“اسرائيل” وانتهاكات حقوق الانسان

 

المحامية رولا سمراني/ كاتبة لبنانية
مجلة الراية ـ بيروت ايار 200


ان لبنان تمكن بفضل وعي ابنائه وصلابتهم وتشبثهم بأرضهم وتمسكهم بوحدتهم الوطنية التي استهدفتها المؤامرات الصهيونية قتلا وعدوانا واحتلالا وتدميرا وتهجيرا وحربا اهلية طيلة ربع قرن، ان يتغلب على المحنة التي كادت تدمره وتلغيه وتوصل بفضل مقاومته الباسلة وصمودها وبفضل الدعم الذي قدمه القطر العربي السوري وتلاحمه المصيري معه ووحدة مسارهما الى دحر الاحتلال “الاسرائيلي” واجباره على الانسحاب من جنوب لبنان وبقاعه الغربي مسطرا بذلك ملحمة بطولية استحوذت على اعجاب شعوب بلدان العالم وتأييدهم وتضامنهم. وباعتبار اتحادكم هو المرجع الاول للدفاع عن القضايا القومية وعن حقوق الانسان العربي وحيث انكم وقفتم دوما الى جانب لبنان ودعمتهم قضاياه العادلة وفضحتهم الممارسات الوحشية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بحق مناضليه واعتبرتم عروبة لبنان ووحدة شعبه ضرورة لمواجهة المخططات “الاسرائيلية” الرامية الى تقسيمه الى كيانات طائفية وتحويله الى محمية “اسرائيلية”.

ومع ذلك ان “اسرائيل” لم تتراجع عن استراتجيتها والمشروع الصهيوني لم يستكمل اهدافه كاملة بعد ومازال يسعى باصرار لتحقيقها على حساب العرب عبر السلام بالمفهوم “الاسرائيلي” المستند على القوة والذي لا يتفق ومفهوم السلام العادل والشامل الذي يعيد الارض والحقوق المغتصبة الى اصحابها ويوفر الامن والاستقرار لجميع شعوب ودول المنطقة.

ان لبنان الذي خرج من محنته منهكا بفعل ما ارتكب بحق مؤسساته وشعبه من جرائم بشعة مازال في دائرة الصراع العربي “الاسرائيلي” وهو يرفض الاذعان لشروط الصلح المفروضة من قبل العدو الصهيوني.

ان القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي الذي ينص على ضرورة احترام سيادة لبنان واستقلاله داخل حدوده المعترف بها دوليا لم يستكمل تنفيذه بعد.

فمزارع شبعا لم تزل محتلة والعدو الصهيوني يرفض الانسحاب منها، والاجواء اللبنانية تنتهك بشكل مستمر من قبل الطيران “الاسرائيلي”.

والمياه اللبنانية تسرق علنا وتحول الى داخل الكيان الصهيوني والمعتقلون والاسرى اللبنانيون مازالوا يقبعون في السجون “الاسرائيلية”.

والاسرى المحررون يعانون من آثار التعذيب الوحشي والقرى المهدمة شاهدة على الهمجية “الاسرائيلية” والتهديدات المستمرة تستنزف اقتصادنا وتعيق انجاز عمليات التنمية.

كل هذه الجرائم ترتكب بحق قطرنا واهلنا على مرأى من المجتمع الدولي فـ”اسرائيل” المستمدة قوتها من دعم الولايات المتحدة الاميركية لها لا تقيم وزنا لنصوص القانون الدولي ولا لقرارات مجلس الامن الدولي ولا لميثاق هيئة الامم المتحدة ولا لاتفاقات لاهاي الدولية ولا لمعاهدة جنيف ولا للقرارات الصادرة عن الجمعية العمومية للامم المتحدة.

فمن مجزرة دير ياسين عام 1948 الى مجزرة قانا عام 1996 التي لن تكون الاخيرة والتي استهدفت موقعا تابعا لقوات الطوارئ الدولية اتخذه شهدائنا الابرار ملاذا لهم تاريخ حافل بالارهاب المنظم والعنف المسلح والتهجير القسري استعملت خلاله “اسرائيل” كافة انواع الاسلحة حتى المحرمة دوليا فزرعت حقولنا بآلاف الالغام والقت لعب الاطفال المتفجرة واحرقت منازلنا بقنابل النابلم وقتلت شعبنا بشظايا القذائف المسمارية ونكلت بجثث شهدائنا وعرضت اسرانا ومعتقلينا لشتى انواع التعذيب الجسدي والنفسي.

فحتى لا تسقط حقوقنا بالتقادم وكي لا يتحول المعتدي الى برئ بمرور الزمن وحيث ان هناك قانون دولي فرضت نصوصه ضرورة احترام سيادة الدول واستقلالها.

لذلك يقتضي علينا الرجوع الى القوانين والمعاهدات والاتفاقيات التي ترعى نصوصها حالة الاعتداءات “الاسرائيلية” على لبنان ونسعى لتطبيق احكامها امام القضاء الدولي.

فالبند الاول من المعاهدة التي وقعت عام 1948 تحت اسم "المؤتمر لمنع ومعاقبة جرائم الابادة الجماعية" يوضح بان الدول الموقعة تؤكد ان الابادة الجماعية اذا ما ارتكبت في وقت السلام او الحرب تبقى خاضعة للقانون الدولي وبالتالي فان الدول الموقعة تتعهد بمنعها ومعاقبتها.

والبند الرابع منها ينص على ان الاشخاص الذين يرتكبون الابادة الجماعية او أي عمل من اعمال الابادة الجماعية يجب معاقبتهم اكانوا حكام مسؤولين دستوريا او مسؤولين عامين في الدولة او اشخاص عاديين.

وفي البند التاسع ينص على انه في حال المنازعة على تفسير وتطبيق وتنفيذ هذه الاتفاقية يحل هذا الخلاف بواسطة محكمة العدل الدولية.

اما ميثاق هيئة الامم المتحدة الذي اعتبرت الغاية الاساسية منه كما جاء في مادته الاولى هي حفظ السلم والامن الدولي وذلك عن طريق اتخاذ تدابير مشتركة فعالة لمنع الاسباب التي تهدد الامن وازالتها وقمع اعمال العدوان وغيرها من وجوه الاخلال بالسلم.

فقد نص في مادته الثانية على ان كل عدوان على استقلال الشعوب، واي انتهاك لحقها وسيادتها هو عدوان على القانون الدولي وانتهاك لحقوق الانسان وتهديد للسلم والتعاون الدوليين.

ونص الفصل السابع منه على ان منظمة الامم المتحدة تتدخل فورا لازالة العدوان وحماية حق الشعوب في الاستقلال والسيادة واعترفت اتفاقيات لاهاي الصادرة عام 1899 والمعدلة في عام 1907 بمشروعية وقانونية المقاومة الوطنية ضد العدوان والاحتلال وقد عرفت المادة الثانية منها "الشعب القائم في وجه العدو" بانه مجموعة المواطنين من سكان الاراضي المحتلة المهاجمة من قبل العدو، الذين حملوا السلاح وتقدموا لقتال العدو، سواء كان ذلك بامر من حكومتهم، او بدافع من وطنيتهم وواجبهم، وسواء كان ذلك اثناء تغلب الجيوش النظامية على الغزو وايقافه، او بعد عجزها عن الوقوف بوجه العدو وتهديده بالغزو والاحتلال.

ونصت هذه المادة على ان هؤلاء المواطنين يعتبرون بحكم القوات النظامية بالنسبة للقانون الدولي ويتمتعون بصفة المحاربين وبكل حقوقهم عند الاسر او الجرح.

والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة كثيرة بهذا الشأن نذكر منها على سبيل المثال:

ـ القرار رقم 1514 تاريخ 1960 الذي ينص على ان كل احتلال لاراضي أي شعب من الشعوب هو اخلال بمبادئ ميثاق الامم المتحدة وينص على ادانة كل الحكومات التي تنكر هذا الحق.

ـ القرار رقم 3103 تاريخ 1973 الذي ينص على ان نضال الشعوب في سبيل حقا في تقرير المصير والاستقلال هو نضال شرعي يتفق تماما مع مبادئ القانون الدولي، وان اية محاولة لقمع الكفاح المسلح هي مخالفة لميثاق الامم المتحدة ولاعلان مبادئ القانون الدولي وللاعلان العالمي لحقوق الانسان، وان المحاربين المناضلين الذين يقعون في الاسر يجب ان يعاملوا كأسرى حرب وفق احكام اتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب.

وعليه فان على “اسرائيل” ان تتحمل تبعة خرقها للنصوص والاتفاقيات الدولية المذكورة وعلينا ملاحقتها ومقاضاتها امام محكمة العدل الدولية استنادا الى ما تقدم والى المواد التالية:

ـ المادة 49 من اتفاقية جنيف التي تنص على انه "يحظر النقل القسري الفردي او الجماعي وكذلك ترحيل الافراد من المنطقة المحتلة الى منطقة القوة المحتلة او الى أي بلد اخر بغض النظر عن الدوافع".

ـ والمادة 53 من الاتفاقية ذاتها جاء فيها: "يحظر على القوة المحتلة تدمير الممتلكات الفعلية او الشخصية بشكل فردي او جماعي للافراد او الدولة او لاي سلطات عامة".

ـ وللمواد 4 الى 20 التي وضعتها لائحة لاهاي المتعلقة بالحرب البرية ولاتفاقية جنيف الخاصة بشان معاملة الاسرى حيث نصتا على ان يخضع اسرى الحرب مباشرة لحكومة الدولة التي وقعوا في اسر قواتها ويجب على الدولة التي وقعوا في اسرها ان تعاملهم وفقا لمبادئ الانسانية وان تحميهم ضد اعمال العنف او الامتهان وان تكفل لهم الاحترام اللازم لاشخاصهم ولشرفهم.

ـ وللمادة الخامسة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي نصت على انه لا يعرض أي انسان للتعذيب ولا للعقوبات او المعاملات القاسية او الوحشية او المحطة بالكرامة.

ـ وللمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على انه لا يجوز اخضاع أي فرد للتعذيب او لعقوبة او لمعاملة قاسية او غير انسانية او مهينة.

ـ وللمواد 1،10،11،12،13 و 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تمنع أي عمل ينتج عنه الم او عذاب شديد بهدف الحصول من شخص على معلومات او اعتراف وتوجب ملاحقة ترتكبه امام القضاء.

بما ان المجتمع الدولي يجمع على اعتبار الحرب العدوانية جريمة دولية.

وبما ان قواعد القانون الدولي هي قواعد قانونية لها بين الدول سلطات القانون يقتضي الالتزام بمراعاتها والسير على مقتضاها، بحيث يترتب على الاخلال بها مسؤولية قانونية تعرض الدولة المخلة للمساءلة والمقاضاة امام المحاكم الدولية استنادا الى القاعدة التي تنص على ان كل فعل غير مشروع يتسبب عنه ضرر للغير يوجب التزام فاعله بالتعويض عن هذا الضرر.

وبما ان الممارسات “الاسرائيلية” من احتلال للارض وقتل واسر وتعذيب وابعاد واضطهاد لابناءها تشكل انتهاكا فاضحا للمعاهدات والمواثيق والاعراف الدولية خاصة تلك المتعلقة بحقوق الانسان.

لذلك فان على المجتمع الدولي واجب وضع حد لهذه الافعال الجرمية ومقاضاة ومعاقبة مرتكبيها وتحقيق العدالة والمساواة بين الدول وفقا لاحكام الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي وذلك عبر تطبيق ميثاقها وقراراتها دون تمييز او استثناء ودون ازدواجية في المعايير.