (61)  .

ب - مشروع شارون ( العمود الفقري المزدوج )

كان يُعرف هذا المشروع في بداية الأمر بمشروع "فوخمان" ، وذلك نسبة إلى ابراهام فوخمان ، الأستاذ في معهد الهندسة التطبيقية في حيفا ، وقد أطلق عليه " مشروع العمود الفقري المزدوج" لأنه وفقاً لهذا المشروع ستكون إسرائيل بمثابة جسر يتكون من عمودين فقريين : الأول هو القائم الآن على امتداد السهل الساحلي ، والثاني هو الذي     سوف يُقام على امتداد نهر الأردن ، وبذلك ستكون الضفة الغربية وسط هذين العمودين     كجيب عربي محاط بالمستوطنات الاسرائيلية التي ستضم ، وفقاً لتقديراته ، خلال عشرين عاماً ما بين 7 و 9 ملايين مستوطن يهودي (62)  .

وبعد أن صعد الليكود إلى الحكم تولَّى آرييل شارون وزير الزراعة ( في حكومة     الليكود) رئاسة اللجنة الوزارية العليا للشؤون الاستيطانية ، وبذلك أصبح هو المسؤول التنفيذي عن مشاريع الاستيطان ، وبدأ بتبنِّي مشروع فوخمان وتنفيذه ، الذي اشتهر في ما بعد بمشروع شارون (63)  .  

ويهدف المشروع السابق إلى إقامة ثلاثة مراكز مدينية كبيرة في الضفة الغربية المحتلة: الأول على مداخل مدينة القدس ، والثاني قرب مدينة الخليل من أجل دعم مستوطنة كريات     أربع ، والثالث في المثلث الشمالي للضفة الغربية من أجل الفصل بين سكان الأراضي المحتلة عام 1967 ، وسكان الأراضي التي احتلت عام 1948 (64)  . كما يهدف أيضاً إلى ربط الضفة الغربية مع إسرائيل بشبكة من الطرق تمتد من البحر غرباً وحتى غور الأردن شرقاً (65) ، ومن ضمنها طريق تعرف باسم "حوتسيه شومرون" ، أي عابر السامرة ، كما أشرنا سابقاً ، وهو الذي يتيح حركة مرور كثيفة من المنخفض الساحلي في مناطق 1948 إلى غور الأردن وشمالي الضفة الغربية ، مما يساهم بصورة كبيرة في تكثيف الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة (66)  .     

وكذلك يهدف المشروع إلى منع العرب من البناء على جانبَيْ الطرق المؤدية إلى المستوطنات اليهودية ، ومنعهم أيضاً من البناء على جانبيْ طرق العرض التي تقطع الضفة الغربية من شرقها إلى غربها ، وهي التي تُسمَّى "طرق الأمن" ، بالإضافة إلى تطويق المدن الفلسطينية والتجمُّعات السكانية الفلسطينية ، وذلك من خلال مجموعة من المستوطنات التي ستقام حول تلك التجمعات وفقاً لذلك المشروع (67)  .

ج - مشروع غوش أمونيم

غوش أمونيم حركة يمينية متطرِّفة نشأت في أعقاب حرب العاشر من رمضان عام     1973، في اجتماع تأسيسي عُقِدَ في 1/3/1974 ، حيث اتُّفق في ذلك الاجتماع على تنظيم     هذه الحركة داخل الحزب الوطني الديني ( المفدال ) ، ثم بعد فترة قصيرة من وجودهم داخل المفدال أعلن أفرادها أن حركتهم ستعمل منذ ذلك الوقت فصاعداً كحركة مستقلة (68)  ، وقد اعتُرف رسمياً في ما بعد بهذه الحركة من قِبَل الاتحاد الصهيوني العــالمـي ، كحركة استيطانية تتلقَّى حصّة ضخمة من التمويل بواسطة المنظمة الصهيونية العالمية ، ومن جهات أخرى عن طريق الوزارات الإسرائيلية (69)  .

تؤْمِن هذه الحركة بحق اليهود في الإقامة والاستيطان في جميع أرض إسرائيل ، حيث     إنها ترى أن المستوطنات ( في يهودا والسامرة ) سوف تحقِّق وعود التوراة وستخلق أمراً واقعاً في المجال السياسي والمعنوي يسمح بمد السيادة الاسرائيلية على هذه الأراضي (70)  . لذلك فقد كان وصول الليكود إلى الحكم عام 1977 وتولِّيه السلطة فرصة ذهبية لهذه الحركة لتحقيق أطماعها الاستيطانية في الأراضي المحتلة ، حيث كانت أُولى بوادر الدعم لها من الحكومة الجديدة هي ، كما سبقت الإشارة ، إضفاء صفة الشرعيــة على ثلاث من المستوطنات غير الرسمية التي أقامتها الحركة في ظل حكومات المعراخ ، وهذه المستوطنات هي كدوميم ، عوفرة ، ومعاليه أدوميم (71)  .      

وقد قدّمت حركة غوش أمونيم خطتين استيطانيتين : أولاهما قُدِّمت في شهر آب/     أغسطس 1978، وتقضي بإقامة 12 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية ، بالإضافة إلى إنشاء     مدينتين استيطانيتين ، وثانيتهما قُدِّمت في شهر حزيران : يونيو 1980 ، وتقضي بإنشاء 15مستوطنة جديدة مع إضافة خمس مستوطنات أخرى حول مدينة القدس ، وبأبعاد لا تزيد على 15 إلى 20 كيلومتراً عن المدينة ، بالإضافة إلى إقامة ثلاث مستوطنات مركزية للسيطرةعلى مفارق طرق نابلس - جنين - طولكرم ، وثلاث مدن استيطانية كبيرة جنوب نابلس والظاهرية والخليل (72) .

ولعل أهم ما يميِّز مشروع غوش أمونيم الاستيطاني اتجاهه إلى زرع المستوطنات بين      المدن والقرى العربية ، وفي أماكن تجمّع السكان العرب ، أي الاستيطان في المناطق التي تجنّبتها المشاريع الاستيطانية الأخرى (72)  . ولعل هذا ما يشير إلى سياسة تبادل الأدوار التي تمارسها الحركات والأحزاب ، والجهات القائمة على الإستيطان ، والتي تهدف جميعها إلى زرع الأراضي المحتلة بالمستوطنات بغية تفتيت التجمعات السكانية العربية ، مما يحُول دون تطلّعها إلى الاستقلال وإنشاء دولة فلسطينية مستقلّة .

د - خطة دروبلس

تنسب هذه الخطة إلى متيتياهو دروبلس ، وهو أحد رئيسي قسم الاستيطان في      المنظمة الصهيونية العالمية ، المُختصَّة باستيطان المناطق المحتلة ، وهو ممثّل لجناح الليكود في ذلك القسم ، بينما يمثّل رعنان فايتس ، رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية ، جناح المعراخ (73)  .

وقد قُدِّمت خطة دروبلس الاستيطانية في الأعوام 1978 و 1980 و 1981 ، لكي توحِّد بين الاستراتيجيا الاستيطانية لكل من تكتّل الليكود ، وحركة غوش أمونيم ، حيث جــاء فيها أنه يجب الاستيلاء على أراضي الدولة من أجل الاستيطان بين ا لتجمّعات      السكانية العربية وحولها ، للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية فيها ، إذ سيكون من الصعب على الأقلية العربية أن تشكِّل تواصلاً إقليمياً ووحدة سياسية في حالة تجزئتها بالمستوطنات الإسرائيلية (74)  .

لا شك في أن الخطة السابقة تعد من أخر الخطط الاستيطانية التي اقترحت طوال فترة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ، نظراً إلى أنها تهدف إلى نشر المستوطنات في أنحاء الضفة الغربية كافة من شمالها إلى جنوبها (75)  ، بحيث تصبح الضفة الغربية مقسمة إلى 22منطقة استيطانية رئيسية . كما أنه وفقاً لهذه الخطة ، سوف تُنشأ من 12 إلى 15 مستوطنة سنوياً ، بحيث يتم إستيعاب من 120 إلى 150 ألف مستوطن ضمن خمس مستوطنات (76)  ، إذ يرى دروبلس أن المستوطنات التي أقامها المعراخ في وادي الأردن تشكِّل نقاط دفاع متقدِّمة ، ومعرَّضة للهجوم ، وحتى تقوم هذه المستوطنات بدورها الاستراتيجي يتعيَّن أن تشيد سلسلة أخرى من المستوطنات في قلب يهود والسامرة ( الضفة الغربية المحتلة)حيث ترتكز الأولى على الثانية ، وبحيث تشكلان معاً جهازاً دفاعياً فعَّالاً ، فأمن إسرائيل يقتضي ألاَّ تنحصر المستوطنات في وادي الأردن فقط ، وإنما تُقام في أي مكان يكون إنشاؤها فيه مفيداً (77) .           


1-  أنظر : وحيد عبد المجيد،"خيارات عربية صعبة في التفاوض مع رابين،" الأهرام ، 3/7/1992.

2-      Rasem Khameyseh ,"Israel Planning and House Demolishing Policy in the West Bank,"(Copyright         passia, Palastinian Academic Society for the Study of International  Affairs, East Jerusalem,                                              December1989),P.6.

3- أنظر : عصام الدين حواس ، الحكم الذاتي لشعب فلسطين ، سلسلة دراسات قومية ؛ 13(القاهرة : مركز النيل للإعلام،1981)،ص157.

4-  أنظر: مهدي عبد الهادي ، المستوطنات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية المحتلة ، 1967-1977( القدس : جمعية الملتقى الفكري العربي ،1978)، ص60.

5-   نظام محمود بركات ، الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ، سلسلة الثقافة القومية؛15(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1988)،ص152.

6-   المصدر نفسه ، ص 156

7-   طلال ناجي ،"الاستيطان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية،" في : استراتيجية الاستيطان الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة بعد عام1967، وبرنامج المقاومة الفلسطينية لمواجهتها (عمان :دار القدس للنشر والتوزيع،1987)،ص41.

8-     William Wilson Harris, Taking Root : Israeli Settlement in the West Bank , the Golon and Gaza-Sinai, 1967-1980, Geographical Research Studies Series; v I(Chichester,[Eng.]; NewYork: Research Studies Press , 1980),P.36.

9-  Jean-Paul Chagnollaud, Israel et lesterritoires occupés: La Confrontation silencieuse,racines du présent (Paris: L`Harmattan, 1985),P.20.

10-  Khameyseh, "Israel Planning and House Demolishing Policy in the West Bank ," P.10.

11-   Harris , Taking Root : Israeli Settlement in the West Bank , the Golan and Gaza -Sinai, 1967-1980,P.38.

12-     أنظر : جورج حجار ، " السياسة الاستيطانية للكيان الصهيوني " مجلة مركز الدراسات الفلسطينية ( جامعة بغداد ) ، العدد 28(أيار/مايو- حزيرا/يونيو 1987)، ص56، وإن كان ميرون بنفنستي يذكر في كتابه مشروع بيانات الضفة الغربية أن مشروع آلون قدم إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي في تموز/يوليو 1967، وأقر في حزيران / يونيو 1968. أنظر :     Meron Benvenisti, West Bank Data Project: A Survey of Israel`s Policies, AEI Studies ; 398(Washigton, DC: American Enterprise Institute for Public Policy Research,1948),p.51.

13-     أنظر : خالد عايد ، الإستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة خلال عهد الليكود ، 1977 - 1948، سلسلة الدراسات ؛74 ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، 1986) ، ص 13 .

14-     Benvenisti, Ibid.,p.51.

15-  Colonial Pursuits,Settler Violence  during the Uprising in the Occupied Territories: A special Report of the Data Base Project on Palestinian Human Rights (Chicago , IL: [n.pb.], 1989),p.4.

16-     أنظر : جميل هلال ، الضفة الغربية : التركيب الإجتماعي والإقتصادي ، 1948-1974، سلسلة كتب فلسطينية ؛ 60( بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية ، مركز الأبحاث ، 1974)، ص 277.

17-  بركات ، الإستيطان الإسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ، ص 155 .

18-     Chagnollaud, Israël et les territoires occupés: La Confrontation silencieuse, p.25.

19-     أنظر : مسعود أغبارية ومحمود أبو غزالة ، حركة غوش ايمونيم بين النظرية والتطبيق ( القدس : جمعية الدراسات العربية، 1984)،ص 50.

20-     Benvenisti, West Bank Data Project : A Survey of Israel`s Policies,p.52.

21-     عايد ، الإستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة خلال عهد الليكود ، 1977-1984، ص 15.

22  أنظر : وليد الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة 1967-1980 ، سلسلة كتب تسجيلية ؛9 ( بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981)، xxvii.

23-     أنظر : سعيد تيّم ، "القضية الفلسطينية في سياسة حزب العمل الاسرائيلي"، شؤون فلسطينية ، العدد 201( كانون الأول م ديسمبر1989)، ص 42.

24-  بركات ، الإستيطان الاسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ، ص 155-156.

25-  المصدر نفسه ، ص 157.

26-  عايد ، الاستعمار الاستيطاني للمناطق العربي المحتلة خلال عهد الليكود ، 1977-1984 ص 14.

27-  الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ، 1967-1980، ص     xxv..

28-     بركات ، الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ،  157.

29-  المصدر نفسه ، ص 157 - 158 .

30-  أسامة الغزالي حرب ، مستقبل الصراع العربي - الإسرائيلي ، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي ، محور العرب والعالم ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ، 1987)،ص 79 .

31-      Harris , Taking Root: Israeli Settlement in the West Bank , the Golan and Gaza -Sinai, 1967-1980, p.138..

32-     أنظر : محمد يحي سليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977 - تموز 1984 ({بيروت}: منشورات الهدف،1986)،ص11.

33-  فوزي محمد طايل ، النظام السياسي في إسرائيل ، الدراسات الخاصة ؛ 45({القاهرة}: معهد البحوث والدراسات العربية ، 1989) ، ص 105

34-  أنظر: يونس السيد ، " الليكود : تنظيماً وممارسة ،" شؤون فلسطينية ،العدد 208(تموز/يوليو 1990)،ص48-49.

35-  أنظر : كاميليا عراف بدر ، نظرة على الأحزاب السياسية الإسرائيلية ، ط3 (القدس : جمعية الدراسات العربية،1985)،ص154. كذلك فإن قادة الليكود لا يتركون مناسبة تمر من دون التأكيد على المبدأ السابق ، من ذلك ، مثلاً ، ما قاله مناحيم بيغن في مستوطنة ارئيل في شهر أيار/ مايو عام 1985 أمام جمهور مكون من 35 ألف شخص :" أنا مناحيم ابن زئيف وهاشيا بيغن ، أقسم بأنني طوال خدمتي للأمة كرئيس وزراء بأننا لن نترك أي جزء من يهودا والسامرة وقطاع غزة والجولان "، وكذلك ما أعلنه اسحق شامير عندما كان وزيراً للخارجية في ذلك الوقت : نحن نطلب السلام ، ولكن بشرط أن يمكننا من استمرارية وجودنا"، وهذا يعني أن تكون مرتفعات الجولان والضفة الغربية داخل حدود دولة اسرائيل .أنظر :     William Thomas Mallison and Sally V. Mallison, The Palestine Proplem in International Law and World Order ( Burnt Mill, Harlow , Essex, Eng .:  Longman , 1986), pp.248-249.

36-  John P. Richardson , The West Bank ; A Portrait, Special Study ; 5 ( Washington , DC: Middle East Institute, 1984), p.116.

37-     طايل ، النظام السياسي في إسرائيل ، ص 110 .

38-  السيد ، " الليكود : تنظيماً وممارسة ،" ص 51.

39-  سليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977 - تموز 1984، ص 174.

40-  أنظر : المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، عرض وتحليل خيرية قاسمية ، علي الدين هلال وإبراهيم كروان ، الدراسات الخاصة ؛15( القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1978)، ص 79 .

41-  سلليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977- تموز1984 ، ص 90.

42-     Geoffrey Aronson , Israel, Palestinians and the Intifada : Creating Facts on the West Bank ( Washington , DC: Kegan Paul International in association with Institute for PalestineStudies , 1990),p.66.

43-     الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة 1967-1980، ص     xIix .

44-     بركات ، الإستيطان الإسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطببيق ، ص 142-143.

45-  المصدر نفسه ، ص 145 .

46-  الجعفري ، معد ، المصدر نفسه ، ص     xIv.

47-     بركات ، المصدر نفسه ، ص 162 .

48-  أنظر : جامعة الدول العربية ، معد ، المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة : مجموعة دراسات وبحوث قدمت خلال الندوة الدولية حول المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي العربية ({تونس: الجامعة ، 1989}) ، ص 24 .

49-  عايد ، الإستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة خلال عهد الليكود ، 1977-1984، ص 76.

50-  جامعة الدول العربية ، معد ، المصدر نفسه ، ص 24-25.

51-      Mallison and Mallison , The Palestine Prplem in International Law and World Order,p.250.

52-     الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ، 1967-1980 ، ص 9 و     xIvi .

53-     عايد ، الاستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة خلال عهد الليكود، 1977-1984، ص 77.

54-  المصدر نفسه ، ص 78.

55-  بركات ، الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ، ص 163-164.

56-  الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ، 1967-1980، ص     xIv .

57-     عايد ، الإستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة خلال عهد الليكود ، 1977-1984،ص 82 .

58-  أنظر: محمد عبد الرحمن ،" الاستيطان خلال سنتين من حكم الليكود،" شؤون فلسطينية ، العد 96 ( تشرين الثاني/نوفمبر 1979)،ص12.

59-  المصدر نفسه ، ص 13 .

60-  سليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977 - تموز 1984، ص 86.

61-  المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، ص 89.

62-  المصدر نفسه ، ص 90 .

63-  عبد الرحمن أبو عرفة ، الإستيطان العملي للصهيونية : دراسة عن الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال القرن الأخير( القدس : وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ، 1981)، ص 241 .

64-  بركات ، الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق ، ص 160 .

65-  عبد الرحمن ، "الإستيطان خلال سنتين من حكم الليكود،" ص 13 .

66-  الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ،1967-1980، ص     xIi .

67-     سليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977 - تموز 1984، ص 88 .

68-  أغبارية وأبو غزالة ، حركة غوش أيمونيم بين النظرية والتطبيق ، ص 21 .

69-  أبو عرفة ، الاستيطان : التطبيق العملي للصهيونية : دراسة عن الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال القرن الأخير، هامش ص 245.

70-      Chagnollaud, Israël et les territoires occupés: La Confrontation silencieuse, p. 43.

71-     المصدر نفسه ، ص 42 .

72-  سليمان ، الكيان الصهيوني خلال حكم الليكود : من أيار 1977 - تموز 1984 ، ص 88-89.

73-  ابو عرفة ، الاستيطان : التطبيق العملي للصهيونية : دراسة عن الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال القرن الأخير، ص 245.

74-  المصدر نفسه ، ص 247 .

75-     Benvenisti, West Bank Data Project: A Survey of Israel`s Policies, p.52.

76-     أنظر تفصيلات هذه الخطة في : متتياهو دروبلس ،" المنظمة الصهيونية العالمية ، قسم الاستيطان : الاستيطان في "يهودا" و"السامرة": الاستراتيجية والسياسة والخطط،" ترجمها عن الانكليزية محمد النصر ، شؤون فلسطينية ، العدد 116( تموز/يوليو 1981) ، ص 195-201.

77-  الجعفري ، معد ، المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ، 1967-1980، ص     xIii و     xIiii .